‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 نوفمبر 2025

العنوان كجزء من العمل نفسه

هل تعرف اسم معلقة امرؤ القيس؟ نسميها عرفا "قفا نبكِ". لماذا لا يسمّي الشعراء قصائدهم كما يفعل الروائيين؟ غالبا ما تأخذ القصائد أسماءها من اجماع الناس على مطلعها  أو مقطع وعبارة تمثّل ماريّة بارزة مثل "صبا نجد" لابن الدمينة، وأحيانا وصف يمثّلها مثل "لاميّة العرب" و "اليتيمة". القصائد بذلك تشبه الحكايات الشعبيّة (الفلكلوريّة)، عناوينها مختارة بتلقائية المتلقين بخلاف الروايات التي يمثّل العنوان السطر الأوّل منها، وإن وجدنا العديد من القصائد التي سمّاها أصحابها، وندرك أن العنوان حينها قد يمثل توقيعا للمؤلف  أو الشطر الأوّل و الأخير من الأبيات. هل تفقد القصائد بذلك تلقائيتها وتصبح نظما وغاية مثل "نهج البردة" للبوصيري وندرك إذا الفرق بينها وبين قصيدة "البردة" ؟ لا أميل لذلك ، وإن أخذت القصيدة بذلك منحى مختلفا عن التلقائية المعهودة بالأشعار، شيء ما يختلف بينهما مثل الاختلاف بين قصة قصيرة معنونة لكافكا مثلا، وحكاية شعبيّة نتداولها بعنوانها  المُجمع عليه.   

ما الذي يعنيه أن تعطي عملك الفنيّ اسما وما الذي يعنيه أن يترك العمل بلا اسم ليتلقّف الناس له اسما يمثّله؟ التأويل فضاء لا نهائيّ، لكن يُستدلّ فيه، كما نستدلّ طريقنا من النجوم في الفضاء الـ لانهائي، لكن وجود اسم وعنوان يعني أن أحدهم يشير بإصبعه الى نجمة محدّدة. 

القصائد غالبا عناوينها تلقائيّة سواء من المؤلف أو المتلقّي مثل الحكايات، بخلاف الروايات والقصص الأدبيّة. وفي عالم الرسم نجد هذا الاختلاف، لوحات نعرف أسماءها لأنها تصف مشهدا بعينه، وهي بذلك أسهل عنونة من القصائد، وأخرى اختار لها الرسامين عنوانا مميّزا، يمثّل توقيعا بارزا، وجزء أصيل من العمل نفسه، أكثر أصالة من أجزاءها الماديّة،  بقايا الخربشات والتشققات وشعر الفرشاة. والإطار. 


"ولازالوا يقولون السمك غالي الثمن!" 


لوحة الرسام خواكين سورولا، رسمها عام 1894م. يمكن للوحة أن تحدّثا عن نفسها ببساطة، فلوحة جيريكولد الشهيرة "طوف الميدوزا" تصوّر طوف الناجين من الموت والغرق بوضوح والعنوان أوضح أن اسمها الميدوزا لا أكثر، لكن بعنوانها تحدثنا لوحة سورولا بشيء لا نراه في اللوحة نفسها. ومثل ذلك نجد لوحات يبدع فنانيها عناوين جذّابة، مثل  "الحرية تقود الشعب" لديلاكروا، أو تزيد المشهد عمقا مثل "الوقت"  لفرانشيسكو جويا، وأخرى تستعير مفردة شاعريّة مثل "Saudade" للبرازيلي ألميدا جونيور، وهي مفردة برتغاليّة شهيرة لا مرادف لها باللغات الأخرى كأن اللوحة تحاول فعل ذلك بنفسها، المفردة تعني الشوق والحنين بلذة دافئة وألم لأحد نفتقده، وقد يأتي عنوان بعبارة تمثّل سياقا دقيقا للمشهد، مثل لوحة الفنان وليام ييمس "ومتى رأيت والدك آخر مرة؟" تصوّر صبيّا نبيلا يحقّق معه ضبّاط من الجيش البرلماني ابّان الحرب الأهلية البريطانية، اللوحة بالفعل تشبه مشهدا مسرحيّا وكلّ ما فيها من أشخاص وأوضاع تدور في فلك العنوان نفسه. وقد يطغى العنوان على المشهد مثل لوحة "هذا ليس غليونا" لرينيه ماجريت، فرغم العنوان إلا أن اللوحة تصوّر غليونا بالفعل. 


"الوقت" فرانشيسكو جويا، 1810م



الأحد، 9 مارس 2025

خاطري في الشعر النبطي

في الجزء السادس من كتاب "العقد الفريد"*، أَرِق الرشيد وطلب أحدا يؤنسه فجيء بالأصمعي، طلب منه  قصيدة عدي بن الرقاع في بني أمية، وكان الرشيد يستوقف ويسأل الأصمعي في بعض أبياتها  فيجيبه ويصف ردة فعل الخليفة الأموي أثناء إلقاء القصيدة، وموقف الفرزدق وجرير. بدا أن الرشيد متلهّف ليعرف أكثر واسترسل الأصمعي وقادهم الحديث - بمشاركة الفضل بن يحيى-  الى ذكر قصائد أخرى مثل جيميّة الشمّاخ، التي وصفها الأصمعي، بعروس شعره. غبطت الرشيد، إذ أنه كان يؤتى أحكم الإجابات وأوثقها في كلّ مرة يسأل، تخيّل لهفتك وأنت تسأل ChatGPT ويجيبك عن موضوع تحبّه. تمنّيت لو أن للشعر النبطي قصة مثلها. نحن نحبّ قصص الأبيات في حظرة الملوك والحكام وموقفهم منها ونراها كثيرا على الـ You Tube و TikTok. 

للأصمعي كتاب مُذهل اسمه، "فحولة الشعراء"، يشبه  دليلا ارشاديا لمعرفة الشعراء وقيمة شعرهم (فحل أم لا). كان الأصمعي بارعا جدّا في اختزال الشعراء بوصف يجسّد شاعريّتهم ويعكس عمق فهمه، كذلك النقد برأيي؛ نحت عبارات مجرّدة، تعطي وصفا محكما للأشياء. مثل العبارة الدارجة عن الحطيئة بأنه: متين الشعر شرود القافية،  لهذا كان الجميع يخشى قصائده، لأنها شاردة الانتشار، وعبارة "جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت في الصخر"، لنا في الشعر النبطي عبارة (أتصوّر يتيمة) وهي "غير ابن لعبون كلهم يلعبون". لا يوجد كتاب يتناول جماليّات الشعر النبطيّ خارج إطار المدح وإطراء "صحّ لسانه". يوجد كتاب اسمه "الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النصّ"*، يهمّني العنوان، أما الكتاب مليء ببدايات الشعر النبطيّ وجلّها قصائد هلاليّة مهجّنة بين الفصيح والعامي. ذائقة الشعب وسلطة النصّ! في مسابقة "شاعر المليون و المعلقة" يمكننا ملاحظة الفرق بين نوعيّة القصائد المطروحة، والتي كانت وفق الطلب الذائقة. فعلا، ذائقة الناس تحكم على الشعراء أساليبهم، إلا ما ندر (وفي حالتها لا يبرز إلا شاعر علم). كثيرا منا يحبّ تداول الأبيات في وسائل التواصل بما لا يتعدّا ثواني؛ لهذا تبهرنا الأبيات التي تسرق الانتباه وتشبع الاحساسي بلحظة خاطفة (عصر الدوبامين). وكما كان شعراء المنتديات غارقون في حداثيّتهم؛ كان شعرهم يُقرأ لهذا توجد فرصة لتفكيك المعاني بخلاف المسابقات والأمسيات، تلك الرمزيّات والغموض لا تجدي نفعا، لهذا سقطوا في المسابقات. تعوّدنا أن الشعر النبطي مقرون بسالفة، في العصر الحالي " ما من سوالف" لهذا يخترع الشاعر مواقف مسرحيّة للظهور والترند. على كلّ حال الشعر العربي أشبعته البحوث ولازال يطلب المزيد، أما  النبطي فلا زال بكرا. 


--------

*العقد الفريد لابن عبد ربه و كتاب الشعر النبطي لسعد الصويان. 


الجمعة، 15 مايو 2020

عن كافكا الذي لا يصعب الحديث عنه



 يصعب الإتيان بصورة غير مألوفة لكافكا، ويصعب الحديث عنه من كثرة الحديث الذي دار حوله؛ سيل جارف من التصوّرات يمكنها أن تخلق أبعادا لانهائيّة لقصصه. لم يكن أبدا ليتصوّر حدوث ذلك وإن رآها جديرة بالواقع. 

هو ليس عميقا للحد الذي يجعلك تتأمل حوارات شخصياته كثيرا؛ فهي مختصرة في الغالب ولا عجب ان وصف كوبريك قصصه بإعجاب بأنها واضحة مثل المقالات الصحفيّة!. لكنه يؤدي جيّدا في الحوارات بترتيبها وجعلها كافية أكثر وعفوية للغاية لأيّ حدث غريب، فأنت لا تلمس ذلك التحرّز الذي يكشف عن وجه المؤلف كشخصيّة تتحكم من خلف الكواليس. 

الغرابة في قصصه عفويّة، أي أنها لا تأخذ طابعا قصديّا بوضوح مثل الذكي إدغا آلن بو والذي لاتخدش قصديّته رتم القصة في بالنا. يمكنني أن أعتبر إدغار ألن بو مؤلف انمي ورسام ولايمكن لأيّ خطّ أن يُرسم في قصصه عبثا، الأحداث مع بو مليئة مليئة بالمقاصد لكن كافكا مختلف لا تلمس أثره في ذلك كثيرا هو عفويّ الى حدّ موتّر، في داخلك تعرف أن الحدث غير عفويّ لكن الطابع جاء عفويّا للغاية بشكل لا يمكن للقصد أن يتقنه. 

لهذا أتصوّر -وهذا أكثر مايميّز كافكا دون غيره- بأنّ الكثيرين يمكن أن يحبّوا كتابته ويتعاطفوا معه بطريقة معيّنة، بل إن كافكا في هذه المسألة مربك؛ يمكن لكل من قرأ له أن يتصوّر بأنّه فهم كافكا أكثر من أي أحد آخر، فهم كافكا كما لم يفهمه أحد، فهم كافكا دون غيره! لماذا يشعر الكثيرون -كما أتصوّر- بأنّهم قريبون من فهمه ولا يجدون حرجا وصعوبة في التعبير عن ذلك -لولا كثرة الحديث الذي انكبّ عنه- وكيف أنهم يشعرون بالحرج مع غيره. عند الحديث عن غيره الذي سيشبه معلما يتحدّث عن شيء مبهم يتحرّج الطالب أن يرفع يدا ويشرح طريقة فهمه له، يتهيّب ذلك قليلا ويفضّل ترك الدرس يمضي. مع كافكا يشعر الشخص بأنه زميل لا معلّم لهذا لا يرى حرجا وقيدا في الحديث بانطلاق عن فهمه له. 

كافكا يوقعك في المأزق كثيرا، فبعد الحديث عنه وأنت تشعر بأنّك فهمته وبعد فترة تجد أن فهمك أصبح باهتا! لا ملامح له وماكان يبدو بأنّه فهم عميق بدا بعيدا عن الفتى كافكا وكما توحي صوره فتى عادي، طيّب، هادئ، انطوائي قليلا، يعاني من مشكلة عميقة بالاحراج والوقوع بالحرج بلا سبب أو التصرّف وكأنّ رعشة الحرج تكاد تهزّه بيدها بغتة. هذا الفتى العادي، الهادئ يصعب القبض عليه وارغامه على الحديث. إنه يذكرني كثيرا بالشخصيّات الكرتونيّة -أو في عالم الانمي- لفتى ضعيف هزيل وهادئ يحاول أحد التنمّر عليه (القارئ) يجده سهل المنال ضعيفا لكن هذا الفتى الضعيف يغلبه بالنهاية بسبب حظّه أو أي صدفة تغير مجرى الأحداث وبالغالب بسبب اندفاع المتنمّر (القارئ) الذي يتفاجؤ لا حقا بتصرف لا متوقع من شخص بدا واضحا وشفافا، وكذلك قصصه تفاجئك بفهم آخر بعد فهم بدا أنه محكم في ذهنك. صدمة الهزيمة تلك لذيذة؛ هي تحفّزك على العودة، تلك الصدمة التي تصورها رسومات الانمي بعين تتّسع فجأة وتبدأ عضلات الوجه حول العين بالارتخاء كأنّها تفلت من يدها شيئا كانت تمسكه بإحكام، أو لأقل تشبه ملامح وجه خصم كارلوس ريفيرا بالمسلسل الكرتوني (جو البطل) الذي كان غاضبا جدا لأنّ كارلوس قال بأنّه سيهزم خصمه بالضربة القاضية بدقيقة واحدة، اندفع الخصم بجنون نحوه وقبل نهاية الدقيقة حاول توجيه ضربة لكارلوس الذي تفاداها ولسوء حظّ الخصم كان مندفعا ويده الأخرى بعيدة عن حماية وجهه -وهذا خطأ قاتل- عندها التمعت عينا كارلوس الذي كان بالأسفل دافعا بقبضته عاليا نحو ذقن خصمه، على كل حال المسلسل الكرتوني (جو البطل) جميل ولايمكن أن يلام أي أحد بالحديث عنه مبتعدا ولو قليلا عن صلب أي موضوع.        

كافكا لا يختلف عن أي أحد اخر، هو ببساطة شخص عادي كتب قصصا مثيرة. يمكن المراهنة على وجود الكثيرين مثله لكن من سيمتلك أدواته في الكتابة والتي تبدو بأنّها تجد جوّا فائقا وصافيا في ذهنه. هل نقول بأنّه عبّر عن ما يدور في كلّ شخص بسيط لأنه استطاع العثور على صفتها بهدوء؟ 

قصص كافكا مليئة بالـ "لا حول ولا قوّة" إنه يشعرك رغم خداع الظاهر الاختياري لشخصيّاته بأنّها واقعة في عالم جبريّ. تلك الجبريّة كانت واضحة جدّا مع غريغوري سامسا في (الإنمساخ)، لكنّها بدت غير ذلك مع السيّد "ك" في (المحاكمة). إنه يشعرك بغضب خفيّ حول أمور تبدو قهريّة وهي في غاية البساطة، أو كيف أنه يريك أن أشياء تافهة -بالنظر إليها واقعيّا- تمنعك لكنها في سياق الحياة أو داخل معمل الحياة تخلق كلّ ذلك الأثر. في (المحاكمة) حاول كافكا أن يبيّن أن رسام القاضي وأمورا ثانويّة هامشية لها أكبر أثر على قضيّته، أكثر من المحامي نفسه. سيكون مؤسفا أن تشعر بأنّك مكتوف اليدين أمام ماترغب به من أجل سبب تافه، أو سبب لم يبدو لك تافها وسيبدو غالبا بعد فوات الأوان. عبّر السيّد "ك" باستغراب عن امكانيّة تقربه لاحداهنّ وقال لم أتصوّر بأنه يمكن الوصول اليك بقفزة واحدة!

تخيّل أن الشخص ماهو إلا قطعة من آلة على شكل بشر هو المجتمع أو البلد أو أي مكوّن بشريّ. قطعة دائريّة مسنّنة واحدة من آلاف القطع تدور بمسار ثابت للأبد، وفكرة تغيير مكانها، وضعيّتها، أو جعلها تقترب من قطعة أخرى -متمنّاة- ولا تبعد إلا شبرا صعبة للغاية. وحده صانع الآلة يمكن أن يغيّر مكانها ولكن متى؟ وهل تملك القطعة إلا أن تدور بمسارها ولاتشعر إلا أنها تتحرّك بمسار دائري ثابت رغم أن الآلة تذهب وتجيء في كلّ مكان وتمارس حياتها بكل ما يمكنها فعله. أو بأقل تخيّل أن أحدا يعيش بالقرب من مكان يرغب بالوصول إليه، لا يبعد إلا مترا لكن زجاجا يفصل بينه وبين المكان؛ هل تجد فرقا أن يكون عرض هذا الزجاج مترا أو مترين أو ١ ملليمتر؟؟ وإن كانوا جميعا غير قابلين للكسر؟؟ يمكن لك أخي الانسان أن تجد العزاء إن كان سمكه مترين ولكن إ كان ١ ملليمتر ولو كان كافيا لإعجازك لكنه سيقهر أملك أكثر من الأول بكثير. 

كافكا بالوصف مثل مواطن بعيد كلّ البعد عن دوائر الحكم، والطبقة الحاكمة ومثل ذلك ويصف مايشعر به وكيف يراهم بكل بساطة، لكن هذه البساطة تحيط بها هالة المواطن الصالح الخائف قليلا والذي يخلق لهؤلاء أمورا أخرا لا تكذّبها الأحداث لكن يكذّبها الواقع، كون الأحداث تناسبها والواقع لا يجدها.

ما يجعله محيّرا هو أنه لا يبدو مثل كتاباته. شخص يعيش بحالة حزن وارتياب عميقين. سيرة حياته عاديّة ولا يبدو إلا كشخص سعيد ويعيش حياة جيّدة، عدا عن طبيعتها الهابسبورغيّة قبل وبعد الحرب العالميّة الأولى.

أتصوّره شخص خجول، وإن لم يبدو كذلك. الشخص الذي أوصى بإحراق أعماله وصديقه ماكس برود فعل العكس لأنّه عرف يقينا أن كافكا يعني عكس ذلك. أيشبه ذلك عندما يسألنا أحدهم إن كنّا نرغب بشيء نريده من كلّ قلبنا لكنّنا نجيب بعاميّة "بكيفك، اللي تشوف، زي ما تبي" ؟ الكلام المكتوب له فهم ذو بعد واحد لكن عندما يُسمع من قبل شخص يعرف القائل ويفهمه سيملك الكلام بعدا ثالثا يغيّر معناه كليّا. في رسائله لميلينا -للأسف لم أقرأ كلّ رسائله لها- لا أدري أكانت رسائل المثقفين كذلك غالبا؟ هل كان كافكا بحاجة لأحد يكتب عنه رسالة تسأل ميلينا عن ملابسها؟؟ أو أكان كافكا بحاجة إلى الوقوع في هفوة تشبه هفوة شخصيّة روبي تيرنر في فيلم Atonement (2007) ؟ 



تيرنر الذي كان يكتب رسالة معتادة وهو يفكّر بكلام غير معتاد يودّ قوله كتب كلمة خليعة لحبيبته ونسي أن يمحوها وأرسل الرسالة


يمكن أن تفهم الشخص الخجول لا من خلال كلامه بطريقة حرفيّة، بل مثل مايفهم أحدهم إجابة "كيفك، اللي تبي" بأنّا بالواقع نعم. 

بالأخير لا ننسى أن يهوديّة كافكا، مثل يهوديه كل الشخصيّات الابداعيّة تترك أثرا بالغا في أعماله. التحفّز الذي يظهره الشخص الذي يعيش ضمن أقليّة مندمجة ولكن يفصلها شيء معنويّ تحفّز خلاق. يسهل الانخداع -ان كان انخداعا- بأنّ لدى اليهود الاوروبيين ذكاءً غير عادي، له علاقة بتكوينهم العرقيّ ولو أن تكوينهم الاجتماعي قد يكون غالبا بالأثر على كل ذلك. لعل كافكا لم يكن إلا صورة مكبّرة أو كعيّنة مكبّرة لحالة الخجل التي تنتاب المجتمعات الأقليّة، خجل يشبه الانحراج لا من شيء تم فعله بل من وضع وجد رغما عنهم. 

على كلّ حال. تذكّر عند الاندفاع بالحديث عن كافكا بأنّك ستجد ذقنك مندفعا وستجد عينا بالأسفل تبرق مثل كارلوس ريفيرا، مع قبضة تهوي للأعلى إليك بكلّ قوة. 







 انقضاضة كارلوس ريفيرا




هل يتحدّث كافكا عن كوابيس؟ أم يتحدّث كما يصف أحدّهم بأنّ ما يمرّ به هو كابوس حقيقيّ؟ أي شيء يصعب الاستيقاظ منه. ليست الغرابة أكثر علامة لكوابيس كافكا بل عدم وضوح وجوه الشخصيّات هو ما يوحي بذلك أكثر؛ أنا مدين لمن أشار لي بأنّك تحبّ اللوحات التي لا يظهر الأشخاص فيها بملامح واضحة. يسهل تخيّل نفسك أحد منهم، ولعل أشخاص كافكا كذلك يسهل تخيّل نفسك منهم. 
 



من رسومات كافكا. يمكن قراءة الكثير من خلال رسومات شخص ليس برسام من الأساس


بالنهاية أشعر بأنه يصعب إحكام الحديث عنه مثلما يصعب إحكام الحديث بعمق -أو بمحاولة تعمّق- عن شخص عادي لكن تصدر منه أعمال عميقة مستمدة من طبيعته كإنسان. 

الاثنين، 4 فبراير 2019

عن نونيّة ابن زيدون و هل على الحبّ أن يكون مؤلما أو أن يكون من طرف واحد؟

بالبداية أعترف بأنّي عجزت عن كتابة ما أودّ حول قصيدة ابن زيدون التي أحبّ. وأكثر شيء كنت أخشاه أن ينتهي استعدادي الى قراءة انطباعيّة عنها. 

أكتب ذلك وأنا أشعر بخيبة الأمل. 

وعقابا لي سأنشر ما كتبته كما هو: 


لاشيء يغذّي الحبّ أكثر من الحرمان ولاشيء يعكس حقيقته الأنقى إلا أن يكون من طرف واحد أو أن تجعله الظروف كذلك. هل هو شعور يدفع صاحبه أم أنّه شعور يندفع صاحبه فيه؟ هل لهذا الحبّ لذّة تشبه لذّة الألم؟
 للجرح ووخز الإبرة لذّة خفيّة لاتتعدّى مقدار جزء من ثانية يشعر المرء بأنّه قد شعر بها ولهذا قد نجد من يؤنّب نفسه ويعاقب نفسه ويؤلمها ويجد في ذلك لذّة خفيّة، هي لذّة ألم خفيّ عبثا يحاول المرء البحث عن تلك الوخزة وكأنّه يبحث عن ابرة في كومة قشّ. قد يغرق المرء نفسه بالألم حتّى يفقد أي أثر لتلك الوخزة فتغدوا آلامه بلا فائدة ويتشوّه شعوره كليّا

يصعب على المرء أن يزن مقدار مايحتاج من ألم ليلمس ذلك الشعور أو عمقه. الشعور به يحتاج الى شعور دقيق وحسّ مرهف. الكثير يحبّ  أن يلمس جرحه وكأنه يداعب ألمه ولا يفعل الشعراء إلا ذلك في قصائدهم وهي تحكي عن الفراق والحرمان والأحباب. يخطفنا بيت من قصيدة كوخزة! محاطة بالآلام حتّي أنّنا بالكاد نشعر بها عندما نقرؤ ذلك البيت دون باقي أبياته/آلامه. هل تستحقّ الوخزة كلّ  ذلك؟ بغضّ  النظر عن قولنا أصبحت تلك قصائد تسير بهالأزمان جيلا بعد جيل.



لم يدفع الحمد العذريين نحو العفّة لاشكّ  وأنّهم وجدوا فيه ما وجده عمر بن أبي ربيعة ولكن بصورة أخرى. ولو بدوا في أذى من حالتهم تلك. وهو ماتشير إليه أشعارهم، قد نشعر بشيء من سرور لكن ظاهر الحزن يخفي كلّ ذلك 
    

"يمكننا أن نحبّ دون أن نكون سعداء ويمكننا أن نكون سعداء دون أن نحبّ، لكن أن نحبّ ونلقى السعادة أن نجمع بين هاتين المتعتين الانسانيتين الكبيرتين هو الاعجوبة." 

من رواية بلزاك: (أسرار الأميرة دي كادينيان)


وإن كانت تكفينا وخزة من قصيدة حبّ كاملة فإن قصيدة ابن زيدون (أضحى التنائي) تكفي لأن تكون  وخزة قصائد العشق كلهّا. أبياتها تسرّك رغم مافيها من حزن وألم. شيء أقرب إلى الجنون أو إلى أن يكون المرء قادرا على أن يستأنس بحزنه

ليس للحبّ نهايات سعيدة إلا أن ينتهي هو نفسه. لطالما أنهت الحكايات قصص الحبّ بنهايات -يسمّونها سعيدة- تنتهي بالزواج والوفاق ومثل ذلك ولو استمرّت الحكاية قليلا لوجدنا ذلك الحبّ يتذبذب أمام أبسط المشاكل المنزلية.

في برزخ ما يقع الحبّ لذلك كانت أبيات ابن زيدون من أجمل مايكون بالكاد كان وصفه مكتملا وصريحا، إذ أنّه يترك مساحة خالية لاندفاعك نحو اكمال ذلك الشعور في كلّ بيت يعجبك وكأنّ قافية النون تشجّعنا على ذلك.

وقد نكون ومايخشى تفرّقنا 
فاليوم نحن ومايرجى تلاقينا
..
ماحقّنا أن تقرّوا عين ذي حسد
بنا، ولا أن تسرّوا كاشحا فينا

 وكذلك كان أكثر من اقترب من نقطة الألم تلك لأنّه كان يحوم حولها وهو يذكر تقلب الأحوال في كلّ بيت تقريبا، لازال في كلّ بيت يوغل الحسرة بعمق في كلّ  مرّة يذكر ماكان ايحاءً حتى ينهي بما آلت اليه أحواله ويظهر ذلك بدءا من مطلع قصيدته المشهور.

ياساري البرق غاد القصر واسقي به 
من كان صرف الهوى والودّ يسقينا
..
ويانسيم الصبا بلّغ تحيّتنا
من لو على البعد حيّا كان يحيينا
..
ياروضة طالما أجنت لوحظنا
وردا جلاه الصبا غضّا ونسرينا

 طالما أن الحبّ غير واضح فمن الأولى أن يوصف بمثل ذلك، بصورة لاتكون أقرب للحلم فيروى البيت ويفسّر مثل الحلم 

واذ هصرنا فنون الوصل دانية
قطافها فجنينا منه ماشينا
..
ويانعيما خطرنا من غضارته
في وشْي نعمى سحبنا ذيله حيـنا

كانت الصور تشبه مقتطفات أو بقايا مبعثرة على اختلاف أشكالها إلا أنّها كانت وكأنّها حروف تقول كلّ شيء، هذه الأشياء المبعثرة والتي كشف عنها ابن زيدون كما هي داخل حجرة قلبه. إنّه يحيط بالمعنى الذي يكتمل تصوّره في ذهن القارئ فهما وشعورا تماما مثلما يقول في هذا البيت 

لسنا نسمّيك إجلالا وتكرمة
وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا


القصيدة أجمل من أن تظلم باقتباس شيء منها، هي قصيدة تتمنّى لو أنّك كتبتها وبالنسبة لي أجد أن أعمق وصف يمكن أن يعبّراعجابك بعمل ما هو أن تتمنّى بأنّ العمل كان لك.






بصوت: ماجد الشبل الله يرحمه

الثلاثاء، 11 أبريل 2017

الشعر و كم هو مستحيل على الترجمة.

أكثر من مرّة حاولت قراءة الشعر الأجنبي المترجم ولكن دون جدوى. الكثير من كتب الشعراء الآجانب كانت تجذبني عناوينها وبعض اقتباساتها وألاحظ تعلّق الكثيرين بها. كانت هنالك أسماء كنت أتضايق لعدم قدرتي على تذوّق أشعارها: آليجري، لوركا، ريلكه، رامبو، إليوت، طاغور. وشعرت بالأسف بعد أن عرفت بأنّ فيكتور هوغو قد يكون أعظم كشاعر أكثر من كونه روائي! ومايؤسفني أكثر أنّه وبعد زمن وصلت لقناعة تامة أنّ ترجمة الشعر مستحيلة. وأنّ الأمر يبدو كمن يصف لوحة جميلة بالكلام، مهما كان الوصف موفّقا ستظلّ تشعر بأنّك تفتقد لرؤية اللوحة الأصل. 

الكثير من الكتب تحدّثت عن الترجمة وهنالك مترجمون تحدّثوا كثيرا عن ذلك مثل أمبرتو ايكو وهو أديب ترجم وتُرجم له. ولاتوجد ترجمة أثارت الجدل مثل ترجمة الشعر ولا أذكر أن أحدا قال وبكلّ جرأة بأنّه يمكن ترجمة الشعر مئة بالمئة، بل إنّ شاتوبريان الأديب الفرنسي المعروف ومترجم (الفردوس المفقود) لجون ميلتون إلى الفرنسيّة إعترف بأنّ الطريقة الوحيدة لترجمة شعر ميلتون هي بالنثر. أيّ أنّ الشعر وبكلّ بساطة سيفقد أهمّ دعائمه بعد الترجمة.

كيف نقول بأنّ الترجمة مستحيلة وليست صعبة للشعر؟ 
لك أن تتخيّل شخصا يترجم معلقة أمرؤ القيس هل تتصوّر بأنّ شخصا انجليزيّا بعد أنّ يقرأها مترجمة قادر على إعادة كتابتها إلى أصلها العربي؟ لا بالطبع. لعلّ أقرب وسيلة ممكنة هو أن يترجم شخص يحسن كتابة الشعر بالعربيّة والانجليزيّة ترجمة القصيدة، ومع ذلك ستظلّ القصيدة المكتوبة قصيدة المترجم نفسه.


لا يُستغرب أبدا أن يسمّي الكثير الأعمال المترجمة بالخائنات الجميلات وأن توصف الترجمة بالخيانة الوفيّة مثلا. مشكلة الشعر أنه يستمدّ جزءا كبيرا من جماله باللفظ صوتا ونطقا (وقعه على الأذن واللسان) وهو شيء لا يصاغ بالمعنى. 

لنضرب أمثلة أخرى على استحالة الترجمة ، وبالنسبة للروايات الأمر مختلف ولكن بدلا من أن نقول مستحيلة سنقول بأنّها صعبه ولكنّها ممكنة بمقدار. 

 مثلا لو أن شخصيّة روائيّة  استشهدت بهذه الأشعار"تجري الرياح بما لاتشتهي السفن" أو "اللي يبينا عيّت النفس تبغيه" كيف سأترجم ذلك؟ حسنا سأترجم ماهو موجود كلمة\كلمة ولكن المقطع الأوّل يوحيّ بأنّ الشخصيّة قد تكون مهتمّة بالشعر الفصيح والثانية توحي بأنّها شخصيّة تهتمّ بالأبيات الشعبيّة ولكن هل يستطيع الأجنبي الذي سيقرأ الترجمة معرفة ذلك؟ أنّ الشخصيّة استشهدت ببيت شعبيّ أو ببيت فصيح؟ الأمر الذي قد يوحي بعدّة أمور حول الشخصيّة نفسها أو جزء من مكمّلات الشخصيّة نفسها.  يمكن تفادي ذلك بوضع علامة وتوضيح بالهامش زو بجلب مثل شعبيّ باللغة المُترجم إليها -وهي طريقة مستخدمة- يوازي المثل الشعبيّ المترجم. ولكن حتما المثل الشعبي سيكون مختلفا لفظا وتاريخا ومايمثّله معنويّا قصّة وخلفيّة. أيضا نعرف بأنّ لكلّ مثل عربيّ أو شعبيّ وقعه النفسيّ والوجداني وأيضا الكثير من الشخصيّات المعروفة بثقافاتنا عندما تُذكر لها وقعها فينا والوقع لايمكن ترجمته. 

ليس ذلك وحده مالايمكن ترجمته بدقّة، إذ أنّ اللهجات لايمكن ترجمتها و لك أن تتخيّل نفسك وأن تشرح لأحد معاني قصيدة جميلة أعجبتك لشاعر عربيّ وأنت مع الأسف لاتحفظ أي بيت منها ولذلك تحاول عبثا شرح معانيها وإيضاح جمالها وأنت متأسّف لأنّك لم تستطع قول بيت واحد فيها. كذلك ترجمة الشعر بالضبط بالنسبة لي. وأتفهّم كيف أنّ مترجما بحكم معرفته باللغة الأصل يشعر بالأسف لأنّه لايستطيع أن يبيّن لنا جمال القصيدة إلا بشرحها. 


إنّه لمن المؤسف فعلا أن لايمكن ترجمة الشعر. فهنالك مقاطع جميلة جدّا، بل أحسب تشعّ روعةً؛ إذ أنّها وبلغة أخرى استطاعت أن تحافظ على جمالها، وكأنّ للبشر صيغ لغويّة معيّنة أو كلمة سرّ\سحر قادرة على تكون بمعناها الأتمّ وبأيّ لغة. 


"حيث يستعصي الأمل، الذي لايستعصي على أحد"
جون ميلتون

"سيجيء الموت وستكون له عيناك"
تشيزاري بافيزي

هذه من أكثر المقاطع التي تمنّيت أن أشعر بقراءتها بلغتها الأصليّة كمتحدّث بها. هل هي جميلة مثلما تبدو بلغتنا؟.  

حتى بحال تعلّمك لغة الشعر نفسه أحيانا لايتذوّق الشعر من هو يتحدّث باللغة نفسها كلغة أم فكيف بشخص يتحدّثها كمتعلّم لها؟! الكثير منّا يعرف قدرا من الانجليزيّة وله مخزون لابأس به من كلماتها ومع ذلك قد يصعب علينا كثيرا تذوّق الشعر الانجليزي. فنحن لانملك ذلك المخزون الذي يحيلنا إلى ماتعني الكثير من كلمات من معاني واعتبارات وتاريخ استخداميّ لها. أيضا لاننسى بأنّ الكثير من الروايات تحمل جملا كتبت بطريقة شاعريّة وقريبة من الشعر، أيضا ذلك زمر ماكلّ مترجم يستطيع ترجمته، كلّ ذلك يبيّن لنا أن الترجمة والمترجمين فيهم أشخاص عظام كما يوجد كتب ومؤلفين عظام.

وقبل أن أختم أحبّ أشارككم بمقطع أعجبني كثيييرا باللغة الانجليزيّة، ولا أدري لماذا هو بالذات ولا أدري كيف يمكن أن يترجم بأجمل العبارات.

Hail, ye small sweet courtesies of life, for smooth do ye make the road of it.
لورانس ستيرن




الشعر كنز الشعوب الفريد، فهو لم يكن مستحيلا على الترجمة عبثا. إنّه لصيق بالأمم الناطقة به ويفهمها أكثر من غيره لدرجة أنّ لا أحد يستطيع تذوّقه كما هو إلا بلغة وفهم أهله. فهو الإنتاج الإبداعيّ البشريّ الوحيد -إلى حدّ ما- القادر على الصمود والبقاء داخل الصدور. الشعر هو الابداع  الوحيد -ربّما- الذي استطاع الانسان الأميّ أن ينافس الانسان المتعلّم به، فلايستطيع أيّ متعلّم أن يدّعي أفضليّته على الأمّي بالشعر. تماما مثل اللغة. 

الاثنين، 21 نوفمبر 2016

حبّ من طرف واحد. دانتي آليجري

vide cor meum
"see my heart"

اسم لمقطوعة لحنها الايرلندي باتريك كاسيدي وتمّ عرض مقطع منها في فيلم "هانيبعال" الجزء الثاني من "صمت الحملان" وهي مستندة الى كلمات دانتي آليجري الموجودة في كتابه "حياة جديدة".

تلك الكلمات كان قد كتبها دانتي في أول فتاة أحبّها وهي بياتريس. والتي تزوجت وماتت باكرا وهي على مايبدو لم تكن تعرف شيئا عن كلّ ذلك الشعور الذي كان دانتي يكنّه لها.

لم يستطع دانتي أن يغذّي قلبه إلا برؤيتها وإلقاء التحيّة عليها عندما يصادفها في الطريق -كأيّ أحد كانت تبادله التحيّة- ، كان قلبه يقتات من تلك اللحظات البسيطة ولأنّ ثواني العاشق ساعات لاعجب أن كتب كلمات تستعرّ شوقا اليها. فقط عندما يغدو العاشق وحيدا وفي محراب ذكراه يكتب عن حبّه أو عذابه لأنّ الحبّ ليس إلا عذابا وإن كان لذيذا بلذّة الكلمات التي كتبت فيه. ولاشكّ أنّ لحظات التأمّل والتذكّر كانت هي البديل عن لقاء الحبيب. كمن يصنع دمية لمن يريد العيش معه ويعيش معها ويعطيها قسمة من روحه!.

مجرّد كتابة اسمها واسم دانتي في google ستشاهد عشرات اللوحات التي رسمها العديد من الفنانين وبالطبع ستجد زمرة الفنانين الانجليزيين الذين كوّنوا مجموعة فنيّة لإحياء فنّ عصر النهضة وفنّ رافايل وقد رسموا نفس العنوان جميعا! وهو اللقاء الذي كان يجمعهما صدفة بالطريق. وكأنّهم يقولون: انظروا فقط من خلال تلك اللقاءات كتب دانتي ماكتب فيها. المقطع يصوّر مثل ذلك اللقاء والذي لايعلم أحد كم مرّة تكرّر ذلك وربّما بعدد اللوحات التي رسمت تلك اللحظات.







 جزء من لوحة رسمها هنري هوليدي عام ١٨٨٣م وهي تصوّر تلك اللحظة.

يحكى أن عبدالله بن عبّاس -رضي الله عنه- كان يستعيذ من العشق عندما رأى رجلا اختلف عليه عندما رآه نحيلا قبل موته بعد أن كان جسيما ولم يكن به داء إلا العشق!. كثيرا مانسمع كلمات الحبّ وأغاني الحبّ والعشق وهي تترنّح بألحانها كترنيمة فرح! يبدو أنّ هنالك لبس في فهم العشق.
قد تسمع أغنية أجنبيّة يتحدّث المغنّي عن الحبّ والهيام وكلّ ذلك من واحدة ربما يقضي معها أطول الأوقات اسبوعيّا وإن لم يكن يوميّا ويلتقيان في أكثر الأماكن خصوصيّة وبانفراد! برمكاننا أن نعتبر الأمر جزء من التلوّث الذي أصاب هذا العصر وأصاب مفهوم العشق والذي لم يكن يعني إلا المعاناة لصاحبه، لـصـاحـبـه! وعندما يمرّ بنا مثل هذا الكلام في الكتب لعلّنا ننسى أن ذلك يعني (من طرف واحد) بكلّ ماتعنيه هذه الكلمة من معنى، بمعنى أنّ المعشوق بالكاد يعلم عن ذلك الحبّ إلا عندما يمرّ على العاشق في حلمه.

أتذكّر كلمات الشاعر ابراهيم خفاجي من أغنية محمد عبده "أشوفك كلّ يوم". لاأعرف أعنية وصفت العشق بصدق وببساطة مثلها. لاأتخيّل عاشقا إلا وقال مثلها في نفسه. ففي مقطعها:


"أشوفك كلّ يوم وأروح
وأقول نظرة تردّ الروح
أعيش فيها عشان بكره
عشان ليلي اللي كلّه جروح"

"ومادام النظر مسموح
أشوفك كلّ يوم و ... "


كلمات ربما تكرّرت كثيرا وبجميع لغات العالم لأنّ العشق لايفرّق بين اللغات.

وعودة الى المقطع والكلمات باللغة اللاتينيّة إلا أن ترجمتها الانجليزيّة هي:



Chorus: And thinking of her
Sweet sleep overcame me

I am your master
See your heart
And of this burning heart
Your heart
(Chorus: She trembling)
Obediently eats.
Weeping, I saw him then depart from me.

Joy is converted
To bitterest tears

I am in peace
My heart
I am in peace
See my heart


عندما نقول بأنّنا عاجزون عن التعبير كأنّنا نقول بأنّنا نجد صعوبة في ترجمة مشاعرنا لمن يتحدّث معنا (وبنفس لغتنا) فكيف بلغة أخرى؟.
ترجمة الشعر عمل شاق بل يبدو غير مفهوم وبحاجة إلى أن تعرف قصّة النصّ وخلفيّته لعلّ ذهنك يساعدك في ترجمة مشاعر صاحب الكلمات. عندما أقرأ شعرا أجنبيّا أجد صعوبة في فهم الكثير من مغزا الكلمات، إذا أردت أن تدرك مدى صعوبة فهم التصوّر بين اللغات انظر الى تعابير الـ slang مثلا.
عندما نقول عن أحدهم بأنّ قلبه أبيض سنفهم بأنّه طيّب القلب لكن الأجنبي عندما تقول له: he has white heart سيتعجّب من قولك ولن يفهمك. بالطبع مثل تلك التصوّرات ليست إلا جزئيّات بسيطة من القصائد الأجنبيّة في حين أن مفهوم الحبّ،الفراق،الألم مشترك بجميع اللغات وبالطبع الموسيقى تفهمها كلّ لغات العالم لذلك بالموسيقى ترجمان نفهمه جميعا.

باختصار ترجمة الشعر تحتاج الى ترجمة.
والقصص والمناسبات والموسيقى والخيال كلّ ذلك وسيلة لترجمة:ترجمة الشعر.

وهذه هي الأغنية وهي تصوّر مشهد اللقاء الشهير.






نفس الأغنية كيف مشهد مشهور لفيلم Hannibal





الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

الأدب الأجنبي والشعر: مالن تنقله الترجمة



"سيجيء الموت وستكون له عيناك" 
تشيزاري بافيز



"حيث يستعصي الأمل، الذي لايستعصي على أحد"
جون ميلتون



المقطعان من قصائد مترجمة. الأولى عن الايطاليّة والثانية عن الانجليزّية. لم تفقد الترجمة لم تفقد بريقهما. لعلّ المعنى كان شاسع التعبير لدرجة أنّه استوعب الترجمة بصدر رحب. لكن عندما تحاول أن تقرأ الشعر الأجنبيّ بالذات فإنّك لن تجد إلا القليل القليل من مثل هذه المقاطع التي لم تفقد بريقها. 

حاولت مرارا وتكرار قراءة أشعار آليغري وإدغار ألن بو وإليوت لكن دون جدوى! كأنّني أقرأ جثث قصائدهم. لقد إزددت قناعة بأنّ ترجمة الشعر مستحيلة وبالكاد يصلنا شيء من روعة تلك الأشعار عدى بضع مقاطع متفرقة، ليتني أفهم كيف بقيت كذلك. هل من روعة الترجمة، أم من روعة المقطع نفسه؟

لعلّ محبّي الروايات سمعوا كثيرا عن حرص القرّاد اقتناء النسخة التي ترجمها منير البعلبكي دون غيرها. السبب بكلّ بساطة روعة الترجمة، وكأنّ روعة القصّة لاتصل روعتها إلا بترجمة جيّدة بالذات. 


 "الترجمة والحرف أو مقام البعد" لانطوان برمان.

لقد عثرت على ضالتي في هذا الكتاب. الكتاب الذي يتحدّث بشكل مبسّط وجميل حول الترجمة. فيه وجدت كلّ التساؤلات المعتادة حول الترجمة ومشاكلها مع النصّ الأدبي. في العديد من الأمثلة المبسطة بكلّ وضوح. وكلام المؤلف جعلني أتذكّر بضعة مواقف مرّت بي. 

عندما أردت أن أصف أحد الأجانب بطيبة القلب قلت: he has a white heart عندها لم يفهم الأجنبي ماأعنيه! كنت أعني بأنّ له قلبا أبيضا -وهو مايفهمه كلّ العرب- ولكنّ وصف القلب بالأبيض غريب عليهم. لذلك عندما يترجم أحدهم نصا أدبيا عربيا فيه هذه العبارة عليه أن يقول: he has a kind heart  أي قلبا طيّبا، مما يعني أن ننسى مسألة القلب الأبيض كليّا وبالتالي استحالة ترجمتها دون تحريف "الأبيض" لما يعنيه "بالطيب". 

أيضا كيف يمكن للعربيّ أن يترجم محادثة بين عربّيين من بلدين مختلفين؟ أو عندما يستشهد عربيّ بهذا المثل "يادار مادخلكش شر" ؟ عند الترجمة لن ينتبه القارئ الأجنبي إلى أنّ العربي استخدم مثلا بلهجة مختلفة، مما يعكس دلالات معيّنة وفق السياق. لأنّ الترجمة أتته حرفيّا. أو عندما يتمّ استخدام مفردات محليّة لها دلالات معيّنة مثل: لهجات الجنوب أو نجد أو الحجاز، قد نستخدمها عمدا لإيصال صورة ما لن توصله أي ترجمة.   






أيضا مسألة أخرى. لاشكّ وأنّ العربي يدرك الفرق الواضح بين قراءة القرآن بلسانه العربيّ وقراءته مترجما! الأمر أشبه بالفرق بين قراءة آيات القرآن وقراءة تفسير الآيات.


وفي كتاب "محاكمات نورمبرغ" تأليف ج. م. جيلبرت وترجمة: أحمد رائف. يوجد مقطع لفت نظري. وهو كلام لهانز فرانك حاكم بولندا الألماني النازي الذي عبّر عن ندمه وقد اكتسى بعد الأسر وبالمحاكمة روحانيّة واضحة طغت على كلماته.  هذا الكلام كان وصفا لحال هتلر وطغيانه وكيف أن الله كان يراه.


لقد أتى أحمد رائف بآيات قرآنيّة! بالتأكيد لم ينقل فرانك هذه الآيات بل إنّ المترجم وجدها أفضل كلمات ممكن أن تترجم ماقاله فرانك. 

الخميس، 30 يونيو 2016

سيلفر كان مثالا جميلا للشرّ.







جون سيلفر "الرجل ذو الساق الخشبيّة". أستطيع القول بأنّها أشهر شخصيّة كرتونيّة في العالم العربيّ. الشرير المحبوب! والذي كان مثالا جميلا للشرّ. من أين أتت قصّة جون سيلفر؟





الشخصيّة أتت من رواية "جزيرة الكنز" للأديب الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون(1850-1894م). عندما يتعلّق الحديث بالمغامرات في ماوراء البحار لا أعتقد بأنّ هنالك أفضل من سكّان الجزر البريطانيّة لروايتها فهم بحقّ "بدو البحار". فقلّما تجد منطقة لاتخلو من بحّار ومغامر منهم، بل إن المؤلّف نفسه ارتحل كثيرا في جزر المحيط الهادي ومات فيها. يكفي أنّ نعلم بأنّ خريطة الكرة الأرضيّة -منتصف القرن الثامن عشر- ظلّت ضبابيّة وشبه عمياء لاتعرف بالتحديد حجم المحيط الهادئ ولاتعرف قارة بحجم استراليا! إلى أن أبحر جيمس كوك برحلاته الثلاث -وهو بالمناسبة أسكتلندي الأصل- هذا المغامر طاف البحار وأكمل رسم الخريطة التي نعرفها الآن للعالم إلى أن مات أخيرا في هاواي. وهو من أتمّ اكتشاف استراليا بعد أن كانت قارة أشبه بالسراب رآها بحّارة ولامسها قلّة وجهلها الكثيرون.
باختصار، لايوجد أفضل من هؤلاء لسماع القصص والمغامرات. 





نعود الى شخصيّتنا. ويكفي أن نتذكّر كيف اشتهر شخص في وسائل التواصل الاجتماعي سريعا فقط لأنّه استطاع تقليد صوت شخصيّة كرتونيّة، ذلك الصوت الواثق الفخم لجون سيلفر، أداء وحيد جلال. لقد بدى سيلفر طيّبا وإن كان بالأساس شريرا أو بدى شريرا لكنه طيب بالأساس. لايعرف على وجه التحديد ماهي شخصيّته باستثناء أنّه انسان جدّا، يمثّل وبشكل قوي النزعات في دواخلنا. يصبح شريرا عندما تتطلّب الظروف ذلك ويعود طيّبا متى استطاع أن يكون كذلك. الإنسان ابن لحظته، ففي المشهد المتمثّل في الصورة أعلاه عندما سأله جيم عن أهمّ شيء عنده في الحياة قال:" في الوقت الحالي أهمّ شيء عندي هذا الكوب من القهوة". أكلّ مايبحث عنه الإنسان يعدّ كنزا؟
 القصّة مثيرة بأحداثها ومايثير أكثر إعجابك بقرصان غدّار مثل سيلفر. هل لصوت "وحيد جلال" علاقة بالأمر؟ ربّما ولكن كلّ تلك الأحداث التي بدأت تبحر بنا وتقلّبنا مع أمواجها إلى أن تنتهي النهاية كشريط للذاكرة ونحن نتذكّر جميع الشخصيّات بما في ذلك الوشم الظاهر على يد بيلي بونز "العمر المديد للقبطان فلنت". 



 
العمل كان رائعا لرواية رائعة كانت قد لاقت اعجابا منقطع النظير لدى الكثير من الأدباء والروائيين.



الجمعة، 25 ديسمبر 2015

مغامرة لاختيار أعظم خمسين قصيدة عربيّة -الجزء الأوّل-

مضت سنين طويلة عندما كان يقال للشعر "ديوان العرب" فالشعر العربي لعلّه كان السمة الأبرز لمابقي من ثقافات العرب القديمة والتي خلت من التدوين والعمران إلا ماندر. وبقي الشعر السمة الأبرز للثقافة العربيّة حتّى بعد قيام الدول الإسلاميّة والتي كانت تتحدّث العربيّة بأغلبها. مؤديا أدواره والتي ربّما اختلفت باختلاف الأزمان.

ماذا لوقرّرنا بعد كلّ تلك السنين أن ننتخت أو نختار أعظم ٥٠ قصيدة عربيّة قيلت؟. لكلّ واحد منّا قوائمه والتي تتحكّم بها ذائقته،قناعاته وغير ذلك من أمور. لكن نريد أن نرى إن كان بالإمكان اختيار ٥٠ قصيدة لايمكن لأحد أن يجادلك على وجودها. قصائد مكانتها تفرضها رغما عن ذائقة المخالف ورغبته وانحيازه. مجرّد محاولة قد يتبيّن من خلالها الكثير.

ماهي أوّل قصيدة يمكن أن نضعها؟ لاشكّ أن أسماء: امرؤ القيس، المتنبّي، جرير، الفرزق إلخ. ستتبادر سريعا إلى الأذهان ولكن رويدا فنحن سنختار قصائد لا شعراء وبرأيي إنّ اختيار القصائد أصعب بكثير من اختيار الشعراء. لأنّك بعد أن تنتقي شاعرا ستنتقي قصيدة بعينها. أي تفصيل التفصيل. كيف نستطيع إيجاد ٥٠ لاجدال بها؟


المعلّقات السبع، نعم من سيجرؤ على الإعتراض؟ من أوّلهم إلى آخرهم الحارث بن حلزة اليشكري. لن تجد أديبا يتحدّث عن الشعر وتاريخه دون التطرّق للمعلّقات. بل إنّ قصّة سبب تسميتها بذلك حكاية لوحدها عوضا عن كلّ قصيدة بذاتها. فهي أشهر مجموعة مختارة على الإطلاق فكيف لاتكون في أوّل الخمسين!

أوّل سبع، المعلّقات السبع.

١- معلّقة أمرؤ القيس ومعلّقته:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
هي الأولى لأنّها كانت الأولى في البكاء على الأطلال وذكر المنازل. كانت القصيدة التي بنت منهجا قامت عليه أغلب القصائد الجاهليّة من بعدها. إنّها قصيدة كلاسيكيّة في وصف العشق في الجزيرة العربيّة من شاعر ينتمي لأسرة ملكيّة. والحبّ لايفرّق بين أحد.

٢- معلّقة طرفة بن العبد
لخولة أطلال ببرقة ثهمّد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد 
 قيل عن صاحبها "هو أجودهم واحدة" يعنون بذلك معلقته هذه. في أبيات صارت من أشهر الأمثال. قصيدة قيلت بلسان عشرينيّ! وهذا يظهر لنا كيف يضاهي شباب تلك الجزيرة كبارهم في الحكم والأمثال.  

٣- معلّقة زهير بن أبي سلمى
أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم 
بحومانة الدرّاج فالمتثلّم 
مدح الشاعر بهذه القصيدة من قام بدفع ديات الحرب التي قامت بين عبس وذبيان. وأنفقا كثيرا في سبيل إحلال السلام بين أبناء العمومة. القصيدة سجّلت حادثة لايجب أن تنسى. وذكرت أشخاصا يستحقون تخليد ذكراهم وكذلك فعلت القصيدة. ولاننسى كيف تزخر هذه القصيدة بالكثير من الحكم، من شاعر يبدو وكأنّه على دين ابراهيم عليه السلام وإن كان قد عاش في الجاهليّة. 

٤- معلّقة عنترة بن شداد
هل غادر الشعراء من متردّم
أم هل عرفت الدار بعد التكلّم 
يكفي أن نعرف بأنّ هذه القصيدة تحكي سيرة الفارس المشهور عنترة. فارس أسود ولدته جارية سوداء ولفظه والده وقومه لسواده. ولكنّهم عادوا إليه بعد أن تبيّنت لهم شجاعته. حكاية رجل فرض نفسه على قومه رغما عن التقاليد. حكاية لاأدري هل في الشعوب الأخرى مثلها؟

٥- معلّقة  لبيد بن ربيعة
عفت الديار محلّها فمقامها
بمنى تأبّد غولها فرجامها
قصيدة مثاليّة لشاعر في الجاهليّة. ذكر فيها كلّ شيء معتاد في القصائد الطوال. الأطلال والمحبوبة ومن ثم الفخر بالقبيلة وفيها حكاية جميلة عن الحياة البريّة . شاعر أسلم وله بيت لعلّه أشهر من جميع أبيات معلّقته "ألا كلّ شيء ماخلا الله باطل". قصيدة  بناها شاعرها من دون مناسبة معيّنة لتتضح لنا المعالم الأساسيّة والمعتادة للقصائد الجاهليّة. 

٦- معلّقة عمرو بن كلثوم
ألا هبّي بصحنك واصبحينا
ولاتبقي خمور الأندرينا
قصيدة قيل فيها بيت مشهور " ألهى بني تغلب عن كلّ مكرمة\قصيدة قالها عمرو بن كلثوم" كان ذلك من فرط ماجعل قبيلة الشاعر تعتزّ وتتباهي بهذه القصيدة لفخرها واعتزازها بهم. حتّى نسوا غيرها! قصيدة تعطيك صورة واضحة عن اعتزاز أبناء تلك الجزيرة لقومهم حدّ الجنون. وقد ذكرت أمور مهمّة عن أحوال الناس في ذلك العصر.

٧- معلّقة الحارث بن حلزة
آذنتنا ببينها أسماء
ربّ ثاوي يملّ منه الثواء
لعلّها أقلّ المعلقات شهرة وشاعرها كذلك لعلّه أقلّ شهرة من سواه من أصحاب المعلقات. إلا أنّ لهذه القصيدة قيمة تاريخيّة، فهي تذكر بعض الأحوال السياسيّة والأحداث التاريخيّة.


وماذا بعد المعلّقات السبع؟ من أين لنا بقصائد لا يجادلنا على وجودها أحد؟ بقيت ٤٣ قصيدة. لاشكّ أنّ في الشعر الجاهلي الكثير منها لذلك لنبحث عن القصيدة بهذه الفترة. قصيدة لها اسم يميّزها واشتهرت به ومشهود بجودتها.


٨-لاميّة العرب للشنفرى
أقيمو بني أمّي صدور مطيّكم
فإنّي إلى قومٍ سواكم لأميل
خصّت هذه بلاميّة العرب دون غيرها من اللاميّات  وماأدراك مالقصائد اللاميّة، الكثير من القصائد الجياد الطوال على هذه القافية. فمنها بيت لبيد الذي ذكرناه وقصيدة لزهير عظيمة منها بيت يقول فيه "تراه إذا جئته متهلّلا\كأنّك تعطيه الذي أنت سائله". على كلّ حال بالإمكان معرفة مدى عظمة هذه القصيدة من ناحية الجدل الذي دار حولها وحول نسبتها للشاعر، فلو لم تكن مهمّة ماكترث أحد بها. هي قصيدة تحكي حكاية أحد الصعاليك المغامرين. فهو يروي مغامراته بصور تكاد تكون سينيمائيّة ومغامرات تقشعرّ منها الأبدان.

وغيرها لاميّة أخرى!

٩- لاميّة العجم للطغرائي
أصالة الرأي صانتي عن الخطل
وحلية الفضل زانتني لدى العطل
قصيدة اشتهرت كثيرا. ورغم أن قائلها عربيّ الأصل فإسمها لاميّة العجم! بل كثيرا ماكانت تذكر جنبا الى جنب مع لاميّة العرب الأقدم. ومن منّا لم يمرّ عليه هذا الشطر " ماأضيق العيش لولا فسحة الأمل". بل إنّ الصفدي ألّف كتابا لشرحها وهو "الغيث المسجّم في شرح لاميّة العجم".


لاميّتان نستطيع ضمّها دون أن يعترض على انتقائنا أحد. كلّ واحدة تقدّم نفسها وتاريخها يشفع لها. وماذا بعد؟ طالما أنّنا اخترنا قصيدة إسلاميّة بعد ثمان قصائد جاهليّة فلنرى في أشهر القصائد الإسلاميّة، بل في عهد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام. لاشكّ وأنّ في عهده كانت قصائد ولاشكّ من بين تلك القصائد قصائد خلدها التاريخ. وعند النظر الى ذلك الزمن سنجد أنّ هنالك قصيدتان لاغنى عن أحد في معرفتها، وإن لم يكن مهتمّا بالشعر!


١٠- بانت سعاد لكعب بن زهير
بانت سعاد بفقلبي اليوم متبول
متيّم إثرها لم يفد مكبول 
من منّا لايعرف هذه القصيدة التي شفعت لصاحبها عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. لك أن تتخيّل قصيدة عنى بها شاعرها ليزيّنها أحسن زينة حتّى ينال العفو من الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم. ولك أن تتخيّل هذه القصيدة التي جعلت رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم يهدي صاحبها بردته. أبيات بالإمكان لمس عناية الشاعر بها واهتدائه إلى أجمل التعابير في لحظة انسجام تام من شاعريّته. 

١١- عدمنا خيلنا لحسان بن ثابت
عفت ذات الأصابع فالجواء
إلى عذراء منزلها خلاء
هي مع قصيدة كعب أشهر القصائد التي قيلت في حياة الرسول صلّى الله عليه وسلّم. وربّما لاتوجد قصيدة أشير إليها في أحاديث لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثلها. القصيدة التي قالها حسّان وهو مؤيّد بروح القدس. والتي هجا ومعه جبريل  فيها من هجا محمد صلّى الله عليه وسلّم. لحسان قصائد أخرى مشهورة ولها أبيات امتدحها الأدباء ولكن هذه لها وقع خاص في تاريخ الإسلام. في كلماتها تعابير محكمات تقرّ بالأذهان.

 
من أوائل القصائد الاسلاميّة اقتنينا قصيدتين. ولكن لازال أمامنا الكثير فمن أين سنبدأ من جديد؟ وكلّ بداية أخرى تكون أصعب من سابقتها. لكن لازال هنالك الكثير لنختاره دون أن نشكّ في وجود معترض. المعلّقات قيل أنّها سبع وقيل عشر! إذا ماذا عن الثلاث الأخريات؟ أو على الأقل أصحابها وهم من أعلام الشعر الجاهليّ. النابغة،الأعشى،عبيد بن الأبرص. لاشكّ أن لهؤلاء الفطاحلة أشعار تستحقّ مكانها. لكن المعضلة أن قصائدهم المشهورة كثيرة، ولكن ماهي الأنسب؟


١٢- اعتذار النابغة الذبياني
أتاني أبيتَ اللعنَ أنكَ لمتني
و تلكَ التي أهتمّ منها وأنصبُ
لهذه القصيدة أبيات سارت بها الركبان وتداولها الناس وردّدت أمثالها. من بينها بيت قيل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعجبه " ولست بمستبق أخا لاتلمّه\ على شعثٍ،أيّ الرجال المهذّب؟"  فلاأحد يخلو من العيب ولو حاولنا. بل إنّ فيها البيت الأشهر والذي لايليق إلا في مدح الملوك " فإنّك شمسٌ والملوك كواكب\ إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب" . عفو ملك الحيرة عن النابغة بعد قصيدته المتجرّدة تدلّ على عظم شأن هذه الأبيات. للنابغة قصائد أخرى مشهورة طويلة. لعلّ اختيار واحدة منها أصعب من اختيار واحدة لأيّ شاعر آخر غيره. 

١٣- معلّقة عبيد بن الأبرص
أقفر من أهله ملحوب 
فالقطيبات فالذنوب 
جلّ هذه المفردات أماكن وديار. وتلك سيمة بارزة لاتخفى في الشعر الجاهليّ والحال في البيتيين التاليين لهذا المطلع مماثلة. ولكن لهذه القصيدة أمر مختلف كثيرا عن السمة الجاهليّة، بل يخيّل لك أن صاحبها أحد العلماء المسلمين الزهّاد.   "من يسل الناس يحرموه\وسائل الله لايخيب"، "وكلّ ذي ابلٍ موروث\وكلّ ذي سلب مسلوب"، "وكلّ ذي غيبةٍ يؤوب\وغائب الموت لايؤوب". أبيات حكيمة لم نعتد وجود مثلها في الشعر الجاهليّ، إذ أنّ الكثير من أبيات الحكم عادة مايقولها الشاعر نتاج عمره وتجاربه في حين نجد أن الحكمة في شعر عبيد نتاج تفكّر وتدبّر وهو مانجده في شعر الزهّاد لكن ناتجا عن التعبّد. عبيد من فحول الشعراء المعروفين وهذه القصيدة هي معلّقة عند من يرى أن المعلّقات عشر.

  ١٤- معلّقة الأعشى
ودّع هريرة انّ الركب مرتحل
وهل تطيق الوداع أيّها الرجل
لعلّ الأعشى هو أكثر الشعراء الجاهليّين الذين وصلنا شعرهم بطوال جياد وأبيات مشهورات. نستطيع القول بأنّ ديوان الأعشى هو أكثر دواوين الشعراء الجاهليّين روعة لما يحويه من قصائد جميلة وشواهد مثيرة  تتيح لنا الاطلاع على الأحوال في الجزيرة العربيّة وتدلّنا بشكل جليّ على عظمة شأن الشعر والشعراء ومكانتهم. كيف لا وهو الذي توجّه الى محمد صلّى الله عليه وسلّم ليسلم فذعر مشركي قريش من خير اسلامه فصرفوه عن هذا الدين بعد أن أغروه واشتروا سكوته بعد أن مدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وودّع هريرة هي أعظم قصائده وفيها أبيات مشهورة، كأشجع بيت قالته العرب. ويقول حماد الراوية بأنّه نحل الشعر لجميع الشعراء الجاهليين عدى الأعشى فإنّه لم يحسن اسلوبه. الجدير بالذكر أن الأعشى من حاضرة في اليمامة.


القصائد السابقة نالت الكثير من الشهرة ابّان قولها. وزاد من ذلك اعجاب الأدباء بها وتدوينها والاشادة بها في بطون الكتب عبر العصور. إلا أنّ جميعها اشتهرت مفرّدة  ومجموعة. فالمعلّقات نالتها الشهرة لأسبابها ولإنتمائها اليها أو لانتمائها الى شاعر طارت به الآفاق شهرة مثل النابغة والأعشى وعبيد. ولاميّة العجم لأنّها أقرنت بلاميّة العرب وقصيدة كعب وحسّان لارتباطها بسيرة الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم. إلا أنّ هنالك قصائد جاهليّة اشتهرت في حينها قبل أن تشتهر لاحقا بفضل اعجاب الأدباء بها.


١٥- بائيّة علقمة الفحل
طحا بك قلب في الحسان طروب
بُعيد الشباب عصر حان مشيب 
لعلّ المطلع يشي بروعة هذه القصيدة أكثر من أيّ شيء آخر. فكيف اذا علمنا أنّ هذه القصيدة نالت إعجاب قريش عندما رواها شاعرها لهم. بل إنّ ملك غسّان ولشدّة إعجابه أطلق سراح أسرى بني تميم تكريما لشاعرها والذي قالها ليطلب من الملك فك أسر أخيه. وبها أبيات في نقد النساء اشتهرت كثيرا. والقصيدة مرتّبة ومنمّقة والكلام كان وافيا وأوفى بمعناه.   

١٦- قصيدة الأسود بن يعفر
نام الخليّ وماأحسّ رقادي 
والهمّ محتضر لديّ وسادي
لن يكون هنالك داع للاشارة إلى قصيدة الأسود، إذ أنّ ذكر اسمه كفيل بإحضار هذه القصيدة بالذات في الأذهان. قصيدة تشبه الملاحم والتي ترحّمت وذكرت فناء الأيّام والدول والأمم، بل فناء كلّ شيء حتّى العمر. قصيدة قيل لو قال غيرها بمثل جودها لماقدّم عليه أحد من الشعراء. لعلّها من أكثر القصائد التي نالت اعجاب الأدباء في العصر الاسلاميّ أكثر من شهرتها في حينها.

١٧- داليّة الأفوه الأودي
فينا معاشر لم يبنوا لقومهم
وان بنوا قومهم ماأفسدوا عادوا
للقصيدة أبيات حكيمة درجت في ألسن الناس منذ الجاهليّة الى العصر الاسلامي وأكثر من ذلك أنّها تصلح للتمثّل كثيرا في هذا العصر. إنّها قصيدة مثلى في نقد الاجتماعي للقبيلة عندما يؤول الأمر إلى منهم ليسوا بأهل للأمر والحلّ والعقد. قصيدة تضرب على الوتر الحسّاس للحالة الاجتماعيّة بالجزيرة العربيّة وقتها. لاعجب في إعجاب الناس بأبياتها من شاعر قال "إنّما نعمة قوم متعة\وحياة المرء ثوبٌ مستعار"  


لعلّنا الآن ننطلق الى القصائد التي قيلت في العصر الإسلاميّ. فنحن بهذا نضع أنفسنا أمام بحار من الأشعار المتلاطمة، وعند الإقتراب نكاد نغرق فيها. لعلّه من الصعب كثيرا الآن انتقاء القصائد أكثر. فنادرا مافقدت قصائد شعراء عصر الاسلام، بخلاف الشعراء الجاهليين. وبالتالي فنحن أمام كم غزير من الشعر والشعراء.
لنبدأ بالثلاثيّ الأشهر في العصر الاسلامي: جرير والأخطل والفرزدق. لكلّ واحد منهم قصائد جياد طوال ومشهورات. بل إنّهم ملؤوا الدنيا وشغلوها في عصرهم، حتّى كادوا ينسوننا أسماءً لاتفوّت مثل: ذوالرمة والراعي النميري. لجرير قصائد مشهورة وله واحدة لعلّها أشهرها وللأخطل قصائد مشهورة وله واحدة اشتهرت وامتدحها الأصمعي كثيرا أمّا الفرزدق فلاأتصوّر بأنّ هنالك صعوبة كبيرة باختيار أجود قصيدة قالها. 


١٨- الدامغة لجرير
أقلّي اللوم عاذل والعتابا
وقولي إن أصبت لقد أصابا 
الدامغة وهو الإسم الذي اختاره جرير لها. وهي القصيدة التي أنهت شاعرا فحلا من فحول الشعراء وهو الراعي. لايذكر إلا بها وكثيرا ماأجحف في حقّ شعره بسببها. وهي القصيدة التي أنهت تباهي قبيلة عظيمة وهي نمير، فلم يعد النميري يقول نميري بل عامري! وفيها أفخر بيت قالته العرب كما يقولون "إذا غضبت عليك بنو تميم\ حسبت الناس كلهمُ غضابا" وفيها أهجى بيت كما يقولون "فغضّ الطرف إنّك من نمير\فلاكعبا بلغت ولاكلابا" القصيدة أحدثت دويّا هائلا خلّده التاريخ.

١٩- لاميّة الفرزدق
إنّ الذي سمك السماء بنى لنا 
بيتا دعائمه أعزّ وأطول 
لطالما كان القارئ يلاحظ عند قراءة أشعار الثلاثة تفرّد كلّ واحد بأسلوبه. وأكثر ماكان يلفت بالفرزدق: قوّة وصلابة معانيه وتعابيره. فهو كما قيل: ينحت من صخر. وهذه القصيدة تبدي لنا أكثر مافي الفرزدق من روعة. من مطلعها الفخم بالفخر وفيها أهجى بيت هجا به جرير "ليس الكرام بناحليك أباهم\ حتّى تردّ إلى عطيّة تعتل" قصيدة فيها أقصى ماوصل به الافتخار بقومه  والاستحقار بقوم جرير. وفيها سرد جملة من فحول الشعراء وأشار إليهم ضمن عدّة أبيات.

٢٠- رائيّة الأخطل في مدح بني أميّة.
خفّ القطين فراحوا منك أوبكروا
وأزعجتهم نوى في صرفها غيَرُ
للأخطل رائيّة أخرى مشهورة ولكنّها سياسيّة -أوبالأحرى تعبّر عن الخلافات القبليّة- بالدرجة الأولى وليست ثريّة مثل هذه. فهذه شاملة لكلّ فنّ تميّز فيه الأخطل وففيها أبيات خلّدها الدهر. "شمس العداوة حتّى يستقاد لهم\وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا" هو من أشهر الأبيات التي مدح بها بنو أميّة بل أحبّ الأبيات الى قلوبهم على مايبدو. القصيدة كعادة الأخطل متماسكة في روعتها بطولها وتشعبها. ففيها كلّ شيء وفيها ذكر للظروف السياسيّة التي سبقت تثبيت أركان الدولة الأمويّة. فهي خير قصيدة تعبّر عن وجهة النظر العاطفيّة لكلّ من كان مواليا للأمويين ففي قال "أظفره الله فليهنا له الظفر". فهي قصيدة تلقيك بذلك العصر بكامل ظروفه وشحناته، حتّى إنّك ستجد جرير وقومه وقد نالهم الهجاء في هذه القصيدة.          


لإنّ كانت هنالك قصائد بعينها اشتهتر لشعراء ذاع صيت شعرهم بحياتهم. وراجت الكثير من قصائدهم. هنالك قصائد اشتهرت كثيرا أكثر من أصحابها لما تفرّدت بها  في  مناسبتها وكذلك روعتها. ،قد تخرج من الشاعر واحدة لايتقنها شعراء أفضل منه!.


٢١- رثائيّة مالك بن الريب لنفسه.
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً
بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا 
هذه القصيدة قالها شاعر بدأ حياته لصّا وقاطع طريق. إلا أنّه تاب وأناب والتحقّ بالجيش مجاهدا مع سعيد بن عثمان بن عفان ولكنّه أحسّ بقرب أجله ومات في خراسان بعيدا جدّا عن دياره. وكان قد قال هذه القصيدة قبل وفاته، يبكي على نفسه ويبكي بعده وفراقه لأهله وأحبابه ودياره. ولعلّها أعظم قصيدة  بكائيّة قيلت إذ أنّها فعلا تجعلك تحسّ بحرقة الاغتراب ولك أن تنظر الى قوله "فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه\وليت الغضى ماشى الركاب لياليا".  قصيدة عن ألم البعد في زمن كانت بعد المسافة  فيه تقتصّ من أعمار المغتربين. وقد جاءت قافيتها شبيهة برثائيّة أخرى قالها عبديغوث بالجاهليّة.

٢٢- الشوق إلى نجد للصمة القشيري.
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت
مزارك من ريّا وشعباكما معا
هي شبيهة بقصيدة ابن الريب إلا أنّها تحمل الشوق إلى المحبوبة بمايحمله ذلك الشوق من شوق نحو الديار. وهو كذلك مات بعيدا عن أهله بطبرستان. وفيها بيت ماأطيب ذكره "بنفسي تلك الأرض ماأطيب الربى\وماأحسن المصطاف والمتربّعا". نموذج لقصيدة قالها شخص حُرم مِنَ الزواج بحبيبته وارتحل بعيدا عنها لينسى ولكنّه بالواقع قال فيها قصيدة لاتنسى. يكفي أنّك تلمس شوقه إليها مع أنّ أغلب أبيات القصيدة كانت تتحدّث صراحة عن الشوق الى الديار في نجد فالأبيات لاتخفيها.       


وفي مجال الغزل.


٢٣- داليّة جميل بن معمّر.
 ألا ليت ريعان الشباب جديد 
ودهرا تولّى يابثين يعود 
من منّا لم يسمع بجميل بثينة كما سمع بمجنون ليلى؟. هذه القصيدة هي ختام لقصّة طويلة من العشق والهيام والتي انتهت برحيل الشاعر عن دياره بعيدا إلى مصر. ذلك جعل القصيدة مميّزة عن باقي قصائده وإن وجدت قصائد لاتقلّ روعة منها. الشاعر كأنّه عندما وقف قبل أن يودّع دياره وديار حبيبته وقف يودّع عمرا من حياته قد انقضى.  

٢٤- رائيّة عمر بن أبي ربيعة.
أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكر
غداة غدٍ أم رائح فمهجّر
عرفت العرب قصائد الغزل المعتادة. بوصف المحبوب لحبيبته وديارها ومعاناته. إلا أنّهم لم يعتادوا على الغزل الدراميّ، الذي يحكي حكاية العاشق ومغامرته في سبيل حبيبته. من السعي للقائها إلى الحديث معها بتكرار: قالت، قلت،  ووصف حالها قبل وأثناء وبعد اللقاء وجعل القصيدة عبارة عن مشهد لعشيقين يلتقيان سرّا حذر الأعين لاتّقاء شرّ الهمس الذي بدأ يملؤ آذان الناس في لحظات دقائقها ثواني بالنسبة للمحبوبين وثوانيها دقائق بالنسبة للكلمات والأوصاف.  أي أكثر من كونها قصّة عاشق معذّب. هذه القصيدة وبما أتت به من جديد متقن جعلت جرير يقول: "مازال هذا القرشيّ يهذي حتّى قال الشعر".  

٢٥- وأحبّها وتحبّني للمنخل اليشكري.
إن كنت عاذلتي فسيري 
نحور العراق ولاتحوي 
إن كنّا قد تحدّثنا عن قصيدة ابن أبي ربيعة الدراميّة المثيرة. فهذه القصيدة وإن كانت جاهليّة فلها حكاية أكثر إثارة من حكايات عمر بن أبي ربيعة وقصائده. حكاية فتى هامت زوجة الملك النعمان بن المنذر به. ولمّا شكّ النعمان فيهما كمن لهم ليأخذه على حين غفلة وبالجرم المشهود ليقتله شرّ قتلة. قصيدة لعلّها كانت الملهمة لابن أبي ربيعة. البديع في هذه القصيدة تصوير أحداث المغامرة بإيجاز بليغ .



إلى هنا ننتهي من الجزء الأوّل. ولاأدري إن كنت قد وفّقت بالاختيار -وهذا ماأتمنّاه- إذ أنّ كلّ قصيدة لابدّ وأن تكون معروفة ومألوفة لدى كلّ عاشق للشعر الفصيح، والقصائد المختارة بظنّي كذلك باستثناء قصيدة الأفوه الأودي.  بعض القصائد لاتجاريها قصائد وإن كانت أكثر منها جودة وروعة في أوصافها وأبياتها وذلك بسبب مناسبتها وقصّتها وكذلك  ظروفها.

سؤال افتراضي: لماذا أغلب القصائد من العصور الأولى للإسلام؟ لأنّ الشعر هو ديوان العرب وهو تاريخهم ووثائقهم وفيها أحداثهم وعبرهم وحكمهم. فالعرب أمّه لم تكن تكتب كثيرا في بدايات عصر الإسلام، لذلك كان الشعر بمثابة الكتب التي وضعت في أرفف الذاكرة والصدور. فمع انتشار تأليف الكتب وباقي العلوم بدأ ينحسر دور الشعر ولم ينحسر الشعر نفسه. لذلك وإن قيل فرضا: هل هنالك قصائد أفضل من القصائد المختارة؟ الإجابة هي نعم. وهنالك قصائد بالعصر العبّاسي لعلّها أفضل مما تمّ اختياره ولكنّ القصائد المختارة أتت في زمن كان للشعر دور أكبر مما كان عليه بالعصر العبّاسي ولذلك كان بروز القصائد بعينها أكثر وضوحا.



      


 

الاثنين، 21 أكتوبر 2013

مارأيته في "موسم الهجرة إلى الشمال"






"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح - رحمه الله -  عندما بدأت بالرواية مصحوبا بالحماس الذي غرسه المديح الذي نالته الرواية  بشكل كبير . كنت أتوق لمعرفة الكثير عن السودان أكثر من الذي كنت سأعرفه من كتب الجغرافيا وبعض كتب التاريخ التقليديّة التي تتناول البلد كجسد يتمّ تشريحه في حين تستطيع الرواية تناول البلد كجسد ينبض بالحياة . على كلّ حال ليس من حقّ القارئ أن يملي على المؤلف ما يجب عليه كتابته. له أن يتأمل ويتمنّى .  
 لكن وجدت في الرواية مصطفى سعيد المحبط الناقم . محبط من حال بلاده وناقم على البلاد التي احتضنته . بصراحة شخصيّة مصطفى سعيد تشبه كثيرا عينات ممن يسمّون بالمثقّفين العرب . يأتون إلى بلدانهم محمّلين بكمّ كبير من الثقافة والمعرفة والفلسفة وكلّ ما هو غربيّ , ومحمّلين كذلك - على ما يبدو -  بالنقمة ومليئين بالضيق . يتذمّرون من تخلّف بلدانهم ولا يفعلون شيئا إلا الثرثرة للوسائل الغربيّة والأجنبيّة يشكون من تخلّف بلدانهم وبوجه آخر  يصدحون بالكثير من الكلمات الموجّهة ضد الغرب الاستعماري ويتّهمونه بإلقاء بلدانهم في قعر التخلّف الذي جعل بلدانهم عاجزة عن الخروج منه . ألا يبدو بأنّ أحدهم يحاول أن يميّز ذاته عن شماله ويمينه وينأى بنفسه عن كلّ لوم ؟. هنالك شيء يتغذّون عليه وقد لا تكون الشهرة على أية حال وقد يكون البحث عن التميّز المدفوع بالنرجسيّة . جانبهم الغربيّ يقتات على تخلّف بلدانهم فيملؤون كتبهم  بالكلام النظري الذي يفسّر ويحلّل بأسف حال بلدانهم وجانبهم الشرقي يقتات على تركة الغرب الإستعماري وأطماعه فيملؤون كتبهم بالخطابات الرنّانة الرافضة لكلّ ماتركه الاستعمار والواقفة بالمرصاد لأطماع الغرب وصيد أخطائه. بالنهاية نكاد نرى شخصا يحاول أن يكون من عالم لا ينتمي لا للغرب ولا للشرق ! . انتماؤه الغربي يتجلّى من خلال التنظير المليء بالمثاليّة وانتماؤه الشرقي يتجلّى من خلال الخطب الرنّانة . كأنّهم مصابون بالتوحّد , يصعب عليهم العيش بأمل في بلدانهم الشرقيّة وكذلك في بلدان ثقافتهم الغربيّة . إنّهم لا يشبهون كثيرا البسطاء في بلدانهم رغم أنّهم يودّون لو كانوا أمام الناس منهم . المثقفين العرب لا يهتمّون كثيرا بالإرث الشعبي لبلدانهم وقد يسمّونه تخلّفا لا إرثا  ولطالما كانت كلمة "العادات والتقاليد" مقرونة على ألسنتهم بالتخلّف والتعصّب , في حين قد نجد العديد من الغربيين يهتمّون بالثقافة الشعبيّة للبلدان العربيّة وإرثهم . يبدو الأمر وكأنّهم لم يعودوا إلى بلدانهم بثقافة غربيّة بل عادوا وكأنّهم يحملون قلب ذلك الرجل المستعمر الذي لا يرى بالشرق إلا الفوضى ولا ينظر إليهم إلا من فوق عتبات عالية من الوهم . إن كان للإستعمار عيوب كبرى فهذه إحداها . باتت الشهادات العليا في يد من لايريد مدّ يده لبلده بل مدّ لسانه . وإن كنّا نكره في الغرب بحثه عن عيوبنا وتصيّدنا فهم قد أعفوا نفسهم على ما يبدو من فعل ذلك تاركين الأمر بيد غيرهم وبالقرب منّا . لماذا يسيؤون كثيرا للأشياء التي نتعلّق بها؟ . ديننا وعاداتنا وتقاليدنا  مصدر تخلّفنا كما يرون! . إن كان هنالك أشياء دفعت العربي للانتفاض ومقاومة الاستعمار والمحتلّ فهي هذه الأشياء التي تعلّقنا بها . الدين ومن ثمّ العادات والتقاليد . الآباء الذين حاربوا ضد المعتدين كانوا متعلّقين كثيرا بها وكانت مصدر إلهامهم . ما أكثر رجال الدين والأناس البسطاء والذين يعيشون وفق قانون أعلى وهو الدين وقانون أدنى وهي العادات والتقاليد في حروب الإستعمار ومقاومتها , اكثر من غيرهم . هنالك تداخل بين القانون الأعلى والأدنى ويحصل الخلط كثيرا ولكن ذلك ليس مبرّرا للانقضاض عليهما. مصطفى سعيد عاد لبلده السودان ومثله الآلاف وعشرات الآلاف عادوا عبارة عن صناديق محمّلة ربّما بالكثير مما يفيد بلدانهم ولكنّها بالنهاية بقيت صناديق جامدة و عنيدة  تكدّست بها بلداننا . جيل واحد من المغتربين اليابانيين استطاعوا النهوض باليابان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أكثر مما فعله أجيال من العرب المغتربين العائدين . هل نحن بحاجة إلى مثقّفين ؟ . وهل كانت كثرتهم عاملا لاستقرار البلد أو تقدّمه؟. فلنرى الإجابة ونرى ما كان يفعله المتخاصمون بالجزيرة العربيّة الخالية من أي مثقّف - تقريبا - قبل قرن وما حدث في بلدان عربيّة أخرى مليئة بالمثقفّين.

إنهم يشبهون الغراب الذي حاول أن يقلّد مشية الحمامة , فأصبح كائنا يشبه الغراب ولا يتصرّف مثلهم. رحلت بنادق الغرب التي كانت مصدر القمع الدموي للعرب وأتت من بعدها بنادق غربيّة بأيدي عربيّة وللأسف كذلك هنالك بنادق غربيّة بألسنة عربيّة. لعلّ مصطفى سعيد كان ضحيّة للتجاذبات التي انهالت على عواطفة فكان كالجريح الذي انقضّ على ماحوله يأسا.