‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصّة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 6 أبريل 2025

إسكان الخوف




لم يعد يعرف، أيعلمون بأنه يعرف أمرهم؟

 لا يتذكر كيف انتهى به المطاف للعيش بينهم. كلّ ما يدور في البيت على أنه منهم. أحيانا لم يكن يفهم شعوره الخافت بأنّه ليس واحدا منهم، حتما لم يمكن ليتذكّر يوم ولادته إلا أنه حاول الحفر عميقا للوصول لأبعد نقطة. ما لذي دعاه ليحفر أكثر؟ كلّ شيء كان على ما يرام الى أن بدأت ذاكرته تستيقظ، وتلملم شتات ما في جعبتها، كقطع لعبة " البازل" المبعثرة. في بالذاكرة : يد، كرسيّ، نصف وجه يحدق ويوحي بأنّه كان متفاجأ من تعابير نصفه الثاني بخفاء، خمّن بأنّ قطعة نصف الوجه الآخر لابدّ وأنها ضحكة ساخرة أو ردّة فعل لحدث عابر. مع الأيام بدأت ذكرياته تفاجئه أكثر، وأدرك أنّ ذكرياته تحاول إخباره وإيقاظه بحذر كي لا ينتبه الجميع.

يوما على طاولة الطعام، قال له أحدهم: "جلدك مقشعرّ" مع ابتسامة ترقب، يجيب : " لا أدري، أوه أكره جسدي يتصنّع الشعور بالبرد"، لم يكن عسيراً إغلاق تلك الاستفسارات بجواب سريع وابتسامة هروب. لكنه بدأ يخشى جسده. نبضات قلبه، مسامات جلده، رعشة يده... كلها كانت تحاول إخباره بشيء. كان الحديث معهم باسترسال وإسهاب ينسيه ويشعره بأمان خافت. "ناولني ذاك" قالها بصوت متسرّع كمحاولة للهرب، يجيبه أحد منهم " أيهم؟" فيقول سريعا وكأنه يحاول تدارك موقف ما " ذاك فوق الأدراج أنت أطول منّي، ناولنيها" يعطيه أياها مع ابتسامة كأنها تقول: وماذا بعد، يمشي بهدوء يثقله خارج المنزل قائلا " سأعود قريبا"  ويلوّح لآخر، ويمشي أسرع بعد أن زال ثقله كأن قدميه تقولان له: كان ذلك وشيكا! 

مما الخوف والهرب؟ لم يفهم، إلا أنه اعتبر  الخوف نذير ينبئه، لا شعورا يتوهمه.

الأيام تمضي  مكررة معها تلك المواقف. انتابه قلق بأنهم يشكّون بأمره، بعد أن عرفهم وأنهم لم يكونوا إلا شيئا متنكّرا يرتدي ما يشبه هيئته، هكذا انتهى به القلق والتفكير نحوهم. احساسه بأن عيشه لم يعد إلا أداءً وخدعة يرهقه أكثر "لن يطول ذلك الى الأبد ولو عرفوا لانتهى أمري وعرفت ما هُم". لم يصدق، كان محاطا بعدد منهم في منزل واحد. رغم اهتمامهم الذي يحاصره كان يعرف بأنّ تظاهره سيحميه منهم. ذكرياته وجسده كانا يعرفان كلّ شيء وهو بالكاد يعرف أي شيء. وكلما استيقظت ذكرى جديدة، كان الهواء يثقل من حوله والمكان يضيق أكثر، لكنه ظلّ يطمئن نفسه "لا يعرفون بأني أعرف أمرهم، وما ظلّ كذلك سيبقى في مأمن منهم ولن يفعلوا شيئا". "يمكن أن أستمر كذلك الى الأبد"  قالها يحدّث نفسه، وفكّر "سأظلّ في مأمن"، لكن بعد إلحاح ذاكرته وجسده وأفكاره التي بدأت تخبره، بأنهم يعلمون ما يخفيه عنهم، إلا أنهم يتظاهرون ليكيدوا له! كان ذلك التفكير يزعجه ويرعبه. بل إنه شعر بأنّ عقله يتفتّت من هول التفكير، وافتقد الشعور المريح بأن تظاهره ينطلي عليهم. لكنهم الآن يحاصرونه بشكوكه التي بدأت المواقف والأحداث تلوّح بها،  "كلهم يعرفون .. كلهم يعرفون" كان يضرب عقله بهذه الكلمات. لم يعد يطيق ذلك. ولا يدري كيف يقوى على الاستمرار وتعجّب من قدرتهم على الاستمرار بتعذيبه وتظاهرهم بأنهم لا يعرفون بأنه على علم بأمرهم. وبعد التفكير بدأ نداء خفيّ يوحي إليه ويخبره بأنهم يتعمدون تعذيبه وسيستمرون بأقنعتهم يتظاهرون أمامه إلى الأبد ولن يكشفوا أمرهم له. ومحال أن يطمئن حتّى الى وجوده محاطا بينهم في صورتهم الجماعيّة المعلقة على الجدار، الى الأبد، أو -فكّر- إلى أن يكبر ويذكر أكثر ولا يدري حقّا، إن كان يودّ أن يذكر أو ينسى 

  

السبت، 10 يوليو 2021

إجراءات سفر .

*



وصل باكرا لكنّه يشعر بأن الوقت يخنقه ويكاد يُلقي به بيد الموظفين للخارج.  قبل انهاء اجراءات السفر يلازمه شعور مزعج بأنه نسي شيئا. رغم امتلاء جيوب ملابسه على غير العادة وكأنه حشر فيها قبل اخلاء غرفته كل ما يمكن حمله ويسهل نسيانه. الجميع جيوبهم فارغة وهو يمشي وفي جيبه الأيسر نتوء مزعج.

يحاول إخفاء شعوره بالثقل بابتساماته التي يوزعها للمارة، خاصة للبزّات الرسمية.

بهو فسيح وأصوات تدوي تنادي بالأسماء والأرقام في كل مكان. كم هو مزعج أن تصطاد عينه نظرة فاحصة في هذا المكان المتّسع. يجرّ حقيبته ويعجل في مشيته برتم ثابت هربا من تلك الأعين ويغضّ طرفه هربا من الاصطدام بإيماءة توقفه. يحسّ بأنه تحت سلطة كل الأشخاص الذين يحيطون به.

أخيرا يصل الى بهو آخر بجانبيه سلسلة من مكاتب إنهاء اجراءات السفر، كلها مرقّمة بلوحات بالأعلى وأغلبها خالية من الموظفين. ثلاثة صفوف بشريّة اصطفّت لإنهاء الاجراءات. كانت تلك الصفوف واثقة الى درجة أحس معها بقلّة فهمه وبدت على معرفة تامة بكلّ ما تتطلبه اجراءات السفر، وإن كانت روتينية لكنه شعر بأنّها بحاجة الى درجة عالية تعوزه من الذكاء.

ما الذي تعنيه كل تلك الأرقام؟ لا يجد أي شيء منها في أوراق سفره!

الأعين التي انتبهت اليه تشعره بأنّه اقتحم المكان عليهم. يحسب كلّ خطوة يخطوها الى أعماق البهو. ويحاول الانتباه الى أية ردّة فعل من الجميع تنبئه بخطأ ما. مشهد تحديق الجميع اليه يربكه.

أي رقم؟ أي صف؟ أيّ موظف عليّ أن أقف أمامه؟ يتوغّل عمقا، لم يقرر بعد، التوتر يقوده، كما لو أنه يمشي على حبل معلّق بالسيرك والكل يحدّق به. وهو يسير الى حيث يقوده.

ينتبه الى أنه يكاد يصل الى نهاية البهو بالطرف الآخر، دون أن يأخذ صفّا أو أن يقف أمام أحد الموظفين. الخوف من الحرج يجعله يجنح الى أقرب مكتب. يقف أمامه وكأنه يأخذ صفّه أمام مكتب خالي من الموظفين! ولا أحد يصف خلفه. واقف بكلّ اتزان أمام المكتب الخالي بانتظار انهاء اجراءات سفره. 

يدرك بأنه علق وحيدا في هذا الجرف. ولا يستطيع اخراج نفسه. يكاد يلتفت لكنه يمتنع . حتما أعين كثيرة تحدّق في هذا المعتوه الذي يقف وحيدا وكأنّه بالصفّ  



 

 ________

* Gueorgui Pinkhassov



الخميس، 13 مايو 2021

جدار الزمن .




* Hermann Josef Hack


على بعد ملايين السنوات الضوئية أو مايسمّيه هؤلاء خلف الجدار:

 

(وبعد أن استوعبت Q  أنها وصلت الى مكان لا تعلم أين، بعد تلك الرحلة الطويلة على متن المركبة التي اختفت بدأت تسمع من يخبرها بأنهم يرون الزمن!)

عادت  Q  للحديث إليهم قائلة :

 ـ لا أدري وإن كنت أبحث حولي ولا أراكم لكن يمكنني الشعور بكم والحديث معكم، ما كان السؤال؟

 ـ أخبرينا من يعيش هناك من حيث جئتي وكيف يبدون؟ ذكرتي العديد لكن يبدو أنهم نسخ مكررة أو لا ندري حتى لم تقومين بعدّهم والتفريق بينهم وبينكم.

ـ حدثتكم كثيرا عنهم، عن الكائنات هناك لكن قلت لكم أن الأهم هم الذين يبدون مثلي تماما. ويمشون مثلما أمشي أنا بالضبط إن مشيت أمامكم.

ـ بماذا تختلفون عن باقي الكائنات هناك بالضبط ما السبب الذي يجعلهم خارج جنس يجمعكم؟ طالما هم كما قلتي: يأكلون مثلكم ويتنفسون مثلكم والنصف يتكاثر بالطريقة التي تتكاثرون فيها.

ـ في كل شيء، ومن أول وهلة وعلى اختلاف ملامح جنسنا يمكنكم أن تدركوا الفرق بيننا وبينهم.

(وبعد أن أدركت Q  أن لا طائل من رسم الأشكال بالكلام وكأنّهم لا يرون فرقا بالأشكال والألوان قالت) :

ـ لو أمكن لي لقلت إننا أسياد تلك الأرض وهو أوضح فرق بيننا عن باقي السكان/الكائنات  ولو أن أحدا منهم أتى مكاني وحدثكم سيجد ذلك أقرب وصف لنا.

(لم تعد تستطيع الإكمال؛ انقطع صوتها وكأن غصّة متحجّرة تخنق أنفاسها، تلك الغصّة كانت حنينا الى المكان الذي جاءت منه. حتّى أنهم انتبهوا جيّدا الى أن شيئا يقف في حلقها ولهذا تبدلت

وباشروا الحديث قائلين) :

ـ  على أن جدران الزمن التي تفصل بين عالمنا وعالمكم وبقيّة العوالم تقف بعلوّ شاهق كنّا نشاهد علوّ ذلك الجدار من بعيد جدّا وندرك أن حدودنا تنتهي عنده ويستحيل اختراقها ولم يخطر على بالنا عبورك إلينا. لا ندري كيف قفزتي إلينا من أسفل ذلك الجدار؟!

(كانت قد انتبهت إلى أنهم يرون الزمن وفق حديثهم ولا يرون ما يدلّ على المسافات)

ـ جدران الزمن؟ حدثتموني عنها مرارا وبالكاد أفهم ذلك، لماذا تسمّونها جدران الزمن؟

ـ لأنها بنيت من مادة زمنية.

ـ تتحدّثون وكأنه ماثل أمامكم. كما نرى نحن هذا وذاك هنا وهناك، أما الزمن وكلّ ما ندركه ولا نراه ماثلا أمامنا نخلق له أشكالا لا نهاية لها وأوصافا تصنع أثرا حيويّا يشبه استجابة العين لما يُرى.

ـ ألا ترين الجدار؟!

ـ لا وإن كنت أملك منكم تصوّر عنه كما أملك تصوّرا عنكم ولكني أقول كيف يبدو ذلك الجدار من جزيرتنا أو كوكبنا، هذا الشيء الذي تسمونه لا يُرى في كوكبنا. حتّى أنتم قد لا نراكم.  

ـ يقال بأن هذه الجدران بنيت قبل وجودنا، كما ترين لو كنتي منّا هي مرتّبة وتحدّد كلّ شيء هنا ونعرف أشكالها والجدار العظيم الذي يحيط بنهاية عالمنا نلمسه ونتحسسه، يبدو أن الأشياء التي تسمينها المسافة، المكان ماهي إلا أجزاء من ذلك الجدار. حديثك عنها يشبه تماما حديثنا عن الجدار الذي تقولين بأنكم لا ترونه.

ـ كيف يبدو الزمن الذي ترونه؟

ـ رجاءً أجيبي كيف هي الحياة دون أن ترين الزمن أمامك ؟ يبدو أنك ترين فعلا لكنك لا ترينه وحياتك مليئة مليئة بالأشكال والأشياء مقابل عدم رؤيتك للزمن. كأن الزمن جدار يخفي كل ذلك عن الأعين لهذا أعينكم تقفز أسفله. تتحدثين بوضوح وبشكل مجرّد وأنتي تقولين: أمامك، أمامي، جواري، هناك، كلها أشياء نتحدّث عنها بخواطرنا وأحلامنا ليس بذلك الوضوح المجرّد الذي تتحدثين عنه. لكن إطلاقا لا تتحدثين عن الزمن بالوضوح الذي نتحدّث عنه وكأنك تتحاشين لمسه. نعرف كيف جئتي إلينا (قفزتي إلينا) لكن لا ندري لم لا تعرفين كيف قفزتي.

(توقفوا عن الحديث؛ عادت تلك الغصّة من جديد وبشكل أقوى)

(لكنها بادرت تقول) :

ـ لا أدري كيف قطعت  كل هذه المسافة وأصبحت بعيدة.

ـ أصبحت خلف الجدار بعد كل تلك المسافة التي قضيتيها. هيئتك لازالت تشبه ذاك الجدار، يمكننا أن نلقي بك خلفه.

ـ هل يمكن أن تفعلوا لي شيئا؟ هل تبدو هيئتي مصنوعة تماما مثل ذلك الجدار؟

(غصّة الحنين أطبقت على أنفاسها بيأس محكم وبقدر ما أيقنت الآن بوجود من يحدّثها خشيت أن توقن بأنّها باتت على هيئة مصنوعة من الزمن؛ شيء لا يمكن -في عالمها الذي جاءت منه- لمسه وقالوا دون أن تكترث لهم) :

ـ أضعنا المسافة التي فاتت وأنتي لا تريننا والآن تقولين كأني أراكم وبدأنا بالحديث، مثل ما تأكدتِ منّا بأنّنا هنا، نؤكد لك أننا كفيلون بحدوث ما تتمنينه .. فانتظري حدوث ذلك.



الأربعاء، 24 مارس 2021

أنهكني ما رأيت





 لم يعش أحد أو يرى أكثر مما عشته. كان صاحبي دوما يقول بعد ساعات العمل المجهدة "أراك بعد أن نصحى من النوم" وكنت استلقي على السرير تنفيذا لتوقعه. الجميع نائمون. لا شيء يتحرك الا تفكيري ، وحدي أراقب كل ذلك، في ساعات القيلولة التي تعني أي وقت فراغ بعد العمل. كنت أخرج بعد أن يصحى الجميع، وجوههم مرتاحة ولا أدري كيف بدا وجهي بينهم. وكأنهم سبقوني الى اللحظات ببضع ثواني؛ كانت ردات فعلي أبطأ بثواني من المعتاد لكني أحاول جاهدا اللحاق، اللحاق بزمانهم. كانوا يمتطون قطار النوم السريع الذي أتخلف كل يوم عنه. وكان الأرق يؤخرني أكثر. مع الأيام بدأت أفكاري تعيد تشكيل طريقتها لتواكب زمانهم وتعابيرهم المرتاحة. ذلك شكّل بداخلي عالما مختلفا أعيش فيه وحدي وعالما آخر أعيش بنصفي الثاني معهم. في حياتي التي لم يروها ويبدو أنها كانت حياةً بمعنى الكلمة، شاهدت مالم يستطيعوا مشاهدته وهم متكومين داخل ذلك القطار. من حسن حظهم لم يشاهدوا كائنات الأفكار المزعجة التي كنت أجابهها وحدي. لا أحد كان سيسمعني أو ينتبه أو يرى ما أشير إليه. كدت أن أخرج من حياتهم بالكامل الى الحياة في داخلي والتي عشتها ".." كل ماكان موجودا بعمق ورأيته رؤيا العين فيني لم يكن الا فكرة أو الشعور بشيء ما وعلامته الوحيدة حدث لا يذكر. 





———-

اللوحة:

Samuel Palmer

الأحد، 28 فبراير 2021

انتظار مؤبد .

 





مالذي أحمله في يدي؟
في الممر كل النظرات عدوانية، انهم يعرفوني جيدا ولا أعرف أي أحد منهم. عند الاستقبال، تلوح تعابير الغضب في وجهه! أخيرا وجد حوضا فارغا أمامه يصب فيه غضبه. ألتفت لا أحد انما أنا هذا الحوض، التفاتتي تغضبه أكثر.
ما الذي يحملونه؟؟ كلهم يحملون أوراقا مختلفة عني، ولا أحد ينظر اليهم، وحدها النظرات تحدق بي وكأنها تدفعني بعيدا عنهم.
الهواء خانق، وحده الحديث يمكن أن يفتح ثقبا في هذه الأجواء، لكن الأفواه التي أراها ملتصقة بقوة كأنها تحاول كتمان غضب جاثم يكاد تنتفخ منه الوجوه.
الكرسي المعدني فارغ الا منّي، وهو لثلاثة أشخاص يجلسون جوار بعضهم، بارد للغاية. أمنع نفسي من الارتجاف
خلف جدار نصفه زجاجي، مكاتب عدة مليئة بالأوراق ويجلس فيها شخص وحيد لم تتغير منذ ساعات وقع حركاته الروتينية وكأنه آلة وجزء من تجهيزات تلك المكاتب.
شخص يخرج من المكان عبر الممر الذي جئنا منه ولا أحد يلتفت إليه. شعور عميق بالضجر والترقب المزعج. ألتفت الى الممر، فيه حارس مدجج ببزته وتعابيره الرسمية، انتبه الي وكأنه ينهرني من أي تفكير للخروج من هذا المبنى الذي نسيت شكله بالخارج، ولا أذكر إلا أن السماء كانت بلون اسمنتي، والمبنى ملطخ ببقايا اسمنتية سقطت من سقف السماء الاسمنتية مع مواضع حالكة بالسواد.
في الوقت الذي انتبه الى أن حديثا عابرا كان يدور في الجهة التي فيها أشخاص يجلسون بالانتظار، سمعت أحدهم يصب لعناته على مجموعة أشخاص في باله، لا أدري لم شعرت بأنهم يعنون لي شيئا، وآخر يقول "ليتهم يُحرقون"، وآخر بكل برود يتحدث عن العمر وكيف يضيع أغلبه في مثل هذه الانتظارات التي لا تنتهي قائلا "تركت كل أعمالي وأهلي وهذا رابع يوم لي ولا فائدة"، وصوت كان قد ألقي علينا من بعيد، من جهة فيها مجموعة موحدي اللباس والمكاتب، وهم من بيدهم إطلاق سراحنا، بالكاد رأينا وجوههم ولا ندري من أي فم كان قد ألقي منه ذلك الصوت قائلا "فلاااان"، نهض فجأة أحد المنتظرين، كان في حالة إنطفاء كاملة، كان شعورا رهيبا، أن صوتا يحمل اسمه ألقي به من تلك المجموعة بكل برود لكنه كان قادرا على احياء ما خلناه آلة مطفأة لينهض بكل نشاط ملبيا ذلك النداء. كيف سيكون وقع ذلك الصوت بأسمي؟ لايمكنك تخيل من هم هؤلاء الأشخاص وما مدى أهميتهم.
مضت بضع ساعات منذ أن عادت الحياة الى هذا المكان بوقع ذلك الصوت، تفاجأنا بأن الآلة (الشخص الذي لبى النداء) كان مطفأً أمام أحد هؤلاء الموظفين، آلة ملقاة بالكرسي، أمام الموظف الذي أظهر أخيرا أجزاء من بدلته الرسمية بفعل التفاتته الى زميله الذي يحادثه بود.
السقف يهبط والممر يحكم قبضته!
كم سنة وأنا على هذه الحال؟ مررت بكل سنواتي أتذكر. كان الزمان جالسا عندنا، تخيلته أطول قليلا وتخيلته مرة كخط عابر يكاد يكون مستقيما، تخيلته أي شيء يجذب البصر وامتداده بعيدا، لكنه كان جاثما معنا وها أنا أراه وتحيط به عيني، شخص هزيل أكثر مني، شعرت بالشفقة كثيرا عندما تذكرت بأن كل ما فيني جزء منه، كان أهزل من أن يحمل أحلامي "لعنة"  وكان أهزل من أن يخرجني من هذا المكان .. 

الاثنين، 8 فبراير 2021

صانع الآلة .

*



بالبداية كان متلهفا لإنجاز العمل على آلته التي لم يرها أحد. كان قد أمضى سنوات يبني آلته القابعة في قبو البيت من مختلف القطع والبراغي والأفكار. نسي متى بدأت فكرة صنع الآلة، ونسي كذلك تصميمها الأولي. لكنه كان مذهولا من قدرته على إكمال عمله بها واستعادة صورتها الأولى وكأنه بمجرّد لمسها ومسح يده عليها تخبره أين وصل وأين عليه أن يكمل. يعرف يقينا أنها ستعمل ولكن لا يدري كيف ومتى. ما الهدف الأول من صنعها وما الذي تقدر على صنعه؟ لا يذكر بدقّة!  يقف بإعجاب لمظهرها، يدير ظهره يغلق الأنوار والباب منهيا عمله لهذا اليوم.

 

كان يشعر بالرضى كثيرا ويده تشدّ البراغي جيّدا وتختبر ثبات القطع الموصولة بهزّها. يشعر بالارتياح أكثر مع تأكده بأن يده لم تعد قادرة على خلخلة تلك الأجزاء التي باتت مثبتة بإحكام. كأن قلبه من أُحكم إثباته ولم يعد يضطرب بشعوره داخل صدره. كانت تسري في عضلات يده دغدغة تحثّه على شدّ البراغي بكل ما أوتي من قوّة ليحس بثبات الأجزاء أكثر ويشعر بالاحتكاك المريح وهو ويشدّ ويبرم آخر رمق من البراغي التي أكملت الدوران في المجرى بإحكام.


"أكمل غدا" نهض وهو يأخذ كوب الشاي الذي نسي -كعادته- شربه. يشعر بأنّ السكر قد ازداد مع برودته، لكنه يشرب الكوب على آخره بكل رضى. وكالعادة أعطى نظرة فخره واعتزاز بآلته التي باتت أكمل. يغلق الباب خارجا ليكمل يومه كيفما كان فهو قد نال القسط الأوفر من هذا اليوم بإنجازه، وعليه يمكن اعتبار ما تبقى من اليوم وقت فراغ يقضي فيه ما يشاء. 


لكن ودائما مع مضي الوقت وتركه لآلته مدة يبدأ الشك يسري في تفكيره. لم يكن على يقين بما يمكن لهذه الآلة أن تصنعه، لكنه واثق من أنها ستصنع معجزة تسعده. كان يعجبه أن أجزاءها موصولة بإحكام إلى بعضها البعض دون أن يشوّه أي مسمار مطرقة جسدها. كل شيء محكم بسلاسة. كان يعجبه التأمل الى الأجزاء الموصولة بمختلف الأشكال. وكان يرى في بعضها يد تلمّ اليها يد أخرى، هكذا يراها. وبكل ما أوتي من قوة كان يحاول منع الشكوك من دقّ أي مسمار في آلته بقوّة.


كان حريصا على إغلاق الباب لم يكن يحب أبدا أسئلة المتطفلين العقلانيين الذين يسألونه، كيف ستعمل؟ وأين المخطط؟ كيف يفهمهم بأن الآلة ستعمل في يوم موعود ينتظر قدومه. يوم قريب، من الصعب اقناعهم بأنه يبني آلته وخطة العمل في روحه وأن طريقة عملها موجودة لكنها في درج الأيام أو في درج ذاكرته، وكل ما عليه إكمالها لينفتح ذلك الدرج. لم يكن يمنعه من الوصول لليقين بذلك إلا مشاغبة الأسئلة تلك. 

 

مع مرور السنوات بدأ ينقطع عن العمل أحيانا. تمر أيام يفقد شغفه فيها لكنه يعود لاحقا بحماس وثقة متخيلا أنها أوفى ما تدّخره الأيام له ولمستقبله. 

 

 كان شكل الآلة عجيبا، أعين المتطفلين من أقربائه طالتها. بدؤوا يسألونه أكثر لكنه يجيب إجابات متهرّبة. "إنها أقرب الى العمل الفني منه إلى آلة ميكانيكية" مع أنها أعطت أشواطا من النجاح في مراحل التشغيل الأولي " ليتهم يرونها وهي تتحرك وكيف تسري الحركة بين دوائرها بانسياب ودقة" قالها وهو يشعر برعشة فرح في قلبه. 


"منذ متى وأنت تعمل عليها؟ ومتى اكتملت إلى هذا الحد؟" يسأل أحد أقرب أقربائه وهو يرى الآلة أول مرة، يجيب "منذ سنوات عملت عليها وفي بالي خطّة أشعر باكتمالها لكن لا أستطيع الإفصاح عنها"، "جميل، عملك يبدو متقنا لم أتخيل أن غيابك في هذه الغرفة سينجم عنه شيئا بهذا الإتقان" هذا أقصى ما ستطاع قريبه قوله.

 

  أكمل حياته، وكل ما يمر على أقرانه من قرارات ومجالات مرت عليه. لم يكن يختلف عنهم خارج الغرفة. كان في نظرهم انسانا عاديّا. لكنه لم يشعر بالرضى على الإطلاق كانت الأيام تكدّس -خارج الغرفة- أثقالها على صدره. لم يعد يحتمل، بدأت أعراض مضايقته تزداد، روحه بدأت تنفلت من هدوئها، وحدها الآلة كانت القادرة على امتصاص ما يحدث من همّ بالخارج . 


كان يضع آماله عليها، ومع السنوات كبرت آماله بها أكثر.

"حتما ستعمل، حتما ستعمل" 

لم يعد يطيق انسلال أي شكّ بها، كانت أمله الوحيد والتشكيك فيها يعني القضاء عليه، لم يعد يملك إلا أن يؤمن بها.


اكتملت الآلة، الجسد، العمل الفني، الكتلة، ولم تصنع شيئا "وماذا بعد؟" شعر بتوتر. الإلهام الذي كان ينساب قد جفّ وبدأت الشكوك تجفّف خياله أكثر. لم يعد يفهم ولم يعد يتذكر كيف ابتدأت أحلامه، الآلة باتت باهتة ووجهه أصبح باهتا. 

 

بدأت التعليقات تنساب على آلته. جن جنونه -من الداخل لا أكثر-. كأنهم يضعون الديناميت فيه ويطوقون بها روحه التي بدأت تشعر بأنها مكبلة أكثر.

 

بدأت مشاعر الكره 

" آلتي كانت خطأ" قالها لنفسه كثيرا ولم يسمعها أحدا من حوله. "بماذا تصلح؟" لم يدركوا مدى فداحة ما اقترفوه. لم تكن آلة عادية كانت شيئا غرس فيها روحه وخياله وأحلامه أكثر، عمل يقدسه وكرس فيه أمله ملطخا بالتعليقات الساخرة. لم تكن الكلمات ثقيلة لكن لا أحد شعر ببركانه. 

وبقطعة حديدية وحادة دخل على آلته أو كومة الأجزاء لينهي كلّ شيء.



 

   *van gogh

الاثنين، 7 ديسمبر 2020

يشكو من لا شيء .


*



خرج وهو يشعر بالبثور على وجهه أكثر. أخبره بأنه على مايرام ولا شيء يشوّه جلده. وصل لمسكنه وبدأ بصعود الدرج حيث لم يتغير رتم طرقات قدمه عليها منذ بدأت حالته هذه تزداد. مشى بدربه الى أن وصل لغرفته ولو أبعدت قليلا لغاصت قدمه وعلقت بالأرضية. هكذا شعر إلى درجة أنه أحس قليلا بالبلل أسفل بنطاله وكأنه آتي من طريق موحل. 


( كان هذا الكائن يعيش داخل دفتر بعدد صفحات قليلة لم تعد فيه مساحة لملء أي شيء، كان مليئا بالأيام والذكريات وكان عنده حسّ مرعب بالانتباه لكلّ نتوء وانحناء للخطوط لدرجة أن انحناءً بسيطا كافيا ليصنع سكينا يمزق دماغه قبل أن يدرك بأن ذلك لم يكن إلا انحناءً بسيطا لأحد الأيام والكلمات )


يستلقي على السرير يحاول الالتواء بالغطاء حتّى يشعر بأن شيئا إلتف عليه بإحكام ليهدئ روحه التي وإن سكن جسده لا تبدو مستقرة. بقي قلبه يرجف تاركا بأثر الإرتجاف فراغا خانقا. شعر بأنه بحاجة لأن يتنهد ذلك الفراغ من قلبه لكن أنفاسه لا تصل إلى قلبه. 


يتنفس وكأنه بذل مجهودا كبيرا قبل وصوله. كان تفكيره يشعره بأنه قطع مسافات طويلة ذهابا وإيابا عبر الوقت.


بدأ يلتوي بشكل عكسي حتّى يتحرر من الغطاء رغم أن روحه بدأت بالاضطراب لكنه شعر بشيء من الراحة وهو جالس على جانب سريره مطأطأ رأسه وتنهداته تتساقط من فمه. "ما كل ذلك يوم عادي، يوم عمل معتاد لا جديد فيه، وجبات معتادة، ما الذي يكوّم التعب فيني أكثر" يسأل نفسه. 


وتذكر يوم أرسل رسالة لأحد أصدقائه كان قد اخبره بأن كل شيء حولنا ليس إلا تصورا ويمكن وفق ذلك أن ينال كل شيء يريده بعد أن يحكم تصور حيازته لما يتمناه بكلّ ما أوتي من قدرة. 

 

كان ذو قدرة عالية على التركيز، كان قادرا على خلق وهم لحظيّ لمدة وجيزة بوجود شيء ما. وكان يوجد فعلا! كان يلعب بهذه الأفكار حتّى أتقن ذلك لكن دماغه فقد السيطرة على نفسه وبدأ يتصوّر ما لا ينتهي من أمور،  ولا يكاد دماغه يكف عن إلقاء كل تلك الأشياء المزعجة على كاهل رأسه.

 

كان شعوره بالألفة ازّاء الجمادات يحزنه، هل من خطأ بأن يشعر لهذه الدرجة بها؟ احساسه بأثر بريق اللون بالفراغ وما يعنيه انعكاسه على سطح خشن مخدوش، يعرف بالضبط هذه الخدوش وكيف ترسم أثرها بالداخل وكأنها صوت واضح أو لمسة لا يمكن توهمها. كل ذلك يشعره بالحسرة؛ كان الأجدى أن يفهم البشر بدلا عن ذلك. فقط لو كان جمادا.

 

كان قد تخلى عن عاداته البدنية والتي تتطلب جهدا كبيرا منه، كان ذلك الاستسلام الأخير لدماغه. 

 

  بعد بضعة أيام:

 خرج بعد أن صُرف له مرهم لعلاج البثور على وجهه وأخبره بأنه سيكون على ما يرام. لكنه لم يشعر اطلاقا بملمس المرهم على جلده.




Alex Eckman-Lawn

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2020

لا أحد يحكي عن ليلة البارحة .

 



استيقظ ورأسه مُثقل بحمل لا يعرفه. شعر بأنه مدين لاستعداده بالليلة السابقة، حيث قام بتجهيز ملابسه اللازمة لخروجه إلى عمله. لهذا لم يكن عليه إلا أن يسلك دربه باتجاه الباب خارجا وكلّ شيء في طريقه. 


شعر بالفزع قليلا، حال رؤيته وجه جاره. ولا يعلم مالسبب. حتّى جاره بدت من ملامحه عصفة ذهنيّة ارتطمت بسكونه من الداخل. بالكاد أظهرت أثرها لكن ** انتبه إليها لأنّ شعورا مصاحبا ساعده على ذلك. 

"صباح الخير" يحيي جاره الذي يجيب " أهلا صباح الخير" وبعد سكوت طويل وعلى غير العادة أراد جاره الحديث وسأله " كيف كانت ليلتك؟" تنفّس بصوت واضح قليلا قبل أن يردّ "بصراحة كانت صعبة قليلا .. لا أدري لكنّها عدّت" " هذا حسن حسن بالفعل" أجاب جاره وكأنه يتحدث عن شيء مرّ بهم معا. 

افترقا عبر الطريق وشعر كلّ شخص بأنّ كل أحد يخبئ أمرا عن الآخر.

 

بالطريق أحس ** برعشة خوف لا يفهمها، أصبح غير راغب بإكمال طريقه للعمل. شعر بأن عليه أن يقدم على شيء قبل ذلك. أو أن ذلك الحمل الذي يثقل رأسه بدأ يتّضح أكثر ولكن بدرجة لا يزال معها في حاجة إلى التفكير طويلا بمفردة ليتضح أكثر.

 

ذهب إلى مقهى يحبّ كثيرا ترتيب أثاثه ومستوى فخامته الذي يميل الى تقديم أكثر مما يؤدي الغرض، كأن يكون مريحا ويدعو للتأمّل. جلس على مقعد جلديّ قرب الزجاج الخارجي. كان يحب المشاهد المنعكسة من خلاله. ويشعر أن قربه من الزجاج يمنحه القدرة على الهرب خارجا اذا لزم الأمر ولو بنظراته. التواجد في العمق يخنقه. شعر بأن الرعشة تزداد سوءا. المقعد بارد حتى بعد مدة من جلوسه، "لم ظلّ باردا كأن لا أحد يجلس عليه؟" بدأت قبضته ترتعش، شعر برغبته أن يلكم شيئا لكنه أطفأ هذه الرغبة مع كوب القهوة التي حضرت ساخنة لتنقذ الموقف. تنهّد على وجه الكوب قبل أن يشرب. إن عادة النفث في الكوب باتت عادة لتسليته وليست غرضا بالنسبة له. لم يكن بالمقهى إلا القلة، عادة أناس مستعدون لأخذ طلباتهم ليكملوا طريقهم وآخرون لم يجدوا لوقت فراغهم إلا هذا المكان. وكان أحد الجيران جالسا بمكان بعيد نسبيّا عنه. 

 

     شعر بأن بالأمر شيئا. كلّهم أتوا وقطعوا طريقهم الى عملهم بصورة استثنائية وجلسوا في هذا الوقت بالمقهى على غير عادتهم. شيء ما دفعهم للاستراحة قليلا. 

 

لا يتذكّر أي شيء عن ليلة البارحة. بدأ جسده يخبره، كأن جسده أفاق لتوّه. كل ذلك السيل من الشعور والأحاسيس بدأت تندفع الى دماغه عبر مجرى الدماء التي باتت - كما يشعر أيضا فوق ذلك- بأنها مزدحمة بآثار ليلة البارحة. خدش بسيط، سريره أملس بكل جوانبه. كدمة بسيطة بساعده، وخدش داخل لثته للتو شعر به، وأشياء كثيرة بعضها يُرى وبعضها يشعر بها. لكنه شعر جيّدا بنقاطها من خلال السيل المندفع منها الى دماغه.

استيقظ ضميره! الشعور بالذنب حالة تشبه الندم لكنها تختلف لأن بها نقطة وجود في العين تشدّ كلّ تقاسيم الوجه اليها استعدادا للدموع، بعكس الندم الذي تكاد تشعر بلمساته في أصابعك وقبضتك وحنجرتك. كان ** يشعر بذنب لا يعلمه. 

 

لم يدري ** لم شعر بأنه بهذه الأفكار يستجوب جسده بحثا عن الإجابة وكأنه يائس من عصر ذاكرة عن ليلة البارحة.

 

الشعور بالذنب بات يتدفق أكثر، والخوف يرافق هذا الشعور وبدأ يرتعش أكثر ويتلفّت كثيرا؛ شعر بأنه بحاجة الى تحريك عنقه ليدخل الهواء الى رئته. كأنه بدأ يختنق. قام بثني رأسه للأسفل جاعلا من بقايا حرارة الكوب تلامس وجهه بهدوء. ذلك الـ ما تبقّى من حرارة كوبه كان الشيء الوحيد القادر على لمسه. لأن الكرسي ظلّ باردا كأنه مبلل بالبرد. الآن بدأ يشعر بغضب كل من حوله، ذلك الغضب الذي لم يأتي بعد. هل تذكّر ** كلّ شيء قبل الجميع؟ وبعد برهة بدأ الشعور بغضبهم يخف أكثر. شعر بأن حمل ذلك الغضب لن يكن على عاتقه وحده. 

" فقط لو تذكّر الجميع لكنّا سواسية ولكن ماذا لو بقي الجميع لا يتذكّرون إلا ما فعلت أنا ليلة البارحة" بدأ يتمتم كأنه يخاف مما قد يتذكّره 


الساعة تشير إلى أنه لا زال هناك متسعا من الوقت. فهو مدين الى تجهيزات ما قبل النوم لأن رحلة البحث عن لبس ملائم تستغرق منه بعد الاستيقاظ أضعاف ما يحتاجه من وقت قبل نومه. فهو إذا خرج بالهيئة التي رسمت بالأمس. ولأنه صاحب مزاج يسهل اضطرابه يمكنك أن ترى هيئته من الداخل وفق اختياراته؛ شخص يسهل الاطلاع على الإشارات التي تتركها اختياراته وإن بقيت معانيها غامضة. 

 

ومع عودة الشعور بالذنب عاد الخوف أكثر شعر بأنّ أحشاؤه تتحرك. وأن نظرات الجميع انتبهت الى ذلك. حاول رؤية جاره واسترق النظر اليه، بدا مثله يعيش حالة مماثلة. " مالذي فعلناه ليلة البارحة؟" عاد يسأل نفسه. 

 

حشد من أحشائه يحاول الخروج اندفاعا للأعلى. يشعر بألم يضغط رئته على ثنية من ضلعة. "هذا ليس وهما الأحلام لن تحرك جسدي الى هذا الحدّ" بدأ يسأل نفسه عن مافعله لم يكن حلما. وضع رأسه المنحني قليلا بين يديه جامعا أطراف شعره بقبضة يده. وكأنّ لا شيء سيوقفه إلا صوت انتزاع شعرات رأسه من جذورها. لم يخفّف قوة الشدّ بيده؛ شعر بأنّ الصداع بدأ ينساب من خلال مسامات جلد رأسه التي اتسعت قليلا وهو يشدّ شعره بقوّة. 

 

أرخى يده، بدأ شعره يتنفس. وبدأت عينه تدمع. جاره رحل. لم يكن سبب وجوده وقلقه إلا شيئا عابرا. كما بدا من طريقة خروجه. شعر فجأة بوحدة موحشة عندما خرج جاره وأدرك أنه لا علاقة لجاره بما حدث ليلة البارحة. 

 

الشعور بالوحدة كان حادّا كأن كل شيء إلقي عليه فجأة. بدأ وجهه يؤلمه جرّاء اندفاع الدماء الى وجهه. وعينه تؤلمه، خاصة مخارج الدمع. كلّ شيء يندفع للخارج في محاولة للخروج منه، من المأزق وكأنه كان المأزق الذي وقعت فيه أعضاؤه، كما شعر بأنه مأزق لكلّ أحد حوله. 

 

شعور مرير بالذنب. وبعد أن لفت كسر حاجز عزلته انتباه الناس إليه بعد أن ألصق وجهه بفوّهة الكوب أكثر بوضع يدعو للاستغراب. كان يريد من بخار قهوته أن تحاول تهدئة وجهه. 

 

   اعتدل ورفع رأسه وبدأ يتنهد. وأدرك أن من حوله بنظراتهم انتبهوا إليه سأله النادل مع انحناءة مهذبة إليه " هل تحتاج شيئا سيدي أكل شيء على ما يرام؟" أجاب بعد أن تنفس بوضوح وشعر أن مجرى الهواء في داخله بارد بطريقة منعشة بأنه "بخير.. بخير حتما" كان يشعر برغبة بالبكاء كأنه للتوّ خرج من النفق العميق في داخله بمساعدتهم. 

خرج وأكمل طريقه هربا من ليلة البارحة التي اعتادت العودة إليه بعد كل ليلة ككل ليلة بارحة 

 

       


 

الخميس، 15 أكتوبر 2020

هربا من الأوراق الثبوتية .

 





أصبح شابا يعرفه الجميع لكن لا أثر له في الأوراق الرسمية. كان يسمع في صغره دائما من والده أن الإجراءات الحكومية شاقة ومتعبة وكان يرى تقاسيم وجهه في كلّ مرّة وهو يكفهرّ عندما يُسأل عن السبب الذي دعاه للتأخير بتسجيل ابنه منذ ولادته والتي كانت سببا بوفاة والدته. يعيشون في بلدة صغيرة لكنها قريبة من أذهان الدوائر الحكومية جيّدا. كان حديثه وأعذاره تشبه كرة الثلج التي كانت تكبر وتتعاظم مع السنين. أدرك الابن أن كرة الثلج هذه ستبتلعه ولن يكون قادرا على فعل أي شيء إلا الهرب والهرب من الإجراءات الحكومية والتي بات يراها مطاردة خفيّة تتبعه أينما حلّ.


أصبح دون أن يدري أجنبيّا أو متسلّلا أو خارجا عن القانون، أو أي صفة تستدعي القلق من البزّات الرسمية. لا أحد يدري كيف استطاع الشاب ** تدبّر أموره والعيش على هذا المنوال خارج أسوار القانون أكثر من عشرين عام. حتّى عندما مات أبوه ودُفن، شعر بأنّه داخل نطاق صغير هي حدود معارفه، لا يستطيع تجاوزه وكأنه لا يستطيع الابتعاد أكثر من بضعة أمتار عن أقرب شخص يعرفه جيّدا، ويمثّل هوية له. أحس بالغرابة، شعر كليّا أنه غير موجود بالنسبة للأشخاص القابعين خارج دائرة معارفه. ما الذي دفع والده لعدم تسجيله؟ لاشكّ أن أمرا خطيرا منعه من ذلك. فقد اعتاد رؤية جبين والده يتصبّب عرقا عند سؤاله عن السبب وراء إهمال تسجيله وكيف كان يدافع عن نفسه بأنّه لم يستطع ولم يجد الوقت الكافي لذلك. كان يفكّر بأنّ شيئا مهمّا منعه عن ذلك. 

 

أصبح ** ماهرا في الاختباء عن القانون وأعين الأوراق الحكوميّة وإجراءاتها وتكيّف كليّا مع الحياة بمراوغة كلّ ذلك. تلقّى تعليما مبدئيا في بلدته الجبلية وجل اثباتاته وعود والده ومعارفه لهذا كان تعليمه متواضعا. ولكنه عمل في أكثر المجالات الحرّة ، تنقل كثيرا بالأنشطة، زملاء والده كانوا يساعدونه ويملكون محلات تبيع مختلف المستلزمات والأنشطة وكان بارعا في كلّ شيء طالما وجدت التعليمات. حقيقة أن هذا هو أقصى مدى يمكن عمله جعله يتقن كل تلك الأعمال. وأن يصنع لنفسه إسما محببا لدى الجميع.

 

استطاع كسب رزقه ولكنّه يكبر أكثر مما ينبغي. لم يصدق أحد حقيقة عدم امتلاكه أوراقا ثبوتيّة؛ كان ذلك كافيا لإقناع أي مسؤول أو موظف حكومي بأنّ لديه أوراقا ثبوتيّة بالفعل. وعوضا عن الإصرار بطلبها كانوا يمرّرونه وكأنهم يلمسون وجودها بنفيه اللامعقول بوجودها ويتركونه بسلام. 

 

جيرانه وأصحاب والده وأصحابه يدركون أنه يعيش هاربا بهذه الصورة. وأن مسألة الأوراق الثبوتيّة مسألة تافهة يمكن حلّها مقارنة بما هو عليه من هروب، وأنها ستكون موضوعا مثيرا يتسلّى به الموظفون الحكوميون كثيرا. وحتما سيساعدونه تعاطفا معه. لكنهم لم يشاؤوا أن يخبروه بأن والده لم يكمل الإجراءات كسلا أو تسويفا وكان من المحتمل أن يحاول أحد الأصحاب أن يشرح كيف أنه سكت كل هذه السنوات على أمر مهم كهذا. لم يكن في بالهم احتمال التأنيب اللفظي الذي لن يدوم وقعه على قلوبهم طويلا. وفضّلوا عوضا عن ذلك أن يستمرّ ** بالهرب والنجاح بذلك حماية لسكوتهم. كان يرى أنهم يعاملونه بجدّية بالغة لهذا يتخيّل أن الأمر في غاية الصعوبة ومثير للقلق. لم يعمّر طويلا فقد توفّي ** في عام ... جرّاء حادث مؤسف في احدى الأودية ولم يعثر عليه ولم يكن له وجود في التعداد السكاني للبلدة كأنه كان رقما زائدا أو هامشا أزيل ليحافظ الرقم على صورته العشريّة بلا شوائب. ظل موجودا حتّى مات آخر شخص يعرفه واختفى للأبد؛ لأن أحدا لم يصدّق وجود شخص عاش في هذا الزمن وهذه البلدة دون أن يدوّن اسمه في أي ورقة رسميّة، آخر فرصة له كانت بوفاته داخل البلدة لكنه استمرّ بالهروب -حتّى بعد مماته- من تلك الأوراق الرسمية.  

الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

الحياة تضيق داخل جلده .

 



"مالذي ينقص هذا الكرسيّ حتّى يكون مريحا؟" 

لطالما تساءل عن عدم اكتمال أي شيء جيّد من أجله. قام بغسل وجهه ليشم رائحة الماء، بدأ يجفّف الماء قليلا عن وجهه ليشعر بلذعات الهواء على جلده، والذي يزعجه الشعور بأنه يتصبّب عرقا من الداخل. 

 

"كلّ شيء جيّد لهذا اليوم؛ لم أضطر للقيام بأي عمل جديد بالنسبة لي. إعتدتّ إلى الآن على أداء هذا القسط المريح من الأداء مع الناس" قال ذلك رغم أنه يبقيه بعيدا عنهم. 

 

"لديك زيارة للسيّد ## " فاتحه مديره بذلك قبل أن يرحّب به بشاشة. 

"هل سأحتاج لبذل مجهود أكبر على ملامح وجهي؟ جلدي ملتصق بشدّة وتحتاج رسم التعابير إلى عضلات أقوى. بالأمس أدّيت جيّدا لكنّي أنهكت عضلات وجهي في رسم ابتسامات لم تكن ظرورية" قالها مستعطفا مديره.

 

"ستعتاد على المقدار الأدنى من هذه الابتسامات مع الوقت" قالها بعد أن رسم له ابتسامة موزونة وأردف قائلا "ليس عليك على كل حال أن تحرّك وجهك كثيرا، السيّد ## لا يكترث كثيرا"

 

اطمأن صاحبنا * لذلك قائلا "هذا يعني أن أتكلّم بنبرة ألطف أو أرسم بها عوضا عن تجاعيد وجهي ابتسامة مسموعة"

 

ردّ عليه المدير بكلّ رضى "كدت تتقن كلّ شيء، لم يبقى عليك إلا القليل يا * "

 

أمام المرآة، بدأ بتحسين هندامه ويتأكد أن يظهر بالمرآة بالشكل اللائق، ليبدأ عمليّة تجميد هيئته بأحسن هيئة ممكنة، ويحملها كما هي إلى عمله للسيّد ## . شعر بانزعاج طفيف، الجلد مشدود على جبينه أكثر وهو يخشى أن يتقرّح. 

"ليتهم قالوا لي بأن مرهم الوجه أهم بكثير من أشياء أخبروني بأهميّتها" قالها متأففا. 

 

أثناء مشيه خارجا للسيّد ## لم يخفى على أحد بأنه كان يواصل وضع اللمسات الأخيرة على هندامه. رغم وضعيّة الجمود التي غطس بها غامرا تفكيره.

 

يقفز الى الرصيف و يشعر بأنه تجاوز شيئا أكثر من البضعة سنتمترات التي تجاوزها بالفعل لامتطاء الرصيف. بدأ يتخيّل نفسه وهو يجري أمام الملأ ويقفز بين فترة وأخرى. هل سينال ذلك الشعور، الشعور بأنه تجاوز شيئا لا يعرفه ويستمر بالقفز أكثر؟

" في اليوم الذي أودع فيه هذا العمل المقيت، سأقفز خارجا منه" 

 

لم يضطر لإظهار مالم يعتد عليه مع السيّد ##  . كلّ شيء سار بهدوء. عدا أن شعورا عاصفا كان يعصف في داخله. حاول التماسك أكثر. فهو لا يريد تمزيق هيئته التي باتت تخنقه أكثر ويحاول طرد فكرة تمزيق كلّ شيء والقفز خارجا من كلّ ذلك. 

 

شعر بأنه يرتدي شيئا أجبر عليه على غير رغبته وطبيعته التي قاسى منها ومن أجلها. ( ذلك يشبه ارتداء ملابس شتويّة في صيف قائظ وتحمّل درجات الحرارة العالية وإشادة الأشخاص البليدة والتي ترفع درجة حرارة جسده المحرج أكثر) 

 

وبعد أن وصل إلى غرفته الوحيدة أخيرا وتكرار قول "كلّ شيء جيد لهذا اليوم .. " وبكل حذر وهو يراقب إن كانت غرفته خالية تماما وبعد إغلاق الستائر بحذر كي لا يراه أحد على حقيقته والظهور عاريا بها. وبصعوبة قام بنزع جلده المزعج وأطلق جسده تنهيدة قويّة بحجم الإختناق لهذا اليوم. 

 

 

 



الجمعة، 7 أغسطس 2020

الأطباق الطائرة لم تعد تظهر .

 
 
 
 
"الأطباق الطائرة لم تعد تظهر لأن الناس لم تعد تؤمن بوجودها" قالها صاحبي وكأنه يحدّث نفسه، بدا وكأن كلامه نتيجة تفكير طويل من الأعماق.

"ولكن أتذكر تلك البرامج التي كانت تملؤ التلفزيون؟" بهذا أجابه شخص معه ولم أعرفه وبدا أنه كان يتحدث معه من مدّة طويلة.


"بالفعل الناس كانوا يشاهدون كلّ ذلك، كل من كان يؤمن بها شاهدها فعلا حتّى من لم يكن يؤمن بها تفاجأ بها مرة" وبعد توقّف لبرهة أكمل صاحبي "لم يكن الخوف وحده من فعل ذلك، ببساطة الناس كانوا يؤمنون بها، وكانوا يتخيّلون كلّ شيء حولها. أشكالها الدائريّة وبريقها في السماء، حتّى ذلك السلّم الضوئي الذي تنزل منه تلك المخلوقات تخيّلوها كثيرا، لكنها مخلوقات مشوهه بناها الخوف أكثر من أي شيء. الأطباق بنيت بخيال حالم لهذا كان انجذاب الطبيعة لها أقرب".


"لماذا غادرت تلك الأطباق؟" سأل صاحبه.


يجيبه صاحبي "لم تعد موجودة".


"لماذا لم تعد كذلك؟" يعيد صاحبه السؤال.


 " لم تكن موجودة إلا لأنّ الناس آمنوا بها وتخيّلوها. كان الخيال جامحا، وكافيا ليزاحم الطبيعة في وجودها لهذا وجدت"
أجابه ملتفتا اليه وكأنّه استغرب من جهله معتقدا بأنه يعرف الاجابة مسبقا


"لا يمكن للناس خلق شيء بخيالهم" علق صاحبه متهكما


"يمكنهم لو تخيّلوا بملء أعماقهم، الطبيعة تنتبه كثيرا لتحديق البشر وترقبه بحذر أو لا أدري لكنها تترقّب" وكأن صاحبي انتظر كلمات تحفّزه للمضيّ أكثر


فيسأله صاحبه "هل الطبيعة تخشى البشر؟ أم أنها تلبّي رغبات البشر؟"


فيجيب " لا، اطلاقا لكن الطبيعة صدّقت وجود تلك الأطباق ببساطة" قالها وكأنه يريد أن يغيض صاحبه بقوله "ببساطة"


" هل كانت الطبيعة تبحث في السماء مثلنا؟ هل كانت تترقّب قدومهم؟" ويضيف صاحبه " هل كانت الطبيعة تصدّقنا؟"


كعادته وكأنه يتخذ من طفولته مرجعا لتفسير كلّ شيء في الكون قال صاحبي " أذكر ذلك اليوم جيّدا الذي وبّخني الجميع فيه. قالوا بأني كنت أنا من كسرت تلك الأنوار بالكرة، كان الجميع يحدّق بي لدرجة أنهم كانوا يقذفون بتلك الكرة على وجهي في كلّ نظرة. حاولت الانكار، حاولت أن أبرّر ما فعلته، لا أدري ما الذي غاص فيني وجعلني أنا من كسرت تلك الأنوار واتّسقت بالكامل مع ما حدث في خيالهم. كان خيالهم أقوى من الحقيقة. لم يكن بمقدوري تجاوز خيالهم عنّي. لا أدري كيف أشرح لك، كنت طفلا لم أستطع الصراخ في وجه أحد منهم لتمزيق خياله العالق في عينه. لهذا ، لهذا أو لا أدري لذلك تمكّنوا منّي بالكامل. ولا زلت أعيش على أني فعلت كلّ ذلك بالفعل"


"أنت لم تفعل ذلك" يردّ صاحبه وبدا ضجرا ولم يرغب بإطالة تعليقه أكثر.


"صوت انكسار تلك الأنوار عالق في أذني، شعرت بها، يكفي أني شعرت بها وهل توجد حقيقة أكثر من ذلك؟ أكثر من أني لو فعلت ذلك على حدّ فهمك ولم أشعر بذلك الصوت في أذني" بدا وكأنه صوّب كلامه بدقه في وجه صاحبه


"لو أخبرتهم بكل ما حدث وأنت بهذا العمر لصدقوك وتلاشت من أذنك تلك الأصوات" بنبرة حادة حاول صاحبه أن يؤنبه


" لن ينتهي ولن يتغيّر أي شيء سأقول لك بأنّ لا أحد سيستفيد من إقامة حجر دومينو سقط بالسابق وكان سببا في سقوط سلسلة من أحجار الدومينو والتي لازالت تسقط، ما الفائدة من إقامة ذلك الحجر وحيدا؟" وكأنّه يحاول إغلاق الموضوع وإنهاؤه على طريقته قال " لهذا كما قلت لك يمكنني أن أحقّق أي شيء لو تخيّلته بعمق، لو استطعت أن أرغم الطبيعة على خيالي لحقّقت ما أحلم به من كلّ أعماقي، أكاد أبكي! الفكرة وحدها تبكيني وإن لم أستطع يوما فعلها، سأرجو من الناس الذين تخيّلوا في الماضي الأطباق الطائرة أن يتخيّلوا ما ومن حلمت به، حتما سيأتي، حتما سيتحقّق في يوم ما. سواء بخيالي أو بخيال الجميع سأحدث الكلّ عنه حتّى يأتي ذلك اليوم الذي يسقط فيه من السماء كنجمة اختارها القدر من بين الملاييييين لتسقط وتستقرّ في المكان الذي أنا فيه"


كان بريق عينيه لامعا وملفتا وكان كافيا أن يجعل أعين الناس تبرق ويرون كلّ شيء غارق في ذلك البريق من خياله. كان يمكنه أن يحلّق بهم ويريهم ما يحلم به، كان يمكنه أن يجعلهم يحلمون معه، يتخيّلون معه لكن كلّ ذلك وهذه اللحظة الناعمة بالذات والصافية كانت رقيقة لدرجة أن صوت انفتاح باب غرفته بقوّة كان كافيا لتمزيق كل هذه اللحظة بعنف وتختفي كل تلك الأصوات الحالمة مدهوسة من وقع صوت فجّ يقول " كنا ننادي عليك تعال" 
 
تذكّر ما دار كان يشبه إقامة حجر دومينو سقط منذ مدّة وأكمل سلسلة السقوط التي لازالت تستمرّ بعيدا 







الخميس، 30 يوليو 2020

بحثا عن ذاكرة فقدت عند أحدهم .



استيقظ وهو في صحة جيّدة. أو كما يبدو عدا عن استغرابه بأن العديد من الأشخاص اجتمعواحوله، أمر لا يمكن حدوثه، وجودهم في هذا الوقت والمكان!  شيء ما أتى بهم. بدأ يشعر بحمل ثقيل يثقل على صدره، يشبه حمل الضمير، لكن هذه المرة لا يدري إن كانوا قد انتبهوا لأمره.
"قالوا بأنّك ستكون أحسن وبأنّ كلّ شيء سيعود في وقته" بهذا وبابتسامة مطمئنة قال له أقرب شخص يجلس قربه ويبدو أنه أكبرهم سنّا. كان الكلّ يترقّبه لهذا لم يستطع أنّ يلفّ بجسده ويتكوّم بغطائه أو بالفراغ ليرتاح. تحديقهم مربك، مثل عدد كبيرة من الأباجورات المضيئة لكن بإنارة هادئة. "قبل كلّ شيء عليك أن ترتاح وأن لا تهتمّ كثيرا، كل شيء سيكون كما يجب" قالها من لم يتصوّر أن يقول شيئا بسبب سكونه الذي بدا بأنّ لا شيء عنده.

كان السرير بالزاوية. بحيث يمكنه أن يسند ظهره على الجدار ويشعر بالجوّ في الخارج من خلاله، أحيانا كانت هذه طريقته الوحيدة للخروج من غرفته. كانوا متجمعين حوله بتوزيع مريح، جلس نصفهم والنصف الآخر يقف بارتياح مستندين بأيديهم على كراسي الجالسين مائلين قليلا نحوه. التعب الذي يشعر به جعله يحسّ بأنّهم كانوا يلحقون به حتّى وصل بالنهاية محشورا في هذه الزاوية. لكن عوضا من أن ينالوا منه يراهم وهم يحاولون الإطمئنان عليه. كان يهرب منهم! ولم يعد بحاجة للهرب منهم أكثر.  

بدأ بالاستقامة على سريره، لم يُبدوا اعتراضا على ذلك رغم بدوا راغبين في جعله ينال قسطه من الراحة. لكن وكأنهم يقدّرون جهده لم يحاولوا الإلحاح عليه. هو الآن في مأزق؛ استقام كأنهم ينتظرون منه الكثير مما يمكن قوله.

أنزل رأسه، بدا ثقيلا محمّلا بالأفكار التي لم تستيقظ بعد. وذلك الشعور بالحمل الثقيل على صدره لا زال قابعا. أخافه أنه لم يهدأ ويخف حمله رغم نظرات الهدوء التي تحيط به.

بدأ يشعر بالدوار حتّى أنه لم يسمع جيّدا ما الذي قاله أحدهم ويبدو أنه لم يكن شيئا مهمّا للغاية؛ كلهم أومأوا بهدوء.

خلف أكتاف الجالسين أمامه كان يشاهد طاولته وكرسيّه الذي كان يجلس فيه كثيرا وهو يكتب. ومزهريته الصغيرة التي لم تضع فيها وردة منذ وقت طويل. شعر بالحسد اتجاه تلك المزهرية المستلقية هناك بعيدا عن الأنظار. كم تمنّى لو استطاع تخطّي تلك النظرات التي تحاصره والتواجد هناك بعيدا عنهم. "ماذا بعد؟" لم يفهم هل كان يتكلم معهم قبل استيقاظه؟! لم يفهم سبب قول أقرب شخص جالس إليه ذلك. "أنت شاب ونعرف كل ما مررت به وندرك أنك شخص جيّد والكل يشهد على ذلك لكن يصعب كثيرا تجاوز ما حدث بسهولة. لا نودّ أن نكون ثقيلين عليك أكثر من اللازم" قال ذلك وكأنه يملي ما يجب فعله أو كأنه كان يقرأ من ورقة موقعة من الجميع. ثم وضع يده على راحة يده " حالما تستعيد كلّ ذلك ستخبرنا بكلّ شيء، صحيح؟" قالها بنبرة أكثر هدوءً "سيّدي .. أيها السادة .. أنا لا أفهم ولكنّي آسف على كل شيء بدر منّي. أحتاج إلى الوقت لأدرك ذلك وأقول لكم كل شيء حدث يوم الإثنين .." سكت فجأة، كان سكوته انقطاعا لم يدري لماذا دفعه لسانه إلى يوم الإثنين بالذات؟ ما الذي حدث في ذلك اليوم كان يدرك أنه يعرف الكثير وأنه وهو يتحدّث، يتحدّث عن ما يدركه حتّى أن وقوفه عند يوم الاثنين كان إدراكا قابعا في أعماقه. "أخبرتنا قبل أن تسوء حالتك بشيء مما حدث وكنت ستخبرنا بكل شيء" بهذا أردف ثاني شخص يقف قربه، "حاولنا البحث عن ذلك الشخص لكن لم يظهر ولا أحد يعرف عنه شيئا" أحدهم قال ذلك وأقرب شخص -وهو أكبرهم- كان قد التفت مصغيا باهتمام الى قوله.

بدأت الأشياء التي حدثت تنمو في داخله. كأن الكدمات بدأت تستيقظ. شعر بأنه بحاجة لأن يكون حذرا في كلامه أكثر. عرف بأنّه على يقين بشيء فعله وكلهم على نفس اليقين. كلّ شيء انتهى تقريبا عدا عن وضع العنوان الأخير لكل ذلك.       
الغرفة التي اعتاد عليها لم يشعر بأنّها ضيّقة أكثر من هذه اللحظة. حتّى أنه لا يدري ولا يفكّر في أن يجرّب ذلك، هل يحقّ له الخروج من الغرفة التي اعتاد الخروج منها متى شاء بلا استئذان؟ صوت الباب يُطرق، أحدهم فتح الباب مناديا أحد الجالسين الذي نهض وأكمل هندامه وخرج. أحدهم نظر إلى ساعته، لا يبدو على عجل كما أن تعابيرهم لا توحي بأنهم يشعرون بمماطلته. قام بتعديل جلسته قليلا رغم أنهم لم يبدوا أي ردة فعل لكنه شعر بأنّه تحرّك أكثر مما يجب وأنه كاد يتجاوز البضع سنتيمترات المصرحة له.

يعرف جيّدا أن في داخله الكثير الكثير مما يجب قوله. حمل يبدو أنه مكلّف بالانفراد به رغم شفقة الجميع. يعرف جيّدا -أو هكذا أصبح- أن فتح فمه كفيل بالدفع بكلّ شيء خارج صدره، نحو الخارج وهؤلاء كلهم ينتظرون.
لا يدري هل جاؤوا للمحاولة بالإمساك به أو الإمساك بما في داخله. عليه أن يعرف أولا قبل أن يقرّر. " لا بأس إن لم ترد الحديث اليوم أو إن لم يكن ممكنا إلا في اليوم التالي" قال الأقرب له ذلك " لندع السيّد يرتاح لم يكن ما قاله سهلا عليه" أحدهم قالها وهو ينهض من الكرسي حاث الجميع على فعل الشيء نفسه. "بالفعل يكفي أنه قال ذلك، ما أخبرنا به لم يكن سهلا وعلينا أن نقدّر موقفه ووقع ذلك عليه" ثمّ أردف المتحدّث وهو الجالس بالقرب منه واضعا يده على كتفه " لا عليك سننهي ذلك معا" كانت لمسة المتحدّث في غاية اللطف لكنه لم يدرك ما الذي جعله يرتجف بقوّة وبكلّ خوف جرّاء لمسته اللطيفة تلك!

أكمل الجميع هندامهم وقد همّوا بالرحيل وفتحوا الباب، تباعا خرجوا كان ينتظر خروج آخر واحد منهم. كان يدرك أن خروجهم واحدا واحدا لم يكن إلا عدّا تنازليّا لقنبلة الخوف التي تكاد تنفجر به. بدا وكأنّ صاحب تلك اللمسة قد زرعها على كتفه. أمر مزعجهم كلّهم يعرفون نقطة النهاية التي يجري إليها دون أن يدري.

بدأ ينتبه إلى أنهم يوقعون مجموعة من الأوراق وكان أحد الموظفين والذي يرتدي زيّا رسميّا يمرّر ورقة على الجميع، الجميع كان يوقّع وعلامة الأسى تبدو عليهم.

رغم أنهم خرجوا جميعا لكن خروجهم لم يكتمل؛ الباب لا زال مفتوحا ولازالت الجلبة توحي بأنّ الغرفة جزء من الخارج. الحركة أصبحت أسرع وصحته التي كانت تبدو جيّدة، أصبحت أحسن، بل أصبح جيّدا بما يكفي لأن يشعر بأنه مثلهم تماما. الأشياء التي كانت تنمو في داخله بدأت تكتمل. كاشفة عن غابة مرعبة في داخله، دفنت فيها أفظع الأمور. آثار النبش عليها كان واضحا، حتّى أنه يكاد يشعر بأنّ أيدي الجالسين حوله كانت متشقّقة ومبللة بالطين. الغابة في داخله تخفي الكثير. رغم النبش لا شيء موجود. لكنه يشعر برغبة أكبر للبكاء أكثر وأكثر حتّى أنه شعر بالحزن كثيرا اتجاه أشخاص كثيرين عرفهم. كثيرون لم يكن ليشفى إلا أن يلقي بنفسه في أحضانهم يبدو أنهم رحلوا. عيونه بدأت تدمع وعند الباب كان الموظف بملابسه الرسميّة وشاربه الكثّ ينظر اليه بكلّ شفقة، ولم ينتبه إلى شبح شفتيه وهي ترسم قوس النهاية، نهاية حكايته التي يبدو بأنه هو من أنهاها طالبا من الجميع أن يستريح بسلام.

الأحد، 26 يوليو 2020

الأبواب لا تخرج أحدًا .





"العالم أصغر مما يبدو، كيف لهذا المكان الفسيح أن يكون خانقا؟" كعادته خرج من المكان ولم يسمع أحد ما الذي قاله لنفسه. لم يكن المكان خانقا إلا لحلقه. ولأنه يخجل كثيرا من قيود المجاملات خرج قبل أن يأتيه موظف بقائمة المشروبات وقبل أن يضطرّ أن يومئ لهم بابتسامة لطيفة بأنّ عليّ أن أذهب فعلا لا لأن المكان لم يعجبني حمل لا ينتهي مما عليه أن يفعل اتّجاه الآخرين بالإضافة إلى الحمل الذي على عاتقه، والذي جعله يبدو ككائن مكوّم بالذكريات التي طفحت فوق رأسه مشكّلة كتلة بالإضافة الى كتلة رأسه. لهذا كان الشعور بأنه مشوّه بنظر الجميع لم يفارقه منذ كانت الذكريات. 

بعد أن خرج مسرعا من الباب الذي يشبه وميض مقبضه موقفا مرّ به، لم يحاول أن يتذكّره، خمّن أنه موقف لم يعجبه. تجاوز الباب والوميض. الهواء الحار وقت الظهيرة نثر من على رأسه بعض الأفكار المزعجة؛ لهذا بدا هذا الهواء مريح له رغم حرارته اللاهبة. بدأ يمشي على الرصيف، يعدّ الخطوات، ويتذكّر يوم كان يعدّ الخطوات وكيف أنه علم بأنّ ذلك يساعد عينه علي ادراك كلّ حركة سريعة وكأنّه يشاهدها ببطء، أشياء يخجل أن يقول بأنه كان يتمرّن عليها وهم يسألونه "لماذا لا ترفع رأسك؟". "ماذا استفدت؟" بصوت مسموع ولا يسمعه المارة يتساءل مع نفسه. رفع رأسه بعد أن تخيّل أن هذا كان سببا لجعله يرى كلّ شيء بالحركة البطيئة، وجعلته يلاحظ أشياء كثيرة وبدقّة عالية، بدقة مزعجة، لم يكن ليستمر أحد بلحظاته بسلام لو انتبه لها. بحسرة تذكّر أن ذلك أيضا قد يعني بأنّ الجميع كان يتجاوزه وهو يحدّق ببطء. هزّ رأسه قليلا، كأنه صعق بماء بارد، خفق قلبه بقوّة وبدأ يتلفّت، هل انتبه أحد له؟ انتبه أحدهم، لكن المشي كان كافيا ليلقيه بعيدا عن ذهنه. 

وصل الى مكان يستريح فيه، يبدو أفضل من السابق. "العالم أضيق مما يبدو" قال ذلك وهو يشعر بأنّ المقهى الصغير أوسع من هذا العالم الذي تركه خلف ظهره وفتح الباب، كان خشبيّا كما يحبّ، المكان ليس مليئا بالزجاج وهو ما يحتاجه، الزجاج يجعله في حالة ترقّب دائمة لانكسار أي شيء. يريد مكانا يجلس فيه ليس بعيدا عن الجميع وله بعده الخاص؛ كيف لمكان كهذا أن يوجد في مكان صغير؟! جلس بدأ يشعر أن هذا المكان أفضل وأنه أصبح أفضل، مسلمّا نفسه للموظفين الذين بدأوا يقيدونه بابتساماتهم وبدأ بنفسه يشدّ القيد أكثر مع كلّ ابتسامة رضى يبديها، رغما عن شعوره بالضيق من هذا المكان فجأة في أعماقه لحين تسمح له الفرصة بالهروب من هذا المكان. 

الجمعة، 29 مايو 2020

( شريط مزعج ) .



لم يتوقّف الشريط عن الدوران أمام عينيه. كانت الصورة واضحة الى حدّ مزعج. يدفن وجهه بالوسادة ويسدّ اذنيه بها، الصورة تتضح أكثر! تندفع صرخة من صدره وتصطدم في حلقه محدثة انكسارا وضجيجا في حلقه المكتوم. لا يسمع ذلك أحد غيره. يشدّ شعره للخلف بقوّة، يحاول نزع وجهه من الوسادة التي جعلت الفيلم أوضح. يفتح عينيه لإزالة الشريط. يرى كلّ شيء أمامه مثل إشارة و علامة تذكره بحدث مزعج. طيف مزعج أو وميض ينجم عن ذلك. يلتفت بكلّ اتجاه، العلامات والإشارات تزداد حدّة وازعاجا ورأسه يمتلئ بها. يغلق عينيه ويبدؤ الفيلم الجديد بالدوران .. يدفن رأسه .. يشدّ شعره .. كلّ شيء يدوس روحه أكثر في أعماقه.     



 _________
الصورة: Tim Kellner

الاثنين، 18 مايو 2020

ملتهم الأحزان .



*


لم يكن شخصا أو شيئا عاديّا، من كان يأكل أحزان تلك البلدة.

بالبداية لم يشعر صاحبي بالتحسّن، كان الحزن يأخذ نصيبه كل فترة لكنه زاد عن المعتاد قليلا، بما يكفي ليزرع اليأس في قلبه. صادفه.. كان قلبه فارغا، لا يذكر الشعور الذي انتابه عند رؤيته أول مرة. لكنه يذكر جيّدا قوله بأنه سينزع الحزن منه إن لم يمانع وقال له: " احكي لي عن ما يحزنك، لا يهم إن لم يكن ما يحزنك فعلا. سيحمل كلامك شيئا منه وأمسك به".. مسح على ظهره وأربت على كتفه واختفى كلّ شيء.

أصبح صديقه، لم يعد يراه شيئا بل صديقا كما يمكن أن تكون هيئته. عاد صاحبي الى بيته وأكمل صديقه سيره بعد أن أخذ حزنه. لم يصعب عليه من حينها أن يجد الأصدقاء في كل مكان. الجميع أصبح صديقا له، والجميع أحبّوا - وهم يحكون لي- شكل أو هيئة هذا الصديق.

" أريد أن آخذ حزنك ... لا أطلب شيئا منك إلا أن أكون صديقك ... لا أحب ملامح الحزن وهي تبدو على أحدهم ... أحب أن أكون صديقا لك ... هل تسمح لي بأن آخذ حزنك ... قل لي ما الذي يحزنك ... احكي لي ..."
هذا أكثر ما يذكرونه منه.

كان ينزعج كثيرا عند سؤاله عن السبب الذي يدفعه لفعل ذلك -هل ينوون إدانته؟!- ولو أن هذا كان بعيدا لكنه بدا مزعجا له. لم يقل شيئا عدا أن ذلك يسعده. سألوه كيف يفعل ذلك؟ وكان يجيب بأنه يأكل أحزانهم! أحيانا كان يضحك.
 "لعله لا يدري كيف" هكذا كانوا يقولون أحيانا   

لم تبدو عليه أي تعابير حزينة مختلفة طوال الأيام التي كان يعيش فيها بينهم. لم يكن يحزن.
"كان يأكل حزنه حتما" هكذا كانوا يقولون.

لكنه بالواقع لم يعرف الشعور بالحزن يوما. لم يكن بسبب تكوينه وطبيعته قادرا على الشعور بالحزن أو فهمه. كان ينزعج،  وربما يغضب، يتململ، كل شعور يقود للحزن كان يطرقه لكن لم يدخل الحزن في قلبه يوما.

بدأ يشعر بتأنيب الضمير، لم يكفي قوله لهم أنه سيأخذ الحزن منهم. كان عليه أن يقول أكثر من ذلك، كان عليه أن يوضح لهم بأنه يأكل الحزن.

كان يتغذّى على ذلك. وكان شكرهم وامتنانهم يزعجه. فهو غير قادر على إخبارهم بأنه كان يأكل الحزن لا أكثر. هل خمّن بأنّ ذلك سيحدث فرقا في موقفهم منه؟

كلّما أكل الأحزان أكثر ازداد حمل ضميره. لم ينزعج كثيرا؛ فالضمير سطحيّ حتّى يصبح حزنا وهو كائن لا يحزن.

هل سيعتبرونه مخلوقا أنانيّا لو قال ما عنده؟. هل سيعتبر شريرا لو قال بأنه سيسعد أكثر لو شعروا بالحزن أكثر وأكثر؟

في جوفه أحزان بلدة كاملة. ماذا لو استقيظت الأحزان فجأة؟

هو كائن لا يحزن لكنه يفكّر كثيرا. شعورهم بالامتنان والتعبير عنه جعله يفكّر أكثر. هو لم يدرك ما هو الحزن وإن كان يعرفه. لكن التفكير أوصله الى الحزن أخيرا! لا يمكن للتفكير أن يعود أدراجه، الى نقطة البداية. لهذا خرج ذلك اليوم هاربا. وبعد يوم وجد ميّتا.

لم يعرفوا بالضبط الأعراض التي بدت على جسده وسبب الوفاة. بدا كلّ شيء غريبا. لم يسبق لأحدهم أن رأى مثله، لهذا كان من الطبيعي أن يجدوا كل شيء على طبيعته؛ طالما أنهم لم يعرفوا من قبل شيئا عن ذلك. أقاموا له نصبا تذكاريّا. لا أدري لم يبدو لي الآن وكأنّه شخص يأكل قلبا وهو يبكي؟

خلال إقامتي لبضعة أيام بالبلدة، سمعت حكايته منهم، وما كانوا قادرين مثلي على قول قصّته كاملة.  




————

*Kaye Donachie

الجمعة، 8 مايو 2020

الجري داخل العجلة .


*

كل شيء يبدو طبيعيّا وساكنا عدا عن التعب الذي أشعر به في رئتي. كلّ شيء على حاله وإن أوحى شعور التعب بغير ذلك. السأم يقتلني ولا أدري متى شعرت به لأوّل مرّة. كأنه في بدايته لكنّه بدأ بعيدا من الأعماق. كل من يتحرك حولي، وإن بدا كطيف الأحلام تشعرني عينه بأنّي أبدو طبيعيّا بالنسبة له. قدمي! للتوّ بدأت أشعر بها وبدأت أرى الوجوه بوضوح أكثر حتّى العجلة التي أجري ولا أدري منذ متى في داخلها، للتو انتبهت ثانية لوجودها. إلى أين؟ لا أدري إلى أين ربّما الى حيث أصل لأعمق نقطة في مكاني نفسه. كلّهم في حالة سكون من حولي، وحدي وكأني أجري للحاق بهم وهم في مكانهم. اللهاث يخنق صدري والجري الذي يملأُ رئتي تعبا أفقدني القدرة على الكلام. وجهي جامد ومشدود، بالكاد أقوى على ثني أي عضلة فيه لأخلق تعبيرا في وجهي. هواء العجلة يجفّف العرق في جبيني. يتلاشى شعوري بقدمي من جديد -لا أدري ان كانت تدمي- واختفى معها الشعور بملمس العجلة في قدمي.

حتّى من حولي بدأوا يتلاشون واختفت ملامح العجلة من عيني. أشعر بهم، وأشعر بعدم شعورهم بما يضطرب في جوفي وكأنّ أحدا يجري بداخل عجلة في جوفي. قلبي منهك، وتنهيدة فيها حِمل سنوات تنتظر وقوفي لتخرج من أعماقي. لا أدري كم، لكن ربما بما يكفي لإخباري بكلّ شيء لا أعرفه عن العجلة التي أجري فيها. 

اليأس يخنقني، هذا الشعور يوحي بأنّ وقتا مضى منذ أن تلاشوا جميعا عن عيني. وقت طويل حتّى أنّي رأيت أخيرا أحدهم يقف قربي وكأنّ شيئا ما غير طبيعي. لأوّل مرّة أشعر بأنّ أحدهم يراني غير طبيعي. لأول مرة أشك بأن وجود أحد يجري داخل العجلة غير طبيعي. 

بدأ شعوري بملمس العجلة يعود وعادت قدمي. بدأت أشعر بدمي أكثر، بدأت أرى أشياء أكثر من ذي قبل، كلّ شيء بدأ يظهر من حولي تدريجيّا، حتّى من كانوا يروني طبيعيّا باتوا أكثر وضوحا ومشاعري بدأت تنمو أكثر.

الجري يكبّل يدي -للتوّ أدركت- لها أعوام وهي تلوح جريا على عادتها بمسار يصعب كسره. وكل ما يمكنني فعله هو أن ألقي بنفسي على من يقف قربي، ولعله آخر شخص سأراه في حياتي التي لا أذكر كيف كانت قبل هذا الحال. ولو أني أذكر أحلامها قليلا.

قدمي بدأت تهترئ، وروحي بدأت بالذبول. آخر رمق فيني -آخر نقطة للقفز خارجا- بدأت تقترب. لأول مرة أرى شيئا يسير على مسار يقترب مني. 

الذين اختفوا من عيني سابقا وعادوا، عادوا واختفوا بعد أن لاحت نقطة الرمق الأخير.  لم أعد أشعر بوجودهم وكلّ ما أعرفه أني كنت أعلم بوجودهم. 

"هم لم يروني طبيعيّا من الأساس؛ هم لم يروا شيئا منّي ومن عجلتي لهذا بدت نظراتهم طبيعيّة"  

"النظر بالأفق يحجب كل شيء حولي" 

لم يعد أحد هنا إلا هو . لم تعد لي أي فكرة إلا فكرة القفز والارتطام به. قد أحدث ضررا به، إلا أني سأداهم إصابته وأسبق ألمه بإخباره عني. وبأني شعرت بقربه وبأن ذلك جعلني أشعر تدريجيّا بكل شيء. قدماي، يداي، جسدي كلّه، النقطة التي جاءت معك، لأقفز عبرها خارجا من  عجلتي التي كادت تتحطّم بي. 





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* Cy Tombly

الأحد، 12 أبريل 2020

الصعود من الأعماق .





كان المكان المحشور الخانق والضيق في أعماق المبنى أوسع من العالم الذي كان ضيّقا بحياته التي لا يمكن الهرب منها.

لم يكن يبالي بالسواد الذي يلطخ وجهه في كل مرة. ولا بذلك الغبار الذي يشعره بتلوث رئته. المكان بارد للغاية.  لكنه عصيّ على الرياح. قلبه مع من يطلّ من فوقه، عند السطح المعرض للرياح. قلبه كان بالأعلى. 

رائحة ساعات طويلة من الجلسات العائلية بدأت تملؤ المكان بالعمق. يحكّ الجدار بأصابعه كأنه يمسح الغبار عن حديث عالق بالمكان. بدا غريبا أن يميّز ذلك بدقة، أشياء لم يعتد عليها كثيرا. 

بدأ يثني ركبته لينزل من عتبة شعر بوجودها رغم الظلام. 

"المبنى يبدو أكثر طولا من الأعماق"

أنهى كلّ شيء

صعد عائدا الى العتبة، وأكمل صعوده بعيدا للأعلى. المكان أشبه بالأنبوب. أو حفرة اسطوانية لطالما استيقظ فزعا من نومه بمجرّد شعوره أنه في جوف واحدة منها. اقتراب الكابوس كان كافيا لإفزاعه. 

متشبثا بالحبل الذي كان مشدودا بصاحبه أكمل صعوده. شدّ الحبل بقوة على خصره. شعر بأن خصلاته متصلة في أعماقه.

أطل أخيرا خارج أعماق المبنى. الهواء منعش وبارد. بدأت رئته تتنهّد. وبدأ ينفض عن نفسه أحاديث أهل المنزل التي علقت به. بعد أن أصبح خاليا منها. بدأ ينظر الى عينيه. إلى سماء شعر بأنه كان يحلق للوصول إليها من الأعماق. خارجا من الفوّهة وكأنه ولد من جديد.

من فوق سطح المبنى الكبير، حيث يحلو التحديق طويلا إلى المباني والسقوف التي صف القرميد فيها بعناية  وكأنها منظر خلاب صنع خصيصا من أجلهم.

الأربعاء، 25 مارس 2020

لم يخبرونا شيئا .




 *



لم تقل الحيوانات شيئا قبل الكارثة. منذ عهود طويلة وهي تنبؤنا بما قبل الكارثة. تعودنا الاعتماد عليها كثيرا لإنقاذ حياتنا من الكوارث. يحكى بأن أهالي مدينة عتيقة دمرها بركان عنيف أضحوا رمادا، يقال بأنّ الحيوانات لم تخبرهم بشيء قبل الكارثة. مالذي فعلوا بها لتترك الأهالي يموتون محترقين.  

تعودنا العيش معا لعهود طويلة. تحدث بيننا مشاكل ودماء لكن كنا نتصالح مع كل ذلك. ورغم الدماء والتعذيب وفئران التجارب كانت الأمور بيننا على ما يرام. 

أتجوّل حاليا وهم ينظرون إليّ على أنّي آخر نوع من جنسي. لم نكن لنترك نوعا فريدا ينقرض بسهولة، صحيح نكاد نخنقه باهتمامنا. الحيوانات تدرك أثر ذلك بعمق ألهذا لم تبدي أي اهتمام بي. 

مالذي حدث؟!
حدث كل شيء دون أن ندري. لم تكن لتنهار الثقة بيننا لهذا الحد بسهولة. كان ذلك الشيء يفتك بنا. ظلت الحيوانات هادئة. شعرت بعض الحيوانات المستأنسة بالوحدة، لكنها لم تكن لتخون بني جنسها من أجلنا، وفي تلك الساعة بالذات. كان مباغتا، مثل قرار تم اتخاذه بعيدا عن معرفتنا. 

الحياة هادئة، لا أدري ان كان قد تم الإبقاء عليّ عمدا، أم أني مثل البقية في عداد الأموات. أشعر بالوحدة، هل يمكن أن ألتقي بأحد منهم؟ إن كنت حيّا، لا أمل. وإن كنت ميّتا لمَ لا ألتقي بالجميع؟! كنت أتصوّر بأنّنا نملك مالا تملكه الحيوانات (الحياة بعد الممات). 

لا أجرؤ على افزاع الحيوانات بعد الآن. لكن عدم اكتراثها يقلقني؛ لا أشعر بوجودي. لا أدري إن كنت حيّا أو ميّتا. أذكر أني آمنت من كل قلبي أني سألتقي بأحدهم يوما ما. في حياة أخرى. بهذا وعدته، لا زلت أشعر بحرارة هذا الوعد في قلبي. لا زلت حيّا، لكني أقترب منه.  


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


* Alexasndra Connor

الثلاثاء، 24 مارس 2020

قناع .




" سررت برؤيتك. قالوا بأنك الوحيد المخوّل باللقاء بي. إلى أي درجة أنت شخص مهم؟ وإلى أي درجة يقررون أن شخصا واحدا يمكنه أن يلتقي بي؟ أتعمل في صحيفة؟ تبحث عن قصّة جيّدة أهذا كلّ مافي الأمر؟"  

" القصص الجيّدة يمكنها أن تجعل صوتك مسموعا أكثر من حقيقة ترويها عن نفسك"

" لا أريد أن أجعلك تعود خالي الوفاض والقصص، لن يعرف أحد حقيقة ما أقول؛ فأنت ستكون آخر شخص ألتقي به. بالأحرى سُلمت لك كتابة آخر الأسطر من سيرة حياتي التي أراهن أنها ليست إلا تلك الأسطر التي ستكتبها"

" تدور في ذهني فكرة كتابة كل شيء عن حياتي أنا مستخدما اسمك. سيكون كلّ شيء مسموع لكن ضميري يلح  أن عليّ أن أكون جديرا بكوني الوحيد الذي يلتقي بك"

" أتعرف؟ تشبه الاسم المستعار الذي كنت أستخدمه. القناع الذي تضعه غريب الشكل لكن عيناك هي من تجعلني آلف وجودك وبدونها كنت سأشعر بأني فأر تجارب لكائنات غريبة أتت بعد الكارثة"

" للأسف لا يمكنني أن أكون طبيعيّا بالتعامل معك وهذا مؤلم وأتصور أنه يؤلمك أكثر. جراحنا تتشابه يمكنني أن أشعر بك طالما أني أتخيل مكانك بجرأة"  

" هل حتّم عليّ أن أكون كذلك الى الأبد؟"

" لا أحد يدري حتّى أني أشعر بالرعب من فكرة أن ذلك سيعتمد على ما سأحكيه عنك. أتدري؟ لا يمكنني أن أقرّر مصيرك وفق أي حكاية أكتبها عنك. ببساطة لا أدري كيف سيكون أثر الحكاية التي سأكتبها عنك"

" أخاف أن أقول لك كل مافي قلبي لكني أدرك أنك ستلتقط كل ما أقوله كقصة صحفيّة، لن يكترث الناس لقولي بالقصة "سأخبرك بيني وبينك" لن يوبخك أحد على سبقك الصحفي، لهذا سأحدثك لكن عن أحد أعرفه، أنا، أنت، ذاك، لايهم. بهذا يمكنني أن أفلت منك"

" لا يهم ولو أنني أقول بأنه يمكنك الوثوق بي أعرف أنه كل ماتملكه ولكن تذكر أنا الشخص الوحيد الذي ستراه وآخر شخص لك. ألا يمكنك أن تثق بي؟! الأمر جدير بالثقة رغما عن النتائج"

" هل تؤمنون بالأدعية والصلوات؟"

" نحترمها فلها عهد طويل معنا ونحن جيدون برفقتها ولا بديل عنها"

" أحدهم وبعد أن أدرك العالم أن جسده لم يعد حيّا كما كان لكنه لم يضعف بعد ليتركه ميّتا. وبعد أن فقدوا الأمل منه، بقي على قيد الحياة لفترة تكفي بأن تقنع الخبراء بأنه عاش حياة أخرى، كانوا قد استغربوا ذلك الخيط الرفيع الذي أبقاه حيّا لمدة"  

" ماكان ذلك الخيط؟ أكانت أدعية وصلوات؟"

" تلك حكاية ستعجب الكثيرين ولو قلت بأنّ الحب هو ذلك الخيط لأعجبتكم أكثر. لك أن تكتب القصة التي ستعجبك. هل يعني أن أقول ماهو ذلك الخيط أم أنك تود رؤية ما يناسب القصة التي ستكتبها للناس؟"

" يمكنني أن أخمن ما كان ذلك الخيط، هل انقطع؟"

" أنت تدري .."

" لنبقي قصة الخيط عند هذا الحد"

" لأعترف بأنك صنعت بي مالم تصنعه كل الحقن حولي. يبدو أنك شخص مُعتبر ومهم لهذا أنت هنا ولهذا أنت صنعت لي أملا لا أدري ما الجدوى منه، لكن الحديث معك يشفي كثيرا. أطلب لقاء الكثيرين لم يكن أحد يصغي إليّ. كان الأكل يأتيني من تلقاء نفسه، لهذه الدرجة لم أشعر بمن يجيء به. أنت كل ماشعرت به منذ فترة طويلة يا ذا القناع، وجهك أجمل شيء بالوجود"

" ليت لي أن أقترب أكثر منك رغم المنع، على كل حال ماكنت لأكون عندك لو فكّرت بذلك. أكره أن يعرف الناس ما سأفعله بكل ثقة يعرفون أنني سأفعل ذلك لأتم ثقتهم. يؤسفني أن لقاءنا المصيري تبعثر بالحديث عن أمور مبعثرة. كنت سآتي لأسمع قصتك وحكايتك منذ ولادتك الثانية. منذ أن أعتبرت خطرا على الوجود ولا يمكن الاقتراب منك"

" عزيزي، أكتب ماتود قوله سأصدق حكايتك بنفسي. أنا ممتن لك. تخيّل كيف ستكون حياتي بدونك؟ ليس بفضل القصة التي سترويها وستعجب الآخرين. بل لأنك وُجدت. لا يمكنني تخيّل ذلك أو أن أقول لك الى أي حدّ كان وقع ذلك في حياتي. هل أنا أحبك؟! لا أدري بعد لكني سأمضي ما تبقّى من حياتي - حتّى تقررون- وأنا أحاول تفسير ذلك"   

" لم أفعل شيئا من أجلك، حتّى أني -ويا لمرارة شعوري- لا أدري مالذي ستنجم عنه قصتي التي سأكتبها عنك"

" أتدري إلى حدّ أنا ممتن للقناع الذي ترتديه؟"

" إلى أي حد؟"

" إلى الحد الذي يمكنني أن أتخيّل الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا أنت"


دمعت عينا الزائر، لم يعد قادرا على قول أي شيء حرفيّا. كان القناع مزعج لدرجة أنه يخنق الأصوات، يصعب تمييز الصوت من خلفه. بدأ قلب المعزول يرجف، لا توجد عيون كثيرة يمكنها أن تبكي له. كما أنه لا يوجد من بين مليارات البشر من هو قادر على فعل كل شيء للوصول اليه سوى أحدهم. خشي أن ينزع القناع، لا يمكنه فعل ذلك؛ حذر الخبراء من أن أدنى اقتراب طبيعي منه يمكن أن يكون كارثيّا ومميتا للغاية. المعزول بدأ قلبه يرجف أكثر وهو ينتظر الشخص الذي يرتدي القناع. لو نزعه عن نفسه لعرّض حياته للخطر، بل لفقد حياته حتما. كان ينتظر وهو يدرك من كلّ قلبه أن الشخص الذي كان سيفعل كل شيء ليصل إليه قادر على نزع مثل هذا القناع وأكثر. الأمر الذي كان سيعني موته أو انقطاع ذلك الخيط الرفيع الذي يتعلّق به. 

الجمعة، 13 مارس 2020

ضحية .





كان الصوت يرعبه قليلا، صوت هتاف يحيط به. كأن الهتافات تناديه. لا يدري، الخوف جعله لا يدري للأبد.

الفراغ من خلفه يدفعه نحو الستار، حيث ينتظره الجميع خلف الستار. قدماه تعجز عن حمله وأخذه اليهم. هي أثقل من دفع الفراغ. قلبه يرجف بين ذلك كله.

تذكر عدد الأشخاص الذين ينتظرون ظهوره. ما الذي عليه فعله لا أحد من حوله يخبره.

رغم الإضاءة، الظلام حالك حوله. ما من نور ينعكس على وجه أحد لينير عينيه. مكان واسع فارغ. أرضيّة خشبيّة -وقع الخطوات يوحي بذلك- . اللون القاتم يغلب على المكان وكل الأثاث من أجل استخدام محدّد. شعر بأن وجوده خطأ مالم يكن من أجل استخدام محدّد.



قبل الخروج إليهم، من خلف الستار بدأ يشعر بأنّ الهتافات تزداد، ولج فجأة.
 " أحدهم دفعني من الخلف" - هذا ما قاله لاحقا 

"لم يدفعك أحد، أنت أتيت بنفسك"- وهذا ما قيل لاحقا له

 قشعريرة أصابت جلده، رعشة باردة أكملت مشهد تصبّب العرق على وجهه.

 لم يدر ما يفعل، الهتافات سكتت "يعني أن أقول شيئا؟" - هذا ما قاله في نفسه 

"كل شيء على ما يرام" رنّ هذا الكلام في أذنه، كان قد سمعه من قبل ولا يدري متى. 

وجد يده تخرج ورقة من جيبه! تملي عليه ما عليه فعله وقوله. أخرجها، بدأ يرتعش "هل يسمح لي ذلك؟" تبادر هذا السؤال الى ذهنه.

 انتظر حدوث كسر في حالة الصمت هذه، توحي بأن خطأ ما قد حدث وقد تكون يده أو الورقة. لا شيء حدث، بدأ بفتحها، بالكاد قرأ ما في داخلها. وميض الإضاءة المحدقة تزعجه، يشعر بوجود عدد كبير حوله وكلهم ينتظرون. يكمل قراءة الورقة التي تقول: " تقدم إلى "k"  وقل له:  ....! " بدأت المعالم حوله تظهر أكثر. 

أشخاص ظهروا، بدأ يتذكرهم، يبدو أنه قد دارت بينه وبينهم بضع ورقات في الجيب سابقا. الكل متحفّز ينتظر دوره والآن دوره، لا وقت ليسأل ما الحدث؟ عرف أن عليه أن يسير نحوها ويقول لها ما في الورقة. الكلام لا يمكن قوله لابد وأن الكلام لم يكن ليخرج منه في الواقع، بدأ يتذكّر بأن كلّ ما عليه هو أن يؤدي دورا أنيط به وينتهي كلّ شيء ليعود أخيرا إلى نفسه. تقدم وقالها وبدرت من  "k" التفاتة كسرت رتم المكان و أحدثت خرقا في قلبه، كأنه جاء من شيء اندفع من مكان بعيد من الخلف. 

غمغمة بدأت تعلو ومن ثمّ  تلاشت تدريجيّا ليحل محلها، صوت همسات خافت يريب القلب.       

 الأنظار التي يشعر بها تكاد تنهشه. يدرك أن عليه إكمال دوره، للتو تذكّر ما عليه القيام به. ينقضّ بالكلام على "k" دون أن يجد ورقة في جيبه. تعلو الغمغمات فجأة. يخرّ "k" ساقطا وينهض الجميع ليرى ... 

  "ما كان عليه فعل ذلك" أحدهم قال ذلك بصوت مسموع. 

وقف مشدوها، "ما الذي فعلتُه؟" يلتفت قلقا إن كان أحدهم قد سمع ما قاله في نفسه، لم يسمعه أحد.

 "أكل شيء طبيعيّ؟" يسأل نفسه، أيضا تأكد بطمأنينة، لم يسمعه أحد.

 إلا أن الجميع بدأ يقترب منه، وآخرين يحاولون الاطمئنان على "k" الذي يتعرف عليه أخيرا ويتعرف بعدها على ما تبقّى من ذاكرته التي كشف الستار عنها ويدرك كل ما قترفت يداه دون أن يدري. الأعين تكاد تطعنه. وقلبه يسقط في حفرة داخل جوفه، يكاد يسقط هو فيها مع قلبه. 

الأيدي تهزّه والكل يحاصره، يحاول جاهدا القول بأنه لم يفعل ذلك، أو لم يفعلها بإرادته، وأصعب من ذلك محاولة القول بأنه كان يلعب دور الضحيّة الذي أرغب به، أو أنه لم يكن دورا بل كان فعلا كذلك. تخلى الجميع عنه، حتى الورقة في جيبه سقطت وتخلّت عنه.