‏إظهار الرسائل ذات التسميات إنمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إنمي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 18 أكتوبر 2025

إيفانجيليون ونهاية أعمال الميكا


 هل يمكن اعتبار نيون جينيسيس ايفانجيليون (1995)  مسك الختام لسلسلة أعمال الميكا؟



في الذاكرة: مازنجر (1972)، جونكر (1972)، جرندايزر (1975)، البطل خماسي (1976) وغيرهم الكثير، أعمال ميكا كلاسيكية حازت مكانة كبرى  لكن سرعان ما وصلت تلك إلى مرحلة التشبّع وتكرار الأفكار.

رواج هذه الأعمال تزامن مع موجة البحث العلمي المبكر عن الكائنات الفضائية، و القلق من احتمال وقوع غزو خارجي أو نهاية كارثية للعالم، خصوصًا في ظل الحرب الباردة والتجارب النوويّة.



 نيون جينيسيس ايفانجيليون أو " انجيل عصر جديد"

الى حدّ ما، يمكن اعتبار العمل ذروة الميكا في إضافة الأفكار ؛ أكثر من كل ما أضافته الأعمال السابقة. يحظى العمل بتقدير واسع حتى من الذين لا يتابعون الميكا بشغف، وله حظور ملفت بالدراسات والمقالات الجديّة.

ما الذي نجده فيه ولا نجده في غيره؟ مع أن العمل لم يكن محبّبا على غرار سلسلة الأعمال الكلاسيكية ولم يكن شينجي (بطل القصة) مقرّبا الى قلوب المشاهدين، و على ما شاب نهايته بالفيلم من غموض وتداخل مبالغ فيه، للعمل أوجه تميّزه عن غيره. 



بدايات مربكة

لعل أول ما يطرأ على ذاكرة من شاهد العمل، الجمود والكآبة التي تسكنه؛ شعور يبدأ في أولى الحلقات. مشاهد مطوّلة وجامدة، أحيانا يكسرها حدث عابر وذو دلالة مفاجئة. شينجي (بطل العمل) يظهر بلا تمهيد، وقيادته للآلي تتم بلا تحضيرٍ كافٍ. لقاء عابِر مع والده يُثير أسئلة لا إجابات. ظهور “الملائكة” مفاجئ ومقلق. قلق الشخصيات وضجرهم ينساب إليك  فتحسّ بأن ثمة معارك نفسية تنبعث من الداخل ومن ماضي لم يروى وأحمال تثقل أذهانهم. بخلاف الأعمال السابقة، كان القلق ينصبّ من الغزو الخارجي وتهديده. 


عن الرسم 

أحيانا لا توحي صرامة خطوط الرسم بإمكانية حدوث أي حركة تكسر المشهد. التفاصيل المسلية قليلة، ومساحات الفراغ شاسعة، بعض الزوايا والمشاهد الخالية توحي بالإهمال والترك، كأن الجمود مقصود لإبراز خواء العالم. ومع ذلك الرسم ليس مبسطا؛ فالتلاعب بالزوايا والألوان الصارخة يبرز عناصر معينة، تضيف شعورًا قويًا يتناقض مع جمود الرسم. 



 بروز اللون والشكل


ألوان باهتة وضبابية تخلو من الحياة تعكس المشهد



المونتاج واللقطات

اللقطات المطوّلة في العمل تخلق شعورًا بالترقّب والملل، مشابهة لما نراه في الأفلام السينمائيّة. مصمم هذه اللقطات يدرك أن المشاعر التي تنتاب المشاهد تحتاج إلى وقت لتتكوّن، فتوقيت قطع المشهد وطريقة الانتقال تلعب دورًا مهمًا في بناء المعنى. مونتاج هذا العمل يتميز بشيء من الشاعريّة بحثا عن معنى.


الأسماء

 "الملائكة"، اسم يطلق على المخلوقات الغازية! ما يعكس تساؤلا إن كان البشر هم الطرف الشرير بالفعل. وبقدر غموض الاسم يأتي غموض المكان الذي أتوا منه. عنوان العمل "انجيل عصر جديد" يكتسب عمق دلالته من شخصيّة اسمها "آدم"، تتمحور حوله أجزاء مهمة من القصة. "حقل الإرهاب المطلق" وهي طاقة دفاعية وهجوميّة يطلقها الغزاة.  لا يبدو بأن الأسماء اختلقت لجذب الانتباه فحسب؛ بل لتوصيل دلالات دقيقة.


غموض وحذر 

بأعمال الميكا السابقة الغزاة يشبهون بعضهم، وحوش آليّة لها هيئة شبه بشريّة. بهذا العمل يمكن اطلاق عبارة "الشيء" على الغزاة؛ إذ يفتقرون إلى هيكل بشري ثابت أو إطار محدد. ويتطور شكلهم في كل مرة، ليقترب أكثر من هدفه. هذا التطور السريع يثير قلق الشخصيات، وينقل شعورًا مماثلًا إلى المتلقي. على عكس الأعمال القديمة، حيث كان اقتراب العدو متكررًا وروتينيًا، هنا يظهر العدو وكأنه يكسر الحواجز والمسافات، مما يزيد من التوتر والإحساس بالخطر.

ويمكنك الشعور بالقلق الذي انتاب العالم من وجود مدينة مخبّأة أسفل المدينة! في المدينة مطلّ بزاوية الغروب يشبه كثيرا مشاهد الانمي القديمة لشخصين يتأملان الغروب بسكينة بحثا عن السلام. بعض المنشآت يظهر عليها الحذر؛ أنشأت تحسبا لشيء ما. الكثير من الشخصيات عباراتها توحي بالملل من الهرب المستمر من تهديد مقلق لا يصل حدّ الفزع، مما يجعل التبلّد يسيطر على تعابيرهم، بما في ذلك العالم المسؤول عن مواجهة الغزاة (والد شينجي)، الذي بالكاد يظهر عليه القلق بشكل يكسر جموده.

الأسرار في القصة مصممة بعناية؛ فهي تخلق فراغًا يخلق انبعاجا على سلوك الشخصيات وتصرفاتهم.



طوكيو وقت الغروب



بين الواقعيّة والخيال

من يذكر التجارب العلميّة بأعمال الميكا؟ مثل تجربة التحام الأسلحة الطائرة بجرندايزر واليويو الكهرومغناطيسي في البطل خماسي. في ايفنجيليون التجارب أكثر تعقيدا وعلمية. ومعدّلات النجاح ضئيلة للغاية، بما يتماشى مع القلق والغموض المحيط بالأحداث. 

مصطلح الحاسوب الحيوي يتألّق كإضافة فريدة؛ فالمفاجأة في الدمج بين البيولوجيا والتكنولوجيا تقترن بازدواجية تُلقي بظلال مثيرة وريبة على طبيعة الكائنات والآليين وأجهزة الحاسوب. 

وعلى صعيد الواقعيّة، نرى القيود التي تحدّ من استخدامات الآليين وما تمثله من تحديات مقلقة؛ حاجة الآليين لكابلات الطاقة ولا يقاتلون دونها الا  لدقائق معدودة، مثل الرجل الحديدي لا يستطيع القتال إلا فترة محدودة. ولا يطيرون بصورة مطلقة مثل الميكا الكلاسكية. أو أسلحة لا محدودة من أشعات الليزر. الآليون في أعمال الكلاسيكية من ابداع الخيال، وفي هذا العمل أقرب للخيال العلميّ.



لا يحمل الآليون الذين يتصدون للغزاة هيئة محببة


 الخير والأمل

كانت أعمال الميكا الكلاسيكية تتغنى بأعمال الخير البطوليّة وتحثّ على الأمل. نهاية الحلقات مريحة -كأنها تنهيدة-،  وقاعدة الآليين المدافعين عن الأرض تمثّل الخير المطلق بمواجهة الشرّ، كتبت لنحبّ أبطالها المخلصين، وأقوالهم التي تحثّ على فعل الخير بعيدا عن النقاش في قضايا الأخلاق (الإيتيقا). لكن الخير في ايفانجيليون لا يخلو من الريبة، من مسمّى "الملائكة" للغزاة الى  ما يحيط بالقاعدة (نيرف) من غموض يكتنف مشاريعها و أهدافها السريّة. والعمل يحوي كمّا من النقاشات في قضايا الخير والشر. 




بخلاف أبطال الميكا، كان شينجي مكتئبا في أغلب حالاته وأشهر صوره بالعمل 


بالختام: هل من عمل بعده؟

بقدر ما فتح العمل أبعادا وتفاصيلا بهذا المجال مثلا، الآلات الحيويّة، الغزاة وطبيعتهم المبهمة، الأبعاد النفسيّة للأحداث وأثرها على الشخصيّات، إلا أنه أغلق الباب كما يبدو على من بعده! هل نال العمل صفته الختاميّة لتوقيت صدوره أو لما قدّمه من أفكار؟ أم هل تجاوزت اهتمامات المشاهدين عالم الميكا وغزاة الفضاء؟ يبدو أن ايفانجيليون والزمن تقاطعا معا، ليكتبا نهاية حقبة لا تنسى من أعمال الميكا البطوليّة.





الأربعاء، 5 فبراير 2025

كيف صنع ذلك الجيل من أعمال الانمي إرثا مميزا من الذكريات


"لا تغضب منّي أيها الشاب أرجوك، لا أريد أن أتذكّر أي شيء عن حياتي الماضية"
(جون سيلفر، في الحلقة الأخيرة من "جزيرة الكنز")




التطرّق  للذكريات

في "ريمي الفتى الشريد"، أخفى فيتاليس عن ريمي اسمه الحقيقي وماضيه، كما فعل تامر في "النمر المقنّع"، حين أخفى هويته وطفولته عن الجميع. الكثير من الذكريات كانت تخبّؤها شخصيات ذلك الجيل من الأعمال بشجن ،  مثل والد فارس الفتى الشجاع وخالة بوليانا. ورغم أن عنصر الذكريات حاضر في أعمال أنمي أحدث مثل "ون بيس" و"قاتل الشياطين" ، إلا أن ما يميز الذكريات في أنمي الثمانينات والتسعينات هو ارتباطها الوثيق بجيل نشأ على متابعتها مدبلجة. هل يعود ذلك إلى طبيعة قصصها، أم إلى الزمن الذي عُرضت فيه؟



الرسم والتحريك وأثره على الذاكرة

تشبه رسومات تلك الأعمال لوحات الفن الياباني، مع فارق أن العيون فيها أكثر اتساعًا -إذ تُعتبر العين مرآة الروح وفق اعتقادهم- . تتميز العديد من مشاهد الأنمي القديم بجمالية تشبه اللوحات الفنية، لا سيما في أعمال أوسامو ديزاكي مثل "ريمي الفتى الشريد" و"جامبا" و"جزيرة الكنز"، مما يضفي على المشهد قيمة حسية مميزة. أما في الأعمال الحديثة، حيث يغلب الرسم الرقمي الآلي الذي يفتقد دفء الخطّ اليدوي  والهامش الناعم من اللمسة البشريّة، فإن ارتباطها بالذكريات يبدو أقل تناغمًا. في الرسوم القديمة، كان للإضاءة وتباينها دور وظيفي وأساسي في إبراز ملامح الوجوه وتفاصيل المشاهد، تمامًا كما في اللوحات الفنية، وهو عنصر أصبح أقل حضورًا في الأعمال الحديثة.


"ليدي أوسكار"، مشهد قصف الباستيل

في تلك الفترة، لم تكن التقنية تتيح تنفيذ مشاهد حركية سريعة كما هو الحال اليوم. بدلًا من ومضات قصيرة كـ'ضربة خارقة أو صاعقة' أخرجت كومضة، كانت المشاهد أطول وأكثر تأملًا، مما أتاح للمشاهد فرصة استيعاب المشاعر الكامنة فيها. كما امتازت المشاهد الحركية القديمة بلمسات فنية معبرة، سواء عبر لقطات ساكنة تلتقط جزءًا من الحركة، مثل قتال بيلي بونز لسكيني دوغ و تحطيم سيلفر للجمجمة في "جزيرة الكنز" أو من خلال انسيابية أنيقة في الحركة والألوان، كما في ضربات "النمر المقنع" والمناورات الكروية في "الهداف".  في المقابل، تميل الأعمال الحديثة إلى إثارة المشاهد عبر ومضات سريعة تثير المشاعر وتتحكم بالانتباه، حتى مع غياب القصص العميقة، مما جعل الاستعراض الحركي يشكل جزءًا كبيرًا من بناء الشخصيات وسرد الأحداث.

كما أولت الأعمال القديمة -وخاصة المدبلجة منها- اهتمامًا خاصًا بالقصص الخالدة التي تحمل قيمًا إنسانية. حدود الرسم والتحريك آنذاك دفعت إلى التركيز بشكل أكبر على المشاهد الحوارية وتحليل الشخصيات بصريًا.  لهذا، يمكن ملاحظة الفرق في طبيعة الذكريات بين من شاهد "جزيرة الكنز" في طفولته وعاد ليتذكر مشهد كوب القهوة بين جيم وسيلفر، واللحظات المؤثرة في "ريمي الفتى الشريد" وبين من نشأ على مشاهدة "البوكيمون" و "أبطال الديجيتال".



"ريمي الفتى الشريد"


الصوت والدبلجة: بين الجودة والتبسيط

إلى جانب القيمة التي يضفيها الجمال البصري في تشكيل الذكريات واستعادتها، للصوت وتناغمه جمالٌ خاصٌّ ووزنٌ في الذاكرة. في تعليق أحدهم على أنمي "الرمية الملتهبة"، قال إن صراخ البطل مزعج ولا يمكنه إكمال مشاهدته، وهو تعليق مشابه لما سمعته عن "هجوم العمالقة". مشاهد الصراخ جزء أساسي في الأنمي الياباني، تُستخدم لتصوير لحظات الذروة والحماس، ويتماشى هذا الأسلوب مع مفهوم 'الإشباع اللحظي'، حيث يُستثار المتلقي فورياً عبر مشاهد مشحونة بالعاطفة. ومع ذلك، في الأنمي القديم، كان بناء المشاعر أكثر تدريجًا وتأملًا، أما في الدبلجات القديمة، فقد كان هناك اهتمام أكبر بانتقاء الأصوات، والعناية بالأداء، لذلك لم يكن غريبًا أن تبقى أسماء مثل وحيد جلال، سامي كلارك، إيمان هايل، ونصر عناني محفورةً في ذاكرة جيلٍ بأكمله. 



شخصيات من سلسلة ' مسرح تحف العالم'  

يمكن بسهولة ملاحظة الفرق بين الدبلجات التي قُدمت في الثمانينات، بما فيها إنتاجات 'مسرح تحف حول العالم'، وبين الدبلجات الأحدث في التسعينات. الدبلجات الأقدم كانت أكثر وفاء للنصوص الأصلية، واحتفظت غالبا بالأسماء الأصليّة، على عكس الدبلجات اللاحقة التي عرّبت الأسماء ووجهت بشكل أكبر للأطفال،  على سبيل المثال، في المشهد الترويجي للشركة الدولية لأفلام الكرتون، تقول بأنها "لا تغفل أن تحوّل بعض أروع قصص الكبار إلى عالم الصغار، وبشكل لطيف ولغة مأنوسة سهلة التناول"،  ويقول المشهد نفسه  بعبارة لاحقة: "يقوم مركز الزُهرة بدبلجتها إلى اللغة العربيّة بعد أن ينتقي منها بكلّ دقة وحرص ما يناسب قيم المجتمع العربيّ وعاداته وتقاليده"،  تعكس هذه العبارة تحولًا جوهريًا في نهج الدبلجة، حيث أصبحت أقرب إلى الرقابة التربوية، وهو ما أدى أحيانًا إلى تحوير أو تشويه النصوص الأصلية(١) . في السابق، كانت الدبلجة بطبيعتها تناسب الصغار وتجذب الكبار (الذين شاهدوها غالبا مع صغارهم بجلسات التلفزيون)، لكنها لاحقا باتت أكثر توجيها للصغار؛ سواء بانتقاء العبارات ونبرة الصوت، اختفت اللغة الفخمة والعبارات البليغة التي أضفت على الأعمال السابقة عُمقا بلاغيّا، وحلّ محلّها أسلوب أكثر مباشرة وتربوية -وإن كان ذلك بدافع من اعتبارات تربوية مهمة (٢)- ذلك أفقدها شيئا من السحر والجاذبية العابرة للأجيال والأبقى للذكريات.

 


سياق العرض وأثره في تشكيل الذكريات  

لا يمكن إغفال السياق التاريخي والاجتماعي الذي أحاط بإنتاج الأعمال ودبلجتها ووسائل عرضها، سواء عبر قنوات التلفزيون أو أشرطة الفيديو أو مواقع التحميل على الإنترنت. بعض الأعمال أُنتجت في الثمانينات لكنها لم تُدبلج إلا في التسعينات، بينما عُرضت أخرى على القنوات الرسمية خلال أوقات الذروة العائلية، وشاهدها الجميع، في المقابل، هناك أعمال لم تُتح إلا عبر القنوات الفضائية خلال فترة تعدد القنوات. مما خلق تجارب مختلفة في تلقيها وتأثيرها على ذاكرة المشاهدين، على سبيل المثال، أُنتج "النمر المقنع" في الثمانينات لكنه لم يُدبلج إلا في أواخر التسعينات! لذلك، قد لا يحظى "النمر المقنع" بنفس الطابع الذي تحمله في الذاكرة أعمال معاصرة له، لكنها دُبلجت قبل سنوات، مثل "فارس الفتى الشجاع" و "الكابتن ماجد".

ختامًا، يمكن القول إن طبيعة قصص ذلك الجيل من الأنمي، إلى جانب أسلوب رسمه ودبلجته وسياق عرضه، قد ساهمت في تشكيل ذاكرة أكثر حميمية. وما حديث شخصيات تلك الأعمال عن الذكريات إلا صدى يتردد صداه من الأعماق ،  " ألا تعتقد .. ألا تعتقد .. أني على صواب يا جيم"  



" جزيرة الكنز"، حديث القهوة بين  جيم وسيلفر 


---------

(١) أحيانا يضطرّ المنتج لإزالة مشاهد وعبارات غير ملائمة، مثلا، مسلسل "أخي العزيز" عبر عدد من المشاهدين بأنهم لم يفهموا قصّته. مجلة حبر الالكترونية،  مقالة رحمة حسين، "دوبلاج مسلسلات الأطفال في الأردن: لماذا شارفت القصّة على الانتهاء". 

(٢) اعتبارها احدى وسائل تعليم اللغة العربية للأطفال.

الأربعاء، 28 أغسطس 2024

شخصيات متزمتة هزمتها الطفولة (منيرة والخالة بولي)

 "على الكتاب أن يكون الفأس الذي يحطّم البحر المتجمّد فينا"

فرانز كافكا



على غير ما قيلت له، تذكرني العبارة بشخصيّات نسائيّة محافظة، شاهدتها بمسلسلات "مسرح تحف العالم"، لأعمال الانمي المقتبسة من روايات عالميّة. القاسم المشترك بينها، أنها كتبت بأقلام نسائيّة. تحديدا، منيرة  في "شمّا في المراعي الخضراء" و الخالة بولي في "بوليانا"، وبدرجة أقلّ، العمّة مارش في "نساء صغيرات". يمكننا تصوّر تسلسل بديل لقصص تلك الإنميّات، يدور حول تحرّر تلك الشخصيّات المحافظة من سماتها القاسية، وتحوّلها من شخصيّات متزمتة الى شخصيّات لطيفة  ومرنة. كأنّ الإنمي يعيدها لطبيعتها الأولى، التي افتقدتها، جرّاء التربيّة وظروف ذلك الزمان (الذي كتبت فيه الروايات). شخصيّات طُوّقت بإطار متجمّد، لكنه يتحطّم بنهاية سعيدة، غالبا  على يد شخصيّات طفوليّة محبّبة في تلك الأعمال، مثلا، شمّا و بوليانا، شخصيّات لا تشبه عفويّتها إلا كل ما يتمناه من أُثقلت روحه بأعباء التربية، وهاجس الأعراف والعادات.


في حلقات تلك الأعمال، جرت العادة أن تدور حول مواقف وتصادمات بين البطلة (الطفلة بطبيعتها) والشخصيّة المحافظة. يزداد التوتّر مع مرور الحلقات، حتّى لحظة انكسار الشخصيات المحافظة، وعودتها الى طبيعتها. ذلك يشير  الى وجود طيبة كامنة في داخلها. الخالة بولي مثلا، بالبداية لم تحبّ حديث بوليانا المتكرّر عن السعادة، وكثيرا ما أثارت عبارة "السعادة" غيضها وهي تؤنّبها. رغم أنها عاشت طفولة مرحة،  لكنّها بعد هَجر شقيقتها، ووفاة والديها وتحمّلها أعباء إرث العائلة أصبحت بذلك الجمود والنفور، الى حدّ انتباه بوليانا وحزنها، إلى أن خالتها التي حذرتها مرارا وتكرارا من إغلاق الباب بقوّة لأي سبب كان، ليست سعيدة؛ كونها لا تعرف معنى أن يمتلك أحدهم سببا سارا  يجعله يغلق الباب بقوّة. وترى الخالة بولي، بأنّ السعادة ليست أهم ما يُبحث عنه. لهذا  لم تعد بوليانا تذكر لعبتها المفضلة، والتي تسمّيها "لعبة السعادة" أمامها. إلا أن الحادث الذي تعرّضت بوليانا له، أثار فزع الخالة بولي، وأدراكت الأثر الذي يصنعه وجودها، بالنهاية، بوليانا حرّرت خالتها وحطّمت الجمود الذي كان  يقيّدها،  كما فعلت مع السيّد بنديلتون ولاحقا مع السيدة كارديف. والإنمي بهذه الطريقة، يصوّر القوّة الناعمة التي تمتلكها بوليانا. أما منيرة في "شمّا في البراري الخضراء"، وبعد تبرّمها من خطأ المأتم، الذي أرسل الفتاة شمّا بدلا من صبيّ يساعدهم على أعباء المزرعة، رأت أن الفتاة ستشكّل عبئا إضافيّا عليها وشقيقها، لكنها أدركت أن شمّا، ساعدتهم على أعباء لا تقلّ ثقلا وارهاقا عن أعمال المزرعة. بدأت منيرة تستشعر الحياة وهي تدبّ في كلّ ركن بحياتها وشقيقها بالمزرعة. وبفعل تصرّفات شمّا وثرثرتها العفويّة (التي أحبتها منيرة لاحقا بخلاف البدايات)، بدأ الجمود الذي يقيّد الحياة في المزرعة ينحلّ أكثر، وأصبحت شمّا مثل الابنة؛ تعلمت من منيرة خبز الكعك، ومن شقيقها العمل بالمزرعة، وأشرفوا على دخولها للمدرسة، ومن ثمّ الجامعة -لم تعد اليتيمة التي قدمت للمساعدة بالمزرعة-، وبفضل الروعة التي تقدمها لوسي مونتجمري، بشكل خاص - مؤلفة الرواية الأصليّة "آن الجملونات الخضراء"-، يمكننا بدقّة، استشعار الأثر الفعال لطبيعة شمّا العفويّة (آن في الرواية)، من خلال انطلاقة تعابيرها وأفكارها، والتي كانت تحطّم بالتدرج، ذلك الجمود المخيّم على حياة منيرة.


بالنهاية، أتذكّر عبارة كافكا، وأتخيّل أن الفأس الذي حطّم الشيء المتجمّد في تلك الشخصيّات، لم تكن إلا براءة وعفويّة الشخصيّات الطفوليّة. بعين الرأفة -ربّما- نظرت الأقلام النسائيّة الى الشخصيّات المحافظة. كأنها فهمت الظروف التي حوّلتها الى ما هنّ عليه. وبسياق الإنمي ومونتاجه الخاص، لم تكن طفلة الخلاص بعفويّتها، إلا صورة تشبه طبيعتهنّ القديمة. في فترة تأليف تلك الروايات (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، أصبحت الأقلام النسائيّة أكثر تطلعا، للتعبير عن الحقوق والمساواة. وبدأ الإدراك بأنّ الكثير مما وُصمت به النساء من صفات سلبيّة، لم تكن إلا نتاجا وصايات المجتمع، أكثر من كونها صفات طبيعية. لهذا عوضا عن تحطيمها والانتقام من تلك الشخصيّات المحافظة، وجدنا الروائيّات يرسلنّ وجها طفوليّا، لتحطيم تلك القيود. 





 

الخميس، 18 يوليو 2024

التخلص من أشرطة أفلام الكرتون.



كآخر شخص يستخدم أشرطة الفيديو، ورثت من أقاربي ماتبقّى من أشرطتهم (لأفلام الكرتون). أدمنتها مدّة، وبسبب تجاوز الزمن لأجهزة الفيديو، بدأت مرغما رحلة التخلّص من مجموعتي الثمينة. قبل رميها قررت تسجيل مقاطع مختارة كنوع من الذكريات، لأحتفظ بها على شريط "كاسيت"، طبعا هو الآخر تجاوزه الزمن. 

أتذكر محتويات الشريط:

البداية أغنية النهاية "لمغامرات سندباد"، عشان كلماتها "لا غنى عن بلد الأوطان لا غنى عن بلدي بغداد.." ووَصْلَة النهاية ممتعة. بعدها أغنية الانمي التعيس "أبطال الملاعب" طفولية، خجلان اني سجلتها. أغنية "خُماسي" انمي ميكا يتقن رسم الشخصيات الشريرة، تجلّى اتقانهم الأكثر شرّا في الحلقات الأخيرة (المدبلجة). أغنية "سلاحف النينجا" طابعها غربيّ أحببته، ومقطعها وفيه صوت يقول "أنا دوناتيللو". الانمي الحبيب "فارس الفتى الشجاع"، مقطع فارس وهو يُضرب من الصبية ويظهر أبوه بهيئة سوداء من الغروب وصوت الآلة الموسيقية الصاخب + ابتسامة أبوه كانت أكثر ما حُفر في مخّي، طبعا أغنية البداية والنهاية (بالذات) عشان صوت الكمان، ومقطع سعال السيّد جلال، بخلفيّته الموسيقيّة الحزينة -وقتها ماكنت أعرف معنى كلمة سعال- . "النسر الذهبي" انمي يعصر القلب، من أكثر أغاني الكاسيت التي أحببت سماعها، استغربت أنّي ماسجّلت لحظة ظهور والد ببّيرو بالأصفاد! انمي آخر العصريّة "سانشيرو" أغنية البداية من أجل البيانو. "جرندايزر" أغنية البداية بالعربية والنهاية باليابانيّة، وجودها كان لازم بصراحة. "جزيرة الكنز" مافيه أغنية أعظم من أغنيتها بصوت سامي كلارك، أكيد موجودة بالكاسيت، نهاية جراي )": مع الموسيقى التأبينيّة و "ماذا كنت فعلت لو كنت مكاني يا سيلفر؟"، تمنّيت لو سجّلت كل مقطع جاب الموسيقى التأبينيّة، ومقطع صوتي لآخر مشهد بالانميّ. "فرسان الفضاء" من يعرفه؟ فيلم لم أشاهده لكن أغنيته كانت بالأعلانات جميلة جميلة. أغنية مشهد أول حلقة من "كونان" مع الجيتار الكهربائيّ الصاخب. وتسجيل لمقطع وإنمي له مكانة خاصة في قلبي، "ليدي أوسكار"، روزالين وهي تسأل ألاين عن لون وردة أوسكار المفضّل، ومقطع الوداع بين اوسكار وانطوانيت وهم يقولون "أورفوار" وصوت مها المصري وهي تشرح بأنّ أورفوار تعني إلى اللقاء ولكن انطوانيت واوسكار يعلمان بأنه لقاءهما الأخير.   

 

غاب عن شريطي أغاني ومقاطع من انميّات أحببتها أو فيها مقاطع أحبها: ريمي الفتى الشريد (أغنية البداية)، النمر المقنع، الهداف، نينجا:كابامارو (أين أنت ياهيات)، عدنان ولينا، الرجل الحديدي (موسيقى الحماس، رقصة أولولو)، جونكر (الأغنية اليابانية)، سوسن (أغنية البداية) صوت المغني جميل، ساندي بيل (وفاة السيد كريستي)، بيل وسباستيان (أغنية البداية)، عقلة الإصبع (اغنية يابانية بوسط الحلقات) . التسجيل كان صعب ومتعب، فأعتقد بأنه السبب وراء غياب تلك المشاهد.  

 

 ــــــــــــــــــــــــ

 

هنا تدوينة أخرى عن الشريط نفسه


الأربعاء، 14 فبراير 2024

روبوتات مريبة بالأنمي والأفلام

أول مرة ذكرت فيها كلمة "روبوت" كانت في مسرحية الصربي كارل تشابك "إنسان روسوم الآلي" عام 1921م وللبحث أحفوريّا عن أصل الكلمة نقرأ في القواميس:

from Czech, from robota  forced labor. The term was coined in K. Čapek's play R.U.R.  Rossum's Universal Robots (1920)

 بعبارة أخرى تعني "عبد"

هل كان تشابيك أوّل شخص ألمح الى ذلك؟ لا؛ لدينا رواية ماري شيلي "فرانكنشتاين" 1818م، الكائن الذي أعيد تجميع أعضائه من جثث الموتى وأعيد احياؤه. كائن من صنع بشريّ! كان الأدب غالبا الأسبق في استشراف المستقبل من العلم الذي يفتقد كثيرا للخيال. فقد عبر انشتين بأن الخيال أهم من المعرفة كونه لامحدود بخلاف المعرفة.

من صدقت تنباؤته حول عالم القرن العشرين والواحد وعشرين قبل قرون؟ العلماء أم الأدباء؟ سؤال يحتاج لموضوع آخر للإجابة عليه.

   

الأدباء حذّروا بالسابق وحاليّا العلماء يحذّرون!

الخبر: روبوت يهاجم أحد المهندسين العاملين في شركة تسلا والشركة تنفي ذلك. قام بغرس مخالبه المعدنيّة على ظهره.

هذا خبر صحيح وليس اقتباسا من فيلم. مع اطلاق Chat GBT بدأت التحذيرات تصدر من أفواه العلماء المطورين أنفسهم. الموضوع بدأ يأخذ منحى أكثر جديّة وقد تتجلّى أمامنا حوادث كالتي حصلت في مختلف الأعمال الأدبيّة والأفلام والانميّات التي عرفناها ومنها فيلم I,Robot (2004) أو إنمي ناوكي أوراساوا Pluto على سبيل المثال. إذ تمتلئ أعمال السينما والإنمي بمثل هذه التنبّؤات وغالبا ماكانت من باب الإثارة والمتعة لكن شيئا منها حمل طابعا مقلقا كالذي يقلق العلماء هذا اليوم.


كيف رأت الأفلام والانميات عالم الروبوتات المرتبط بالذكاء الاصطناعي؟ ومن تنبأ وتناول موضوعه بصورة أفضل وأدق؟  

 

يصعب حصر الرؤية بالأمثلة لكثرتها ولكن لنرى أمثلة أعربت عن قلقها من الذكاء الاصطناعي والروبوتات، من الانمي:


 


١. آلي لم يكن يعرف بأنّه رجل آلي

البطل خماسي، الحلقتين الأخيرتين من الموسم الأول، ١٩٧٦م:

" سامحيني ياميا إنني رجل آلي مثلك ياميا ليتني عرفت بذلك من قبل لكنت قبلت حبّك يا ميا" 

بهذا العبارة ودّع غارودا ميا. كان يظنّ أنه كائن فضائي يقود هجوما على الأرض، صدم لأنه لم يكن يعرف حقيقة نفسه ورفض حبّ ميا لأنها آلية وبالنهاية هاجم زعيمة كوكب كامبل، من كانت توجه له الأوامر على أنها أمّه واكتشف بأنها كانت تخدعه.  

 




٢. كمبيوتر يدرب فريق كرة قدم

من (الهدّاف)، الحلقة ١٣، ١٩٨٣م:

 فريق البرق يستخدم أجهزة كمبيوتر متصلة ببعضها ليتدرب على كرة القدم بالفصول الدراسية بدلا من الملاعب.  وبمساعدة أستاذهم يتلقون توجيهات الكمبيوتر الذي يحتفظ بكل البيانات عن الخصوم وطريقة التغلب عليهم أثناء المباراة بواسطة جهاز لاسلكي. لكن الفريق يهزم بعد أن لعب أمام خصم لعب بطريقة عكسية تخالف البيانات المخزنة بالكمبيوتر!




٣. كوكب آليّ.

فرسان الفضاء، ١٩٨٥م.

يرسل البشر سفينة نحو الفضاء ويصادفون الكوكب أودين الذي يرسل إليهم أجسادا آلية ونصف آلية لمحاربتهم ويكتشفون بأنّ هؤلاء كانوا نصف بشر استولى جهاز الكمبيوتر الأساسي بالكوكب المصطنع أودين على إرادتهم وباتوا تحت سيطرته! هذا الانقلاب يذكرنا بفيلم I, Robot (2004). 


 



٤. عصر يهتم بحقوق الآليين

بلوتو، ٢٠٠٣م:

 لقد جعل ناوكي من هذا العمل موسوعة لكلّ التصوّرات الممكنة عن الذكاء الصناعي، آليون يعيشون جنبا الى جنب مع المجتمعات البشريّة وينخرطون بمختلف الأعمال وينالون حقوقا قانونيّة بل ويصبح أي اعتداء عليهم جريمة في نظر القانون وعمل مشين في نظر المجتمع. فهم مصممون كي لايقتلوا أي انسان، لكن المفاجأة حدثت وقام آلي بقتل انسان. وبدأت سلسلة جرائم يتم ارتكابها في حقّ أكثر الآليين تطوّرا في العالم. بدأ البشر يشكّون وبدأ بعض الآليون يشكّون بأنّهم قد يمتلكون مشاعر وأحاسيس مثل البشر بطريقة ما.  


ومن الأفلام:



١. The Terminator

 (1984) ،(1991)

 يدور حول محاولة الآليين الانقلاب على البشر واعلان الحرب عليهم، وبعد معارك مدمّرة وتأكدهم من هزيمتهم على يد أحد قادة البشر يرسل الآليون عبر الزمن آلي (سايبور مُدمّر) لقتل أمه قبل أن تلده لكن هذا الآلي يفشل ويتم تدميره. وفي الجزء الثاني يرسل الآليون سايبور آخر (مُدمّر زئبقيّ) أكثر تطوّرا هذه المرة لقتل القائد الذي كان صبيّا إلا أن سايبور استنسخه البشر من مُدمّر الجزء الأوّل يساعد الصبيّ وينقذ حياته ويتخلّص من السايبور الزئبقيّ.   




٢. 2001: A Space Odyssey 

(1968)

فيلم عظيم الأثر لكوبريك وأشهر أحداثه عن الذكاء الصناعي تدور حول مركبة فضائية عليها رائدي فضاء، بومان وبول بالإضافة الى ثلاثة آخرين في حالة تنويم. يساعدهم بإدارة المركبة كمبيوتر متطوّر يتحدث مثل البشر ويتلقّى الأوامر شفهيّا ويجيب على الاسئلة واسمه "هال" كان كلّ شيء طبيعيّ حتّى أعلن هال عن وجود عطل ليتفحّص أحد الرواد العطل وليجد كلّ شيء طبيعي وظنّ أن هال أخطأ إلا أن هال يدافع عن نفسه وبدأت الشكوك حول تصرفات هال تزداد لينفرد رائديّ الفضاء في غرفة ويبدؤون بالحديث والتفكير بتعطيل هال المثير للريبة إلا أن هال يقرأ شفاههم ويدرك المؤامرة ليتسبب لاحقا بموت بول وليفصل الاوكسجين عن الرواد المنوّمين ليموتوا جميعا إلا أن بومان يتمكن أخيرا من تعطيل هال (اطفائه/قتله) على وقع كلمات هال الراجية لثني بومان عن فعلته.





٣. I, Robot

(2004)

يصنع البشر رجال آليين كخدم ومساعدين لكن التحقيقات حول قضية قتل أحد العلماء واتهام رجل آلي بقتله تثير الشكوك والقلق حولهم من قبل شرطي يكره الرجال الآليين ويتبين مع التحقيقات وجود عقل مدبّر يعمل بالخفاء وهو كمبيوتر مركزيّ في المصنع الرئيسي بدأ يطوّر طريقة للسيطرة على باقي الآليين والتحكّم للقضاء أخيرا على البشر.



بنظرة عامة:

 في الانميات نجد روبوتات آلية لها أسماء لطيفة كالتي تعطى للحيوانات الأليفة مثل روبوتان وأليكترو وغيرهم في حين تميل الأفلام للريبة ويكتسب وجودها طابع التهديد ولايشكّل الذكاء الاصطناعي بالانميات غالبا موضوعا بحدّ ذاته تتمحور حوله القصة بل جزء عرضيّ متروك لسعة المخيلة بدون فرضيات ومخاوف محتملة.

أكثر مايخيفنا ذكاء اصطناعي يسعى للقضاء على البشر، تكرر ذلك بالأفلام ومرّ علينا بإنمي "فرسان الفضاء" يظهر ذلك بقدرته على التطوّر تلقائيّا وهي بذرة لأغلب مخاوفنا من الذكاء الاصطناعي. الخيال في الانمي كان أكثر تحليقا للخارج ونظرت إليه من بعيد في حين تعمّقت الأفلام داخل هذا العالم باستكشاف وقلق. في Pluto -أكثر عمل شامل عن عالم الذكاء الاصطناعي- عندما شعر العالم بالتهديد لم يوجه أصابع الاتهام للذكاء الاصطناعي بل الى البشر كسبب أساسيّ لكل ذلك، مردّ ذلك ربّما لأن العمل تعامل بأنسنة نسبيّة مع الذكاء الاصطناعي ولايغيب عن بالنا مشروع كوبريك، الفيلم الذي أخرجه سبيلسبرغ  A.I. Artificial Intelligence (2001) والذي صنع مزجه لمسألة مستقبل البشريّة الغامض مع الذكاء الاصطناعي والماضي الممزوج بالخرافات أثرا عميقا بأنسنة الذكاء الاصطناعي.

 

ويأتي سؤال: هل ينظر الانسان الى تهديد الذكاء الاصطناعي بقلق حقيقي أم بقلق فضوليّ وخيالي يشبه قلقنا من وجود غزاة يأتون يوما من الفضاء؟ ما يمكن اعتباره خرافة الانسان الحديث حول مخلوقات اسطوريّة من الفضاء وهي امتداد لخرافاتنا القديمة حول مخلوقات أسطورية صنعتها مخيلتنا. مع الانتباه الى أن القلق هذه المرة يأتي من كائن صنعناه بأيدينا. 


السبت، 7 يناير 2023

الأعمال الكلاسيكية بعيدا عن الذكريات (بعد التعديل)

 أحيانا أتساءل هل من عاش الانميات "الكلاسيكية" على الفيديو والتلفزيون وبقت كذكريات قادر على لمس مواطن الجمال فيها بعيدا عن اعتبارها ذكاريات؟ مقارنة بمن بدأ مشاهدته لها متأخرا وعلى الانترنت ويرى فيها انميّات قديمة ومع ذلك يحبّها فهو لا يحمل تلك الذكريات التي قد يطغى وجودها على الحكم بجماليّة الانمي. 


كل شيّء يتغيّر:




بدءا بالكوميديا التي كانت بالسابق تعتمد كثيرا على الأوجه المطاطيّة كماهي في "نينجا: كابامارو" وصولا الى التعابير التي وجدتها مختلفة ولم أفهمها إلا مع الوقت بمسلسل "ماروكو الصغيرة"، ظهور الخطوط على الوجه في حال الاستغراب والاستنكار بالإضافة الى قطرة العرق الفريدة والتي يعرفها حتما مشاهدي الانمي. هل هذا التغيّر يعني اندثار التعابير القديمة أو الاسلوب االقديم في التعبير؟ 

 


أغلب المسلسلات الكرتونيّة التي شوهدت بالتلفزيون والفيديو عربيّا كانت قديمة في موطنها ربما أقدم بعشر سنوات أو أكثر. لهذا لا يمكننا الحكم على العمل بإعادته للفترة الزمنيّة وفق سنة الانتاج إلا عندما نتحدّث عن صناعة الانمي كصناعة ولكن  بالحديث عن تشكّل الأذواق والآراء عندنا، يهمنا بالدرجة الأولى سنة عرضها ودبلجتها، ما يعني ميلاد تشكّلها في ذائقة المشاهدين. 

 

الأسلوب يتغيّر تبع الأذواق -وأشياء أخرى الحديث عنها قد يكون مملا- والتقنية تتطوّر تبع الزمن. بفضل التقنية بالإمكان تصوير المشاهد البهلوانّية لتروس التحكّم في "هجوم العمالقة" بحركات أكثر مرونة من مقاتلي النينجا بالانميّات القديمة. "ون بيس" المسلسل الذي لا ينتهي لا تشبه حلقاته الأولى حلقاته الأخيرة لا أسلوبا ولا تقنيّا وهذه أكبر نقطة ضعف في الانمي من وجهة نظري فهو لم يعد قطعة واحدة أو one piece بل بات يشبه مسخ فرانكنشتاين. 

 

هل تتابع الأعمال مواكبة لأسلوبها أم لتقنيتها؟

 لأسلوبها يعني أنك تتذوّقها، ولتقنيتها يعني أنك تستخدمها وتستمتع بها، وغالبا وبنسب مختلفة لكلا السببين معا نتابع الأعمال. التقنية بعد أن تصبح قديمة قد تصل الى حدّ انتهاء صلاحيّتها ويفقد العمل بسببه مقدارا كبيرا من بريقه. لكن الأسلوب بعد قدمه هل تنتهي صلاحيّته؟ ومتى تنتهي صلاحيّة العمل أسلوبا أو تقنيّا؟ تقنيّا الإجابة أسهل جرّب نفسك هل تستطيع متابعة فيلم سينمائي صامت؟ (قديم) أما الأسلوب يمكن أحيانا في ظروف معيّنة يتم استعادته وإعادة إحيائه. 

 

هل للانميّات صلاحيّة؟




كثيرا ما ينظر لتلك الأعمال باعتبارها قديمة ولا تصلح بوجود الانميات الحديثة وباعتبار أن مافيها من رسوم وحركات وتعابير وأساليب لا تمتّ للوقت الحالي بصلة إلا كذكريات. حسنا عرضت تلك الأعمال بعد انتاجها بسنوات عديدة، أي أنها عرضت بعد أن أصبحت قديمة فعليّا دون أن ندرك ذلك ولكن حينما نتحدث كمستهلكين أو مستخدمين لا كمحبين سننظر للعمر الحقيقي للمنتج على أنه عمر استخدامه الفعليّ، وبسبب طبيعتنا الاستهلاكيّة ننظر للأشياء بتعاقبيّة مستمرّة. الانمي في نظر من يراه كمنتج استهلاكيّ يكون قديما ومنتهي الصلاحيّة حال الانتهاء منه ليس لكونه فقط أصبح قديما أسلوبا وتقنيّا. وفي نظر من يراه كعمل ابداعي ومحبّ يمكن أن يكون قديما ولم تنتهي صلاحيّته. يراه الأوّل كمادة مستهكلة -لها عمر استخدام- أو علكة لذيذة ينتهي طعمها سريعا ويُلقى في سلّة الذكريات وعندما يتحدّث عنها بحبّ يحكي عنها كذكريات جميلة لعلّ هذا ما جعلنا نرى العبارة المغلوطة "الزمن الجميل"؛ جميلة لأنها أصبحت ذكريات. يصعب الخلاص من شرك الذكريات حتّى لمن نظر اليها كعمل ابداعيّ لن يخلوا حديثه من لذة الذكريات لهذا قد يكون أقلّ تمييزا لروعة الأعمال من الذي شاهدها بعيدا عن اعتبارها شيئا جميلا يتذكره.  

 

بالنهاية هي أعمال جميلة أكثر من كونها ذكريات والأعمال الابداعيّة ليست سلع مستهلكة تنتهي بعد الاستخدام. توجد عبارة ولو أنها تستخدم أحيانًا بابتذال الا أنها تصف هذه الأعمال بدقة وهي "تحفة" أي عمل يبقى رغما عن أنف الأسلوب والتقنية. صحيح التقنية أحدثت فرقا واضحا بات بالإمكان انتاج عمل بقصة عادية ومع جودة الإخراج يصبح عملا مبهرا الأمر الذي لم يتوفر كثيرا بالانميات القديمة لهذا نجد ثقلها في القصة أكثر.


الى هنا انتهي وأجمل مافي النقاشات عن الانمي وعالمه بروز مصطلحات خاصة تدور في فلكها وان شابها لبس إلا أنها مفهومة مثل "كلاسيكية" و "الزمن الجميل" و الكلمة التي يستخدمها كثيرا محبوا الأفلام السينمائية "تحفة".  


 

 

 

 

الاثنين، 5 ديسمبر 2022

بين سيمبا وكيمبا وهوية الحيوانات الناطقة بعالم الانمي

 

الكثير من أعمال ديزني الأيقونة استمدت من أشهر الموروثات العالميّة لكن عملها الأكثر أيقونيّة (الأسد الملك) لم يؤخذ من الموروث العالمي مثل: الأقزام السبعة وعلاءالدين وهرقل وماوكلي بل من عمل كرتوني ياباني (كيمبا: الليث الأبيض) على أن ديزني مصرّة على أصالة حكايتها وأنها لم تأخذ العمل الياباني. الموضوع مثير للجدل وأجد أن للعمل أصالته رغم ما تخلله من أخذٍ واضح لبناء مختلف المشاهد والأفكار المرئية أكثر من القصة وهي أسد يملك مملكة وينظّم الحيوانات فيها كرعيّة في حين لا تشبه مملكته كثيرا مملكة (كيمبا:الليث الأبيض).

 

 

بالبداية:

منذ الصغر درج على سمعي أن الأسد ملك الغابة أما النمر سيّد الغابة -ولا أذكر أين سمعت ذلك- حينها بالكاد كنت استوعب الفرق بينهما الى حدّ وصفه بدقة، لكن مع كرتون "ماوكلي فتى الأدغال" و"شيريخان" المأخوذ اسمه من "شير" وتعني نمر باللغة الأوردية أو الفارسية و"خان" التي تعني ملك بلغة المغول والترك وكما أن العرب قديما حينما تقول ملك يختلف معناها نسبيّا عن كلمة ملك بلغة شعوب أخرى وعندما يقول المغول والترك ملك فهي تعني ملك بمفهوم خاص. خان ملك أقرب الى الملكيّة القبليّة وكأن "شيريخان" ملك النمور يختلف كليّا عن الأسد الملك الذي يعني ملكا للغابة وسكّانها من الحيوانات. شيريخان وأن عنى اسمه ملك فهو كما يوصف بالمسلسل الكرتوني "الخارج عن القانون" D: ومن غير المعقول أن يقال عن الأسد الذي هو ملك لمملكة خارج عن القانون وإن كان شريرا في مملكته وبالتالي يمكن أن نستوعب أكثر معنى أن يكون النمر ملكا بلا مملكة بل على بني جنسه ولعل اللقب الذي درج بذاكرتي "سيّد الغابة" قريب له ويعني أنه متسيّد الغابة بقوّته لا بشرعيّة مثل الأسد الملك لهذا لا يمكن تخيّل مشهد التتويج الشهير لسيمبا على طفل لشيريخان. 

 

 

ملك الغابة:

بهذا الفهم يمكننا الانطلاق بقصة "كيمبا: الليث الأبيض" الذي ينظم مملكته ويشرّع قوانينها ؛ الليث الأبيض يمنع الصيد وأكل اللحوم ! D: من هذا القانون الطريف تعرف مدى طرافة حكاية الليث الأبيض والأحداث. إلا أن حكاية كيمبا معقّدة لوجود العنصر البشريّ الغائب تماما عن "الأسد الملك" لهذا سهُل فيها ابتكار القصّة وترتيب الأحداث؛ وريث للعرش يفقد عرشه بمؤامرة من عمّه ويرجع لاستعادته لاحقا. العنصر البشريّ غائب لكن الطبيعة البشريّة حاضرة وبقوّة. 

 

 


مالذي أخذه الأسد الملك من الليث الأبيض؟:

إضافة الى الاسم كيمبا/سيمبا. أغلبها مأخوذات بصريّة، الصخرة المطلّة وان كانت بمشهد هامشيّ في الليث الأبيض لكنها معلم بارز في الأسد الملك وهي تشبه كثيرا صخرة ماوكلي فتى الأدغال التي يصعد فوقها زعيم الذئاب. "سكار" الأسد الأعور ويوجد أسد أعور في الليث الأبيض. قرد الماندريل مستشار الليث الأبيض وهو بهذه الصفة القريبة موجود بالأسد الملك وغيرها من المعالم البصريّة. العديد من شخصيات الليث الأبيض موجودة في الأسد الملك، الضباع الشريرة وهي غالبا بهذه الصفة في مملكة الأسد، كريهة حتى بطريقة قتلها الوحشية. كلها أشياء مثل هذه لكنها لا تؤثر كثيرا على صلب الحكاية بل دعّمتها ويمكنني القول بصورة أوضح أن "الأسد الملك" استفاد كثيرا من عمل "كيمبا:الليث الأبيض".     



كيمبا: الليث الأبيض :

كليلة ودمنة عالم الكرتون الحكاية التي أدخلت العنصر البشريّ قدر الإمكان كما هو في ذهنيّة الحيوانات. كائن مدمّر وأناني وطمّاع ومرعب بآلاته. في الليث الأبيض وفي افريقيا نجد الأشكال توحي بقوّة الى الخلفيّة التاريخيّة. دائما ماكان البشر البيض في الحكاية بملابس المستعمر وبندقيّة الصيّادونجد الأشكال السمراء، الوجوه الافريقيّة بألوان ملابسها الفاقعة وأشكال توحي بالبدائية القبليّة حيث تفهمها وتعيش الحيوانات بقربها لكنها ما إن تأتي مع الرجل الأبيض كتابع أو كمسخدم لأدواته (قنابل يدويّة، بنادق، سياط) نجده ينقلب الى ذلك الكائن المرعب أو إنسان العصر الحديث، انسان أواخر القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين. للانسان الافريقي في حكايات الليث الأبيض بطبيعته الافريقيّة عدة حكايات يغيب عنها ذلك الطابع الملتبس والمنفّر لوجود البشر قرب الحيوانات. حلقات مثل قصّة الانسان الذي يقاتل الفهد وذريّته وزعيم القبيلة الذي رغب باصطياد الليث الأبيض -ويبدو أنه بحكم الملابس من الماساي- والكاهن الذي تكرر ظهوره في الليث الأبيض. بمقدمة الحلقة الأولى من الجزء الثاني مقدمة بليغة وصارخة عن افريقيا، تعطي أحسن فكرة عن هذا العمل.

 

صور من مقدمة الحلقة الأولى:



 
صورة تمثل مختلف الأجناس في افريقيا

 
 غزو المدن للغابات

 
بعد الاستقلال وبملابس غربية
 

الانسان الأبيض في الليث الأبيض، كل ما يمكن أن يرمز للاستعمار موجود بالصورة

 

الأسد الملك : 

العمل حسّي بامتياز، بصريّا لا يُنسى مشهد القطيع الذي كاد يدهس سيمبا والمشهد الأوّل والتحليق بعين الطائر "زازو" الى الاطلالة التي يقف بها "موفاسا" بانتظار حيوانات مملكة وأغنية Circle of Life بالمشهد وصولا لجملة "هاكونا ماتاتا". تلك الأدوات هي ما يميّز أعمال ديزني ويبرز الجهد والاتقان أكثر من القصّة التي وان كانت جميلة لا تذكر كثيرا بالحديث عن الفيلم بخلاف المشاهد والأغاني كقطع منفصلة بني العمل منها. لهذا مهما أخذ العمل من الليث الأبيض من أفكار بصريّة فإنّ القيمة الأكبر في اعادة انتاج ذلك بإتقان أكثر. لا تهتمّ القصة كثيرا بالقضايا الحيوانيّة مثل قصص الليث الأبيض بل إنها قريبة منّا نحن البشر وتشبه كثيرا ما أُثر من حكايات الملوك وما يحيط بهم من دسائس ورغم الغياب الكامل للشخصيّة البشريّة عن العمل إلا أن القصّة تشبه الطبيعة البشريّة كثيرا. الإخراج والمونتاج والموسيقى والتي فيها اسم لامع مثل هانس زيمر كلهّا خدمت القصّة وان طغت عليها قليلا. وتظل بداية الفيلم مع الأغنية واحدة من أشهر البدايات على الإطلاق.


بداية "الأسد الملك" :



 

تجسيد الحيوانات في قصص بشريّة:

 صحيح يصعب تأليف قصة عن حيوانات تتحدث دون أن تشبه ولو قليلا البشر بعاطفتها -فاللغة سمة بشريّة- ويزداد الشبه بارتدائها للملابس الانسانيّة مثل الكثير من الأعمال الكرتونيّة مثل "سنجوب" وتصبح بشريّة بالكامل بوقوفها علي قدميها مثل "السبع المدهش"، إلا أن الشخصيّات في "الأسد الملك" ورغم تجريدها من الملابس - بالأساس هل هي بدونها متجردّة D: - في عاطفتها وحواراتها وأفكارها تشبه البشر كثيرا أكثر من شخصيّات "ماوكلي: فتى الأدغال" مثلا ولعل شخصيّات ماوكلي أصبحت حيوانيّة أكثر لوجود البشر بالعمل الذي خلق حدّا فاصلا في حين ساهم غياب الشخصيّات البشريّة بجعل شخصيّات "الأسد الملك" تشبه البشر أكثر واعطت العواطف فرصة أكبر للاستحواذ على اللحظات بغياب أي ازعاج من وجود عنصر بشريّ يشوب العمل، لهذا يمكن ببساطة إعادة تجسيد قصة "الأسد الملك" باستخدام شخصيّات بشريّة، سواء في مملكة غربية أو شرقيّة. الحديث عن مسألة تجسيد الحيوانات أوسع من أن ينتهي ببساطة.


بالنهاية:

قصص الليث الأبيض أجمل وأوسع، بطبيعة الحال أوسع لكونه مسلسل وحتّى لو أختزلت الحكاية في فيلم ستظل القصة أشمل وأجمل ويظل الأسد الملك يستمدّ أغلب روعته من جمال الإنتاج. "كيمبا: الليث الأبيض" فيها قصص تستحق المشاهدة كثيرا؛ غاية في العمق والغرابة وولاّدة للأفكار. حلقات كثيرة منها يمكن أن يطول ويطول الحديث عنها. الانسان فيها يمثّل بعقليّته انسان العصر الحديث (أواخر القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين) الذي بلغ فيه قمّة عنفه اتجاه الحيوانات؛ بسببه دفع العديد من الحيوانات نحو حافة الانقراض. ليجيء الانسان الأحدث وإن كان رحوما مقارنة بسابقه إلا أنه منذ بدأ بتحويل حدائق الحيوانات القفصيّة لحدائق سفاري بدأ يتجه لتحويل الغابات إلى حدائق/محميّات وكأنها عمليّة قتل رحيم لطبيعتها - يبقى منها إلا أعدادا تصلح كتذكار وعيّنات- والسؤال هل ستشبه هذه الحدائق مستقبلا غابة سيمبا أم الليث الأبيض؟       

الأربعاء، 25 ديسمبر 2019

جرأة و مشاغبة كوميدية في الانمي

.. لا تصل لحد الخلاعة بل الى كلمة أقل منها قليلا لكن سنستعير لفظة "خلاعة" بأقل ماتعنيه من معنى:

أتصور أنه لم يعد أحد يسأل هل الانمي للأطفال أم البالغين. نظرة واحدة على مراحل نمو "نامي" في انمي "ون بيس" توحي لك بأنّ الانمي أصبح بالغا. بقي لنا مانسميه (أفلام كرتون) أو هي انميات دبلجت ووجهت للأطفال و المراهقين. أتذكّر أنها لم تكن تخلو كثيرا مما يمكن تسميتها الى حدّ ما ايحاءات جنسيّة، لكن مغلفة في إطار كوميدي مرح، و كان يُضحك بالفعل، لم يكن ذلك خادشا، كما يمكن أن يكون لو كان فيلما أمريكيا كرتونيّا أو غيره. شعرت بأنّ لليابانيين القدرة على المرح بتلك المواضيع دون أن نشعر بالذنب/الخدش.


كيف نفهم الانمي والرسّام؟ 
من ملامح وجه الشخصية نعرف الكثير، الوجه الجوكريّ "المثلث المقلوب" يوحي بالشرّ عادة وأقرب مثال "دو فلامنغو" في "ون بيس". أو "المدمر جحيم" في المسلسل الكرتوني "جونكر" يمكن للرسام أن يخبرنا عن الشخصية من خلال الملامح التي اختارها. 

مع كثرة المشاهدات سنفهم نمطيّة الرسامين. تخيّل معي:
مشهد لولد وبنت يسقطان سويّة فوق الثلج. السيناريو النمطي لعادة اليابانيين في تصوّر شغب الأولاد ولطف البنات سترسم لنا الولد يقع على رأسه في حين البنت ستقع بخفّة. في "هجوم العمالقة" عندما قامت العملاقة الأنثى برمي حصان أرمين وإلقائه على الأرض كان سقوط أرمين يشبه كثيرا سقوط البنات أو تماما مثلما سقطت ميكاسا بعد ذلك بحلقات، ذلك أوحى كثيرا الى طبيعة أرمين. بالرسم كلّ شيء متعمد ليس كالأفلام، قد يظهر شكل عفوي بالمشهد. 

نعود إلى الايحاءات. بالنسبة لي يمكننا -أو لأقل يمكنني- فهم اليابانيين في نكاتهم أكثر من الغرب ولا أدري ما لسبب. لكن تلميحاتهم الكوميديّة أشعر بأنها قريبة ومفهومة أكثر. الصورة المترسخة حولهم عبّاد العمل والجديّة لا تعكس أبدا طبيعتهم المرحة وهنا أعني المرح بجرأة. 




في احدى حلقات المسلسل الكرتوني "الهداف" لعب فريق الكمال مع فريق البنات. لم يفوت اليابانيون لعبتهم بالمرح بهذه المواضيع، يبدع اليابانيون في عدم تجاوز بعض الأمور والسبب هو قدرتهم على تصوّر ما يجب تجنبه لهذا يمكنهم رؤية ما تبقى من مساحة بوضوح بخلاف الأعمال الأمريكية مثلا، وإن حاولوا تجنب ما يجب تجنبه فإنهم يقعون فيه لأنهم على ما يبدو لا يملكون تصوّرا واضحا حوله أو أن نظرتهم للجرأة تختلف.

أكيد لا أعني أن اليابانيين في أعمالهم بريئين، ففي أعمالهم الموجهة للبالغين أو "الهنتاي" خيال يصعب التفكير بإمكانه. لكنهم يجيدون كثيرا كوميديا الخلاعة بشكل ينزع عنها صفة الجدية أو لنقل صفة المجون ولو أن التفكير في بعض المواقف محير فهم جعلوا من الجسد متاح لأبعد حد، لكنهم تجنبوا بشكل واضح الإيحاء بأي اتصال صريح. 





في "ون بيس" الكثير من هذا المجال لكن الابتعاد عن التلميح بالاتصال كان صارما ولو أن صورة "سانجي" نادرا ما ظهرت بهذه البشاعة -في الصورة الثانية- يمكنك من خلالها أن تفهم التصور الذي أراد الرسام ايصاله، كان هذا أكثر وجه شهواني "لسانجي". في ما عدا ذلك كان كل شيء مضحك ومرح ومقبول - كان ذلك سيمر على الرقابة لو دبلجت للمراهقين والأطفال- الذي يحب جميع الفتيات ولم تحبه فتاة -عدا واحدة- وصل مؤلف الشخصية معه إلى أقصى درجات الهيام، حالة فقدان التوازن مع سانجي جعلت منه شخصيّة مضحكة حتى في شهامته التي أضحكت لوفي في احدى الحلقات. توجد شخصيات مثل سانجي، لكن التطرف في شخصيته برأيي الشخصي وصلت لقمّة المأساة والكوميديا بمشهده الذي يذكرنا بالتفاتة "أورفيوس" المأساويّة. يمكن فهم شخصيّة سانجي وكوميديا فقدان التوازن عنده من هذا المقطع

  

أو هنا بنفس الآرك "جزيرة البرمائيين". المشهد قمة في الكوميديا التي يمكن تخيل أداؤها من سانجي.












يعرف كل مشاهدي "ون بيس" مالذي سيقوله بروك لنامي. طلبه لو صور في فيلم يصعب تمريره بشكل كوميدي لكن في "ون بيس" تم تمريره بخفة، لعل السبب في الإجابة التي اعتاد بروك سماعها 





وبالوصول الى "رانما 1/2" نصل إلى ما أتوقع أنه أقصى خلاعة كوميدية مقبولة. تدور حول ولد يتحول لفتاة بعد سكب الماء عليه، نعرف كيف سيتصرف رسامي الانمي حول الموضوع. ويزيد ذلك أكثر مع ظهور المنحرف الهرم هابوساي، الذي يحب جمع الملابس الداخليّة للسيدات بالسطو على البيوت. شخصية منحرفة فهذه العبارة لا يمكن لغيرها أن تصفه ومع ذلك هي معه مضحكة، هل يمكن تصوير هذا الانحراف بشكل كوميدي دون اللجوء الى الصورة؟ جسد صغير، وهيئة مضحكة، كلها ساعدت على تلطيف صورة الانحراف في الشخصيّة. لكن أكثر مقطع محيّر مر علي كان فرحه بالتقاطه قطعة داخليّة نظيفة لكنه سرعانما أصيب بالإحباط بعد أن عرف أنها لطفلة، مرت الطفلة -كانت بمثل طوله- وأعطاها اياه وقال: "هي لك ضائعة" ومضى. علامة استفهام غريبة تركها المشهد، منفرة نوعا ما. 


بالنهاية لو طلب من أحد أن يكتب مشهدا ايروتيكيا وجريئا بسرد غير خادش كيف يمكنه فعل ذلك؟ في الانمي أمكن فعل ذلك كوميديا نوعا ما.