‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات ورسائل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات ورسائل. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 18 أغسطس 2025

-40-

أتذكّر لما كان لعب الكرة في الاستراحة أقصى طموحي في كل ويكيند يمرّ علي. حياتي كانت اعتيادية، هادئة، وحده الويكيند الكروي يمثّل ذروة لهرمونات سعادتي النائمة. حقيبة عمري كانت مليئة مليئة بأحلامي كنت أنتظر فقط لحظة السفر الى المستقبل لكن كاونتر قصّ بطاقة الصعود رفضوا حقيبتي الكبيرة والمليئة وافرغوا ما فيها! فسافرت بحقيبة كبيييرة وخالية. 

"معليه" 

المهم، كنّا فريقين وكنت من أصغر 3 لاعبين، عادة يرمونا بالهجوم كعناصر زائدة. أتذكر كيف كنت أراجع نفسي ومستواي بعد كل مباراة بغبنة وقهر وأحسب كم هدف اهدرت. كنت اصغر من اني استوعب ان هذا المركز معدّ للواثقين من أنفسهم أكثر من مهاراتهم، ثواني الفزع بعد استلام الكرة -كنت سيء فيها- مربكة وكانت طويلة. لحظتها نطاق رؤيتك تشبه "الداش كام"؛  مركّزة وضيّقة، يمكن لأي أحد ان يباغتك من الجانب. خيبة الآخرين كانت تضايقني وتضغطني، أكرر بصيغة أخرى مركز الهجوم معد للي واثق من نفسه ولا يبالي بشأن الآخرين، بهذي الأدوات ممكن يكون مهيّأ نفسيّا ليسدد بدقة، وهي نقطة ضعفي. 

سنة أو أكثر وأنا على هذا الإحباط الى أن غيرت مركزي وتغيرت حياتي! لا أبالغ ان قلت ان حياتي  تغيرت بعد ذلك. كل شيء تغير، نظرة أقاربي اللاعبين وغيرهم وحديثهم بعد المباراة، كأني شخص آخر، لك أن تتخيّل كيف تتغيّر حياة لاعب عالمي بتغيير مركزه! 

"معليه" 

المهم، تركت الهجوم المحبوب من الجميع، لأن الأضواء مسلطة عليهم وعدت للخلف، ليس تماما الى مركز المحور (خلف الدائرة بالملاعب الأصليّة)، بعيدا عن الأضواء فوجدت نفسي. "لكَ الله! ما كان أحد يقدر يمرّ من عندي غالبا لو كان ايش" كنت هزيل الجسم ومع لكن بساقين قويتين وتتحملان الضربات وكنت مرنا وقادرا على أن أكون ظلا لصيقا ومزعجا (صفة أكرهها بحياة الواقع، معليه المهم) كان قطع الكرات تحدّيا أجيده، وقراءة أفكار اللاعبين ونوايا تحركاتهم، الإلتحام بقوة بعيدا عن عنف الأقدام والسيقان بطريقة بربرية. كان كمّ التحدّي الذي أواجهه بعيدا عن الأضواء وتركيز الأصوات المنادية "شوووت، ناول، إلخ" يطلق عناني. وجدت نفسي بهذا المكان وأحببت الانطلاقة للمقدمة واحراز بعض الأهداف التي كانت أسهل بالواقع من الخلف؛ لأنك تقرأ القصة من بدايتها بخلاف وأنت بالمقدمة تأتيك الكرة بلا سياق تفهمه، لهذا التفكير يضيعك. 

متى لعبت آخر مرة؟

مضى زمن طويل. لكني لازلت أتدرب، كيف؟ لازلت أتخيل المواقف و ما الذي علي فعله بالملعب! ومن واقع تجربة أؤكد لكم، بأنّه تدريب ناجح.

سنوات على تلك الأيام، سنوات كانت الدقائق داخل الملعب تنسيني أمر حقيبتي الفارغة.  

السبت، 26 يوليو 2025

تدوينة منتصف الليل


Midnight Diner: Tokyo Stories


للأمانة لا أعرف وقت منتصف الليل! أهي التاسعة أم الثانية عشرة. يعجبني المسلسل الياباني "مطعم منتصف الليل" وفكرته، مطعم بتصميم حميميّ وبسيط، له روّاد اعتياديون يعرفون بعضهم، ولا يفتح إلا في منتصف الليل. في كلّ حلقة طبق بحكايته العاطفيّة والتي تخصّ شخصا ما، غالبا ضيف جديد في المطعم. 




هذا الجانب العاطفي مع الأكل، نتناوله كثيرا بأعمال الانمي اليابانيّة. جبنة هايدي التي يصنعها جدها وخبز جدتها الأبيض، وشومن كابامار وحلوى الملبّس وكلها تذكره بأخيه هيات. وفي احدى حلقات "أبطال الروضة الخضراء" تعافى شقيق الملك بعد أن تناول طماطم تذكره بأمه. ولا ننسى شاي أم أمان في "وادي الأمان".  للطعم أثر عميق، نراه جليّا في أحسن صورة في فيلم "طعم الكرز" (1997) للمخرج الايراني عباس كيارستمي، وما أحسن توظيف الطعم في مشهد القنّاص وقطع السكّر في انمي "الوحش" لناووكي اوراساوا. لهذا لا عجب إن ارتبط الطعم عاطفيّا بأعماقنا، خصوصا إن كان طعما للذكريات. كم طعما يذكرك بطفولتك أو بلحظاتك التي تحبّ؟ 


أتذكّر أول مطعم شركات أيام الطفولة، كان التكييف البارد مميّز وغير مألوف. الأجهزة والكاشير والمنيو والكتابات الانجليزية والطاولات جاية من المستقبل. الأكل مثل اللي أشوفه بأفلام الكرتون. الطعم والنكهات قويّة، حادة، صارخة، لساني كان خام وما تعوّد على هذي النكهات. وبمكان آخر أتذكّر آيسكريم التوفي، أول واحد أذوقه، صدمة لذيذة؛ فيها توفي ومكسرات؟! أول مره أحبّ شعور تكسّرها مع طعم التوفي البااارد والمتجمد من برد الآيسكريم. يمكن للطعم أن يكسب مذاقه من المعنى! كيف؟ بعض الأطعمة و المشروبات وبنفس المقادير، طعمها مختلف إن كانت من يدك أو من يد شخص آخر، لهذا نحبّ طعم بعض الأشياء من يدنا أومن يد غيرنا. قائمة طويلة في البال، منيو الذكريات يمكن تكون في صفحة أو ثلاث صفحات. 

الاثنين، 14 يوليو 2025

-39- لقطات

 كم لي من كتبت آخر مرة، مدة طويلة؟؟  الواقع أن الحاجة للكتابة جعلتني أشعر بذلك لم تكن بتلك المدّة. تذكرت نظرية تقول بأنك ستتخيل تلقائيّا أي شيء يوصف لك عندما تسمع الوصف "حصان ذهبي" هل تخيّلت حصانا ذهبيّا في ذهنك الآن أصدقني القول؟ لا يهم. بعض الصور من استديو مخي تقفز في ذهني تلقائيّا، لا لأني سمعت أحدا يذكرها أو يصفها، بل غالبا تأتي عشوائيّا أو أثناء شعور غامض يشبهها، كأن الشعور يستدعيها كما يستدعي النطق بالشيء تخيّله بالأذهان -كما تقول النظرية ان صدقت-. ما هي تلك الصور؟ كثيرة كثيرة للغاية، لكن بعضها يتكرر أكثر من غيرها، كأن عليها Like أو أنها محفوظة باستديو خاص. صور ولحظات، غالبا أحببتها، أحببت كاميرا تركيزي لحظة التقاطها وإطار الظروف والخلفية التي تقف خلفها وخلفي وإن كانت "مركى أو جدار". تماما كما أن لي قاموس للأسماء، لي قاموس للقطات والمشاهد، هل اكتب تدوينة مستقلة عنها مثل الأسماء؟ .. قبل ذلك ماهي تلك اللحظات وبشكل سريع "بروح اجيبها" قبل هروبها من ذهني:

وقفة كروجر في "هجوم العمالقة"، الى الأبد ذلك المشهد والاستدراك لامس فيني ما لا يُلمس. جلسة .. (نسيت اسم الفتى)  وهو يقرأ في حديقة مرتفعة قرب درج عالي يطلّ على المدينة كاملة، كان يرتدي زي مدرسة رسمي، وكان رامي وأمين في "الهدّاف" يتمرنون، وصلت الكرة اليه، قطع قراءته وسدّد الكرة بكلّ قوّتة ونزع سترته ليعب معهم. قبضة هاني الغاضبة من نفس المسلسل أثناء تحمله خشونة فريق البرق. أيضا من نفس المسلسل رامي وهو يخرج لالتقاط الكرة المتسخة في يوم ممطر، هشام يمشي ناكسا رأسه، بكاء رامي الأخير. من فيلم Connection اللقطة البطيئة بالخلفية الموسيقية. ومن كرة القدم الكثير، رونالدينهو يحمل ميسي، أشعر بالرضى لتركيبي المقطع، مقطع فرينكي دي يونغ مع أغنية أحبها، اكزافي وبتصوير بطيء بطيييء جدّا يسدد وتعابير وجهه تراقب لحظة دخول الهدف، كانت بخلفية موسيقية أحبها، احتفالية هادئة لديكو. هانزو وهو يقول "ثلاثة أيام" من مسلسل "ساسوكي". وقفة إد هارس في فيلم "العدو على الأبواب". عودة  "لهجوم العمالقة" وأول قبضة متصلبة بالعمل، ومشهد الابرة، نعم الابرة وتداخلها مع قذيفة المدفع، صحيان ايرين وصوت الاجراس. ومن فيلم Godfather سيجارة صاحب محل الحلويات ويده ترتجف بشهيقه العميييق، خروج من المطعم والقاء المسدس بيد ترتجف، مشهد اغلاق الباب (الفضل لمقطع يوتيوب جمع مشاهد بخلفية موسيقية جميلة). كدت انسى "سانشيرو" جوماروا المنهك بعد قتاله لبيغ بورن، "الوداع سنيور الوداع" "الوداع سنيوريتا" كان حوار لمشهد وداع. النمر المقنع، تامر، وجه تامر على جنب يفكّر وخصوصا مع بييب وكلامه، وحديثه لعزام "كنت احاول مساعدة شخص". وجه كريسبو وانزاغي يحتفلون. الانقاذيّة الاسطورة لمدافع فريق هشام في "الهدّاف". "جزيرة الكنز" كل اللقطات الجنائزيّة، وجه جيم يفكّر بالوان العصفة الرعدية في غرفته.  


الكثير الكثييير لكن هذه أكثرها. عشوائيّة؟! ظهورها في الذهن هو الأكثر عشوائيّة. هل هي تواقيع؟ أو شيء يمكن قراءة طالعه أو تحليله؟ لا أدري لكن عناء تفسير كلّ شيء "مبهذل للغاية" وكل ما أستطيع قوله أنها كانت  " فوضاهم العالقة بي" *. بعيدا عن خرافة الحياة الأخرى وتناسخ الأرواح أحيانا أشعر بأني حياة شخص آخر يحاول فهمي وكل ما أستطيع قوله ما لذي تريد أن تفهمه بالضبط؟ هل أنا في المختبر، يشبه مختبر مدرستي المتوسطة؟ لا أدري و (لا أدري لو كانت لقطة لكانت فوق). 

فتّكم بعافية

أو 


سي يا 


------

*في ذكرى موضوع يحمل نفس العنوان        

الجمعة، 30 مايو 2025

-38-

 هل علي أن أستسلم؟

لم تعد أحلامي واقعيّة؛ استمرت كتلة تثقل ذهني وتفكيري ولم تخرج بين يدي. وصلت الى مرحلة فاتني فيها الكثير. أشعر بالتعب، بالخلا، بالإحباط، وبالهزيمة فوق كل شيء. أحسّ بانّ الزمن يشدّني بقوّة من يدي وينتزعني من عالم نسجته بأحلامي، كنت أقف بقدم هنا وهناك، لكن انتهى الوقت. شعور محبط، حتما أشدّ مرارة من اعلان مشغّل ألعاب الملاهي بانتهاء وقت اللعبة، او اعلان الشاشة الالكترونية بانتهاء وقت لعبك (GAME OVER). 

ما لذي بقي لأفعله؟   بقيت "الحلقة الأخيرة" أن أستلسم وينتهي كلّ شيء، او أن أسير بجمود في الفراغ، كما تفعل الألعاب الالكترونية بعد خسارتها بالاستمرار بحركة تكرارية بلا هدف وستظل الى الأبد الى أن يعاد اطفاؤها! كيف تفضّل نهايتك؟ استسلام معلن أم سير وإكمال بلا فائدة؟


لطالما كان الاستسلام شاعريّ وباسلا بكل جدراة! لم أنسى المعلومة التي لا أذكر من أين أتت، تقول المعلومة: بأن المحارب في عهد الرومان عندما يشعر بالهزيمة ويرغب في انهاء كل ذلك الصراع بعد طفق من صرخات جماهير "الكوليسيوم"، يجثو على احدى ركبتيه وينزل رأسه ويرفع يده اليسرا معلنا استسلامه، عندها يأتي الخصم لينهي كلّ شيء سريعا ويموت. "أديت ما عليك"، ربما كان أسيرا، فلاحا أو شخصا لا يرغب بالقتال، تمنّيت لو أربت على كتف كلّ المستسلمين في ذلك الزمان. منذها وجدت في الاستسلام لحظة شاعريّة ورثاء يستحق التأمل. " I am tiered boss" بهذه العبارة طلب كورفي من الشرطي إدجيكامب السماح له بالاستسلام بسلام، في فيلم، The Green Mile (1999) . بل من منّا لا يعرف رثائية مالك بن الريب لنفسه؟ وهل تعرف رثائية الصمة القشيري؟ لحظات الاستسلام الأخيرة مهيبة. وبخلاف ما تبدو، لطالما وجدت فيها الكثير من الشجاعة، هكذا ظهرت في ذاكرتي الطفولية -ولا أدري إن كان ذلك هو السبب- إصرار بلاكي على الاصطدام بدوق فليد لينقذ سيده قاندال، وبعدها بحلقات طوال، محاولة جاندال نفسه للاصطدام بدوق فليد لينقض فيجا الكبير، في مسلسل الأنمي الشهير "جرندايزر"، استسلام ينمّ عن تضحيات، تشبه المحاولات اليائسة للجنود اليابانيين في الحرب العالمية الثانية (الكاميكازي مثال)، لعلّ تلك الروح شعر بها مؤلفي  الانمي دون وعي منهم. تلك الروح تتلبّس صنّاع الأعمال كثيرا، في بداية رواية "لعبة العروش" لجورج مارتن، بيأس اندفع السير وايمار رويس صارخا في وجه قاتليه "لأجل روبرت" ومات في غابة يلفّها البرد والثلج أمام قاتلين مجهولين، دون أن يعرف عنه أحد بما فيهم روبرت نفسه، لحظات استسلام لا تُسمع صيحاتها الأخيرة، من سمع وايمار وهو يصرخ  سوى المؤلف؟ و روبو، الملقّب بالذئب البشري، في أنمي "مخلص صديق الحيوان" من سمع عبارته بعد أن  استسلم  للصياد الذي أوقعه بالفخاخ ووضع جذعا على فمه وقيده! من سمعه يقول :" لقد هزمتني فافعل بي ما تشاء" باستثناء المؤلف؟. كانت لتكون نهاية عادية لو لم يخبرنا المؤلف.  في مشهد وثائقيّ شاهدته، لا يمكن نسيان النظرات الوادعة لقرد صغير يطوّق فكّه نمر يحمله وعلى وشك أن يأكله! كان القرد ينتظر مصيره بسلام واستسلام. لعلّ لحظات السلام تلك، اللذة الأخيرة التي يذوقها المستسلمون، بعد كل تلك لمعارك، آن لكل ذلك أن يستريح. وللمهزومين والمستسلمين بطولاتهم التي تستحقّ الاحتفاء. كم واحدا رحل دون أن يُذكر وكانت في جعبته أحلام تفوق عالمه، ما هو شعوره يوم يجد أن كل ذلك ينتهي، ويزول، كأن لم يحلم، كأن تلك الأحلام ليست له، ليست من عالمه، مثل الكلمات الأخيرة، لروي باتي، الانسان الآلي في فيلم Blade Runner (1982) " كل تلك اللحظات ستضيع في الزمن، مثل دموع في المطر"، لا أحد سينصت لدمعة وسط كلّ هذا الزخم.


 شعور مرير، أن تذبل قبل أن تزهر أحلامك.


وبعد كل ذلك، هل من خيار غير الاستسلام؟ هل ألقي ما في يدي وأسير بلا هوادة الى النهاية أم استسلم وأقرّ بنهاية كلّ الأحلام؟ على أن عبارة "قاتل حتى النهاية"، أكثر شيء سمعته في ذاكرتي، في مشاهداتي للأعمال الطفوليّة منها بالذات، بدت وكأنّها عبارات تشجيعيّة، تنطلي على أطفال بعمري حينها وآمنت باكرا، باكرا أكثر من اللازم بأنها خديعة مع الأسف، لكنها عادت ومن باب أنمي ، كان السبب في اعادتي لمشاهدة الأنمي بعد سنوااات الانقطاع، "هجوم العمالقة" وصوت ايرين الذي جاء إليه من الأعماق يقول "قاتل .. قاتل .." أحببتها بصوتها الياباني "تاتا كاهيه .. تاتا كاهيه..". بمثل تلك المشاهد والعبارات أعاد "هجوم العمالقة" حماسي للأعمال التي أحببتها، وإن لم تحقّق شيئا، دع روحك لاحقا تشدّ على كتفك وهي تقول "فعلت ما في وسعك".


عبثا لا أدري ما لذي أحاول قوله وترتيبه في كلماتي العبثيّة تلك، الأمر ببساطة، أني شعرت بأني أقف في لحظة جرّدت فيها من كلّ أمل في أحلامي وأفكّر في الاستسلام والتخلي عنها بطريقة تليق بما كنت أحاول فعله أو أن امضي بسير لعبة عليها عبارة GAME OVER   

بين الاستسلام، والمضيّ قدما، كلها لحظات شاعريّة تمرّ في حياة الانسان. يحاصر المرء تفكيره "ما من جدوى" إلا أن ايمانا داخليا يشعرك بأن شيئا ما يستحقّ أن تسلّ  جهدك وتندفع صارخا في وجه حياتك على غرار السير وايمار قائلا " لأجلك يا .. " وإن لم يسمعك أحد، أو مؤلف أنت في حكايته، على الأقل يقينا ربّك يسمعك كلماتك تلك.    




 

الجمعة، 23 مايو 2025

-37-

 وجهي مفكّك، هكذا أشعر فعليّا. لم تعدّ أعضاؤه مشدودة وأصوات الصرير مزعجة. هل ركل أحدهم  وجهي؟ أذكر أني قلت لو رأيت نفسي في عمر معيّن لركلت وجهي! لازلت ناقما على نفسي ولو أن الوتيرة خفّت قليلا، يا لتهوري! بعد العناء الذي أعيشه أدركت حماقتي. كيف اعتبرت الملاكمة يوما رياضة مفضلّة؟ أحببت فيها "فارس الفتى الشجاع" وشخصية كارلوس ريفيرا في "جو  البطل". استهنت كثيرا بالعناء الذي يمكن أن يسببه تحطيم وجهي. حتّى التكنيك الذي تخيّلت أتقانه ينمّ عن تهوّر، كنت سأدخل الحلبة وأمتصّ حماس الخصم بالسماح له بتوجيه لكماته المتسرعة نحوي من حين الى آخر، الى حين يملؤ الغيض قلبي وأشعر برغبة عارمة بالانتقام، المشكلة أني لا أغضب سريعا وقد لا أغضب إلى حين تحطيم وجهي، وماكنت متأكدا منه أني كنت سأنهي الخصم بلكمة واحدة، تماما كما فعل كارلوس ريفيرا في احدى النزالات، عندما وعد بالفوز من الجولة الأولى، ترك كارلوس النزال لخصمه وبعد اندفاع الخصم والقاء نفسه بحماسه تفاداه كارلوس بنزول مفاجئ ليجد الخصم نفسه مكشوفا، ويحدّق في عينيّ كارلوس بالأسفل والرعب يملؤ قلبه وهو يشاهد قبضة كارلوس تدفع بسرعة على فكّه! النصر وحده يكفي لتضميد جراحي وعلاج كدماتي، وهتافات الجمهور كافية لإنعاش قلبي وإعادة تنفسي. كل ذلك بالحلبة وبعدها يعود الملاكم الى غرفته وتبدأ العظام والعضلات والمفاصل المفككة في وجهه بالصراخ في وجه وتأنيبه. صراخ لا يسمعه أحد غيره. 


لا أدري لكن، أحدهم ركل وجهي ووجه لكماته نحوي، ولازلت واقفا أملؤ غيضيّ وأشدّ قبضتي لكن لا خصم أمامي .. ولا جمهور ينتظر ضربتي .. لا أحد  إلا أنا. أتلقّى الضربات وصرخات عظامي ومفاصلي وحيدا في غرفة تملؤها الفوضى وملابس الأيام الفائتة ونافذة تتثاءب ستارتها على كسل. وعلى طاولتها بضعة أدوية مرميّة بإهمال لعلاج الكدمات.   

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2024

الخبر

 ذكريات بلا سياق: 

مغل، البانوش، الكورنيش، مقهى الديوانيّة، الراشد، مجمع الظهران، جوفريز، السويكت، امبراطور الفلافل، ماك الواجهة، د.كيف الواجهة، مواقف الواجهة بالبرد، مقهى الفوازيّة، شبعة، السكن، مشينا، تفاحتين، أبعاد، وين انتي قبل اللي مضى، تشيليز، لابوشوريه، غلاف شريط ماريّا كاري، الراكة، فهود، مشعل، عثمان، ألوان، سرى الهاجس، أسماء مستعارة، الوزان، برشلونة، غدّارة .. غدّارة، ميسي والآخرين، بيب، سقراط، أغنية فيلم المحارب، برد بعد مطر، وليل متأخر وبارد، ظهرية شمس ورطوبة، الخضري. 

الأحد، 18 أغسطس 2024

-٣٦-

 -36-

في هذا اليوم الضيّق، أتذكّر جلسة فتون علف، من مسلسل "الحيّالة"، على السطح. أحتاج أجلس معها (ومانع توّه طالع للسوق وبيتأخّر)، نسمع يوتيوبات بعض، كلن على لابتوبه. ونذبّ على همومنا بأقسى التعابير الكوميديّة . تماما، مثل جلسات المقاهي الشعبيّة، للأسف، الشيشة دمار للصحّة، ومغامرة خطيرة، إذا استمريت بتعاطيها لأكثر من عشرة سنوات من عمرك. نطعة الطعم في جوف الرأس، ولذعة تشبه انتعاش النعناع، مع أوّل نفس، تكون النكهة قويّة (أحيانا تسبّب ارتعاشة رضى بالجسم)، ثواني بدايات الجلسة، هي الأجمل. لا أدري كيف، أتحسّر على ساعات طويلة جدّا، أهدرتها في المقاهي وحيدا أو برفقة بسيطة، رغم حنيني لما يربطها من مشاهدات ومواقف وأشياء. لكنها رمتني داخل قوقعة، كلّ ما أخرج منها أعاني، بسبب مزاجي الذي أصبح كائنا رخويّا. نعود لفتون، أو في وقت لاحق أعود بمزاج أفضل؛ هناك الكثير مما يستحق هبده بالموضوع. كنت أفكّر أكتب عن ثلاثة أشياء، بتدوينات منفصلة:

1. ذاكرتي مع الطعم والمطاعم.

2. ذاكرتي مع الأمكنة، وصنع قاموس للأماكن في الذاكرة.

3. ذاكرتي مع الأغاني والأصوات. 

بحاول أكتبها بمزاج آخر.

 

ملاحظة: الخطّ أخيرا عرفت كيف أغيّره 

     

الثلاثاء، 13 يونيو 2023

-٣٤-

 


ليتك تعرف مالذي تعنيه هذه الصورة بالنسبة لي؟ لن أكذب لو قلت بأنها واحدة من أهم  عشر أو خمس صور رئيتها في حياتي -موضوع صور أثّرت بحياتك يبدو شيّقا؛ له وقفة لاحقة- بعيدا عن الرومنسيّات واجترار الحديث عن الذكريات. هذه أوّل صورة رأيت بها زيّ برشلونة، في صغري بمجلة قديمة ومهملة قلبت الصفحات -لا أذكر أكنت حينها أعرف القراءة أم لا- لكن "يلعن" كم يبدو اللون الأحمر والأزرق فاتنا بشكل لا يصّدق! أحببته وحينها لا أذكر من سألت وقال لي: هذا هاجي والآخر ستويشكوف لاعبي برشلونة ومن بعدها وأنا برشلوني الى الأبد. 

 

منذ فترة كنت وددت الحديث عن كرة القدم كثيرا. بعيدا عن محبيها الصاخبين والمحللين الذين يتحدثون بلغة الأرقام الكسولة وهم يقولون هذا أفضل وهذا أعظم من هذا، عليك أن تعرف أن كلّ الأرقام عليها أن تخرس أمام مدرب نوتنغهام فورست الراحل براين كلوف الذي حقّق مع نادي صاعد من الدرجة الثانية دوري الأبطال مرتين متتاليتين وقبلها الدوري مع فريق صعد به. لكي لا أشعرك بالملل؛  قد لا تبدو محبّا لكرة القدم وأعدك أني سأتحدث عن ما سيحبه كل انسان في عالم كرة القدم، قصص الوفاء، الحزن والفرح وبعض اللقطات الغريبة. سأجرب أن أقول ما أرغب بالحديث عنه من أحداث دون سردها. لحظات غريبة مثل معانقة كاسانو للحكم الرهيب كولينا  وعن اللاعب الذي أصرّ بعناد على ارتداء الرقم "١٣" في فرقه متحديا المعتقد الذي يقول بأنه رقم مشؤوم ومع ذلك لا أذكر وجها حزينا مثل وجهه -قد يهمك أن تعرف اسمه- عن الفرق ذات اللعب الجميل والتي ياللحسرة لم تتجوّج لهذا قلّة من يتذكّرا روما سباليتي مثلا وغيره وأجمل فريق مرّ بالتاريخ برشلونة من قدوم رونالدينهو وصولا الى بيب حتّى رحيل ميسي، لن نحسد الأجيال السابقة على مارادونا. ماكنت أشعر به وأنا أتابع مباريات السيريا أ مثلا بين سيينا وأتلانتا وأسماء أشكّ بأنّ أحدا سيتذكّرها. 

أطلت الحديث؟ هذه ليست الطريقة الجيدة للحديث عن كرة القدم، هل يمكن أن يُكتب شيئا عنها أجمل مما ترويه المقاطع؟  يمكنك أن تقرأ تصريحات بيب غوارديولا وهو الأكثر واقعيّة وتصريحات زالاطان -الاسم الذي أطلقه على زلاتان ابراهيموفيتش- الأكثر جنونا من الجميع. أتذكّر منتدى اسمه "الهدف الرياضي" كان يجمع عشّاق الكالتشيو (الدوري الايطالي) وهم أجمل من يتحدّث عن كرة القدم. كانت المواضيع هناك بجمال المواضيع التي تتحدث عن الشعر والتي كنت أقرؤ الكثير منها ذلك الوقت. أؤكد أني قرأت ما يمكن منه اخراج أمتع وأجمل الكتب حتّى لمن لم يشاهد مباراة كاملة في حياته.

 

أعود الى الصورة أول مرة رأيتها كنت صغيرا وكنت ألحّ بحثا عن زيّ برشلونة بألوانه التي فتنتني، للأسف لم يكن هنالك أيّ لبس بهذه الألوان، وماوجد كانت درجات الأزرق والأحمر تعيسة.   


+

اضافة متأخرة، أحب النطق الحماسي لرؤوف خليف في مباراة بروسيا دورتموند وريال مدريد لاسم اللاعب ونجم بروسيا رومان ليفاندوفسكي، كان رؤوف ينطقه "ليفاندوسكي" ليتناغم مع رتم الحماس لتعليق رؤوف. كانت ليلة مميزة وسوبرهاتريك تاريخي لليفا. بروسيا دورتموند لعله أكثر أندية اوروبا حضورا بالجماهير، ظلت جماهيره تسجّل أرقاما قياسيّة بالحضور ومؤازرة الفريق. دورتموندالمدينة تقع بالاقليم الصناعي "الرور" أكثر اقليم الماني تعرّض للقصف والتدمير في الحرب العالميّة الثانية. تذكّر مقلب تلفزيونيّ عرضوا فيه على مشجعين اندية المانية تشجيع النادي الخصم، لا أنسى مشجّع دورتموند العجوز، أصلع بملامح حادّة وصارمة لكن ذلك كلّه لان بحزن وهو يقول أبدا لا يستطيع ولا يمكن هو شيء ليس كما يتصوّرون طلبه. رغم المبلغ الكبير الذي عُرض عليه وهو ولاشكّ مبلغ كبير جدّا ليمنح لشخص بنهاية عمره كم كانت حياته ستتغير فقط لو وافق على تغيير ميوله الكرويّ لكنّه أصرّ على الرفض وبدت ملامح الحزن على وجهه، كأنه يسأل نفسه مالضير من تغيير ميوله؟ بدا وكأن مجرّد السؤال انتهاك لحرمة عزيزة على قلبه. لكنه بالنهاية رفض، نعم رفض كلّ ذلك من أجل ناديه الحبيب.

مذهلة كرة القدم الى أيّ حدّ يمكن لها أن تكون شيئا ما وأي ما في داخلنا.

الأربعاء، 7 يونيو 2023

-٣٣-

 عن الانمي والذكريات أتحدث، كنت أفكر بالحديث عن كرة القدم والدوري الأوروبي. ربّما بمزاج آخر. 


هل استمتعت بالانمي بطفولتك؟ هل يمكن للانمي بعد الكبر أن تترك أثرها الناعم بذاكرتك كما تفعل بطفولتك؟ بالنسبة لي عالم الكرتون -أسمي الانمي بعد الدبلجة وماشاهدته بمرحلة الطفولة عملا كرتونيّا- ترك أكثر من ماريّة مميزة بذاكرتي، لا أنساها وأحب العودة اليها لأني بذلك لا أعيد المشهد بل أعيد المشهد وأنا أقف خلف ذلك الكائن الذي كنته طفلا. كيف ولماذا شعر بذلك؟ 


عن الاطالة ..

سأمرّ بأعمق ما أتذكره من مشاهد آتذكرها لحظة كتابتي هذه:

مشهد رامي في المسلسل الكرتوني "الهدّاف" وهو طفل منوّم بالمستشفى اثر حادث أدّى الى كسر ساقه، استيقظ ليلا، الغرفة مظلمة والجوّ راعد وماطر وبالنافذة رأى كرة ملقاة ومتّسخة تحت المطر. حمل رامي نفسه بعكّازه ومشى بصعوبة خارجا ليلتقط الكرة، تعثّر وسقط وابتلّ وتلطّخت ملابسه بانهاية ينتهي المشهد ورامي يمسح الكرة وعليه ابتسامة داخل غرفة المستشفى. المشهد خالي من أيّ كائن حيّ، وحده رامي والكرة والغرفة مظلمة ولامكان للنور. المشهد مليء باللون الأزرق القاتم. لم أفهم سبب المشهد ولا لماذا رامي حكى هذه القصة لحنين اخت علاء. لكنه كان كئيبا بدرجة ناعمة، كآبة لا تستدعي أن تطردها من ذهنك، تلامس حدّا رهيفا من القبول دون اختراقه.


من "الزهرة الجميلة سوسن" عمل فيه غرابة وحدّة ناعمة. احدى الشخصيات الشريرة مرعبة رغم أنها كوميديّة الاطار ومضحكة ويتمّ التنمّر عليها كثيرا لكن ملامحها كانت تمثّل لي كابوسا منفرا ولا أدري كيف! باحدى المشاهد كان هذا الشرير -نسيت اسمه- في الشارع يطارد سوسن لكنها وبوسط زحام المارة -هكذا اذكر- خرج ذيله الغليض؛ الشرير عبارة عن راكون بشريّ سمين ولونه قاتم وعند خروج ذيله وانتباه المارة اليه نفروا منه وبدؤوا بمطاردته لإيذاءه. شكله كان مؤذيا بالنسبة لي وكم كان المشهد مبهجا وغريبا في نظري. على فكرة أغنية المسلسل الكرتوني جميلة وصوت المغنّي عذب.

 

"مخلص صديق الحيوان" مشاهد كثيرة وغالبا ملامح لحيوانات حزينة. القفزة الانتحاريّة للحصان الأسود وروبو زعيم الذئاب ومشهد نهايته وأكثر حسرة مخلص على موته وندمه وكلماته ".. مهما كان السبب فقد قتلت حيوانا وأنا حزين" ولا أنسى الأغنية الحزينة بنفس الحلقة في مشهد فيدباك روبو.


من "الكابتن ماجد" عمل لا أحبه لكن مشهد الغروب والجرف الصخري واجتماع أعضاء الفريقين لمواساة وليد كان مؤثرا. حتّى موسيقى نهاية المشهد كانت مبهجة. حدث ذلك بعد الهدف الذي أحرزه بسام على وليد لأول مرة، في مباراة تدريبية اقتحمها بسّام بمشهد دراماتيكي. 


لا أدري لم كنت أحب الاعمال الكرتونيّة التي تصوّر الأصحاب والرفاق، المقاتلين وأعضاء الفريق كنت ألمس ذلك الخيط الحميميّ الذي يطوّقهم وكم كان مشهد اختفاء أحدهم موجعا بالنسبة لي. أعمال كثيرة ومنها "سنجوب" عندما غادرت السناجب الغابة التي دمرها البشر لمشروع صناعيّ يهدف الى قطع الأشجار، هاجروا بحثا عن غابة بديلة. مشاه كثيرا من هذا القبيل مكوّمة في حجرة ذاكرتي، تشبه الى حدّ ما المستودع المظلم تحت الدرج (بالعامي دِرِجة) لبيت عمّي كان مليئا مليئا بالألعاب المدمّرة كنت أغطس فيها بحثا عن أي لعبة جديدة وأنا أتلمّس بالظلام معالم اللعبة البلاستيكية "الخربانة" أحيانا كنت أمرّ على ملمس قماشيّ لدمية أو شعر أو شيء غريب. تذكرت، باي ذا وي تذكرت؛ زحدهم قال لي عندما انطفأ كهرباء المنزل وبات مظلما فجأة اندفعنا الى السطح عبر الدرج بسرعة يقول: كان ابن أخي يجري صاعدا ويده على -حديدة الدرج ما أعرف اسمها- وبينما يده تمسح المعدن وهي تصعد مرّت على ملمس غريب! كان فروا غالقا!! يقول من بعدها لم يعد ابن أخي كما كان. كيف أبحث بذاكرتي عن الاعمال الكرتونيّة وما فعلت بي، بالضبط أغطس فيها كما كنت أفعل بدرجة عمّي. أتمنّي أن تكون الصورة واضحا يا عزيزي القارئ. (": 


يوجد الكثير لكن وباختصار، أعظم عمل تحدّث عن ذاكرة الأعمال الكرتونيّة كان "مونستر" عبر شخصيّة شتاينر وجريمر. مشهد يطول ويطول الحديث عنه. أما حاليا فهجوم العمالقة يتسيّد كلّ اللحظات المرسومة في ذاكرتي. 


ويومكم سعيد.

 

 

الجمعة، 2 يونيو 2023

-٣٢-

 كانت أول تدوينة لي هنا عن فيلم Julie&Julia (2009) الفيلم جعلني أحب التدوين والمدونات، لا زلت أتعجب من قدرة الفيلم على جعلي أرى ذلك الجانب اللذيذ من كتابة اليوميّات. كغيري فتحت عددا منها وهجرتها الآن لا أدري أين رميتها، أحنّ اليها مثل دفاتري "الكشاكيل" أحب فوضويتها وشخابيطها ورسوماتها، تمنيت تمنيت لو أني احتفظت بكلّ دفاتري تلك. المدونة جميلة كيوميات وفوضويات بلارتابة مع غياب شبه تام عن فكرة جذب ولفت الانتباه. كنت سأتمنى الاطلاع على دفتر الكشكول أكثر من مذكرات الشخص الذي أرغب بمعرفته. على كل حال الكشكول مخبأ داخل أدراج الغرف أحيانا بلا أقفال والمدونات مكشوفة بعالم النت فكرة أنها يمكن أن تُكشف خلسة هو ما يمنحها قيمتها لهذا لا نجد الدفاتر السريّة مخبأة داخل الأقفال ولا المدونات الخاصة محجوبة بمواقع مغلقة، لابد من خيط رفيع يمكن منه الوصول اليها. الأمر يشبه لعبة نلعبها بالهرب من القرّاء والافتراض بأن أحدا ما يلحق بنا.

طولت. أعود للفيلم جولي معجبة بالشيف الأمريكيّة جوليا، تحاول تقتدي فيها وتفتح مدونة فيها تفاصيل مقادير وطبخات "الشيفة" جوليا. كتابة كلّ شيء بلا مواربة هو ملح المدونة، كيف أنها بصعوبة استطاعت قتل الكركند[١] وصار القرّاء يسمونها "قاتلة الكركند" D: وشيء من وصف المقادير وعنّي أحب أحب أقرأ وصف الوجبات بمنيو المطاعم، أحيانا تكتب بطريقة شاعريّة وتشهّي عبارات مثل: مع صلصلة الـ ... الشهيّة ، المقرمشة، بنكهة الـ ... المنعشة، إلخ. طبعا كلمة المنعشة تعني شيئا حامضا أو مالحا مثل "الأومامي" الفيلم خالي من الأحداث لكنه حليو وحتّى البطلة جولي "وش ملحها" بالفيلم. 

أحاول أشرح معنى عبارة "وش ملحها" لا أعني جمال الملامح التعبير يوحي بأنّ تصرّفات الشخص "راكبة ولايقة" على الملامح. لهذا يسهل وصف أحدهم بأنه "جميل" من الصور لكن يصعب وصف أحدهم "المملوح" فقط من خلال الصور دون رؤية شيء من التصرفات. "الملح" وصف لملامح الشخصيّة لا الوجه كجزء علويّ يحتوي على أعضاء من جسد الانسان. ألهذا نسمع كثيرا احداهنّ تصف ابنها أو ابن قريب محبّب اليها بـ "ياملحه" وما رأيكم بعبارة "كله ملح وقبله" كلها توحي بالقبول وحلاوة الشخصيّة أكثر من الملامح. كثيرا مانعنيها بجمال الروح ولكن بسياق عامي عندما نحاول تحاشي وصف الملامح. بكل صراحة هذا ما أفهمه من العبارة وفق السياقات التي مرّت عليّ. ولأن نظريّة الانتخاب الطبيعي يمكن أن تكون صحيحة أكثر شيء في عالم المصطلحات والعبارات، أجد أن لهذه العبارة جذر عميق. الأكلة والطبخة مهما كانت متقنة راح تكون ناقصة لو خلت من الملح والأمر ينطبق كذلك على الملامح. 

 

--------------

[١] الكركند: دائما عند قراءتي لهذا الاسم احتمال يكون المقصود لوبستر أو كابوريا أو استاكوزا أو أم الربيان. المقصود بالفيلم الكائن المفصليّ الطويل صاحب الكلابات. بالطبخ أحيانا يتم قتله بغرس سكين حادة وقوية خلف عنقه أو يلقى حيّا بماء مغليّ حتّى يتحول لونه بعد الموت للون البرتقالي. جولي لم تستطع قتله وعلى ماذكر اضطرّت للإلقاء به حيّا في قدر مغليّ، لهذا سميت بقاتلة "الكركند"

الاثنين، 29 مايو 2023

-٣١-

كيف فقدت ذلك الحبل الرفيع الذي كان يربطني بمدونتي؟ لم أعد أكتب منذ مدة كما تُكتب المدونات، أفكار غير مرتبة وآمال وتطلعات مبعثرة أقوم باختطافها برفق كما تُخطف الفراشات قبل الطيران. 


by the way تذكرت معلومة لا أذكر أين حصلت عليها، غالبا من فيلم وثائقي قديم. المهم، في الكولوسيوم كان المصارعون يتقاتلون حتّى الموت تحت هتاف الجماهير، كانوا عبيدا وأسرى حرب بالغالب وبعضهم عومل بالنهاية كالأبطال. إن أراد أحد المصارعين الاستسلام كان يجثوا على احدى ركبتيه ويرفع يده اليسرا، عندها يقترب الخصم بهدوء ويغرس السيف في عنقه من الخلف بكلّ رحمة! مالذي يدفع أحدهم لهكذا استسلام؟ هل تعب من القتال، هل ضجر من كل ذلك العبث ليقول كفى أروني كيف نبدو بعد الموت؟ لا أظنّها شيئا من ذلك، كلها افتراضات تشبه بنات أفكار عصرنا؛ السلم جعلنا نفرغ للتفكير. ما يحزنني أنني لم أجد ذلك المنظر في لوحة، لا لأن ذلك قد يعني أن المعلومة خاطئة وأني أتمسّك بها لرومنسيتها -أيشبه تفكيري هذا شيئا من تفكير شيطان الجرة في انمي "قاتل الشياطين" الذي يتأمل سكرات الموت كصورة فنيّة- أكرهه، على كلّ حال كم أتمنّى أن أسمع كلمات المستسلم الأخيرة، كم كان عددهم؟ هل كان غاضبا وهو يسمع صوت هتافات الجماهير؟ ربما منها صافرات استهجان وجهت نحوه. كلهم الآن ميتيون وبعد أكثر من ألفي عام ما رأيك أنت بما حدث؟ هل يمكنك تفسير ذلك الحشد من الجماهير؟ لعلهم كانوا أعلى  صخبا من جماهير شالكه أو بروسيا دورتموند أو لاتسيو روما في أوج حماسهم بعد احراز فريقهم لهدف في المرمى، أريد منك أن تُسكت من يسخر من هتاف البشر على دخول كرة مطاطيّة داخل المرمى وتجعله يخبرك لم كانت جماهير الكولوسيوم تهتف بجنون؟ لا أحاول عَصر معنى مأساوي من كل ذلك، لكن الانسان لئيم لا يبالي غالبا بالآخرين، إنه لا يبدي أي اهتمام ببوح أحدهم طالما أن ذلك البوح لم يُخرج بصورة جمالية تثير اعجابه؛ لهذا يحتفي بحزن الشاعر ولا يأبه لغيره، لمن لا يحكي شيئا بل إنه وعلى علم منّا يعيش مأساته بصمت لكن الشاعر ومن مثله يُحتفى به حتّى يجد في حزنه لذّة وقيمة. الواقع أن فينا شيئا يشبه شيطان الجرّة الكريه في انمي "قاتل الشياطين". 

 

انتهيت، لو كنت رساما لرسمت كلّ محارب استسلم في تلك الحلبة. لوحة أجمل من لوحة الرسام الفرنسي جيروم "التصويت بالابهام" 

 

 

 - شكرا على ما قرأت ووصولك لآخر سطر D: -

لو كنتَ أنت  رسام، ماذا كنت سترسم عزيزي القارئ؟


     

الخميس، 27 أبريل 2023

حنيني الى كتاب عن الفضاء الخارجيّ




أجمل ما يمكن أن تقرؤه بعزلة كتب الكون والفضاء. أثناء القراءة يقودك حنين غابر للتحليق أبعد عن عالمك. للأرقام الفلكيّة، والأبعاد السحيقة جاذبيّة غريبة؛ اللحظة التي تبدأ فيها بتخيّل المكان والزمان هناك تمنحك سكينة تكاد تجعلك تشعر بغتة بنبضات جوفك. إن التعجّب من كلّ تلك المعلومات تجعلك وياللمفارقة تدرك الكون الذي أنت تمثّله بالنسبة لملايين الخلايا والمكوّنات الحيّة التي تعيش في داخلك.


الكتاب الموجود بالصورة، كان الوحيد عن الفضاء الخارجي في المكتبة، كان بعبارة أخرى مكوكي الفضائي الوحيد الذي يمكنني من خلاله الانطلاق نحو عالم يتمنّى البشر جميعا معرفة كلّ شيء عنه. 


كنت أتخيّل عند كلّ جملة تصف تضاريس وأجواء كوكب ما، كيف سيبدو العيش هناك؟ وكيف ستبدو الحجارة هناك؟ وكثر الخيال الى حدّ أني كنت أشعر ببرد الكواكب البعيدة وبالحرارة اللاهبة للكواكب القريبة من الشمس. وكم شعرت بالاختناق بعد أن قرأت بأنّ الزهرة كوكب يفوح بالأدخنة الملتهبة، وتحسست تلك الحرارة وهي تلهب قصبتي الهوائيّة. وبعيدا الى المريخ، أعتقد أن نبضات قلبي تغيّرت قليلا؛ عند القراءة بأن القطب الشمالي منه هو المكان الوحيد الذي يمكن العيش فيه! بضعة عشر درجة تحت الصفر. المريخ كوكب عجيب؛ تقرؤ فجأة بأن أعلى قمة جبل فيه ارتفاعها أكثر من 25 كيلو مترا، (قمة افرست تقريبا 8 كيلومترات). كيف يبدو المشهد على القمة هناك؟ هل تخيّلت ذلك؟ لو قرأت الكتاب وحيدا لتخيلت بالفعل. بعد المريخ وبمسافة سحييقة يطلّ المشترى وتبدأ الكواكب بعدها بالتباعد أكثر وأكثر عن الشمس، وعن الأرض حيث نحن. الكواكب بعدها أكبر ومتباعدة أكثر، ولم أستوعب إلا متأخرا أن المشترى وزحل كواكب غازيّة يمكن أن تغوص فيهما على حدّ فهمي! كأنه كوكب من طين. وكنت أدهش لأن وصف كوكب زحل مرّ بالكتاب الخالي من شاعريّة التعابير بسلام؛ دون التغزّل بحلقته الفريدة. حجارة وقطع من الجليد أهذا كل ما في الأمر؟ الواقع أن الكتاب ليس بحاجة إلى تعابير شاعريّة؛ الأرقام الفلكيّة تُغني. بالكتاب مرّ عليّ أكثر من مرة الفلكي الالماني هيرشل، والفلكي الفرنسي الذي خمّن بذكاء (بسبب انحراف كوكب أورانوس) بأنه يوجد كوكب مجهول خلفه، وبالفعل كان نبتون وعن الفلكيّ الانجليزي تعيس الحظّ، الذي استنتج مثل الفرنسي وجود نيبتون، لكن المرصد الحكومي تجاهله في حينها.

 

بقيّة أجزاء الكتاب، عن البيئة وغيرها لم أقرأها بعد. كنت أكتفي بصفحات الفضاء وأعيد الأسطر علّي أجده يتحدّث بأسطر نسيتها -أو لا أدري تظهر فجأة!- عن الحياة في الكون، لكن للأسف لم يكن كتابي من هذا النوع، أحببت محاولتي الاحتكاك بهذا الموضوع ولو عن بعد.


لا زلت ومع مرور السنوات أقلب صفحات هذا الكتاب سريعا في كلّ مرة. حنين الى تلك الأحلام.

السبت، 17 أبريل 2021

-٣٠-

قبل يوم وفي كراسة ارسم عليها بأقلام الباستيل بعض الرسوم العشوائية ويمكنك أن تفترض بأنها محاولات لرسم باب للهرب. وضعت بضعة زهور للتجفيف. الهروب بالأشياء البسيطة لطالما كانت الملاذ الوحيد من المحيط الخانق، بالكاد يمكن العيش دون هذه الأشياء قبل فترة لم أعد أشعر بطعمها! كان ذلك مرعبا أن أفقد معناها. هذه الأشياء لا يراها ولا يشعر بها أحد غيرك. تلك الأشياء تشبه الزاوية المعتمة التي لا يصلها النور لسجن انفرادي أبعاده مترين في مترين، تلك الزاوية الصغيرة ستعني حتما كلّ شيء بالنسبة للمحبوس في داخل السجن ويمكن أن يحلم بوجود أي شيء وأي معنى في حيّز هذه الزاوية وإن كان مخرجا بهذا الصغر.  بعد أن اغلقت الكراسة على الزهور وضعت فوقها بعض الأثقال البسيطة، لم تكن إلا بضع دفاتر وكراسات رسمت عليها سكتشات وشخابيط وديوان شعر مخجل لأيام مراهقتي الحالمة وسلة وضعت فيها كبسولة لحلاو الليمون للتخفيف من آلام الحلق وبطاقة فيها اهداء من صديقي بمناسبة نقلي مع سلك وشاحن وقلامة أظافر وكرة للضغط والتنفيس وزجاجتي عطر وكلّ ماستطعت تكويمة للضعط على الزهور. ورق الكراس كفيل بامتصاص الرطوبة ولو قليلا وباليوم التالي سأحتاج لنشرها بالخارج ان كان الجوّ مشمسا لتيبس نهائيّا.

 استخدمت الكراس على أكمل وجه


قبل أيام وجدت عصى تشبه كثيرا عصى شخصيّة فيلم (ملك الخواتم) المهيبة مشيت بها عبر الطريق الذي لطالما مشيت فيه أيام طفولتي، مسعى سعيت فيه لملايين المرات وكم تخيّلت بأنّي سأمضي حياتي ساعيا جيئة وذهابا لآخر يوم من عمري كأن هذا الدرب هو أقصى مسافة يمكن لحياتي أن تصل اليه. كان شكلي مضحكا وأنا أمشي بها، لم أبالي، كنت سعيدا بالعثور عليها والعثور على هذا الدرب الذي هجرته لسنوات. "اليوم هاجر مشت أشواطها المليون" تذكرت هذه الكلمات لفهد عافت. 


في البيت بدأت في تشذيب لحائها بالمشرط، من أكثر المشاهد حميمية، مشاهد الاعتناء بالأخشاب ونحتها وسنّ أطرافها بالسكّين في أفلام الكرتون، لطالما شعرت بسكينة تدعو للتأمّل. بالمناسبة سنّ الأطراف ليس سهلا كما يبدو، حاولت بأقصى تركيز أن أجعل الطرف حادّا واختبار حدّتها بضغطها على راحة يدي. رائحة اللحاء أقرب للغبار ولا تشبه التربة، مزعجة ومنفرة، لكن رائحة اللبّ ألطف، أو لأقل بلا رائحة. تحسستها بتمرير راحة يدي بها بعد ازالة اللحاء، لأرى ان كانت ستترك في راحتي أي خدش، بدت جيّدة. 

باليوم التالي وضعتها بالخارج لأعرضها للشمس لكني لم أجدها بعد وقت في مكانها، رُمِيت! لكن أعدتها واعتنيت بها ورحت لأتفقّد الزهور التي قمت بضغطها البارحة ووضعتها على كرسيّ معرّض للشمس وفوقها حجارة صغيرة كي لا تحملها الرياح لكن أحدا في البيت حمل الكرسي وغيّر مكانه مسقطا دون أن ينتبه الى تلك الزهور ((هذه الأشياء لا يراها ولا يشعر بها أحد غيرك)) 

 

أعدت الزهور كانت سليمة وفي لونها الداكن أثر شرخ رخاميّ جميل والعصى أكملت تشذيبها في الفجر قبل النوم في غرفتي، بالآونة الأخيرة أصبحت أنام جيّدا رغم أثر الخدوش الحارقة قليلة والتي تتركها العصى على راحة يدي. 


في اليوم التالي وضعت العصى لأعرضها للشمس وبعد فترة لم أجدها! لم أسأل عنها؛ لم أعد أطيق السخرية كثيرا هذه الأيام. لكنّي وجدتها مركوزة قرب شجرة مئلة لتقويمها. لم يسأل أحد عن السبب الذي جعل هذه العصى نصف ملساء وأثر العناية بها واضح للغاية كل هذا لم يكن كافيا لتشير إلى أنها كانت تعني شيئا ولو تافها لأحدهم.

الثلاثاء، 16 مارس 2021

-٢٩-

 وكأني فراغ يمكن لأي شيء أن يملأ بي ويترك أثره فيني. ذاكرة لاتنتهي ولاتزول، كل تلك الآثار التي تراكمت على مدى عمري. أدنى شيء يترك أثره ولا شيء يمحى، يشبه الأثر الذي يتركه الهواء بالتفاح العاري الذي يتغير لونه. تراكمات لا تنتهي، أكداس مرهقة من كل أثر وبالكاد أشعر بأني ممتلئ بشيء، تغيرت كثيرا ولازلت ذلك الفراغ. كيف يمكن لبعض الأمكنة أن تنبش عميقا فيني وتجتث أثرا قديما بالأعماق وكأنه دفن حيّا؛ لا زلت أشعر بحرارته وطعم وجوده ذاك بكل حواسي. ما نحن إلا لا شيء ونجعل كل ماحولنا يقول كلمته من خلالنا. وما أنا إلا كل ما مرّ بي. 

أدرك جيدا أن لا معنى لكلامي 

وأن المعنى كله في الفراغ الذي تُرك لكلام لم أقله بعد 

الجمعة، 25 سبتمبر 2020

-٢٨-

هل يمكن أن يبدو حزنك مضحكا؟ لا تعجز الكلمات والأحكام على تحويل ذلك في مشهد كوميديّ، يمكن للكلمات أن تقلب كلّ ذلك عليك؛ فهي لن تحصر معانيها في سبيل حزنك أنت. كانت وجيهة فكرة فاكهة السمايلي في "ون بيس" عندما يشعر أحدهم بالحزن وإن كان آكلا لهذه الفاكهة يبدأ بالضحك بدل البكاء! 

الى هذا الحدّ يمكن للحياة أن لا تفكّر بك

 

 

 "كالميرو" الذي لا أذكره قالوا بأني كنت أحبه في طفولتي كثيرا. فرخ صغير وعلى رأسه بقايا من قشرة البيضة التي خرج منها. المشهد يبدو مضحكا ولكني عندما أتذكّر "كالميرو"، الذي لا أحب مشاهدته على كلّ حال أضحك كثيرا أتخيّل أنه طيّب وعلى سليقته لا يختلف عن ماكان عليه بطفولته داخل بيضة؛ لا زال محتفظا بتلك القشرة على رأسه، لا شكّ أنه إذا محتفظ بأكثر منها في داخله، طفولته، عفويّته -قبل تلويث الحياة والمواقف له- احتفظ بكل ذلك رغما عن شكله المضحك فيها. لكن عندما أيضا أفكر بطريقة أخرى أحزن كثيرا كثيرا، فهو بالنهاية سيعيش طول عمره داخل البيضة التي لم يخرج منها بشكل كامل. سيظل حبيسا طوال حياته. هل سيموت قبل أن يلد؟! أو أن هذا يعني أنه عندما يموت سيدفن داخل بيضته التي ستفقس من جديد؟! لا أدري يمكن للكلمات أن تحدث كلّ شيء. لا عجب إن كانوا يقولون "ابراكادابرا" في عالم الكرتون والخرافات حتّى يتحوّل كلّ شيء بفعل سحر ما، سحر الكلمة أو لا أدري هل الحياة قائمة على كلمة ما؟ هل مشاعرنا والتي يمكن أن يختلف تشكيلها بفعل كلمة وإن كانت تكذب؟ هل مشاعرنا تشبه مكعبات التركيب التي يلعبها الأطفال؟ مشاعرنا لأنّها هي التي تقرّر بالنهاية مالذي تعنيه هذه الحياة. 

 

 

كل لون أحمر أحبه يمكن أن أكرهه بعد أن يقول لي أحدهم بأنّ هذا لون دم مسفوح، الشكل والبريق ودرجة اللون لا شيء تغيّر إلا معنى من كلمة قيلت، ربّما كانت تكذب. 

 

 

مالذي أبعدني عن "كالميرو" وأنا أتحدّث؟ 

على كلّ حال تذكّرت كالميرو الذي يمكنني أن أعيد تشكيل نفسي فيه مرارا وتكرارا وتذكّرت أني مثله لم أخرج من نفسي يكفي أن أقصى احتجاج قمت هو عدم الاستيقاظ باكرا كما اعتادوا عليّ.

 

 

  

السبت، 5 سبتمبر 2020

-٢٧-

 ٤ ساعات غير كافية من النوم هذا كل ما أحتاجه لقضاء يوم سيّءوالوقوف في وجه أحزاني لم أعد قادرا على التغلب عليها؛ كل فكرة موبوءة بما يشعرني بالحزنمزعج ادراك أن ما ينهكنا ليست الا أحزان كان يمكن طردها خارجا من تفكيرنا لكنها مهارة لا تنمو مع الوقت غالبا أو أنها أنهكتهل يمكن ان أخبرك بكل شيء في يوم ما؟ لماذا أشعر بأن ما أود قوله ليس الا جزء منّي ولا استطيع فصله جسديا الا بانتزاعه بكل ألمهل ستتقبلني بشكلي الجديد وقد انتزع جزء منّي؟ لا أبحث عن شيء من ذلك، لطالما حرصت على قطع ساعات نوميللنهوض بحثا عن شيء لا أعرفه، ولم يكن يعنيني أن اعرف ذلك، كان يكفيني أن أبحث عن شيء، أن أبحث ليس إلا، وكان لذلك معنى كافي بالنسبة لي.

الثلاثاء، 18 أغسطس 2020

-٢٦-

 لم أنم جيّدا ولا رغبة لي في النوم. لم أعد أشعر بدماغي. لازلت أفكّر بشكل جيّد ولو أني أشعر بأنّ دماغي متوقّف عن العمل؛ لم يعد يفرز العديد من الافرازات التي تزن شعوري وسلوكي، شعرت بذلك لهذا شعرت بحاجتي لشرب الماء كثيرا.لست أدري بعد هذه الفكرة الغريبة، هل أنا أفكّر بشكل جيّد؟

أشعر بالقلق، لا شيء يقلقني. أشعر بالغضب، لا شيء يغضبني. أشعر باليأس ولا شيء يدعو لليأس، على الأقل بالنسبة لمن يعيشون حولي. كل شيء على ما يرام وأكثر. كل شيء كما يتمنّاه الجميع.

بالعادة أتعافى بالحديث عن ما أحب. ليس لدي الآن ما أقوله عن ما أحب وهذا يخنقني. 

 الآن أكتب بقلم سائل، ذو خطّ عريض. لطالما أحببت مثل هذه الأقلام، الأقلام الدقيقة قادرة على فضح أبسط ارتعاشة في يدي. الأقلام العريضة تحافظ على تماسك خطّي. خطّي ليس جيّدا لهذا اليوم بل أني لا أكمل رسم كل الحروف واكتفي بخدش بسيط يدل على الحرف الذي أردت كتابته. 

 عزيزي القارئ، كعادتي لم أقل أي شيء حتّى الآن. كل مافعلته هو أنني أخذتك بعيدا عدة أسطر بالأسفل. الجميع بالأعلى على ما يبدو، غادروا بعد بضعة أسطر أو من أول سطر. أعترف بأن ذلك يشعرني بأني قادر على قول ما أريد يا عزيزي الوحيد علي انفراد، ولو أن هذا ليس كافيا لجعلي أقول كلّ ما أريد. أقول لك من كل قلبي بأني ممتن لبقائك معي كل هذه المدة. 

يكفي وصولك، ويكفي أنك ترى هذا المكان، مكاني السرّي الذي أختبئ به بعيدا عن الجميع. 

لا شيء أستطيع قوله ولو أن هذا السكوت يخنقني. يكفي أن تكون معي في لحظة كان يمكن أن أقول لك مالم أستطع قوله. ليتك تخبرني، مالذي رأيته في عيني وأنا أكاد في هذه اللحظة أن أقول لك كلّ شيء. 


الخميس، 6 أغسطس 2020

-٢٥-

في ذلك اليوم كنا في قاعة النشاط -أعتقد الثقافي بهذه الأسماء تسمّى مثل هذه القاعات- لم يدري المعلم مالذي يفعله بنا، كلّ شيء معدّ ليكون مناسبا تماما لأي زيارة ولا أحد يريد استخدام أو تحريك أي شيء حتّى لا تفسد القاعة الديكور. قام بتشغيل المسجّل وعلى صوت أحد الدعاة أو المنشدين، لا أدري متى يمكنني إخراج أذني من هذا المكان. بعض الطلبة جلسوا على الكراس والبعض الآخر على الطاولات؛ لم يكن العدد يكفي وكانت الطاولات شيئا جديدا لذلك اليوم. الوقت لا يتحرّك كان جالسا معنا في سكون. أتوق لباب الخروج رغم شمسه الحارقة. لطرد الوقت من قاعتنا حاولت أن أقرأ شيئا، لا شيء مسلّي على الإطلاق، بضع منشورات، حاولت البحث عن قصّة؛ بعض المنشورات تحمل قصص الجن والسحر شيء ممتع أكثر من كونها قصّة معبرة. وجدت واحدة وهي لداعية مشهور - لا أحب ذكر الأسماء التي سأنتقدها- كان يحكي عن فتاة تخرّجت من المرحلة الثانوية، افترضت أنها أكبر منّي بسنتين. كانت الفتاة المدلّلة لوالدها المليونير التي لا يرد لها طلبا. استمرّت غارقة في دلال والدها -كنت أشعر بالفخ الذي ينصبه الداعية لحياتها، أو لأقل أن الداعية لم يكن إلا راويا لا أكثر- بعد تخرّجها من الثانوية طلبت من والدها أن تدرس بالخارج وأنها ستذهب وحدها وأنها ستتبرج وتلبس ما تشاء -شعرت بأنّ الفتاة عدوانيّة كلمة بسبب كلمة تبرّج- رفض الأب بكلّ لين وحاول إقناعها وحاول أن يعرض عليها الدراسة في الداخل بأيّ جامعة تريد -لم تكن هنالك جامعات تذكر- لكنّها رفضت و لا أذكر التفاصيل ولكني شعرت بأنّ الفتاة بدأت "تنفلت" على والدها بهذا التعبير العامي فهمت. كانت القصة تتجه نحو نهاية معتادة في مثل تلك المنشورات لكني تعاطفت معها قليلا. بعد أن كثر الجدال انقلب والدها الطيب الذي يدلّلها الى ذلك الوالد القاسي الذي أرغمها على ما يريد ومنعها من كلّ شيء اعتادت عليه وحبسها وبعد نصيحة من أحد الدعاة -أفترض أنه صاحبنا أو صوته الذي كان يروي القصة  كخلفية صوتية لمشهد جرا تمثيله- قام بأخذها بقوّة إلى "الديرة" وهي قرية قريبة من بلدتهم -أعرف تلك البلدة- وقام بتزويجها من أحد الرجال الأكفاء والذي يرعى الأغنام ويسكن في بيت شعبيّ -تقريبا كذلك كانت التفاصيل- تخيّلت البيت ووجدته يشبه بيت عمّال شعبي في حي جدّي أمامه أرض صفراء غابرة. بعد أن رمى الرجل ابنته في أحضان زوجها أو "بعلها" وتركها عاد بعد مدّة طويلة ليزور ابنته فتفاجأ بإمرأة -الصبيّة أصبحت امرأة كأنّها عاشت السنة بسنوات ولم ينتبه الراوي لذلك- تفاجأ الأب - الراوي يصف الدهشة بأنّها دهشة رضى وسعادة- خرجت من الباب أمرأة يركض أمامها طفل ومنتفخة البطن لاستقبال والدها الذي فاته كلّ ما عاشته ولم يسأل عنها. يقول الراوي، بأنها كانت نهاية سعيدة لحكاية هذه الفتاة! شعرت بالضيق، شعرت بالقهر وشعرت بكلّ شعور مقيت يمكن الشعور به. مع اني افترضت أنها فعلا سعيدة -كنت أصدق الراوي- لكني شعرت بأنها ظلمتو لم يكن بالإمكان الإفصاح عن ذلك كان سيقال لي وبفم كريه "ماشأنك؟". مالذي يجعلنا نختزل السعادة في طوق تقليدي وضيّق كهذا؟ ألم يمل البشر من هذه السعادة وكثرة تكرارها؟ لم تكن سعادة بدت أشبه بالواجب الذي عليك أداؤه في حياتك رغما عنك. تخيّلت شكلها، تخيّلت منظرها تخيّلتها بعد أن كانت أكبر مني بسنتين وقد أصبحت أكبر مني بعشر سنوات. هل بقي شيء من حياتها؟ لا شيء تم امتصاص حياتها بالكامل وترك ما تبقّى من المجسّم جامدا يقف عند الباب.

بعد سنوات مررت بتلك البلدة في طريقي إلى مدينة بعيدة. مررت ببلدة أفترض أنها كانت موطنها، وفي الخلف حيث توجد قرى صغيرة، افترضت أنها هناك في واحدة منها. أو أنها وكعادة أغلب الدعاة والمنشورات في ذلك الزمان لم تكن إلا فتاة افتراضيّة اعتدنا وجودها في مثل تلك القصص.    

اشتقت الى تلك الأيّام ولم أدري أن باب الخروج الذي خرجت منه بعد سنة أو سنتين وكانت الشمس حارقة، كان خروجا من حياتي التي أغلقت عليّ الباب الى الأبد.

الأربعاء، 22 يوليو 2020

-٢٤-

لا أستطيع أن أبتعد عن قدمي، كما لا يمكنني أن أهرب من تفكيري. لم أكن أعاني من التصاق قدمي، بل أني شعرت بالقشعريرة وأنا أشاهد أشخاصا فقدوا أقدامهم بفعل الألغام. لا شك أنهم لم ينسوا أخر وخزة شعروا بها في تلك الأقدام. لو أنّ ما أود الهروب منه مثل قدمي كيف يمكنني الهرب بلا قدماي؟ كيف أهرب من التفكير إلا أن أفكر بشيء آخر أجد نهايته تقود إلى ما أهرب منه. 

كان يجدر بهذه الفكرة المكتوبة أن تمزق وترمى في سلة المهملات. لكن كيف يمكنني رمي الأفكار؟ أتخيل دماغي سلة كبيرة مليئة بمثل هذه الأفكار. لهذا أعامل دماغي كسلة للمهملات. أتذكّر حديث طالب هندسة يقول: بأنّ كل المحذوفات تبقى إلى الأبد داخل أجهزة الميموري، مهما حذفتها فإنك لا تستطيع أن تحذفها فيزيائيا! كأنّه يتمّ حذفها  باختلاق هيئة بديلة لها.

خطّي اليوم -الذي كتبته بالورقة- جيّد اعتدت الحكم على نبضات -أيّا يكن- من خلال خطّي الذي يتغيّر دائما وفق شيء لا أفهمه بالكامل. لكني زحب زن يكون خطّي جيّدا وإن كنت في حينها أمر بحالة سيئة كالتي أمرها الآن. 

لا شيء يُمحى ولا شيء يُنسى وكلّ شيء يتراكم للأبد ونحن مثل كانسة الأرضية التي تلتفت حولها ثمّ تدسّ الأوساخ تحت السجّاد. 

يوما ما سنكتشف أن الفراغ يمكن طيّه مثل السجّاد. ويمكن بعدها أن ندسّ فيه مالم نستطع نسيانه وسينتقل عبر الفراغ الى عالم آخر.

الثلاثاء، 26 مايو 2020

-٢٣-

-٢٣-

أجد صعوبة في فهم البشر كثيرا لكني أستطيع فهم المخلوقات التي يتخيلونها بعمق أكثر. لم أدرك بأنّ خلق العديد منها كان سيبعدني عن طبيعتي أكثر. بدأت أشعر بوجودها، كنت أختبئ من البشر ليظهروا من مخابئهم. بدأت أفهمهم أكثر، أحببت عالمهم. لم أستطع لمسهم، كبرت قبل أن أستطيع لمس أحدهم. كدت ألمسمهم في يوم ما. كانوا أقرب لي، عند عامود الإنارة الوحيد، كانوا يحبّون الإضاءة الصفراء كثيرا، كانوا يقولون بأنّ الهالة التي يخلقها النور الأصفر يشبه غرفة النوم، بخلاف الهالة البيضاء التي تشبه كثيرا غرف المستشفيات والأموات وغرف البشر. قبل أن ألمسهم، كبرت وتركوني. مضت سنوات طويلة منذ أن تحدّثت إلى البشر آخر مرة. بالكاد عدت وأنا أفهم لغتهم، لا يشبهون أبدا المخلوقات التي كنت أمضي الوقت معها كثيرا، لم تعتبرني المخلوقات غريبا بقدر هؤلاء. كل ماستطعت فعله هو أن أخبئ ما كان ينقصني لفهمهم، تماما كما كنت بارعا في إخفاء أماكني السريّة، وأنا التقي بالجميع. رحلوا وهم يحملون أسراري، سنين طويلة بقيت هذه الأسرار معهم بعيدا عن البشر، قبل أن أبوح بكلّ شيء لأحدهم، كأنه كان واحدا منهم! عندما رأيته كان يشبههم، يذكرني فيهم كثيرا. لم يعد المكان موحش من دونهم، ولم أكن مخطئا بأنّ مكاني السرّي كان بابا يمكنهم الخروج منه إليّ. مالذي دلّني عليه؟ لا أعرف. ومن أخبرني بأنهم قد يأتون في يوم ما؟ لا أعرف. من كان سببا في عودتهم إليّ؟ قالوا لي يوما: يمكن أن تتخيّل أحدا ويخلقه الربّ من أجلك، تأكد إن رحلت يوما لا يمكنك أن تعيش دون أن تؤمن بوجوده