‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

القصة الحقيقية وراء كل كتاب بحثت عنه

أخيرا امسكت به،  "العرب على حدود بيزنطة وايران" للروسية نينافيكتورفنا بيغوليفسكيا. لطالما رأيت اسم الكتاب في هوامش الكتب التي تتحدث عن المناذرة ودولة الحيرة، فعرفت بأنّه المرجع الأكثر اعتبارا في المجال. انبهرت لأني وجدته على رفّ احدى المكتبات الإسلاميّة، ثلاث نسخ! بعد سنوات من البحث والتنقيب واقتناء كتاب بديل من منشورات جامعة الملك سعود. ما ظننته عصيّ المنال بات على يديّ. الكتب المعتبرة حول الممالك العربية قبل الإسلام نادرة. الكتاب من منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت،  ونادرا ما تعيد طباعة كتبها النافدة. ومثل هذه الصفة تجعل من الكتاب صيدا ثمينا، بخلاف كتب دور نشر أخرى يمكنك ضمان وفرتها. فهمت الآن قول بعضهم "صيد المعرض.. صيد البارحة"، ما حدث معي كان يشبه مطاردة يائسة لهذا الكتاب. لا تشبه مطاردة القاتل المأجور للكتاب المعار في فيلم مسامير تحريات كلب  D: .

لبعض الكتب قصة ورحلة بحث تطول لسنوات.  


عن ماذا أبحث؟

<يبحث الصيادون عن القمري ويتجاهلون الحمام البلدي. وفي برنامج وثائقي،  شاهدت صياد سمك بالبحر المتوسط يلقي بصيده محبطا لأنه لم يصطد سمكة قاروص > 

رغم نجاحي مؤخرا بالعثور على كتب بحثت طويلا عنها، مثل "الجغرافيا" لسترابو و "سفرنامه" لناصر خسرو وغيرهم الكثير، لاتزال قائمتي طويلة. أحيانا استغرب اختياراتي للقائمة، كأني أبحث عن كائنات نادرة لأحنّطها في مكتبة عائلتي. أهي هواية مستقلة عن حبّ القراءة؟ حتّى محبّي الصيد قد لا يحبّوا أكل لحم صيدهم! لعل السبب وجود مكتبة في بيت العائلة؛ فتبدأ اختياراتي للميل لإكمال ما ينقص المكتبة ويثريها، أو ما يضيف مواضيع مفصلة لعناوين عامة موجودة مسبقا. مثلا، بعد اقتناء كتاب عن الآشوريين والبابليين اقتنيت كتابين عن الفينقيين والحيثيين، وبعد كتاب عن القرطاجيين بحثت عن كتاب عن النوميديين، وكم شعرت بأن شيئا ينقصني بعد اقتنائي كتاب "عصر الإنكا: سلسلة الحياة اليومية عبر التاريخ" من دار كلمة، لهذا اقتنيت كتاب "عصر الأزتيك" من السلسلة نفسها. ما لاحظته أن الكتب التي تحكي عن الشعوب متوفرة لكن اختيار ومعرفة الأفضل كان الأصعب دائما.


أحيانا صدفة

<  في بيت عمي، تحدث أصحابه عن جرّة حبارى شوهدت في المنطقة! تعجّبوا؛ فالحباري لا تمرّ منطقتنا، لا بدّ تائهة.  أحد عشر رجلا أخذ الحكاية على محمل الجدّ وبحثوا عن الحبارى في مكان لا تمرّه الحباري! بالنهاية اصطادوها وأرّخت الحادثة. جرّة مهملة على رمل في برّ واسع تجاهلتها الرياح لفترة حتّى يعثر عليها أحدهم صدفة  >

بعد قراءة "التاريخ الكامل للحرب العالميّة الثانية" لريمون كارتييه، بدأت رحلة البحث عن كتاب "هتلر الغازي" للمؤلف نفسه. وجدته في نيل وفرات -كما وجدت الكثير- لاحظت أن التحدّي يبدأ بعدم العثور على ما أريد في نيل وفرات وجملون -سابقا- ويزداد التحدّي صعوبة بعدم عثوري في مكتبات (التراثية، كنوز المعرفة، المتنبّي) ويصبح أقرب للمستحيل ان فشلت في معرضين للكتاب. وكان مثالا، كتاب "القادة الألمان يتكلمون" لليدل هارت، وجدته صدفة، بعد كتابة اسمه في جوجل الصور، كنت أريد رؤية الغلاف فحسب، تفاجأت بأن أسفل الصورة تسعيرة! دخلت فإذا بمتجر بسيط للكتب طلبته وانتهت حكاية البحث الطويلة عنه.     


انتظار وترقّب 

وأحيانا كل ما تحتاجه انتظار عودة الكتب للترجمة أو الطباعة بعد نفادها، وقد يطول ذلك كثيرا.  مثل "المراقبة والمعاقبة" لفوكو، بعد نفاد نسخة "المركز القومي للإنماء"، جاء الفرج بعد سنوات بنسخة "صفحة سبعة"، وهو أكثر كتاب انتظرت عودته. بقية الكتب تعود سريعا، "الاستطيقا" لهيجل و "نقد ملكة الحكم" لعمانويل كنط. حتى كتب "دار كلمة" لا تتأخر كثيرا، مثل كتاب "موجز تاريخ البذور". وأحيانا تأتيك الكتب المنتظرة تباعا، فتحتار أيهم تترك وتختار. مثل كتب سورين كيركجورد، كانت نادرة جدّا، حتّى جاءت ترجمات قحطان جاسم من "دار الرافدين"، تخيّلوا وكانت عن الدنماركية، لغته الأُم، أي حظّ هذا؟ لكن لسوء الحظّ كتابه الأشهر "إما-أو" لم يكن من ضمنهم بالبداية، اقتنيت كتابا كبديل، وكتابا وكتابين، تكدّست البدائل وأخيرا تُرجم كتاب "إما-أو" ! ما رأيكم، هل اقتنيه أم لا؟؟  




"دودة الكتب" ، كارل شبتزفيج (1850م) 

تخيّلوا، وراء كل كتاب باللوحة قصّة بحث


حدس ودراسة جدوى

 أحيانا استبق البحث باقتناء ما أخمّن أنه قد يكون نادرا أو يصعب العثور عليه في يوم ما. أصيب وأخطئ. وأحيانا أفرح بالعثور على كتاب بحثت طويلا عنه، وأتفاجأ بعد مدة قصيرة بإعادة طباعته، هذا ما كان معي ومع كتاب سعد الصويان "جمع المأثورات الشفاهيّة" من نشر "مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية". أعادت "دار مدارك" طباعته، وكتبها في كل مكان. بعض الكتب ينبغي اقتناؤها حال عثورك عليها وإن لم تبحث عنها، خصوصا منشورات "دار رادوغا" وترجمات ابراهيم وطفي لكافكا.      


ولازال البحث جاريا

<هل يشتهي الصيادون لحم الحباري؟ لا، القمري أطيب طعما منها، ولكن صيد الحباري يجلب صيتا لا يستهان به بمجتمع الصيادين، خصوصا لطيورهم. وأحيانا لا نفهم بدقة السبب وراء البحث والسعي خلف طريدة بعينها> 

إليكم شيئا مما أبحث عنه: 

1. "تاريخ الحرب البيلوبونيزية"، تأليف ثيوسيديديس

أحببت الكتاب لاعتبارات منها عبارته: "القوي يفعل ما يريد والضعيف يعاني كما يجب"

2. "حرب يوغرطه" ، تأليف غايوس كريسبوس سالوستيوس

لأنّي أحبّ الأبطال الذين قاتلوا بشجاعة حتّى النهاية ضدّ الرومان وطغيانهم،  ذكر مونتسيكو عددا منهم في كتابه "تأملات في تاريخ الرومان".

3. "أسرار الانفصال: مصر .. سوريا"،  تأليف سامي عصاصة

4. "العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء" تأليف، روجر بنروز

أحب الربط بين منطق العقل والحواسيب، خصوصا أن الكتاب قديم لهذا يسهل فهم فكرتها.

5. "حرب تقرير المصير في كاراباخ الأرمنية" ، تأليف كارولين كوكس، جون إيبنر

أحب أقرأ عن الحدود المتنازع عليها تاريخيّا ومافيها مع تداخل تاريخي عميق، والعبارة المكتوبة بغلاف الفحة الأخيرة جذبتني " بالنسبة لأذربيجان فإن موضوع كاراباخ مسألة طموح، وبالنسبة لأرمينيا كاراباخ فإنها مسألة حياة أو موت"   

6. "انتصارات ضائعة" ، تأليف الجنرال: إريك فون مانشتاين

أصابني الهوس لقراءة كل شيء عن ألمانيا النازية عسكريّا بعد كتاب ريمون كارتيه، والكتاب أسرني بسبب مؤلفه وعنوانه .

7. "الطعام والشراب في التراث العربي" ، تأليف سهام الدبابي الميساوي 

 8. "قصص وطرائف عن الفلزات" ، تأليف س. فينيتسكي

رادوغا

9. "الميثولوجيا العالميّة" ، تأليف حنّا عبود

10. "رسائل عظماء الملوك في الشرق الأدنى القديم" ، تأليف تريفور برايس

11. "مسرحية: ميثريدات" ، تأليف جان راسين، لا أقرأ المسرحيّات ولكن أريد الكتاب وعلى الأقل صورة من الغلاف.

"لقد ثأرت للعالم ماستطعت الى ذلك سبيلا والموت وحده هو الذي حال دون تحقيق ما أبتغيه" العبارة الأخيرة لميثريدات وحدها تستحق الاقتناء. 

القائمة أحيانا تزيد و تنقص بحسب المزاج والظروف. ومع كلّ كتاب أعثر عليه يطرؤ تغيير في قائمتي، أحيانا أستغني عن كتاب وأضيف آخر، لكن هذه الكتب الأكثر ثباتا وإصرارا في قائمتي. 



ختاما، وخارج الموضوع

حكايات الصيادين ممتعة، بما فيها من ملح ومبالغات. والكتاب الذي كان يبحث عنه القاتل المأجور في فيلم تحريات كلب "المجموعة الكاملة للماغوط" ولا يفوتكم مقطع الفيلم والاقتباس:

"قبورنا معتمة على الرابية 

والليل يتساقط في الوادي

يسير بين الثلوج والخنادق

وأبي يعود قتيلا على جواده الذهبي

ومن صدره الهزيل ينتفض سعال الغابات

وحفيف العجلات المحطمة والأمين التائه بين الصخور

ينشد أغنية جديدة للرجل اضائع .. للأطفال الشقر 

والقطيع الميت على الضفّة الحجريّة"


الأحد، 13 أبريل 2025

قصّة الفنّ كما رواها غومبرتش : سيرة الأساليب وشيء من المفاهيم

 




كتاب "قصة الفن" ، تأليف إرنست غومبرتش، ترجمة عارف حديفة، منشورات هيئة البحرين للثقافة والآثار



الفنّ، تاريخا وقصّة

رغم كثرة الكتب التي تناولت تاريخ الفنّ، يبقى كتاب "قصة الفن" لغومبرتش الأشهر على الإطلاق. فالفنّ ليس حكاية تُروى، ولا مجرّد تسلسل زمني لأسماء الفنانين وأعمالهم؛ بل هو سلسلة من المفاهيم والأساليب التي تشكّلت على امتداد الأزمنة والأمكنة. لا يمكن فهم هذا التاريخ إلا بتحليل الأعمال نفسها، عبر تتبّع خيوط دقيقة جاءت في سياقات هامشية لا في متون السرد. فالمصريون القدماء لم يشرحوا دلالة بعض الألوان والأشكال في رسومهم، ورجال الكهوف لم يتركوا أثرًا يُفسّر ولعهم برسم قطعان الحيوانات قبل أكثر من ثلاثة عشر ألف عام. نتحدّث إذا عن سيرة الأساليب والمفاهيم التي جسّدت في  أعمال الفنانين، وكيف كان سبيل وصولها الى عقل الفنّان وانتهائها بفرشاة الرسام و مطرقة النحّات وتخطيطات المعماريّ، كلّ ذلك بسياقه التاريخي والاجتماعي، نجده في هذا الكتاب.

 

عن الكتاب

ما يثير الدهشة في هذا الكتاب هو تتبّعه الدقيق لتطوّر أساليب الفن ومفاهيمه؛ بدءًا من الرسم على جدران الكهوف وعلاقته بالسحر والشعوذة، مرورًا بالرسومات الفرعونية التي صوّرت الأجساد بمقاطع جانبية رمزية، دون مراعاة للاختلاف في الأبعاد، وصولًا إلى منحوتات الآشوريين التي لم تكن ملامحها دقيقة بما يكفي لتمييز هوية الشخص المصوَّر. لم يكن التجسيد يهدف لإبراز الفروق الفردية، بل للتعبير عن فكرة أو دور.

ثم تطوّر هذا التوجّه تدريجيًا، فبدأ الإغريق بتجسيد انفعالات الجسد، وأدخلوا مفهوم العمق والزوايا في الرسم. يتتبع المؤلف هذه التحوّلات بدقة حتى عصر النهضة، حيث بدأ الفنانون يُعامَلون كفنانين لا كحرفيين، وظهرت مفاهيم مثل المنظور، وتوزيع التناسق في التكوين، والتبخير. يعرض المؤلف أبرز المحطات الفنية والأسماء التي تركت بصمة حاسمة، مثل مايكل أنجلو، دافينشي، رافائيل، ورامبرانت، دون أن يغفل تحوّلات الفن في العصر الحديث.

يبيّن كيف انتقل الفن من الواقعية والاتقان البصري في أعمال فان آيك وألبريخت دورر، إلى التجريد والتفكيك مع كاندينسكي وبول كلي، وكيف عادت الأشكال البدائية الوثنية التي سبقت التاريخ لتظهر من جديد على يد فنانين معاصرين يستعيدون طفولة الفن الأولى. كما يشير إلى تغيّر موقع الفن الطليعي، من كونه مرفوضًا ومطارَدًا إلى تسيّده صالات العرض.

وإن كان قد أغفل ذكر بعض الأسماء المؤثرة في تطوّر الفن، مثل جيريكولت، وكليمنت، وموديلياني، وماليفيتش، فإن قراءته للأعمال والمدارس الفنية جاءت مدهشة في عمقها، وبخاصة في ربطه بين كل أسلوب وسياقه التاريخي والاجتماعي. كما أنّه يوفّق في الموازنة بين الحديث عن الرسم والنحت والمعمار.


ما لذي ينقص الكتاب ليكمل قصته؟

رغم اتساع الكتاب وشموليته، إلا أن غياب الحديث المفصّل عن الفنون خارج الإطار الغربي يُعدّ من أبرز النواقص فيه. يكاد يكون مختزلا بالعصور القديمة أو في سبيل ربطه بسياق الفنّ الغربي وهذا ما يجعل عنوان "قصة الفن" يبدو أحيانًا أوسع من محتواه، إذ أنّ 600 صفحة لا تكفي لاحتواء قصة الفنّ بجميع أبعادها الثقافية والجغرافية. كذلك، لم يُسلّط الكتاب الضوء الكافي على مساهمة الفلاسفة والمنظرين في علم الجمال، أمثال بومغارتن الذي وضع أسس الاستطيقا كمجال فلسفي مستقل. كما لم يُناقش بعمق أثر السياسات الكبرى كالمعسكر الشيوعي على الفن، خاصة في أوروبا الشرقية. ويمكن هنا الاستشهاد بفيلم Never Look Away (2018)، الذي يقدم لمحة درامية مؤثرة عن تجربة الفنان الألماني المعاصر غيرهارد ريختر، وتأثير النظام السياسي على مساره الفني. لكن، ورغم ما يمكن أن يُقال عن نواقصه، يصعب إنكار الإحاطة المدهشة التي حققها غومبرتش في تأريخ أساليب ومفاهيم الفنّ عامة والغربي خاصة، ومن زواياه التقنية والتاريخية والجمالية.


وربما ما ينقصنا لا ما ينقص الكتاب، كتابة قصّة الفنّ من وجهات نظر أخرى، عربيّة، إسلامية، شرقية وغيرها. سرديات بديلة تنبع من سياقاتها الخاصة، وتسلّط الضوء على تجارب فنية لم تمر بالضرورة عبر عدسة الفنّ الأوروبي.




الخميس، 27 أبريل 2023

حنيني الى كتاب عن الفضاء الخارجيّ




أجمل ما يمكن أن تقرؤه بعزلة كتب الكون والفضاء. أثناء القراءة يقودك حنين غابر للتحليق أبعد عن عالمك. للأرقام الفلكيّة، والأبعاد السحيقة جاذبيّة غريبة؛ اللحظة التي تبدأ فيها بتخيّل المكان والزمان هناك تمنحك سكينة تكاد تجعلك تشعر بغتة بنبضات جوفك. إن التعجّب من كلّ تلك المعلومات تجعلك وياللمفارقة تدرك الكون الذي أنت تمثّله بالنسبة لملايين الخلايا والمكوّنات الحيّة التي تعيش في داخلك.


الكتاب الموجود بالصورة، كان الوحيد عن الفضاء الخارجي في المكتبة، كان بعبارة أخرى مكوكي الفضائي الوحيد الذي يمكنني من خلاله الانطلاق نحو عالم يتمنّى البشر جميعا معرفة كلّ شيء عنه. 


كنت أتخيّل عند كلّ جملة تصف تضاريس وأجواء كوكب ما، كيف سيبدو العيش هناك؟ وكيف ستبدو الحجارة هناك؟ وكثر الخيال الى حدّ أني كنت أشعر ببرد الكواكب البعيدة وبالحرارة اللاهبة للكواكب القريبة من الشمس. وكم شعرت بالاختناق بعد أن قرأت بأنّ الزهرة كوكب يفوح بالأدخنة الملتهبة، وتحسست تلك الحرارة وهي تلهب قصبتي الهوائيّة. وبعيدا الى المريخ، أعتقد أن نبضات قلبي تغيّرت قليلا؛ عند القراءة بأن القطب الشمالي منه هو المكان الوحيد الذي يمكن العيش فيه! بضعة عشر درجة تحت الصفر. المريخ كوكب عجيب؛ تقرؤ فجأة بأن أعلى قمة جبل فيه ارتفاعها أكثر من 25 كيلو مترا، (قمة افرست تقريبا 8 كيلومترات). كيف يبدو المشهد على القمة هناك؟ هل تخيّلت ذلك؟ لو قرأت الكتاب وحيدا لتخيلت بالفعل. بعد المريخ وبمسافة سحييقة يطلّ المشترى وتبدأ الكواكب بعدها بالتباعد أكثر وأكثر عن الشمس، وعن الأرض حيث نحن. الكواكب بعدها أكبر ومتباعدة أكثر، ولم أستوعب إلا متأخرا أن المشترى وزحل كواكب غازيّة يمكن أن تغوص فيهما على حدّ فهمي! كأنه كوكب من طين. وكنت أدهش لأن وصف كوكب زحل مرّ بالكتاب الخالي من شاعريّة التعابير بسلام؛ دون التغزّل بحلقته الفريدة. حجارة وقطع من الجليد أهذا كل ما في الأمر؟ الواقع أن الكتاب ليس بحاجة إلى تعابير شاعريّة؛ الأرقام الفلكيّة تُغني. بالكتاب مرّ عليّ أكثر من مرة الفلكي الالماني هيرشل، والفلكي الفرنسي الذي خمّن بذكاء (بسبب انحراف كوكب أورانوس) بأنه يوجد كوكب مجهول خلفه، وبالفعل كان نبتون وعن الفلكيّ الانجليزي تعيس الحظّ، الذي استنتج مثل الفرنسي وجود نيبتون، لكن المرصد الحكومي تجاهله في حينها.

 

بقيّة أجزاء الكتاب، عن البيئة وغيرها لم أقرأها بعد. كنت أكتفي بصفحات الفضاء وأعيد الأسطر علّي أجده يتحدّث بأسطر نسيتها -أو لا أدري تظهر فجأة!- عن الحياة في الكون، لكن للأسف لم يكن كتابي من هذا النوع، أحببت محاولتي الاحتكاك بهذا الموضوع ولو عن بعد.


لا زلت ومع مرور السنوات أقلب صفحات هذا الكتاب سريعا في كلّ مرة. حنين الى تلك الأحلام.

السبت، 12 مايو 2018

بين ما لا يمكن كتابته وما لايمكن أن يكون فيلما

" If it can be written , or thought , it can be filmed "

ألهذا الحدّ هذا ما يمكننا بالأفلام؟

لعلّ أكثر فكرة بديهيّة في البال هي أنّ الروايات -الكلمات - يمكنها أن تقول أكثر مما تستطيع الأفلام قوله أو تعبيره لهذا في حال أعجبك فيلم مستمدّ من رواية فإنّه من المعقول جدّا أن تجد في الرواية تفاصيل أكثر وأعمق. برأيك مالأقل ضررا: مشاهدة الفيلم قبل الرواية أم قراءة الرواية قبل الفيلم؟ بالنسبة لي أعتبر الرواية اسهابا في حكاية الفيلم لهذا لا أشعر أن الأفلام تفسد الروايات عليّ كثيرا. وأجزم بأنّني سأجد بالرواية المكتوبة مالم أجده بالفيلم. أمّا مشاهدة الفيلم سأجد فيه تلخيصا ممتعا للرواية المكتوبة، وسأعيش الأحداث هذه المرة بحواسي، سمعيّا وبصريّا. ولهذه الأسباب قد يفضّل المرء الفيلم على الرواية. أي أن الشخص سينطلق بعد الرواية للفيلم ليجد تلخصيا أمتع أوضح لا ليتعمّق أكثر.



لكن الفكرة هي أنّ الكتابة تتفوّق على الفيلم كونها تصل لتعابير لاتصلها الأفلام إلا تلميحا. مثل حديث النفس والذي يمكن كتابته ببساطة، وانطباع الشخص ورأيه الكامن في باله حول مسألة ما، كلّها أشياء تكتب ولكن يصعب التعبير بها شكلا في فيلم ولو عن الطريق الملامح إلا مجازا. بل إنّ رتم الفيلم السريع لايمنح الذهن وقتا كافيا للتأمّل.
الكتابة أولا ثمّ الفيلم ولايمكن تصوّر وجود فيلم قبل الكتابة. بل يكفيك أن تجزم كون روايات رائعة مثل "زوربا" لكازانتزاكيس و "الحارس في حقل الشوفان" لسالينجر لايمكن أن تكون بالأفلام كما هي بالكتب. يوجد فيلم لزوربا ولكنّي أراهن بأنّه يصعب أن يعجبك دون قراءة مسبقة للرواية  



السؤال: هل يمكن للفيلم أن يعبّر بشيء لايمكن كتابته؟ وهل يمكن للكتابة أن تعبّر بشيء لايمكن "أفلمته"؟
بسؤال آخر: هل يوجد مشهد في فيلم لايمكنك وصفه كتابة لنا؟ 




A Clockwork Orange (1971)
إخراج: ستانلي كوبريك

هذا الفيلم مقتبس من رواية "البرتقالة الآليّة" لأنتوني بورجيس. هذا هو الفيلم الذي جعلني أحبّ أعمال كوبريك كثيرا ولكن لا أدري مالذي وجده كوبريك في هذه الرواية حتّى يتحمّس لإخراج فيلم منها؟ طوال التساؤلات الأخيرة كنت أدور حول نقطة أن الأفلام تحاول أن تقول ماقالته الرواية لكن مع هذا الفيلم وجدت أن كوبريك استطاع أن يصوّر مشاهد لايمكن كتابتها، أي أنّك عبثا -بتصوّري- لن تجد بالرواية شيئا من التعابير التي صنعها هذا الفيلم. إن كان كوبريك يقول بأنّ كل مايمكن كتابته وتخيّله يمكن أن يصنع منه فيلما فإنّه من البديهيّ أنّ نتصوّر أن كلّ  فيلم يمكن كتابته وتخيله لكن بهذا الفيلم كنت أشعر بصعوبة الحديث عنه ووصف لقطاته، وكما في Dr. Strangelove (1964)  صوّر كوبريك الكثير من المشاهد التي يصعب ايصال تعبيرها كتابةً وكأنّه في أفلامه يتعمّد فعل ذلك كثيرا، كما أن الكتابة يمكن أن تستحيل على التجسيد بالأفلام فالأخيرة كذلك في مواقف تستحيل على الكتابة، لم ألمس كثافة مثل هذه المشاهد إلا عند كوبريك وبدرجة أقل ديفيد لينش وقبلهم كان لويس بونويل. هل لهذا علاقة في وعي باتّجاه أمر معيّن؟ أن الفيلم عليه أن لايجسّد بل أن يمتدّ إلى مالاتصل إليه الكتابة؟ 

أجد صعوبة عندما أودّ وصف يد الدكتور سترانجلوف وهي تندفع آليّا لأداء التحيّة النازيّة وكيف يحاول الدكتور عبثا إعادة يده "المهنّقة" على هذه الوضعيّة. بطبيعة الحال أكثر مايصعب كتابته هي المواقف الكوميديّة والتي تميل للكوميديا السوداء أو للكوميديا المخفيّة في عمق الموقف، شيء مضحك ومناقض مثل أن مشاهدة مشهد محزن ومبكي يعدّ أمرا ممتعا في فيلم. تجد هذه الكوميديا كثيرة لدى كوبريك وقبله بونويل ونوعا ما ديفيد لينش وبالعصر الحالي عند تارانتينو الجميل ولو أنّه يبدو كملصق إعلاني جميل مقارنة بهم. لاشكّ  وأن التجسيد المرئيّ -الفيلم وقبله المسرح- كان لغرض التسلية والضحك وشيء من هذا القبيل وكأنّ ذلك إقرارا مبكّرا بعجز الكتابة عن فعل ذلك بدقة عالية.  


بالنسبة لي أتصالح مع فكرة أنّ أعظم فيلم لن يكون بإخراج كوبريك ويحتمل أن يكون لكوروساوا أكثر منه. لكن كمخرج أستطيع القول -بحسب رأيي- أن كوبريك أفضل مخرج. هم أفضل منه في اختياراتهم للقصص والحكايات وبجذب الجماهير بمختلف أنواعهم أي أمور تأتي قبل الفيلم وبعده لا أثناءه. كوبريك بالنسبة لي يشبه شاعرا أدرك أنّ قدراته أفضل بكثير من شعره.
هل أفلامه غريبة الأطوار؟ أفلامه توحي بأنّها كذلك. لديّ  قناعة أن شكل المرء يوحي بشيء منه. في ملامح كوبريك شيء من الحدّة، أو يمكن أن تقول بأنّ ملامح وجهه لاذعة على الذاكرة أكثر من غيره وليست ناعمة مثل فيلليني وغيره وأقرب شخص يعطيني وجهه نفس الانطباع هو لويس بونويل 

  
بالنسبة لي هم يشبهون بعضم حتّى بالأفلام، ومع ذلك أستغرب كثيرا كيف أن ديفيد لينش لايشبههم؟ رغم أن أعماله توحي بأنّه كذلك بطريقة ما. يبدو لينش بريئا مقارنة ببونويل وكوبريك بملامحهم الحادّة والتي تعكس اخراجهم وطرحهم لبعض الأمور بحدّة. ففي فيلم Lolita (1962) المستوحاة من رواية بنفس الإسم لفلاديمير نابوكوف كان كوبريك مستفزّا للغاية. كان كمن يمرّر سكّينا حادة في جلد ناعم بقبضة مرتعشة برغبة. تنتظر أنت أن يحدث شيء ما دون أن يحدث. بدا وكأنّ كوبريك وبالعامي "فيه حردة" لكنه لم يفعل أي شيء. 
 الاعتماد على الملامح للحكم يعتبره الكثير نوعا من التخلّف أو هو التخلّف بعينه وإن كان من المثير الحديث عنها. وعلينا أن نقرّ بأنّنا خلقنا بهيئتنا بحكمة نحن أعجز من أن نفهم سرّها ولسنا مرسومين في عالم للإنمي حيث يمكنك أن تفهم رغما عن الرسّام والمخرج بماذا توحي ملامح هذا أو ذاك. 

 على كلّ  حال ستظلّ الأفلام ترجمة للكتابات وككلّ ترجمة ستقف عاجزة عن ايصال بعض الأشياء لكنّها ستحاول قول كلّ  شيء لكن لاننسى بأنّها تستطيع أن تضيف شيئا من عندها لدرجة قد تغري الكتابة بالقيام بعمليّة عكسيّة لترجمة الفيلم الى كتابة.  



لو كان هنالك قاموس مصوّر أقترح أن تكون هذه الصورة موجودة عند مفردة "مُخرج" كونها تعكس كثيرا شكل وحال المخرج. 

بالنهاية كلمة "أفضل مخرج" هي "كأفضل شاعر" هي لاتعني ماتقوله بالفعل لكنّها بذلك تودّ أن تقول شيئا ما، وبدرجة ما هي كأنّ يقول الأب لابنته بأنّها أجمل بنت في العالم، هو لن يقاتل الناس ليقنع الآخرين بذلك بل إنّه مطمئنّ لاعتبارها كذلك بقلب مرتاح.

الأحد، 25 فبراير 2018

كتب تولد كتب أخرى





كتب الموسوعات أو الكتب الموسوعيّة هي من أفضل مايبدأ فيه الشخص القراءة. بفضل تنوع مواضيعها يمكنك أن تلتقي بموضوع قد يهمّك لتبدأ بعدها رحلتك الخاصة مع الموضوع المحبّب وتكتشف بنفسك أكثر. 

لكن المشلكة الاستمرار بقراءتها دون غيرها قد يوحي بأنّ مالديك ليس إلا مجموعة بيانات مخزّنة، وهذا ما يجعلنا نشعر أحيانا بأنّ بعض الأشخاص ليسوا إلا بنكا للمعلومات. كيف تستطيع إستثمار رصيدك في هذا البنك المعلوماتيّ؟ وبالمناسة الفكرة حول قرّاء الكتب الموسوعيّة قد تنتطبق على من يقرأ فقط نوعا معيّنا من الكتب بشكل غزير، مثل قرّاء الروايات والأدب. إذ أنّ لديهم رصيد عالي من المعلومات وإن كانت كلّها في عالم الرواية والأدب ولكن يمكن بالنهاية الخروج بها بمعلومات خارج ذلك النطاق، بالتنزّه قليلا بموضوعات أخرى.

المعلومة تشبه إلى حدّ ما العناصر الكيميائيّة، بخلط معلومتنين قد تحصل على معلومة ثالثة جديدة تماما مثل خلط العناصر وهو مايشبه الجمع والربط بين مابيدك من معلومات لتصل لاستنتاج يمنحك معلومة جديدة ومعتبرة. بالطبع خلط كمّ أكبر من المعلومات سيعطيك نتائج أكثر ولكن معقّدة. هذا ليس إلا شكلا من أشكال توليد معلومات جديدة من معلومات قديمة.

 أتذكّر أحدهم سأل "كيف تواصل المسلمون الفاتحون مع سكّان البلدان المفتوحة من ذوي اللغات المختلفة؟" الكلّ يرى خريطة شاسعة للدولة الأمويّة ويعرف أنّها دولة مسلمة عربيّة ولكنها بالواقع دولة متعدّدة اللغات فهنالك مدن كثيرة لم يتحدّث العربيّة إلا أحفادهم ومع ذلك لاتذكر كتب التراث ذلك ، كانت في حينها حقيقة معروفة لدرجة لاتستحقّ التنويه والذكر ولم يكنّ الإنسان في تلك الأزمان مهتمّا بتلك الظواهر وهذا ماجعل الإنسان الحاليّ المهتمّ بها يعنى بالتعرّف عليها ولكن عن طريق معلومات ثانوية وجانبيّة لعلّ توفيقا في جمعها يوصله إلى مايود معرفته حول تلك الظواهر.
الكثير من الحقائق ليست موجودة مباشرة بالكتب ولايمكن الوصول إليها إلا بجمع حقائق متفرّقة وبصورة صحيحة ومعيّنة.


كتب التاريخ مهما بدت ميّتة فإنّها حيّة من خلال بعض المعلومات التي تذكرها، والتي لها صدى خافت يفتح تساؤلات عدّة. مثلا الإمام الغزالي ألّف عدّة كتب معروفة ومشهورة وكلّها بالعربيّة ولكن أحدها ألفه باللغة الفارسيّة "كيمياء السعادة" إن هذا يفتح بابا لتساؤلات عدّة، حول أمور كانت في زمنها أشياء معروفة ومثل تلك الأمور مع الأسف لاذاكرة\كتب لها، كونها أمور لم تثر علم الإنسان بعد والآن بات عليه بناء تاريخ لتلك الأمور من جديد إذ أنّها حاليّا تحتلّ مكانة كبيرة في معرفة المجتمعات البشريّة الحاليّة وفهم الإنسان والعالم الذي يعيش فيه. 
إلى أيّ حدّ كانت كتب اللغة الفارسيّة منتشرة؟ إذ يقال بأنّ الغزالي ألّفه بالفارسيّة ليصل إلى شريحة أوسع من القرّاء، ذلك قد يوحي بوجود كتب عديدة باللغة الفارسيّة وبمواضيع مختلفة، فالعربيّة مناسبة للمواضيع الدينيّة والأدبيّة ولكن هل ذلك يعني بأنّ هنالك مواضيع معيّنة تطرقت لها كتب اللغات الأخرى؟ كل ذلك يمكن معرفته ولكن لايمكن العثور عليه مباشرة في كتاب ما. أيضا مقولة أبي عمرو بن العلاء:"ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا .. " هذا يوحي بالكثير من الحقائق التي لم تذكر بالكتب ولكنّها كانت معروفة في عصرها ومع مرّ السنين اختفت تلك الحقائق إلى أيّ مدى هي هامة لفهم التاريخ البشري ومجتمعه؟ وهي الحقائق التي أعتبرت من المسلمات وبات العثور عليها صعبا من خلال ماروي بالكتب والكتب لاتذكر حقائق يعرفها الناس ببساطة.      

ولتبدو الصورة أوضح في كتاب اسمه "الطعام والمجتمع في العصر الكلاسيكي" لبيتر غرانسي من الأشياء التي نوّه بها المؤلّف مدى صعوبة العثور على معلومات حول هذا الموضوع، أشياء كانت معروفة ومسلّمة  مثل: إلى أيّ حدّ عانى الناس من سوء التغذية؟ ومامدى تأثير ذلك على صحّتهم ومعدّل الأعمار؟ من أين يأتي الناس بطعامهم؟ وكيف أمكن إطعام المدن المكتظّة بالسكّان مثل روما -بالطبع الصورة ليست مثل ماهو بالعصر الحديث- ومدى اهتمام الناس بمذاق طعامهم؟ كلّ ذلك لايمكن إلا من خلال الاستقراء إذ لايوجد كتاب مباشر أو بحث مباشر حول ذلك. ولم يكن الطعام إلا مجالا نال الاهتمام بالعصور الحديثة ومن أشهر المهتمّين كلود ليفي شتراوس لأنّ من خلاله يمكن فهم المجتمع البشريّ كثيرا وهو مالم يكن مفهوما بالسابق ولذلك لم يذكر ذلك قديما.  

بفضل الاستقراء وجمع المعلومات يمكننا القول بأنّ الكتب تولّد كتبا أخرى

بالإضافة إلى التفاصيل المهملة التي لم تذكرها كتب التاريخ لأنّها كانت من المسلّمات عند أهلها توجد أمور أخرى ذكرتها كتب التاريخ أو بالأحرى ذكرتها الروايات ورسمها الرسامون ولحسن الحظّ الكثير من التفاصيل يمكن الرجوع إليها من خلالها وقد وصلت إلينا بتلقائيّة دون قصد. 
إلى أيّ حدّ يمكنك معرفة الكثير عن عالم الموضه والاهتمام بالمظهر من خلال لوحات الرسامين؟ لاشكّ يمكنك معرفة الكثير عند تأمّلك لوحات رينوار مثلا وهو يرسم الحياة الباريسيّة بتجمّعاتهم وديجا وهو يرسمهم في أكثر لحظاتهم خصوصية ببيوتهم . بالروايات يمكنك أحيانا التعرّف على السلع الرائجة في ذلك الوقت وعلى ذوق ذلك العصر ونوعا ما على أدبيات الحوار بعفويّة، من خلال المحادثات فمثلا عندما ذكر بلزاك برواية "النسيبة بت" على لسان أحدهم وهو يحاول أن يعده بإحضار البنّ الرائع من اليمن. لهذا قرّاء الروايات محمّلين بالكثير من الحقائق الجانبيّة والتي قد لايدركونها. فبلزاك رواياته مليئة بهواجس البرجوازيين ومظاهر ذلك المجتمع، أمّا فيكتور هوغو تشعر بأنّ يستحضر دائما المثل العليا للبشر. وقد تجد في غيره الإعجاب بتلك المثل العليا مثلا خلال عناوين اللوحات الفائزة بجائزة روما Prix de Rome للرسم، الجوائز وهي من غير قصد تنبؤك كثيرا عن الذوق الرسمي لكلّ العصور، ذلك أنّ الذوق الرسمي تمّت مواجهته في عالم الرسم من قبل الانطباعيين ومن قبلهم الواقعييين. ليست الكتب وحدها من تحمل معلومات من غير قصد بل الجوائز كذلك. 

الى أيّ حدّ كلّ شيء غامض واضح من الأساس؟
في لقاء مع الفريق الأردني نذير رشيد وعندما تحدّث عن مدى نجاح الاستخبارات الأردنيّة في جمع الكثير من المعلومات الاستخباراتيّة والتي -على حدّ قوله- كانت أدق وأهم مما لدى باقي العرب قال بأنّ أغلب ماجمع كانت من مصادر مفتوحة ومنشورة ومعلنة مثل كتب المذكرات وصحف الاسرائيليين!. أغلب المعلومات الاستخباريّة يمكن الحصول عليها من وسائل عامة ومصادر منشورة. على كلّ حال فتعريف الاستخبارات: ليس إلا معلومات تمّت معالجتها.

كلّ ماعلى قارئ الموسوعات وكتب المعلومات والروايات أن يقفوا بتمعن لمافي حوزتهم وسيجدون أنّهم يحملون الكثير دون أن يدركوا ذلك. كيف؟ لاتوجد طريقة بعينها ولكن بعض المواضيع والكتب لها قدرة على تحفيز مافي جعبتك لإظهار كلّ مافي مكنونها. 

وإن بدت المعلومات سطحيّة إلا أنّ كثرتها وتكرارها يتيح مجالا لعمقها. الويكيبيديا مثلا وهو مصدر يعتبر غير موثوق أحيانا  لكنّ فيه ميزة جوهريّة وهي الربط السلس بينها. ولا أدري ولكن أعتقد بأنّ هذه الميزة لم تكن في الحسبان، امكانيّة الدخول عبر روابط لاتنتهي من موضوع لآخر عبر علاقة ما لتكوين صورة أشمل مع وجود هامش يجمع القواسم المشتركة بين كلّ موضوع كلّ هذا عبارة عن صورة مصغّرة أو صورة مصفّحة لما في عقل القارئ من حقائق ومعلومات


هنالك مؤلفين كانت لهم القدرة على إدراك أمور أو رؤيتها من عين أخرى مثل ابن خلدون وآدم سميث وكارل ماركس


وبرأيي من الكتب التي قد تنبّهك الى الكثير كتب علم الاجتماع مثل "مقالة في تاريخ المجتمع المدني" لآدم فيرغسون إنّه ينبّهك الى قوانين يمكنك من خلالها فهم التاريخ البشريّ بصورة أوضح ولعلّ مايجدر أن نذكره قبله "مقدمة ابن خلدون" فهو مؤسس ذلك المجال. وكتاب ميشيل فوكو الجميل "الكلمات والأشياء" إنّه لايمنحك الكثير مثل كتب أمبرتو ايكو بل ينبّهك إلى الكثير. أمّا المجال الذي بحقّ فتح عالما واسعا جديدا هو اللسانيّات إنّ هذا المجال واسع باتساع المجالات كلّها، فهو على علاقة بتاريخنا وتكويننا وتفكيرنا بل إنّه مجال يتيح فهمنا بصورة دقيقة مثلما يتيح الطبّ -والعلاج غايته الأبرز- فهمنا. ستتفاجأ بمقدار ماتزودك القراءة عن اللسانيات من ادراك حول المواضيع التي تهمك. وكتاب مونتسكيو "روح الشرائع" ولأنّه ركّز على فهم نشوء القوانين فتحت من خلال ذلك على مايبدو نافذة جديدة على التاريخ والبشر. إن لمونتسكيو قدرة عجيبة على إثارة التاريخ وملاحظة الأحداث وكتابه عن تاريخ الرومان المختصر يدلّ على ذلك. وهنالك كتب الاقتصاد والتي من خلالها يمكن فهم السلوك الجمعيّ للبشر وكان هذا المجال قد بدأ يلفت الانتباه في انجلترا أيام الحصار القارّي بالحروب النابليونيّة ومن الكتب الاقتصاديّة الجميلة يوجد كتاب تيم هارفورد "تكيّف" وكتاب "الفيلسوف الاقتصادي" لستيفين لاندسبيرج.


 على كلّ حال الموضوع طويل الى حدّ لايمكن إدراكه مثل أنّ الإنسان في كلّ مرّة يجد أنّه مضطرّ للبدء من جديد في علم جديد بعد أن خال بأنّه بات يعرف كلّ شيء. وذلك يطرأ مع تساؤل جديد. ذلك يذكّرنا بوصف انشتاين للعلم الذي شبّهه بقيادة درّاجة هوائيّة حيث أنّك ستسقط إن لم تواصل بإدارة عجلاتها. 

باختصار ان المعلومات تشبه الأشخاص يمكنك أن تعرف الكثير عنهم من خلال تصرّفاتهم، إنّهم يحكون أكثر من خلال ذلك أكثر من ألسنتهم. ففي التاريخ الكلّ يعرف أنّ الرومان عندما غزوا فرنسا (بلاد الغال) تحوّل سكّانها تدريجيّا إلى رومان يتكلّمون اللغة الرومانيّة، حتّى تلاشت اللغة الأصليّة لبلاد الغال وبقيت فقط بإقليم "البريتاني" إن ذلك يوحي كثيرا إلى قدرة الرومان على إقامة دولة وأنظمة مدنيّة قادرة على تحفيز أهالي البلاد على تعلّم لغتهم، إذ أنّ ذلك يعدّ بوابة للانخراط بالحياة الرومانيّة. لم يحدث ذلك قسرا -أعني مسألة اللغة- بل كان اختيارا وهذا التصرّف التاريخيّ مجال خصب لمعرفة الأوضاع في تلك الأوقات. التاريخ يذكر كيف انتشرت اللغات ويمكن فهم الكثير من خلل معرفة اسباب الانتشار وحدها. 



وبالاخير وبخصوص من يحبّ قراءة كتب الموسوعات أو الروايات والتاريخ بتوسّع أكثر مايثير فضولي: ماهو الموضوع أو الكتاب الذي تودّ أن يؤلَّف عنه في يوم ما؟ 


الأربعاء، 7 فبراير 2018

يمكن أن يكون أجمل كتاب قرأته (التاريخ الكامل للحرب العالميّة الثانية)



للتوّ أنهيت كتاب "التاريخ الكامل للحرب العالميّة الثانية" للفرنسي ريمون كارتيه. لا أدري كم مرّة قرأت هذا الكتاب والذي كان سببا في جعل الحرب العالميّة الثانية من المواضيع التي أحبّ قراءة ومشاهدة كلّ شيء عنها. ألن يبدو الأمر غريبا لو اعتبرت أفضل كتاب قرأته و أحبّهم إليّ عن الحرب العالميّة الثانية؟

لا يشبه على الإطلاق تلك الكتب التي تعيد سرد الأحداث برتابتها وبهياكل معلوماتها الجامدة، بحيث تشبه كتب المناهج المعدّة للامتحانات. كارتيه يحيي الأحداث بحشد ذاك الكمّ من أقوال الشاهدين والمعنيين، حتّى أنّك تجد مختلف استشهاداته موزّعة في الكتب المختلفة مما يدلّ على دقّة المؤلف بتحرّي الصدق برواية الأقوال. ليست الأقوال وحدها بل تفاصيل فنيّة للمعدّات يخبرك عنها ويجعلك تلمّ بالأحداث من وجهة نظر الأشخاص الذين قاتلوا بتلك المعدّات وبمعيّة الأقوال والأرقام وتعابيره فإنّك ستتعايش مع الحرب أكثر من كونك تقرأ عنها.

كصحفيّ تشعر بجهده وعناده في سبيل نيل المعلومات -وهو يذكر قليلا ظروف جمع المعلومات وبعض الصعوبات حول ذلك خاصة عن الاتحاد السوفييتي والمقاومة الفرنسيّة-  وتلمس ذلك الأسلوب الرشيق في وصف الأحداث والإشارة برفق إلى معلومات جانبيّة بسيطة لكنّها تعطيك زاوية فريدة للرؤية، فتمنحك قدرة على بناء تصوّر أشمل. مثلا عندما ذكر المؤلف فريدريك باولوس قائد الجيش السادس الذي استسلم بستالينغراد،  قال: بأنّه إبن موظّف عادي من كاسل، هذه المعلومة أعطت صورة واضحة عن باولوس ولاشكّ أنّ من قرأ عن معركة ستالينغراد سيدرك كيف أنّ هذه المعلومة البسيطة تتوافق تماما مع شخصيّته. بالإضافة إلى أنّ المؤلف لم يبخل بإعطاء أوصاف أكثر حوله وغيره تنمّ عن إلمام بشخصيّة كلّ القادة الألمان بالذات. سيبدو وكأنّه قد قرأ عن كلّ شخصيّة وقائد بالحرب، بل كأنّه يتحدّث عن أشخاص يعرفهم.

ستتفاجأ بأنّ هذا الفرنسي لايخفي إعجابه أبدا بالألمان في عزّ انتصاراتهم وهزائمهم وستحتار كثيرا عندما تجده يميل إلى الاعجاب بالسوفييت والأمريكيين ولايخفي اعجابه أحيانا بالانجليز أو اليابانيين في بعض المواقف إنّ ذلك يجعلك تطمئن لإنصافه أمّا الايطاليين لايمكن لأيّ منحاز لهم أن يعبّر عن إعجابه بهم بكتاب يتكلّم عن هذه الحرب.

لاشكّ وأنّ الترجمة يصعب أن تبرز روعتها بكتاب غير أدبيّ ولكنك تجد ذلك بهذا الكتاب. وإن لم تخفى عليك روعة تعبير ووصف كارتيه وايجازه ومقارناته لن تخفى عليك شاعريّة المترجم وانتقائه الجميل للمفردات.

الكتاب شيء آخر لايشبه غيره.

بالنسبة للحرب العالميّة الثانية وهي التي رسمت فعليّا معالم القرن العشرين ولازالت أكبر تجربة بشريّة يمكنك من خلالها معرفة الطبيعة البشريّة بأقصى تصرّفاتها، من وحشيّة وجنون ورحمة ومغفرة وانسانيّة وغير ذلك. لايمكن أن تؤلّف كتابا عن هذه الحرب ليشمل كلّ جوانبها دون أن تسمّيه "موسوعة الحرب العالميّة" لأنّ الأحداث ستجبرك على التشعّب هنا وهناك لتجد نفسك تبتعد عن ساحة المعركة لتتطرّق لأحداث لايمكنك أن تغفلها، لهذا لايمكن أن تسع هذه الحرب إلا موسوعة.


مالجديد الذي يمكن أن تدركه بالحرب العالميّة الثانية؟ 

أشكال العنف:

أشتهرت بهذه الحرب أحداث "الهولوكوست" دائما تصوّر على أنّها أقصى ماوصل اليه البشر من جرم، والواقع أنّ الشيوعيّة لا تقلّ عن النازيّة إجراما ولم يكن هتلر إلا حمل وديع عند ستالين لكن المرعب بالموضوع هو أن تكون مكروها بسبب عرقك -وهو شيء لاتختاره أنت- وأن يستدعي ذلك قتلك بطرق لاتكلّف الكثير من المال والوقت. ليس حجم وعدد الضحايا مهمّا بقدر مالسبب في فعل ذلك. ولاننسى  التجارب المرعبة التي أجراها علماء نازيّون على البشر، كانوا يضعون الأسرى في أحواض مياه باردة ويزيدون من برودتها للوصول إلى الدرجة التي عندها يموت الشخص، تمّ تسجيل درجات الحرارة تلك التي يموت فيها الشخص بناء على عرقه! كان الروسي هو أكثرهم تحمّلا، مثل هذه التجارب ستشعرك بالذنب بمجرّد التفكير أنّها قد تكون مفيدة للعلم! إنّ العالم عبّر عن صدمته لفعل ذلك وكيف يمكن للنازي أن يفعل كلّ ذلك بدم بارد ولكن بنفس الوقت الشخص الذي رمى القنبلة النوويّة التي أذابت عشرات الآلاف من الأبرياء قام بذلك بضغطة زرّ باردة، ومع ذلك لم يعبّر أحد عن مدى رعبه مما حدث!. الواقع أنّه في هذه الحرب بات يمكن للإنسان أن يقتل العديد من الناس بضغطة زرّ باردة، حيث باتت الآلات تحمل عبء مسؤليّة القتل والدمار عن الإنسان فبات بالإمكان القتل بضمير مرتاح أكثر من السابق وأصبح البشر بعد ذلك مجرّد أرقام فلا أحد يشعر بموتهم، إنّه العصر الرقمي بامتياز. الهولوكوست مرعبة ولكن الأزرار أكثر رعبا. 

في هذه الحرب قام المنتصر بمحاكمة الخاسر بمحاكمة علنيّة وهذا مايجعلك تعرف عقليّة المنتصر والمهزوم في كلّ العصور. 

في هذه الحرب كانت الكاميكازي، الهجمات الانتحاريّة الأولى.

في هذه الحرب ستعرف كيف تولد الدول بشكلها الأخير عن قرب "فنلندا" وكيف ترسم خرائط الدول ببساطة وكيف يمكن لهذا الخط أو ذاك أن يذهب بعيدا كما حدث في "مؤتمر يالطة" التي رسمت حدودا جديدة لبولندا وكأنّ الأمر كان يحتاج فقط إلى ورقة وقلم .

في هذه الحرب قفز الإنسان بمخترعاته عشر سنوات فوق الزمن: الرادار، الطائرة النفاثة، الصواريخ البالستيّة، السونار، القنبلة النوويّة، التوجيه بالراديو، كلّها اختراعات ولدت بالحرب. 

في هذه الحرب ستجد كيف يمكن للإعتبارات أن تبرّر كلّ شيء. كان الأمريكيين يرون الألمان جنرالاتا ورجال دولة مذنبين يستحقّون العقاب ومع ذلك منحت الجنسيّات الأمريكيّة سريعا للذين صنعوا الصواريخ البالستيّة مثل فون براون! كان خليفة هتلر دونيتز حريصا على نقلهم إلى الجبهة الغربيّة ليقعوا بأسر الأمريكيين بدل السوفييت.

في هذه الحرب كان الألمان وحوشا في بيلاروسيا ضد السكّان المدنيين في حين أنّهم في ليبيا كانوا ينزلون العقوبة بعدل على الجنود الطليان الذين يعتدون على سكّان الصحراء. 

في هذه الحرب كانت ظاهرة الانتحار بارزة الأمر الذي يجعلك تقترب أكثر لفهم هذه الحالة -الانتحار- ويمكن اتخاذ هذا الموضوع وحده عنوانا لكتاب ما. 

في هذه الحرب تمّ تشخيص أوّل حالة جنون فريدة بهذا الوضوح وهو "جنون العظمة" العديد من الألمان الذين التقوا بهتلر أجمعوا على عبقريّتة بأمور معينة وعلى جانبه الطبيعي اللطيف وبنفس الوقت عبّر الكثير عن صفات الجنون لديه في أكثر من صوره بمنتصف الحرب. 

في الحرب العالميّة الثانية يمكنك أن ترى الديموقراطيّة وهي تصنع ديكتاتورا ويمكنك أن ترى ديموقراطيّات عريقة تتحالف مع أنظمة دكتاتوريّة.

في هذه الحرب قد تجد تفسيرا لسبب ظهور العديد من الشخصيّات الشريرة بعالم الإنمي كأشرار وغزاة، بل إنّ غزاة الفضاء لطالما شكّل تطوّرهم العلمي أحد جوانبهم المرعبة. إن ذلك قد يكون تأثيرا غير مباشر للقنبلة الذريّة التي سعى العديد من العلماء لإلقائها فوق اليابان.


لايمكن حصر مايمكن أن يكون فريدا في هذه الحرب يكفي أنّ عشرات الأفلام السينمائيّة لازالت تحقّق نجاحاتها من خلال مواضيعها التي لاتنتهي ولازالت أحداثها مصدر إلهام لاينتهي للمخرجين. أعظم فيلم لسبيلسبرغ كان عنها وأشهر فيلم بيلاروسي كان عن الحرب و توجد سلسلة لاتنتهي من أسماء أجمل الأفلام كلّها تدور حول الحرب. فيلم عن هيروشيما للفرنسي رينيه وآخر دنماركي عن ألغام مابعد الحرب وفيلم ميلفيل عن المقاومة الفرنسيّة وفيلم ألماني استطاع أن يريك هتلر وكأنّه حيّ أمام عينيك وغيرها الكثير وفيلم طفولة ايفان لتاركوفسكي عن ستالينغراد المدينة التي كانت موضوعا للعديد من الأفلام وصولا لفيلم الإنمي المشهور "قبر اليراعات"


أكثر ماقد يسيء إلى معلوماتك هي كتب تمنحك المعلومات في إطار ميّت ، معلومة لايمكنك أن تبني عليها حقيقة واضحة. فمثلا بالويكيبيديا الكثير قد يتناول معركة العلمين باعتبار أنّ موازين القوى كانت متقاربة، لأنّ الأرقام ستخبرك بأنّ لرومل عدد لابأس به من الدبابات مقابل مونتغمري. بالواقع كان لدى رومل دبّابات ايطاليّة لم تكن لها قيمة إلا برفع الأرقام وكانت كدمى ورقيّة مقارنة بغيرها. أنت كقارئ قد لاتريد أن تعرف بأنّ تلك الدبّابات اسمها "21" وعيار مدفعها 20 ملم وأنّ مابيد رومل بسبب غرق ناقلة نفط ايطالية إلا 100 كيلو تقريبا من الوقود لكلّ دبابة أي أنّها معرّضة للشلل ولكن يهمّك أن تجد من يخبرك بذلك بطريقة ما دون أن يخوض بك في مجال وتفاصيل تشعرك بالملل وهذا مايفعله كارتيه بالضبط. 

 قد تجد أشخاصا أخذوا من مصادر أو كتب تخبرهم بأنّ مادفع اليابان للاستسلام كان اعلان الاتحاد السوفييتي الحرب عليها وأنّ السوفييت شرعوا بغزو شمال اليابان ذلك ينجم عن سوء باستخدام المعلومات، صحيح الاتحاد السوفييتي أعلن الحرب ولكن ذلك بعد قنبلة هيروشيما وصحيح أنّهم حصلوا على جزر الكوريل ولكن ذلك كانت بضوء أخضر أمريكي. ولو كان يعرف تفاصيل انزال النورماندي لعرف بأنّ الإنزال بالأرض اليابانيّة مستحيلة على السوفييت. 

أبسط مايقال عن هذا الكتاب هو أنّ المؤلف بذل جهدا كبيرا في تأليفه تشعر معها بأنّك ممتن له. 


الجمعة، 10 مارس 2017

كم تستغرق الكتب؟






لايمكن أن يضيق المكان بالكتب. ولاتوجد على الجدران أي نافذة قادرة على منح أي غرفة رؤية أفضل مما تمنحه الكتب التي تستند على جدران الغرف.


أتذكّر مواضيع بالمنتديات تحكي عن أسوأ كتاب اقتنيته، وردود تقول: لايوجد كتاب سيّء! وأخرى تقول: أنّ كلّ قراءة مفيدة. كلّ ذلك لم أستسغه، إذ أن الكلام لايمكن أن يكون صحيحا، ومثل هذا الكلام قادر على طمر الكتب الجيّدة بالكتب التي لاينبغي لها أن تكون إلا في "تويتات" أو "مقالات بالجرايد" أو في "السوالف". تذكّرت كلام ميلان كونديرا في كتابه (الستارة) عندما أورد قول أحدهم بأنّ الحياة قصيرة ولاوقت لقراءة الكتب السيّئة، تذكّرت ذلك عندما قال أحدهم لشخص اشترى كتبا كثيرة:إنّك لن تكون قادرا على إكمال قراءة كلّ الكتب في مكتبكم قبل موتك! قال ذلك لأنّ عدد عناوين كتبهم أكثر من ١٠٠٠ عنوان، أي أنّه بحاجة لقراءة ١٠٠ عنوان كلّ سنة وهذا أمر صعب. لكن المعلوم أنّ اقتناء الكتب أحيانا يكون للاطلاع أو اثراء المكتبات، بل لمجرّد إراحة الضمير تحاشيا للندم لاحقا على عدم شراء هذا الكتاب ولو لم يُقرأ!. لكن فلنتّفق بأنّ الحقيقة التي ذكرها صاحبنا ينبغي لها أن تجعلنا أكثر حرصا على اختيار كتبنا. توجد كتب يستطيع مقال واحد أو مجموعة سنابات أن تغنينا عنها وعن اقتنائها بالرغم من أنّ رقم طبعتها كبير، وكثيرا ماتكون هذه الأرقام مضلّلة فهي حيلة تلجأ إليها العديد من دور النشر لرفع رقم الطبعة للتستّر على أرقام المبيعات.    

ليس المطلوب على كلّ حال أن يبذل بالكتب جهد جدّي و جبّار يفوق تصوّر منتقدي البخاري ومسلم، فجهدهما كافي لجعل أي منتقد يبذل في سبيل الإنصاف جهدا يستحقّ أن يقدّم أمامهما ولو على استحياء.بل نحن بحاجة إلى كتب تأخذنا على محمل الجدّ.  






(الغريزة اللغويّة: كيف يبدع الإنسان اللغة) ترجمة الدكتور: حمزة قبلان المزيني.
 يمكنك أن توصي  باقتناء الكتب التي يترجمها، فهو بحقّ - وإن لم أكن أحبّ مقالاته و آرائه- إلا آنّه قدّم لمكتبنا العربيّة كتبا يستحقّ أن يشكر عليها وبترجمة ممتازة. ومن بينها هذا الكتاب الذي سيجعلك تفهم كثيرا علم "اللسانيّات" وتفهم وبشكل واضح على الأقل الجدال الحاصل بين مؤيّدي ومعارضي نظريّة تشومسكي حول اللغة (التوليديّة) خاصة عند من يناقش ذلك حول العربيّة.

في هذا الكتاب قام بنكر بشكر ٥٣ شخصا في مقدمته تقريبا. ذكرهم جميعا وماقاموا به من أجله، بمافي ذلك معلّمة للغة اللاتينيّة بالمدرسة الثانويّة. إن تقديمه للشكر بهذه الطريقة يوحي بالخدمة الكبيرة التي قدّموها له يوحي -بحقّ- وبدرجة أكبر إلى الخدمة الكبيرة التي قدّمها لنا في هذا الكتاب الممتع. هو ذلك النوع من الكتب التي تجعلك تشعر بالإمتنان لمؤلّفه وكذلك بالإمتنان لمترجمه. 



في كتاب من إصدار مشروع" كلمة" حول تاريخ الطعام خاصة بمنطقة البحر المتوسّط بالعصور القديمة، كنت أتلمّس كثيرا جهد المؤلّف في محاولاته الدؤوبة لجمع المعلومات عن طريق المصادر وبالاستقراء المجهد. وكثيرا ماكان يشكوا من قلّة المصادر حول الموضوع الذي لم يدرك الإنسان أبعاده وتأثيره التاريخيّ إلا في وقت متأخّر. عندما تلمس جهد المؤلّف يزداد حبّك للكتاب. 




أمبرتو إيكو وهو أديب إيطالي معروف، أعتقد بأنّ كتبه من أكثر الكتب التي تستحقّ الإعجاب. فأنت لن تملّ من القراءة له، كونه يحدّثك كثيرا كثيرا عن اطّلاعاته وقراءاته الواسعة. باختصار هو يأخذك في جولة دحال حديقة قراءاته. لايملك الكثير ذلك الأسلوب الشيّق في الحديث عن ماقرأوه واكتشفوه في كتبهم. إيكو يملك أكثر من ذلك.عند قراءتك لكتابه ستشعر بأنّك قرأت مجموعة من الكتب. 



 أحد أهم الأمور التي تجعل من الكتاب ذا قيمة، هو تخيّل الجهد المبذول فيها. والتطرّق إلى مواضيع تدرك فعلا بأنّ الخوض فيها مرهق. الكثير من المعلومات مكشوفة ولكنّ جمعها وترتيبها ينتج معلومات جديدة كليّا. ففي لقاء مع رئيس للمخابرات الأردنيّة على قناة الجزيرة برنامج (شاهد على العصر) قال بأنّ ٩٠٪ من المعلومات الاستخباريّة منشورة بالوسائل العامة بالفعل! وهو مايتحدّث عنه بالأساس أغلب من عمل في هذا المجال من الغرب وغيرهم. فالمعلومات موجودة وبإمكانك أن تحصل على جديدها بعد بذل الجهد فيها. وإلا فإنّ ماستقدمه لن يكون إلا "قصّا ولصقا" لا أكثر. لو أخذت شخصيّة تاريخيّة وطلبت من عشرة أشخاص أن يكتبوا عنها كتابا. هل سنتوقّع معلومة جديدة؟ هم بالنهاية سيرجعون إلى نفس المصادر ونفس المعلومات ستعاد كتابتها ولكن، توجد معلومات تولّد معلومات أخرى وماكلّ واحد من بين هؤلاء قادر على فعلها. 
في كتاب الدكتور عبداللطيف حمزة (شخصيّات من التاريخ: عبدالله بن المقفّع، صلاح الدين الأيوبي، قراقوش) يقال بأنّ هذا الكتاب خاصة عن ابن المقفّع عبارة عن رسالة بالماجستير، وقد قيل له بأنّ ماقدّمه يستحقّ عليه الدكتوراه لا الماجستير! لا يمكن حصر الكتب التي تحدّثت عن ابن المقفّع، ولكن الكثير منها تحدّثت عنه وعن ماحصل له من أمر مؤسف، لكن الكثير كانوا يتحدّثون عن أفكارهم وآرائهم من خلال كتابتهم عنه. كلام اعتيادي، وتكرار عاطفيّ وهو مالن تجده في ماكتبه عبداللطيف حمزة عنه. فبعد القراءة له ستشعر فعلا بأنّه أحاط بحكايته بشكل أوسع مما تبدو حدود ماوصلنا عنه ولكن داخل تلك الحدود بمنطقيّة وليس خارجها بالخيال والافتراضات الكثيرة. 


عندما نوصي، هل نوصي بما يستحقّ القراءة أم بما يعجبنا في الغالب؟ المسألة هنا مسألة ذوق في الكتب إذا. فنحن نقرأ مايعجبنا ويمتعنا قبل أن يفيدنا، لذلك نتعامل بتوصياتنا للكتب وكأنّنا نوصي بأغنية أو ماشابه. وأحيانا فقط نوصي وننصح بالكتب فقط لأنّ فيها أشياء تستحقّ ومابذل فيها من جهد يستحقّ التقدير فعلا.


 تخيّل بأنّ كتبا أكلت أعمار مؤلفّيها مثل (الأغاني) و (القد الفريد) لأنّ مسألة البحث والجمع لم تكن بتلك السهولة في ذلك الزمان. ماكان يستغرق منهم شهورا بات لايستغرق إلا يوما مع Google وغيره. لكن بصراحة مامدى استفادتنا من كلّ ذلك؟ 


الكتب التي استغرقت الكثير من جهود أو أذهان مؤلّفيها حتما ستسغرق الكثير من الوقت وهي في أذهاننا وذاكرتنا. إذ أنّها ليست مقالة في جريدة يتمّ طيّها بعد أن يحلّ الوقت لشيء آخر كنت تنتظره في وقت فراغك. 

الأربعاء، 11 يناير 2017

ساعة بيولوجيّة للمجتمع البشريّ




عندما تقرأ في كتاب "مقالة في تاريخ المجتمع المدني" لآدم فيرغسون فإنّك وهو يتحدّث عن الشعوب وهي في مرحلة بداوتها كالتي كان عليها السكيثيين في عهد الاغريق ومانقله شارلفوا عن هنود كندا ونقله تاسيتوس عن الجرمان في عهد الرومان ستجد الكثير من الأمور تتطابق مع مانقله المستشرقون حول سكّان الجزيرة العربيّة. الكرم، الإقدام، التفاني وحتّى كره المهن الحرفيّة والتي كانت تترك للنساء أو للعبيد وظاهرة استحقار المهنّ لاتخفى على تاريخنا في نجد. إنه ينطلق من فكرة مبتكرة ورائعة حول أن تاريخ البشر يتكرّر وبنفس الوقت مستمر نحو النموّ. فالبشر متشابهون بتشابه مراحل تطوّرهم أو تمدنهم مع الاختلافات التي تنشأ من الجغرافيا والمناخ والدين في الشرق.

إنّ مرحلة البداو هي بداية مرحلة تكوين النضج نحو التمدّن. ففي البداوة الكرم نابع من الوحدة التي بها يكون الفرد آمنا في بيته وعلى ماله. مبنيّة على الصداقة والقرابة والإيمان بأنّ مايمسّ هذا يمسّه هو. فالكلّ متساوي وروح التساوي طاغية إلا ماتفاوت من مهارات وتقدّم في العمر. فكلّ البداوات لها فرسان وحكماء من كبار السنّ وعندما يتمدّن هذا المجتمع يأخذ معه الكثير من قيمه التي تتبدّل تدريجيّا. ففكرة الكونجرس الروماني قائمة على استشارة كبار السنّ في البدء، أيّ أن ذلك من وحي ماكان لهم من بداوة ماضية والتي تلاشت مع إقرارحقّ الملكيّة -وهي لبنة التمدّن الأولى- والحقوق التي كان البدوي يعرفها بفطرته من سعادته وحاجته ولكنها الآن بحاجة الى إعادة صياغتها مع الاستقرار بالمدن والقرى، حيث أنّ الترحال والغزو والرعي لم تعد الأسس الرابطة للمجتمع وهي أسس محسوسة ويتطلّب عند فقدانها بالتمدّن بإقرارها بالحقوق المعنويّة المدعومة بالتشريع.

فقد لاحظ علي الوردي بأنّ الاستبداد نشأ مع استقرار العشائر بالضيع والقرى. لأنّ ذلك أنشأ التملّك ومارافقها من طبقيّة وحسد وطمع. الأمر الذي لم يكن موجودا في البادية.

وحيث أنّه لايوجد مختار تحرسه الأنظمة والقوانين  بل شيخ تحرسه القيم والمبادئ وحاجة الجميع. وفي المدن يتحوّل إجلال الشيخ الى إجلال سلالته. ففي البادية تقبل الهدايا ويكثر العطاء في حين يقلّ في المدن حتّى قبول الهدايا إذ أنّ المهدى يفهم أنّها نوع من أنواع الإعارة (تسليع العواطف).

ومع ذلك لم يصل الإغريق لماوصلوا إليه إلا بعد تمدّنهم. وكذلك الرومان. بل إنّ المجتمعات التي ظلّت على بداوتها والتي لم تعزها الشجاعة خضعت بقوّة الأنظمة العسكريّة للدول -كان الاغريق والرومان ينعتوهم بالبرابرة- والأمر ينطبق على استعمار أمريكا الذي تأخّر سكّانها كثيرا بالبقاء في بداوتهم بقارتها الشماليّة ووصل الأمر بقارتها الجنوبيّة الى أحطّ مراحل وهن التمدّن دفعة واحدة فسقطت في وجه حضارة مندفعة تحمل كلّ أسباب الإنبعاث.

ولعلّ قيم البداوة الصالحة والمندفعة  والتمدّن الحكيم قبل مرحلة التفسّخ هو ماجعل الإسلام يؤسّس نفسه بقوّة في جزيرة العرب وجعل مسلميها يحطّمون أعظم امبراطوريّتين في ذلك الزمان. لقد أتى الإسلام للعرب بقيم التمدّن الحكيم والى الرعايا اللاحقين بقيم الإصلاح لتمدّنهم الذي وهن في أجزاء منه. لقد استقرّ العرب وأسسوا حضارتهم الإسلاميّة بمراحل طبيعيّة للنموّ. ولعل أشهر تحوّل حدث في تاريخنا الاسلامي هو حكم الأتراك للعديد من الأقاليم الإسلاميّة وبصورة خاطفة، من البداوة الى الحكم لعالم قطع شوطا طويلا من التمدّن لكنّ أسباب وهنه تضاعفت مع الزمن دون إصلاح جدّي. كان الأمر أشبه بالصدمة، لم يكن ركب النموّ الحضاري متوافقا مع وصول الأتراك في حالات كثيرة. وهذا ماسبّب الارتباك في العالم الإسلاميّ، لم يكن لهؤلاء أيّ قيم تساعد على استنهاض ماحكموه، بل كانوا مندفعين مما زاد الوضع تمزيقا. ولم يوفّق إلا سلاجقة الروم والعثمانيون في مواكبة البلدان التي ورثوها، لأنّهم أكملوا أشواطا من النموّ قبل أو خلال الحكم بعكس غيرهم الذين حكموا كما حكموا عشيرتهم.  ولكن مع الأسف ما عجز عنه العرب والفرس من قبل عجزوا عنه لاحقا في إصلاح قيم التمدّن التي وصلوا إليها لاحقا -وهو موضوع آخر-.ولكن عندما دخل الفرنج الى بلاد الغال إنساقوا مع ماورثوه بالبلاد من عباد وسلك حضاري والأمر منطبق على القوط واللمبارد الجرمانيون. لم يمهل الزمن الأتراك كثيرا إذ أنّهم انتقلوا من البداوة الى الحكم بدلا من البداوة إلى التمدّن فالحكم.

المجتمعات تبني نفسها ويساعدها الآخرون. فكلّ ذلك كان بناءا للتاريخ أو إعمار له.  وينبغي لكلّ بنيان تالي أن يكون أحسن مما قبله.

عندما وصل كولومبس إلى القارة الجديدة كان ذلك في عام ١٤٩٢م لكننا  لاندري بالضبط في أيّ عام كانوا هم ؟ 


بالنهاية، وبالعودة الى كتاب فيرغسون أحبّ أن أشير إلى أنّ روعة كتابه ستكتمل حالما تقرأ "روح الشرائع" لمونتسكيو أو العكس. فهذه الكتب تناولت تاريخ مالايمكن أن ندركه ببساطة كالأحداث إلا بالتدبّر وهو عبارة عن تاريخ شيء نمى بنا وبمجتمعاتنا وقوانيننا يشبه الفهم الذي لم يكتمل بعد.

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2016

شيء من نابليون في سانت هيلانه

بعد موتي الذي لم يعد بعيدا، أرجو أن تفتحوا جثّتي (....) وتنزعوا قلبي وتضعوه في الكحول وترسلوه إلى بارم، إلى غزيزتي ماري لويز (....). أوصيكم أن تفحصوا أحشائي، بشكلٍ خاص، وتعدّوا تقريرا دقيقا ومفصّلا وتسلّموه إلى ابني (....). أرجوكم وأكلفكم، أن لاتهملوا شيئا خلال هذه الفحص (....).

نابليون محدّثا طبيبه قبل ستّة أيّام من وفاته *



بعيدا عن زخم الإنتصارات وأبّهة العصر النابليوني في أوروبا. وهذا الكمّ الكبير من أعظم اللوحات التي رسمت نابليون وصوّرت حياته كامبراطور. للإمبراطور حياة أخرى تختلف كليّا عن ماعاشه في أوروبا، أي في منفاه الأخير سانت هيلانه. الجزيرة التي بدت كقطعة من فتات خبز صغيرة لاتلفت النظر على خريطة للمحيط الأطلسي. كيف بدى نابليون في لوحات من رسم حياته هناك بالخيال. لقد عانى نابليون كثيرا في منفاه. كان يموت ببطء وكانت الأعراض تقتات جسده ببطء. طال وصف كلّ ذلك في الكتب التي تحدّثت عنه هناك. لكن فلنرى نابليون المحصور ببراويز صغيرة باللوحات التي صوّرت حياته وهو محصور بحدود جزيرة سانت هيلانه الصغيرة. 


    francois jozeph sandmann
إلى ماذا يحدّق نابليون؟
  
william quiller orchardson
رسام اسكتلندي عاش بالقرن التاسع عشر. بالرغم من أن نابليون الذي وسع صدره للكثيرين حتّى لمن خانوه إلا أنّه لم يستطع أن يبدي أي سعة اتّجاه الانجليز. فهو لم يمتدحهم كثيرا رغم أنّهم لم يعاملوه بازدراء، بل كان له معجبين منهم. تصوّروا كم بدت السفينة ضيّقة وهي مليئة بالإنجليز.


 horace vernet
رسّام فرنسي من القرن التاسع عشر، بعد فترة نابليون مباشرة. رسم العديد من اللوحات المثاليّة لنابليون وجنوده. أجملها نابليون وهو يتفقّد الحرس الإمبراطوري.  في هذه اللوحة كم يبدو نابليون الذي عرف بوجهه الممتلئ هزيلا. 

ivan ivasovsky
الرسام الروسي الأرميني الأصل. الذي عاش بالقرن التاسع عشر ومات عام ١٩٠٠م. لعلّه أعظم رسام روسي رسم المناظر الطبيعيّة، وخصوصا البحريّة. وبالنسبة لي هو واحد من أعظم الرسامين الذين رسموا المناظر البحريّة. ترك هذه اللوحة الجميلة الجميلة لنابليون في جزيرة سانت هيلانه.
 
  carl von steuben
وأخيرا مات نابليون. رسمها الرسام الألماني الذي كان فرنسيّا بالرسم حتّى أنّه رسم بورتريه لهوغو كابيه، جدّ سلالة آل بوربون. وهو رمز فرانكي(فرنجي) يوحي بروابط فرنسا الجرمانيّة. له لوحة مشهورة لمعركة "بلاط الشهداء" ولوحة رائعة تصوّر نابليون عندما عاد من منفاه الأوّل في جزيرة ألبا عندما صرخ في وجه جنوده السابقين الذين همّوا باعتراضه "لاتطلقوا الناس أنتم أمام الإمبراطور!" 
 
 
 
لسيرة نابليون سحرها الخاص. من بدايتها حيث ولد في جزيرة اقتطعت توّا من جنوا (ايطاليا) ليصبح بحكم الصدفة فرنسيّا، وبالنهاية أعظم إمبراطور حكمها! سيرة نابليون شاسعة وممتدة. من الأحداث الكبرى: غزو مصر، غزو إيطاليا، غزو روسيا. إلى أبسط التفاصيل: رسائله الخاصة، قصصه الجانبيّة مع جنوده، حتّى طريقة لبسه ودسّ يده في سترته بطريقته المعهودة.





----------------------

*من كتاب: من قتل نابليون؟ 
تأليف: بن وايدر، د.هبغود
دار العلوم العربيّة - بيروت

الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

الأدب الأجنبي والشعر: مالن تنقله الترجمة



"سيجيء الموت وستكون له عيناك" 
تشيزاري بافيز



"حيث يستعصي الأمل، الذي لايستعصي على أحد"
جون ميلتون



المقطعان من قصائد مترجمة. الأولى عن الايطاليّة والثانية عن الانجليزّية. لم تفقد الترجمة لم تفقد بريقهما. لعلّ المعنى كان شاسع التعبير لدرجة أنّه استوعب الترجمة بصدر رحب. لكن عندما تحاول أن تقرأ الشعر الأجنبيّ بالذات فإنّك لن تجد إلا القليل القليل من مثل هذه المقاطع التي لم تفقد بريقها. 

حاولت مرارا وتكرار قراءة أشعار آليغري وإدغار ألن بو وإليوت لكن دون جدوى! كأنّني أقرأ جثث قصائدهم. لقد إزددت قناعة بأنّ ترجمة الشعر مستحيلة وبالكاد يصلنا شيء من روعة تلك الأشعار عدى بضع مقاطع متفرقة، ليتني أفهم كيف بقيت كذلك. هل من روعة الترجمة، أم من روعة المقطع نفسه؟

لعلّ محبّي الروايات سمعوا كثيرا عن حرص القرّاد اقتناء النسخة التي ترجمها منير البعلبكي دون غيرها. السبب بكلّ بساطة روعة الترجمة، وكأنّ روعة القصّة لاتصل روعتها إلا بترجمة جيّدة بالذات. 


 "الترجمة والحرف أو مقام البعد" لانطوان برمان.

لقد عثرت على ضالتي في هذا الكتاب. الكتاب الذي يتحدّث بشكل مبسّط وجميل حول الترجمة. فيه وجدت كلّ التساؤلات المعتادة حول الترجمة ومشاكلها مع النصّ الأدبي. في العديد من الأمثلة المبسطة بكلّ وضوح. وكلام المؤلف جعلني أتذكّر بضعة مواقف مرّت بي. 

عندما أردت أن أصف أحد الأجانب بطيبة القلب قلت: he has a white heart عندها لم يفهم الأجنبي ماأعنيه! كنت أعني بأنّ له قلبا أبيضا -وهو مايفهمه كلّ العرب- ولكنّ وصف القلب بالأبيض غريب عليهم. لذلك عندما يترجم أحدهم نصا أدبيا عربيا فيه هذه العبارة عليه أن يقول: he has a kind heart  أي قلبا طيّبا، مما يعني أن ننسى مسألة القلب الأبيض كليّا وبالتالي استحالة ترجمتها دون تحريف "الأبيض" لما يعنيه "بالطيب". 

أيضا كيف يمكن للعربيّ أن يترجم محادثة بين عربّيين من بلدين مختلفين؟ أو عندما يستشهد عربيّ بهذا المثل "يادار مادخلكش شر" ؟ عند الترجمة لن ينتبه القارئ الأجنبي إلى أنّ العربي استخدم مثلا بلهجة مختلفة، مما يعكس دلالات معيّنة وفق السياق. لأنّ الترجمة أتته حرفيّا. أو عندما يتمّ استخدام مفردات محليّة لها دلالات معيّنة مثل: لهجات الجنوب أو نجد أو الحجاز، قد نستخدمها عمدا لإيصال صورة ما لن توصله أي ترجمة.   






أيضا مسألة أخرى. لاشكّ وأنّ العربي يدرك الفرق الواضح بين قراءة القرآن بلسانه العربيّ وقراءته مترجما! الأمر أشبه بالفرق بين قراءة آيات القرآن وقراءة تفسير الآيات.


وفي كتاب "محاكمات نورمبرغ" تأليف ج. م. جيلبرت وترجمة: أحمد رائف. يوجد مقطع لفت نظري. وهو كلام لهانز فرانك حاكم بولندا الألماني النازي الذي عبّر عن ندمه وقد اكتسى بعد الأسر وبالمحاكمة روحانيّة واضحة طغت على كلماته.  هذا الكلام كان وصفا لحال هتلر وطغيانه وكيف أن الله كان يراه.


لقد أتى أحمد رائف بآيات قرآنيّة! بالتأكيد لم ينقل فرانك هذه الآيات بل إنّ المترجم وجدها أفضل كلمات ممكن أن تترجم ماقاله فرانك. 

الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

كيف يحكي لنا DNA عن التاريخ؟



لعلّ أهمّ المناسبات التي نسمع بها عن DNA هي جرائم القتل والإغتصاب. فبعد أن كان المحقّقون يستخدمون آثار البصمات للتثبّت من تواجد المتهمين بساحة الجريمة والتي تُترك على الأسطح الصلبة بات DNA يعطي أدلّة لايمكن ردّها عن تواجد المتّهمين وعن  مايخلّفونه من آثار سائلة وغيره. وبفضل تطوّر العلم أصبح DNA أكثر الشهود ثقة بالمحاكم.

توسّعت الإستخدامات أكثر فأكثر وازدادت إثارة وبدى وكأنّنا مقبلين على أمور لم نكن نتوقّعها. وخصوصا فيما يخصّ دراسة الكروموسوم X الخاص المؤنّث والكروموسوم Y الذكوري. ومايخصّ Y  الذي بإمكانه أن يحدّثنا أكثر عن الأجداد. ببساطة نستطيع أن نسأل الجثّة من هو أباك ومن أين جاء؟ لتجيب ومن دون تردّد وبلغة الكروموسومات

هذا الإكتشاف حفّز علماء التاريخ كثيرا، وقد كان هذا امتحان صعب لمدوّنات التاريخ أو لنقل: أن التاريخ أصبح على موعد مع المحاكمة.



سيّد سايكس، عفوا هل السيّد سايكس (ذاك) قريبك؟
 


من هذا السؤال بدأ مؤلّف كتاب " لعنة آدم" بالتساؤل جديّا عن ماإذا كان السيّد سايكس المدعوّ هو الاخر قريبا له حقّا. بعد أن كان الأمر المتوقّع أن يكون مجرّد تشابه للأسماء اكتشف صدفة بعد تحليل الكروموسوم Y بأنّ السيّد سايكس ذاك قريبه بالفعل ولهم جدّ مشترك قبل مئات السنين! هذا الأمر جعله يبدأ مشروعا أوسع وهو محاولة لدراسة  كروموسومات سكّان اسكتلندا الغاليّة وهل تتوافق روايات التاريخ عن سكّان تلك البلاد مع مايقوله الكروموسوم؟

النتائج كانت مبهرة، لم تكن صادمة أو غير متوقعة إذ أنّ التاريخ لم يكن يكذب دائما وإن كان يخطئ في بعض الأحيان.
   
ومن النتائج المبهرة هو ماتوصّل اليه في معرفة من أين أتى أجداد الآيسلنديين، باعتبار أنّ سكّانها من أقل الناس اختلاطا في أعراقهم. كان التصوّر التاريخي والقديم هو أنّهم جميعا جاؤوا من النرويج (فايكنغ) ولكن نتائج فحص العيّنات أظهرت أن 75٪ فقط كانوا من النرويج (فايكنج) في حين كانت البقيّة من السلت -أو شعب الغال- وبمعرفة مضافة بالتاريخ يستطيع المرء أن يستنتج بأنّ الفايكنغ قد أحضروا معهم عبيدا من السلت لهذه الجزيرة، كما هو منطقيّ افتراضا. وعند فحص كروموسوم X الخاص بالأمّهات جاءت النتيجة كالتالي: حوالي نصف سكّان الجزيرة من أمّهات سلت. لقد أحضر الفايكنغ زوجات سلت أو إماء على مايبدو. ويمكننا أن نضيف بأنّ الفايكنغ كانوا قد أسّسوا مدينة "دبلن" في ايرلندا من أجل اقتناص العبيد وبيعهم، وسكّان تلك البلاد من الكلت.

بعد هذه النتائج بدى وأنّ العمل لن يتوقّف، فحول العالم الكثير الكثير من الأسئلة والتي تنتظر الأجوبة. وأوّل سؤال كان: من أين جاء سكّان جزر المحيط الهادئ؟ هل أتوا من أمريكا أو من آسيا، مع العلم بأنّ المسافة لكليهما كانت سحيقة مقارنة بالقوارب الهزيلة التي استخدمها سكّان تلك المناطق. بدا من المثير أن تتمّ مقارنة مارواه علماء الأنثربولوجيا والاثنولوجيا. وهل احتفظ سكّان تلك الجزر بمايدلّ على مكان أجداهم في معتقداتهم قبل سؤال جيناتهم؟   



   الكتاب نقلنا الى أمريكا الجنوبيّة (الانكا) ووسط آسيا لملاحقة جينات جنكيز خان. لقد أخذ جولات لابأس بها لمطاردة الجينات ومقارنة النتائج ومن ثمّ استكمل الكتاب موضوعه مبتعدا عن التاريخ متطرّقا لأمور علميّة بشكل أكبر.  وللمؤلّف كتاب آخر اسمه "سبع بنات حوّا" هذه المرّة كان قد درس كروموسوم X الخاص بالإناث واستنتج بأنّ جميع سكّان أوروبا تعود أصولهم الى واحدة من الأمّهات السبع!

بنات حوّا السبع

على كلّ حال لاننسى أن المؤلّف يتحدّث عن تخصصه في علم الجينات. لذلك فهو عندما يتحدّث عن التاريخ لايتعمّق كثيرا ولايطيل. ومن هنا تكمن المشكلة. من الصعب أن يجتمع علم التاريخ بعلم الجينات في شخص واحد.

وأيضا مسألة أن جميع الأوروبيين يعودون إلى الأمّهات السبع لايمكن الجزم بها ١٠٠٪. فلازال هذا العلم واسعا على المعارف المتاحة، ولازالت الأبحاث فيه مستمرّة. وهو صعب على الهواة ومحبّي التاريخ لدرجة أن الكثير لايعرف الفرق (بالتحديد) بين الجين و DNA والكروموسوم وأيّهم الآخر. على كلّ حال لبريان سايكس كتاب لم يترجم يتحدّث فيه عن أصول سكّان الجزر البريطانيّة وفق أبحاثه. وبالذات البحث عن أصول السكّان بالجزر البريطانيّة واحد من أهم وأكثر المواضيع التي أثارت جدلا عبر التاريخ، لطابعها الفريد ولأنّها جزيرة ويسهل نسبيّا تتبّع الشعوب الوافدة للوقوف وتاريخها وتلمّس مدى تأثيرها سياسيّا وثقافيّا. فكأنّها مختبر تاريخيّ حيّ يمكننا من خلاله معرفة مدى تأثير البشر ببعظهم جرّاء اتصالهم مع بعض وبمختلف الظروف. فهي جزيرة "بريطانيّة" سكّانها "أنجلو-سكسون" وسيطر واستطون "الفايكنج" في أرجاء منها ولها تاريخ مع الإحتلال "الرومان" .



 وعندما تبحث في نتائج مثل هذه الأبحاث في العالم العربيّ لاتجد شيئا إلا في المنتديات القبليّة وغيرها. ورغم أنّ هنالك حقائق مثيرة، مثل تبيّن أن العديد من القبائل لايعودون الى جدّ واحد. مما يدلّ على أنّ القبيلة قد تكون حلفا. وهو معروف في هذا الزمان فكم قبيلة لها فرع معروف بأنّه بالأصل من قبيلة أخرى. وهذا قديم حتّى بالجاهليّة قبيلة "الرباب" كانت حلفا من قبائل عدّة -لهم رابط قبليّ- منها: تيم، ضبّة، عدي، وغيرها. وجزء من بجيلة دخلت في عامر بن صعصعة. وتزداد الأمور إثارة عند فرظيّة أن سكّان الجزيرة العربيّة مليئة بالأعراق أكثر مما نتصوّره، أكثر من الفرعين العظيمين (عدنان وقحطان) كما هو ثابت بالأذهان.

 الخوض في هذا المجال عندما معقّد وغير مجدي بدرجة كبيرة. خاصة أننا نفتقد لمراكز أبحاث متخصّصة وباحثين مثل الغرب. فالموجود عندنا مراكز تبيع التحاليل من أجل دعوى إثبات صكّ الإنتماء للقبيلة هذه أوهذه!  وكأنّ هذه المراكز وجدت لتجارة الوهم. و تتفاجأ عندما تجد أحدهم يعرّف نفسه "خبير التحليل بالـ DNA" أو " متخصّص بتحاليل الـ DNA" وعندما ترى نقاشاته تجده عبارات يقولها مثل "اقطع واخس" " تعقب" في حوارات لاتستطيع إلا أن تقول بأنّها مثال واضح لجاهليّة القرن الواحد والعشرين.


     
 لازال هذا العلم في بداياته. والجزم بمدى ثبوت نتائجه وفق التصوّرات محلّ أخذ وردّ في بعض الأوجه. لكن ماذا لو استغلّ مختصّون في هذا المجال إلمامهم لضرب التاريخ والهجوم على المؤرّخين، حيث سيبدو المؤرّخ عاجزا من وجهة نظرهم. كونه لايفهم في الـ DNA مثلهم. ولايستطيع أن ينتقد النتائج ولاأن يعرفها وإن وجدت كونه غير مختصّ في هذا المجال المعقّد، إلا عن طريق مختصّ آخر يقف إلى جانبه.

وهنالك مشكلة أخرى. ماذا لو نشأ لوبيّ متعصّب على غرار لوبي نظريّة داروين أو العلماء الذين أوصلوا نظريّته الى تبنّي فرضيّة أن الانسان كان قردا. لقد بلغت فيهم القوّة أن جعلوا من معارض لها يخشى على منصبه العلميّ! لقد أصبح لهذه النظريّة  حرس مثل "حرّاس الهيكل" وكأنّها ذات طابع آيدلوجي!

وقد تجد المتحمّسين ينشرون معلومات مقتطعة مثل: نسبة تقارب جين الإنسان و والفأر تساوي ... والخنزير تساوي ... في حين أنّ التشابه قد لايفيد بأنّ هذا من ذاك. فجينات الإنسان تشبه جينات الاسفنج البحريّ بنسبة ٧٠٪. 

لكن هنالك وجهات نظر ترى بأنّ هذه البحوث مساعدة للتاريخ وعلماء التاريخ، لابحوثا من أجل كتابة التاريخ. 


الأحد، 6 مارس 2016

كيف نختار كتبنا؟

عند الكاشير قد يشعر المرء بوخز طفيف من الندم. خاصة عندما يشعر بأنّه أخذ أكثر من حاجته -بشهيّة مفتوحة- ولأنّ الكتب لاتؤكل فلا تخمة و سعرات توقفه، ذلك الوخز لا غير بلحظات تكون فيها شهيّة القارئ مفتوحة للاقتناء أكثر من القراءة. لكن نظرة واحدة الى تلك الكتب التي كانت عند الكاشير وهي بالأرفف لاحقا تزيل كلّ ماتبقّى من ندم.


كيف نشتري كتبنا؟

بالنسبة لي:

أحيانا أشعر برغبة في الاقتناء بنهم. وأحيانا أشعر بالملل من النظر الى أرفف العناوين في المكتبات، مع شعور بالإحباط بأنّه لاشيء يستحقّ الاقتناء في الوقت الحالي. لكن عند النهم أكثر مايتعبني اختيار الكتب التي (لا يجب) أن آخذها! لأعيدها الى رفّها بانتظار فرصة أخرى.
  
موضوع ما، مرّ علي عابرا أكثر من مرّة بكتب تاريخية أخرى، والمطلوب البحث عن كتاب يتحدّث عن ذلك الموضوع بتركيز وإسهاب. ذلك أصعب شيء ممكن أن تبحث عنه في كتب التاريخ. فمثلا من يقرأ التاريخ الاوروبي لابدّ وأن يمرّ عليه ويليام الفاتح. النورماندي الذي أتى من فرنسا واستولى على عرشها وحكمتها سلالته من بعده. بسببه تحدث ملوك الانجليز الفرنسيّة عوضا عن الانجليزيّة وإحدى تبعات غزوه اللاحقة "حرب المئة عام"  ماأريده ليست تلك الحقائق فحسب بل وصف حال الانجليز حينها. هل كان ويليام ملكا متوّجا أم غازيا؟
بعد أن حلّ الأنجلو سكسون محلّ البريتون (السيلت) أتى ويليام ليحكم هذا الشعب. ومعه جيش من الأسر الارستقراطيّة - تقريبا أغلب الأسر النبيلة الانجليزيّة تعود الى تلك الأسر!- وكذلك أتى بقوانينه  ومن ضمنها تحريم الصيد في غابات البلاد التي باتت ملكا له. ترى ماكان موقف الشعب الانجليزي؟ هل كانوا في داخلهم مثل روبن هود؟
كتب التاريخ المتوفّرة تذكر ماحدث باستعجال. تذكر موقعة "هاستنغز" عام 1066م والمطالب بالعرش هارولد ولاشيء آخر. في حين نظرة بسيطة الى كلمات مؤلفين انجليز معاصرين توحي بأنّه حدثت أشياء كثيرة في ذلك الوقت:
فكولن ولسون  المعروف يقول بأنّ الانجليز عاشوا بعد تتويج ويليام الفاتح لمئة عام  كما عاشت الشعوب تحت حكم النازيين. ويقول توني روبنسون صاحب الكتاب "أسوأ المهن في التاريخ" بأنّه بعد قدوم ويليام تمّت عمليّة احلال عرقيّ كاملة لطبقة النبلاء في البلاد!. وفي ظلّ فقر المكتبات ليس أمامك إلا الاستقراء من عدّة مصادر لتنظم قطعة متماسكة من ذلك التاريخ. وهو عمل سيكون مجهدا ولكنّ نتائجه إن تمّت بجديّة ستكون رائعة تماما مثل الكتاب الذي ذكرناه "أسوأ المهن في التاريخ".


تمرّ عليّ أوقات أكون مهتمّا بمواضيع معيّنة. فأقتنص مايعجبني من الكتب التي تتحدّث عن نفس تلك المواضيع. أحاول أحيانا التنبؤ بالمواضيع التي قد أهتمّ بها لاحقا، لذلك قد أشتري كتبا لاتهمّني مواضيعها بنفس اللحظة. أكثر شيء قد يعكّر مزاجك هو أن تكون تلك المواضيع قليلة الحضور في مكتباتنا أو لم تحضى بالقدر الكافي من الترجمة والاهتمام. فمثلا موضوع اللغات -وهي DNA  الثقافات- : أصولها وتفرعاتها وتاريخها وتأثيرها نادرة جدّا في مكاتبنا، لعلّ أفضل كتاب موجود "امبراطوريّة الكلمة" لنيكولاس اوستلر. لم أجد كتبا تتحدّث عن الموضوع نفسه بإسهاب. عربيّا يوجد كتاب "كيمياء اللغة" لعلي الشوك، لابأس به.   


وعندما كنت مهتمّا بكتب التراث أعلمني من كنت أثق بنظرته بأنّ أكثر شيء يستحقّ الإقتناء من كتب التراث من تجد عليها إسم: عبدالسلام هارون و محمود شاكر -أبوفهر. وجود اسمهم كافي ليضعك أمام الإختيار الجيّد للكتب. التحقيق مهمّ في كتب التراث ومحبّي هذه الكتب يدركون ذلك جيّدا. ومن ناحية الشعر الجاهلي كنت أحرص على إقتناء دواوين الشعراء التي مرّت حياتهم بأحداث كثيرة ومهمّة مما يجعل شعرهم مصدرا مهمّا. وعلى كلّ حال لايجدر بأحد الحديث عن اقتناء كتب التراث الأدبيّة مالم يقتني "العقد الفريد" لابن عبدربه  أو "الأغاني" للأصفهاني.
الأغاني! انّه أهمّ كتاب بالتراث الأدبي، والغريب أنّ هذا الكتاب عبارة عن لملمة لشتات كلمات الأغاني المغنّاة في ذلك العصر. لكنّ من هذه الأغاني يقودك الأصفهاني إلى قائلها: نسبه،قصصه،أشعاره،وفاته. أخبار تطربك أكثر من الأغاني نفسها. ليصل الكتاب الى أكثر من 20 جزءا أرأيتم كيف تتحوّل المواضيع الصغيرة الى كبيرة وشاسعة بالبحث والتفصيل؟


وبالعامي: على طاري التفاصيل والمواضيع الصغيرة. كتاب "الأنقليس: التاريخ الطبيعي والثقافي" لريتشارد شفيد. لمشروع كلمة سلسلة من هذه الكتب الجميلة والمصوّرة. ومايجعل الأنقليس -وهو نوع من أنواع الأسماك-  عنوان صغير قادر على الاتّساع أكثر وأكثر هو ارتباطاته الوثيقة بالتاريخ البشريّ وهو مابدى كثيرا في هذا الكتاب الجميل. وعندما أبحث عن مثل هذه الكتب التي تتحدّث عن الطبيعة وما إلى ذلك أدرك بأنّني أحاول الهرب من المواضيع الجادة التي تعبت من قراءتها، مثل المواضيع السياسيّة.


المواضيع السياسيّة حسّاسة والبحث عن الكتب التي تتحدّث عنها أمر يتطلّب الجديّة أوّلا في معرفة أفضل ماكتب حول هذا وذاك. عندما كنت أريد كتبا عن العراق وتاريخها السياسيّ كنت أعود إلى اللقاءات التلفزيونيّة لأتعرّف على من دوّن ووثّق المواقف السياسيّة المختلفة ومن عايش من كانت بيدهم أهمّ القرارات السياسيّة. ففي أزمة الجزائر مثلا. لعلّ أفضل الكتب التي تحّثت عنها هي "من قتل في بن طلحة" لنصرالله يوس وهو ناجي من المذبحة المسمّاة. و "الحرب القذرة" لحبيب سويديّة وهو ضابط بالقوّات الخاصة هرب من الجزائر بعد أن رأى الكثير، الجدير بالذكر أنّ في الكتاب مقدّمة لقاضي ايطالي اسمه أمبوزيماتو لعلّها أفضل مقدّمة قرأتها وأكثر مقدّمة أجد قراءتها ظرورية بعكس غيرها. وهناك كتاب "وقائع سنوات الدم" لعميد جزائري مطّلع هرب من الجزائر كذلك وقال الكثير. ومن بين تلك الكتب الثلاث لم أجد الأخير مع الأسف. وأهمّ كتاب تحدّث بشكل تفصيلي وتحليلي بارع وموسّع كان كتاب ألفه مجموعة من الجزائريين والدوليين "تحقيق حول المذابح في الجزائر" وهو عبارة عن موسوعة دقيقة لكن مع الأسف ألّف باللغة الفرنسيّة ولاأظنّه سيترجم في يوم ما.
لكلّ قضيّة سياسيّة كتب معيّنة ينبغي تواجدها في رفّ الموضوع.


كتب لاأستطيع مقاومة عناوينها. مثل كتاب "وقائع ومشاهير" لجون كاري وهو عبارة عن ذكر للوقائع المشهورة بالتاريخ -قبل الميلاد وبعده- برواية شهود عيان ولاشكّ للأحداث نكهة أخرى بلسان شهودها. ومثل هذه الكتب تلقي بالضوء على مرويّات تاريخيّة تمّ تلقّيها بوجهها المعتاد دون تدقيق. أحرص على الكتب التي تحاول إلقاء نظرة عن كثب لبعض الأحداث. فمثلا الأدميرال فيلنوف قائد الاسطول الفرنسي الذي هزم بالطرف الأغرّ على يد نيلسون. تذكر كتب التاريخ أنّه انتحر بعد عودته من الأسر 1806م. لكن مالاتذكره غالبيّة هذه الكتب أنّ المسكين وجد ميّتا وعلى جسده العديد من الطعنات ممّا يجعل مسألة انتحاره اختلاق فاضح، لاتقف عابرة عندها الكتب التي تعرف ماترويه.


وكتب تتحدّث عن أمور تسلّي الروح وتمرّن التفكير مثل "موسوعة الألغاز المستعصية" لكولن ولسون. ما أجمل الحديث عن الخرافات خاصة عندما يكون الحديث من قبل شخص لايؤمن كثيرا بالخرافات وقريب من الإلحاد.

وهنالك كتاب لا أكفّ عن الحسرة على من لم يقرؤه ممن أحبّ. وهو "تكيّف" لتيم هارفورد. 


الحديث عن اختيار الكتب لايكاد ينتهي فمابالنا بالحديث عن الكتب نفسها. إنّ مجموعة الكتب التي يملكها كلّ شخص تمثّل سيرة ذاتيّة غير مكتوبة للقارئ. تسجّل تاريخ اهتماماتك ومزاجك وعقليّتك وفهمك. النظر الى سلسلة من الكتب تعيدنا الى فترات معيّنة قبل وبعد اقتنائها وقبل وبعد قراءتها.
باختصار إنّنا نكتب سيرتنا الذاتيّة عن طريق اقتناء كتبنا.
  


 

 

الاثنين، 23 نوفمبر 2015

مايميّز روح الشرائع لمونتسكيو.








كتاب:روح الشرائع 
لمونتسكيو

قبل الحديث عن الكتاب نفسه وبعد الإنتهاء من الجزء الأوّل ونظرا لكثرة المعلومات الواردة وتشعّبها والأمثلة الشيّقة والتقسيمات المثيرة والمبسّطة فكّرت بإعادة القراءة وعمل رسوم بيانيّة وخرائط للكتاب الأوّل تسهيلا لفهم الكتاب. قسم طويل من الكتاب فهمته كثيرا بعد أن رسمت تقسيمات نظام الحكم في روما الملكيّة - الأمر أشبه بإعطاء العقل صورة فوتوغرافيّة للمنظر بعد وصفه-.  ولكن عند البدء من جديد لرسم الرسوم من البداية أدركت صعوبة المهمّة، بل لاأبالغ لو قلت بأنّ القيام بذلك هو بمثابة تأليف كتاب آخر/كتاب مساعد للكتاب الأصلي! عندها أدركت فعلا قيمة كتاب "أطلس-dtv: تاريخ العالم"  لـ لهيرمن كيندر و فيرنر هيلغيمن. والذي يحوي على ٢٤٩ رسما وخريطة.


       
عن الكتاب نفسه ومعه مقدمة ابن خلدون

كثيرا ماعتبر ابن خلدون مؤسسا لعلم الاجتماع. ولطالما كان وجود هذا الكتاب من قبل المهتمين بالتاريخ ظروريّا. وبرأيي المتواضع أجد أن "روح الشرائع" يأتي بعده من ناحية الأهميّة. 
مالم يلتفت اليه أحد والتفت اليه ابن خلدون قبل الجميع. هو أنّ التاريخ يعيد نفسه وأنّ لتاريخ العلاقات بين البشر بالمستوى الاجتماعي والأممي والسياسيّ  قوانين -نبالغ إن قلنا ثابتة ونبالغ أكثر إن قلنا أنها غير موجودة- تتغيّر معطياتها بتغيّر الظروف والزمان لايكاد يكون إلا منظرا أفقيّا يقف بعيدا كخلفيّة لمشهد الحدث التاريخيّ. قد يفهم أن للرياضيّات والفيزياء والكيمياء قوانين ثابتة تفاوتت طرق معرفة واكتشاف هذه القوانين ولكن تصوّر وجودها كان أسهل بكثير من تصوّر وجود قوانين -أو شيء يشبهها أقلّ صرامة-  تخضع لها الأمم البشريّة بكامل فوضويّتها!
منذ بدء التاريخ الاسلامي لطالما اعتبر سقوط دولة ما صعود لدولة أخرى
سقوط الأمويّة= صعود العبّاسيّة
سقوط الاخشيديّة= صعود الفاطميّة 
وسقوط الفاطميّة= صعود الأيوبيّة
سقوط المرابطين= صعود الموحّدين 
ذلك يذكّرنا بالآية القرآنيّة الكريمة {وتلك الأيّام نداولها بين الناس} 
 وغيرها الكثير من الروابط التي كانت نتيجة لروابط أخرى وتؤدي هي إلى روابط أخرى لاحقا. وكما جاء في كتاب ابن خلدون أنّ للأمم عمر يبدأ بالنشوء والازدهار ومن ثمّ نهاية بالانحطاط.


الآن لنتحدّث عن مونتسكيو وكتابه. فهو يرى بأنّ القوانين انّما تنشأ تلقائيّا وفق طبيعتنا البشريّة بطريقة دينيماكيّة مع الظروف والتضاريس والعرق. محاولة فهم القوانين ونشأتها لابسردها تاريخيّا. وقد كان تطعيم الكتاب بالكثير من المعلومات والأمثلة دور في جعل الكتاب مادة قيّمة منبعها ثقافة المؤلّف الواسعة. 

اقترح المؤلف أنّ أوّل قانون وجد وجد قبل المجتمع، فلوتخيّلنا انسانا وحيدا في البراري أوّل شيء سيسعى اليه هو المحافظة على كيانه(نفسه) لذلك الخوف سيدفعه نحو تجنّب المشاكل. إذا أوّل قانون لدى البشر هو "السلم". ولايأتي الاعتداء الذي ينشأ من الشعور بالقوّة بدلا من الضعف(الخوف) إلا عند تكوين المجتمعات أي عندما يصبح الانسان أقوى مع غيره. 
ومن أجل سهولة تتبع ودراسة روح القوانين قام بتقسيم أنواع الحكومات إلى مستبّدة تعتمد على الخوف وملكيّة تعتمد على الشرف وجمهوريّة تعتمد على الفضيلة  أو لنقم بتقسيمها كالآتي: 

١- حكومات فرديّة:-
أ- ملكيّة  ---> تعتمد على الشرف
ب- مستبدّة ---> تعتمد على الخوف

٢-حكومات جمهوريّة:-
أ-من طبقة معيّنة  (أرستقراطيّة) ---> تعتمد على الفضيلة
ب- من عامة الشعب (ديموقراطيّة) ---> تعتمد على الفضيلة    


وإن شئتم لنقسمها كما قسّمها مونتسكيو:

١- ملكيّة
 ٢-مستبدّة
٣- جمهوريّة: أ-أرستقراطيّة ب- ديموقراطيّة

ولكلّ حكومة ميزة وخصائص وشكل وطبيعة الأمر الذي ينسحب على قوانينها. وبالكتاب بشكل عام يتحدّث هو عن آرائه ورؤيته أكثر ويسرد الأمثال ويتناول العيوب والمميزات من هنا وهناك ومن منطلقه الذي ابتدأ به فيما يخصّ روح القوانين ونشأتها وأسبابها الأمر الذي يجعله يذهب بعيدا بالتاريخ ويتحدّث عن البرابرة حتّى. لعلّنا نستطيع القول بأنّه مثلما لكلام ابن خلدون قيمة عظمى عند حديثه عن التاريخ في مقدمته، كونه يتكلّم بعد أن أدرك أنّ لتاريخ الأمم سنن ثابته. فلكلام مونتسكيو عن القوانين قيمة عظمى نجدها من خلال كتابه كونه اكتشف أنّ للقوانين روح هو أصل نشأتها وكيف تتجسّد تطبيقا وأثرا بعد ذلك فبضوء ذلك لاشكّ وأن يكون كلامه ثمينا. وماأجمل استشهاده بكلام سلون المشرّع الأثيني

وسئل سلون: هل القوانين التي أنعم بها على الأثنيين هي أحسن القوانين فأجاب: "منحتهم أحسن مايستطيعون احتماله من قوانين" 

وذلك يذكّرنا نحن بقول معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-  :

 "لست خيركم ولكنّي خيرٌ لكم" 


القوانين وصلاحيّتها عالم غامض من السذاجة أن نعتقد أن القانون هذا أو ذاك يصلح لعلاج هذه المشكلة وتلك. إن لم يصلح قانون ما هنا مثلما كان يصلح هناك فقم بتعديله بما يتلاءم مع روح القانون نفسه.