الأحد، 28 فبراير 2021

انتظار مؤبد .

 





مالذي أحمله في يدي؟
في الممر كل النظرات عدوانية، انهم يعرفوني جيدا ولا أعرف أي أحد منهم. عند الاستقبال، تلوح تعابير الغضب في وجهه! أخيرا وجد حوضا فارغا أمامه يصب فيه غضبه. ألتفت لا أحد انما أنا هذا الحوض، التفاتتي تغضبه أكثر.
ما الذي يحملونه؟؟ كلهم يحملون أوراقا مختلفة عني، ولا أحد ينظر اليهم، وحدها النظرات تحدق بي وكأنها تدفعني بعيدا عنهم.
الهواء خانق، وحده الحديث يمكن أن يفتح ثقبا في هذه الأجواء، لكن الأفواه التي أراها ملتصقة بقوة كأنها تحاول كتمان غضب جاثم يكاد تنتفخ منه الوجوه.
الكرسي المعدني فارغ الا منّي، وهو لثلاثة أشخاص يجلسون جوار بعضهم، بارد للغاية. أمنع نفسي من الارتجاف
خلف جدار نصفه زجاجي، مكاتب عدة مليئة بالأوراق ويجلس فيها شخص وحيد لم تتغير منذ ساعات وقع حركاته الروتينية وكأنه آلة وجزء من تجهيزات تلك المكاتب.
شخص يخرج من المكان عبر الممر الذي جئنا منه ولا أحد يلتفت إليه. شعور عميق بالضجر والترقب المزعج. ألتفت الى الممر، فيه حارس مدجج ببزته وتعابيره الرسمية، انتبه الي وكأنه ينهرني من أي تفكير للخروج من هذا المبنى الذي نسيت شكله بالخارج، ولا أذكر إلا أن السماء كانت بلون اسمنتي، والمبنى ملطخ ببقايا اسمنتية سقطت من سقف السماء الاسمنتية مع مواضع حالكة بالسواد.
في الوقت الذي انتبه الى أن حديثا عابرا كان يدور في الجهة التي فيها أشخاص يجلسون بالانتظار، سمعت أحدهم يصب لعناته على مجموعة أشخاص في باله، لا أدري لم شعرت بأنهم يعنون لي شيئا، وآخر يقول "ليتهم يُحرقون"، وآخر بكل برود يتحدث عن العمر وكيف يضيع أغلبه في مثل هذه الانتظارات التي لا تنتهي قائلا "تركت كل أعمالي وأهلي وهذا رابع يوم لي ولا فائدة"، وصوت كان قد ألقي علينا من بعيد، من جهة فيها مجموعة موحدي اللباس والمكاتب، وهم من بيدهم إطلاق سراحنا، بالكاد رأينا وجوههم ولا ندري من أي فم كان قد ألقي منه ذلك الصوت قائلا "فلاااان"، نهض فجأة أحد المنتظرين، كان في حالة إنطفاء كاملة، كان شعورا رهيبا، أن صوتا يحمل اسمه ألقي به من تلك المجموعة بكل برود لكنه كان قادرا على احياء ما خلناه آلة مطفأة لينهض بكل نشاط ملبيا ذلك النداء. كيف سيكون وقع ذلك الصوت بأسمي؟ لايمكنك تخيل من هم هؤلاء الأشخاص وما مدى أهميتهم.
مضت بضع ساعات منذ أن عادت الحياة الى هذا المكان بوقع ذلك الصوت، تفاجأنا بأن الآلة (الشخص الذي لبى النداء) كان مطفأً أمام أحد هؤلاء الموظفين، آلة ملقاة بالكرسي، أمام الموظف الذي أظهر أخيرا أجزاء من بدلته الرسمية بفعل التفاتته الى زميله الذي يحادثه بود.
السقف يهبط والممر يحكم قبضته!
كم سنة وأنا على هذه الحال؟ مررت بكل سنواتي أتذكر. كان الزمان جالسا عندنا، تخيلته أطول قليلا وتخيلته مرة كخط عابر يكاد يكون مستقيما، تخيلته أي شيء يجذب البصر وامتداده بعيدا، لكنه كان جاثما معنا وها أنا أراه وتحيط به عيني، شخص هزيل أكثر مني، شعرت بالشفقة كثيرا عندما تذكرت بأن كل ما فيني جزء منه، كان أهزل من أن يحمل أحلامي "لعنة"  وكان أهزل من أن يخرجني من هذا المكان .. 

الاثنين، 8 فبراير 2021

صانع الآلة .

*



بالبداية كان متلهفا لإنجاز العمل على آلته التي لم يرها أحد. كان قد أمضى سنوات يبني آلته القابعة في قبو البيت من مختلف القطع والبراغي والأفكار. نسي متى بدأت فكرة صنع الآلة، ونسي كذلك تصميمها الأولي. لكنه كان مذهولا من قدرته على إكمال عمله بها واستعادة صورتها الأولى وكأنه بمجرّد لمسها ومسح يده عليها تخبره أين وصل وأين عليه أن يكمل. يعرف يقينا أنها ستعمل ولكن لا يدري كيف ومتى. ما الهدف الأول من صنعها وما الذي تقدر على صنعه؟ لا يذكر بدقّة!  يقف بإعجاب لمظهرها، يدير ظهره يغلق الأنوار والباب منهيا عمله لهذا اليوم.

 

كان يشعر بالرضى كثيرا ويده تشدّ البراغي جيّدا وتختبر ثبات القطع الموصولة بهزّها. يشعر بالارتياح أكثر مع تأكده بأن يده لم تعد قادرة على خلخلة تلك الأجزاء التي باتت مثبتة بإحكام. كأن قلبه من أُحكم إثباته ولم يعد يضطرب بشعوره داخل صدره. كانت تسري في عضلات يده دغدغة تحثّه على شدّ البراغي بكل ما أوتي من قوّة ليحس بثبات الأجزاء أكثر ويشعر بالاحتكاك المريح وهو ويشدّ ويبرم آخر رمق من البراغي التي أكملت الدوران في المجرى بإحكام.


"أكمل غدا" نهض وهو يأخذ كوب الشاي الذي نسي -كعادته- شربه. يشعر بأنّ السكر قد ازداد مع برودته، لكنه يشرب الكوب على آخره بكل رضى. وكالعادة أعطى نظرة فخره واعتزاز بآلته التي باتت أكمل. يغلق الباب خارجا ليكمل يومه كيفما كان فهو قد نال القسط الأوفر من هذا اليوم بإنجازه، وعليه يمكن اعتبار ما تبقى من اليوم وقت فراغ يقضي فيه ما يشاء. 


لكن ودائما مع مضي الوقت وتركه لآلته مدة يبدأ الشك يسري في تفكيره. لم يكن على يقين بما يمكن لهذه الآلة أن تصنعه، لكنه واثق من أنها ستصنع معجزة تسعده. كان يعجبه أن أجزاءها موصولة بإحكام إلى بعضها البعض دون أن يشوّه أي مسمار مطرقة جسدها. كل شيء محكم بسلاسة. كان يعجبه التأمل الى الأجزاء الموصولة بمختلف الأشكال. وكان يرى في بعضها يد تلمّ اليها يد أخرى، هكذا يراها. وبكل ما أوتي من قوة كان يحاول منع الشكوك من دقّ أي مسمار في آلته بقوّة.


كان حريصا على إغلاق الباب لم يكن يحب أبدا أسئلة المتطفلين العقلانيين الذين يسألونه، كيف ستعمل؟ وأين المخطط؟ كيف يفهمهم بأن الآلة ستعمل في يوم موعود ينتظر قدومه. يوم قريب، من الصعب اقناعهم بأنه يبني آلته وخطة العمل في روحه وأن طريقة عملها موجودة لكنها في درج الأيام أو في درج ذاكرته، وكل ما عليه إكمالها لينفتح ذلك الدرج. لم يكن يمنعه من الوصول لليقين بذلك إلا مشاغبة الأسئلة تلك. 

 

مع مرور السنوات بدأ ينقطع عن العمل أحيانا. تمر أيام يفقد شغفه فيها لكنه يعود لاحقا بحماس وثقة متخيلا أنها أوفى ما تدّخره الأيام له ولمستقبله. 

 

 كان شكل الآلة عجيبا، أعين المتطفلين من أقربائه طالتها. بدؤوا يسألونه أكثر لكنه يجيب إجابات متهرّبة. "إنها أقرب الى العمل الفني منه إلى آلة ميكانيكية" مع أنها أعطت أشواطا من النجاح في مراحل التشغيل الأولي " ليتهم يرونها وهي تتحرك وكيف تسري الحركة بين دوائرها بانسياب ودقة" قالها وهو يشعر برعشة فرح في قلبه. 


"منذ متى وأنت تعمل عليها؟ ومتى اكتملت إلى هذا الحد؟" يسأل أحد أقرب أقربائه وهو يرى الآلة أول مرة، يجيب "منذ سنوات عملت عليها وفي بالي خطّة أشعر باكتمالها لكن لا أستطيع الإفصاح عنها"، "جميل، عملك يبدو متقنا لم أتخيل أن غيابك في هذه الغرفة سينجم عنه شيئا بهذا الإتقان" هذا أقصى ما ستطاع قريبه قوله.

 

  أكمل حياته، وكل ما يمر على أقرانه من قرارات ومجالات مرت عليه. لم يكن يختلف عنهم خارج الغرفة. كان في نظرهم انسانا عاديّا. لكنه لم يشعر بالرضى على الإطلاق كانت الأيام تكدّس -خارج الغرفة- أثقالها على صدره. لم يعد يحتمل، بدأت أعراض مضايقته تزداد، روحه بدأت تنفلت من هدوئها، وحدها الآلة كانت القادرة على امتصاص ما يحدث من همّ بالخارج . 


كان يضع آماله عليها، ومع السنوات كبرت آماله بها أكثر.

"حتما ستعمل، حتما ستعمل" 

لم يعد يطيق انسلال أي شكّ بها، كانت أمله الوحيد والتشكيك فيها يعني القضاء عليه، لم يعد يملك إلا أن يؤمن بها.


اكتملت الآلة، الجسد، العمل الفني، الكتلة، ولم تصنع شيئا "وماذا بعد؟" شعر بتوتر. الإلهام الذي كان ينساب قد جفّ وبدأت الشكوك تجفّف خياله أكثر. لم يعد يفهم ولم يعد يتذكر كيف ابتدأت أحلامه، الآلة باتت باهتة ووجهه أصبح باهتا. 

 

بدأت التعليقات تنساب على آلته. جن جنونه -من الداخل لا أكثر-. كأنهم يضعون الديناميت فيه ويطوقون بها روحه التي بدأت تشعر بأنها مكبلة أكثر.

 

بدأت مشاعر الكره 

" آلتي كانت خطأ" قالها لنفسه كثيرا ولم يسمعها أحدا من حوله. "بماذا تصلح؟" لم يدركوا مدى فداحة ما اقترفوه. لم تكن آلة عادية كانت شيئا غرس فيها روحه وخياله وأحلامه أكثر، عمل يقدسه وكرس فيه أمله ملطخا بالتعليقات الساخرة. لم تكن الكلمات ثقيلة لكن لا أحد شعر ببركانه. 

وبقطعة حديدية وحادة دخل على آلته أو كومة الأجزاء لينهي كلّ شيء.



 

   *van gogh