الثلاثاء، 9 سبتمبر 2025
الجمعة، 21 مارس 2025
أندريه روبليف وتاركوفسكي: همس الفن وسط ضجيج التاريخ
"السينما فنّ صعب وجاد للغاية، يتطلب التضحية بالنفس"
(أندريه تاركوفسكي)
يبدو أن للمخرج الكثير مما يودّ قوله، وأن كل مشهد ليس لحظة عابرة تمرّ دون أن تقول الكثير من الأمور الجديّة. في عالم تاركوفسكي، كل لقطة تحمل عبئًا من التأمل، وكل حركة كاميرا هي محاولة للغوص والبحث عن معنى وراء ما هو ظاهر.
عمق بالمعاني، رغم عبء الملل
أندريه تاركوفسكي، ربما يكون أكثر مخرج يتحدث محبّوه بشغف عن محاولاتهم لفهم أعماله. ورغم أن مشاهده الآسرة بصريّا وزوايا تصويره الفريدة هي أكثر ما يعلق في الذاكرة، إلا أن الحديث عنه غالبًا ما يتمحور حول المعاني التي تحملها أفلامه وشاعريتها أكثر من جمالياتها الفنيّة. أما أبرز الانتقادات التي تُوجَّه إلى أعماله، فهي بطء إيقاعها، وافتقارها إلى الأحداث المشوّقة، والإكثار من المشاهد المطوّلة والمعقّدة. ومع ذلك، حتى لمن لم تستهويه أعماله، يصعب تجاهل ما تحمله من معاني عميقة تستحق التأمل، وإن أصابتك بالملل. إضافة الى أن طبيعة أفلامه تفرض هذا الأسلوب الفني، حيث يُبنى السرد على الإيقاع المتأمل بدلًا من السرد التقليدي. لهذا أعدت مشاهدة ما اعتبرته أكثر أفلامه قابليّة للفهم.
أندريه، عن أندريه الرسّام
فيلم "اندريه روبليف"، 1966م. أكثر فيلم يمكن فهمه بعمق للمخرج، كونه يتحدث عن أشهر رسام في التاريخ الروسي، ويعكس سياقًا تاريخيًا متقاطعًا مع الفن، بالإضافة الى سهولة القصّة وتسلسل أحداثها مقارنة بباقي أفلامه. تاركوفسكي الذي يبدو من خلال صوره وآرائه، إنسانا لطيفا وهادئا، عاش في واحدة من أحلك فترات التاريخ الروسي (1932-1986). أفلامه تحمل طباعه، لا تبدو صاخبة وعنيفة حتى في أكثر مشاهدها قسوة. أيضا أندريه روبليف عاش في واحدة من الفترات الحالكة في التاريخ الروسي (1360-1430). الفيلم، المصوَّر بالأبيض والأسود، ليس مجرد تتبع لسيرة حياته، إذ لا تظهر أعماله إلا في المشاهد الختامية، حين يتحول التصوير إلى الألوان، كاشفًا تفاصيل لوحاته والتشققات التي أحدثها الزمن.
الفيلم يتكوّن من حكايات قصيرة، تجري عبر فترات وأماكن متفرّقة، يشهدها روبليف ويتفاعل مع شخصيات مختلفة بظروف ذلك الزمان، لهذا يمكن اعتبار الفيلم من احدى جوانبه قطعة وثائقيّة، نرى: الوثنيّين، الرهبان، التتار، الأمراء، الفقراء، المهرجين، الفنانين، بمسرح روسيا الشاسعة جغرافيّا. لكن تاركو لا يوضّح كثيرا في أفلامه؛ بالكاد تدرك تفاصيل الأحداث وأحيانا تفاجأ بسرعة تنقلاته الزمنيّة وكأن الكاميرا تترك مشاهدا مهمّة خلفها، لأن المخرج انتهى من التقاط القبس الذي يبغيه من الحدث.
روبليف لا يتحدث كثيرًا في الفيلم، ونادرًا ما نراه يرسم! بخلاف أفلام أخرى عن: فان جوخ، جويا، مونش، بيكاسو، كانت هنالك مشاهد تفصيليّة عن الرسم، يبدو أن كاميرا تاركوفسكي اختارت أن تسند ظهرها على أعمال روبليف بدلا من التركيز عليها. هيئة روبليف بالفيلم تبدو متسائلة، من أنا وما لذي يمكنني فعله؟ في هذا المحيط الموحش بفرشاة رسم بالكاد أظهرها تاركوفسكي. هل كان لروبليف في ذلك الوقت أن يقول شيئا بالأصل؟ آنذاك، كان الفنّ يُعامل كحرفة، شأنه شأن النجارة وغيرها. فهل نعرف اليوم من هو أعظم نجّار في التاريخ؟ لا! لأن النجارة لم تكن تُعامل كإبداع شخصي، بل كحرفة وظيفية، وكذلك كان الرسم. ولا نعرف أصحاب الكثير من الرسومات؛ لم يكن للفنّان ذاتا معتبرة تضع توقيعها على الأعمال، غالبا ما كانت الأعمال تنسب الى ورشة أو معمل يقوم عليها معلّم ما، فينسب العمل الى "معلّم مدينة [س]" دون ذكر أسماء الفنانين الحقيقيين. لماذا اختار تاركوفسكي الرسام روبليف، الذي لا يعرف التاريخ الكثيرعنه، وجلّ أعماله -القليلة أصلا- على الجدران؟ ولم يرد اسمه في الكتاب الشهير لجومبريتش، "قصة الفن"، الذي يمتدّ لأكثر من (600) صفحة.
ما لذي كان يحاول رسمه بالفيلم؟
لفهم ذلك، لا بد من الربط بين أحداث الفيلم والمكانة الرمزية التي يحتلها روبليف في أذهان الروس والفنّ الروسي خاصة، وطبيعة الأعمال الفنية في ذلك العصر، كانت تُنفَّذ كمشاريع كبيرة تستغرق سنوات من عمر الفنان، قد يموت الفنان دون اكمالها. وأحيانا تكون ضمن مشروع انشائيّ ضخم، لكنيسة أو دير، كانت هذه المشاريع توازي ما نطلق عليه اليوم Mega Projects بالنسبة لحرفيّ، حيث يكون مجرد ترس في آلة ضخمة، يخضع لسلطة الرعاة والممولين، ولا يُمنح سوى هامش ضئيل من الحرية الشخصية. في تلك الحقبة التي لم يكن يُنظر إلى الرسام باعتباره شخصية ذات شأن أو تأثير (وذلك قبل العصر الذي بدأ فيه الفنانون يحظون بالاعتبار والتقدير، كما حدث مع مايكل أنجلو وأعماله الجدارية)، ما لذي يمكن لفنّان مثل روبليف فعله وقوله من خلال مشروعه، كما يمكننا أن نتساءل في خضمّ الرقابة الرهيبة والفكر الشيوعيّ الذي يلغي ذاتيّة الفرد، ما لذي يمكن لتاركوفسكي فعله وقوله في مشاريعه؟ ونحن نعلم أن الفيلم نفسه، تعرّض لمضايقات رقابيّة.
في مشهد الجرس، يدعي صبيّ أن والده علمه سرّ صناعة الأجراس ويوهم الناس الذين كلّفوا رسميّا بصناعة جرس ضخم للمبنى الكنسيّ بذلك. هنا تتجلى روعة تاركوفسكي، مشهد حافل بالحياة والعشوائيّة، جمع من الناس والفوضى والجهد المضنيّ وعبر جميع الفصول يتدافعون لصنع ذلك الجرس الذي يقوم على كذبة قد تودي بحياتهم إن كُشفت، جهدت كاميرا تاركوفسكي لإظهار أن الجرس المعدني المهيب ذو الصوت الرخيم الذي نسمعه من بعيد ويثير إعجابنا، يخفي وراءه قصة من العرق والدم ومن البرد القارس والنار الملتهبة. ينجح المشروع، ينجو الصبيّ بكذبته، لكنه ينهار باكيًا في حضن روبليف، كأن العبء الذي حمله يفوق طاقته. لقد أوجد شيئًا منح الناس الفرح والمعنى في زمن بدت فيه الحياة خاوية من أي معنى. كان النجاح ثمرة الإيمان الجماعي والشغف، حتى لو بدأ الأمر بكذبة. والفنّ قد يبدأ بكذبة موهمة ويحقّق معنى لا نفهمه. إذا كان الصبي قد خلق وهما أصبح حقيقة، فهل احتاج تاركوفسكي يوما لمثل تلك الكذبة؟
" لقد شعرت طوال الوقت أنه لينجح الفيلم، يجب أن يملأني نسيج المشاهد والمناظر الطبيعيّة بذكريات محددة وروابط شاعريّة"
(تاركوفسكي)
مشاهد تاركوفسكي المطولة كثيرة بالفيلم، أحيانا تتخيله يلتقط كاميراته بعيدا عن فريق الإنتاج ويلقي بها في زاوية مهملة أبطالها، أعشاب ومياه وحشرات وهواء طبيعي. في مشاهده البانورامية والجماعية، مثل مشهد الجرس، لا يسعى تاركوفسكي إلى الدقة الفنية المتقنة التي نجدها في أفلام هوليوود، حيث تُدار الحشود بمهارة وحساب دقيق لكل حركة. على العكس، تبدو مشاهد تاركوفسكي وكأنها التقطت بالصدفة، كأن الجمع الغفير من الناس لا يدرك وجود الكاميرا التي تصوّرهم. قد لا يتميّز هذا الأسلوب بالإتقان الفني بمعناه التقليدي، لكنه يعوّض ذلك بعمق عفويّ يلامس الحقيقة، حيث يصبح كل شيء أقرب إلى التوثيق الحقيقيّ منه إلى التمثيل المستعار. توثيق يلمس شاعريّة اللحظة.
إليك، قبل وبعد خمسة قرون
ما صنعه روبليف كان بحق معجزة؛ فمن بقعة صعبة تاريخيًا وجغرافيًا، استطاع أن يخلّف إرثًا استمرّ لأكثر من خمسة قرون. والذي احتفى الفيلم به، بمشهد يظهر لوحاته الجداريّة بمشاهد ملوّنة تبرز تشققاتها الزمنيّة. رغم الزمن والظروف والقيود كان للفنّ تلك القدرة على ايصال صوت وإن لم نفهمه كليّا، لكنه صوت سحيق واصل من الأعماق عبر كل الظروف. لروبليف رمزيّة خاصة لدى الروس بالذات، لهذا وإن لم يذكر في كتاب مثل "تاريخ الفنّ"، فإنه يظل بالنسبة للروس فنانهم الأعظم عبر التاريخ.
الأربعاء، 14 فبراير 2024
روبوتات مريبة بالأنمي والأفلام
أول مرة ذكرت فيها كلمة "روبوت" كانت في مسرحية الصربي كارل تشابك "إنسان روسوم الآلي" عام 1921م وللبحث أحفوريّا عن أصل الكلمة نقرأ في القواميس:
from Czech, from robota ‘forced labor.’ The term was coined in K. Čapek's play R.U.R. ‘Rossum's Universal Robots’ (1920).
بعبارة أخرى تعني "عبد"
هل كان تشابيك أوّل شخص ألمح الى ذلك؟ لا؛ لدينا رواية ماري شيلي "فرانكنشتاين" 1818م، الكائن الذي أعيد تجميع أعضائه من جثث الموتى وأعيد احياؤه. كائن من صنع بشريّ! كان الأدب غالبا الأسبق في استشراف المستقبل من العلم الذي يفتقد كثيرا للخيال. فقد عبر انشتين بأن الخيال أهم من المعرفة كونه لامحدود بخلاف المعرفة.
من صدقت تنباؤته حول عالم القرن العشرين والواحد وعشرين قبل قرون؟ العلماء أم الأدباء؟ سؤال يحتاج لموضوع آخر للإجابة عليه.
الأدباء حذّروا بالسابق وحاليّا العلماء يحذّرون!
الخبر: روبوت يهاجم أحد المهندسين العاملين في شركة تسلا والشركة تنفي ذلك. قام بغرس مخالبه المعدنيّة على ظهره.
هذا خبر صحيح وليس اقتباسا من فيلم. مع اطلاق Chat GBT بدأت التحذيرات تصدر من أفواه العلماء المطورين أنفسهم. الموضوع بدأ يأخذ منحى أكثر جديّة وقد تتجلّى أمامنا حوادث كالتي حصلت في مختلف الأعمال الأدبيّة والأفلام والانميّات التي عرفناها ومنها فيلم I,Robot (2004) أو إنمي ناوكي أوراساوا Pluto على سبيل المثال. إذ تمتلئ أعمال السينما والإنمي بمثل هذه التنبّؤات وغالبا ماكانت من باب الإثارة والمتعة لكن شيئا منها حمل طابعا مقلقا كالذي يقلق العلماء هذا اليوم.
كيف رأت الأفلام والانميات عالم الروبوتات المرتبط بالذكاء الاصطناعي؟ ومن تنبأ وتناول موضوعه بصورة أفضل وأدق؟
يصعب حصر الرؤية بالأمثلة لكثرتها ولكن لنرى أمثلة أعربت عن قلقها من الذكاء الاصطناعي والروبوتات، من الانمي:
١. آلي لم يكن يعرف بأنّه رجل آلي
البطل خماسي، الحلقتين الأخيرتين من الموسم الأول، ١٩٧٦م:
" سامحيني ياميا إنني رجل آلي مثلك ياميا ليتني عرفت بذلك من قبل لكنت قبلت حبّك يا ميا"
بهذا العبارة ودّع غارودا ميا. كان يظنّ أنه كائن فضائي يقود هجوما على الأرض، صدم لأنه لم يكن يعرف حقيقة نفسه ورفض حبّ ميا لأنها آلية وبالنهاية هاجم زعيمة كوكب كامبل، من كانت توجه له الأوامر على أنها أمّه واكتشف بأنها كانت تخدعه.
٢. كمبيوتر يدرب فريق كرة قدم
من (الهدّاف)، الحلقة ١٣، ١٩٨٣م:
فريق البرق يستخدم أجهزة كمبيوتر متصلة ببعضها ليتدرب على كرة القدم بالفصول الدراسية بدلا من الملاعب. وبمساعدة أستاذهم يتلقون توجيهات الكمبيوتر الذي يحتفظ بكل البيانات عن الخصوم وطريقة التغلب عليهم أثناء المباراة بواسطة جهاز لاسلكي. لكن الفريق يهزم بعد أن لعب أمام خصم لعب بطريقة عكسية تخالف البيانات المخزنة بالكمبيوتر!
٣. كوكب آليّ.
فرسان الفضاء، ١٩٨٥م.
يرسل البشر سفينة نحو الفضاء ويصادفون الكوكب أودين الذي يرسل إليهم أجسادا آلية ونصف آلية لمحاربتهم ويكتشفون بأنّ هؤلاء كانوا نصف بشر استولى جهاز الكمبيوتر الأساسي بالكوكب المصطنع أودين على إرادتهم وباتوا تحت سيطرته! هذا الانقلاب يذكرنا بفيلم I, Robot (2004).
٤. عصر يهتم بحقوق الآليين
بلوتو، ٢٠٠٣م:
لقد جعل ناوكي من هذا العمل موسوعة لكلّ التصوّرات الممكنة عن الذكاء الصناعي، آليون يعيشون جنبا الى جنب مع المجتمعات البشريّة وينخرطون بمختلف الأعمال وينالون حقوقا قانونيّة بل ويصبح أي اعتداء عليهم جريمة في نظر القانون وعمل مشين في نظر المجتمع. فهم مصممون كي لايقتلوا أي انسان، لكن المفاجأة حدثت وقام آلي بقتل انسان. وبدأت سلسلة جرائم يتم ارتكابها في حقّ أكثر الآليين تطوّرا في العالم. بدأ البشر يشكّون وبدأ بعض الآليون يشكّون بأنّهم قد يمتلكون مشاعر وأحاسيس مثل البشر بطريقة ما.
ومن الأفلام:
١. The Terminator
(1984) ،(1991)
يدور حول محاولة الآليين الانقلاب على البشر واعلان الحرب عليهم، وبعد معارك مدمّرة وتأكدهم من هزيمتهم على يد أحد قادة البشر يرسل الآليون عبر الزمن آلي (سايبور مُدمّر) لقتل أمه قبل أن تلده لكن هذا الآلي يفشل ويتم تدميره. وفي الجزء الثاني يرسل الآليون سايبور آخر (مُدمّر زئبقيّ) أكثر تطوّرا هذه المرة لقتل القائد الذي كان صبيّا إلا أن سايبور استنسخه البشر من مُدمّر الجزء الأوّل يساعد الصبيّ وينقذ حياته ويتخلّص من السايبور الزئبقيّ.
٢. 2001: A Space Odyssey
(1968)
فيلم عظيم الأثر لكوبريك وأشهر أحداثه عن الذكاء الصناعي تدور حول مركبة فضائية عليها رائدي فضاء، بومان وبول بالإضافة الى ثلاثة آخرين في حالة تنويم. يساعدهم بإدارة المركبة كمبيوتر متطوّر يتحدث مثل البشر ويتلقّى الأوامر شفهيّا ويجيب على الاسئلة واسمه "هال" كان كلّ شيء طبيعيّ حتّى أعلن هال عن وجود عطل ليتفحّص أحد الرواد العطل وليجد كلّ شيء طبيعي وظنّ أن هال أخطأ إلا أن هال يدافع عن نفسه وبدأت الشكوك حول تصرفات هال تزداد لينفرد رائديّ الفضاء في غرفة ويبدؤون بالحديث والتفكير بتعطيل هال المثير للريبة إلا أن هال يقرأ شفاههم ويدرك المؤامرة ليتسبب لاحقا بموت بول وليفصل الاوكسجين عن الرواد المنوّمين ليموتوا جميعا إلا أن بومان يتمكن أخيرا من تعطيل هال (اطفائه/قتله) على وقع كلمات هال الراجية لثني بومان عن فعلته.
٣. I, Robot
(2004)
يصنع البشر رجال آليين كخدم ومساعدين لكن التحقيقات حول قضية قتل أحد العلماء واتهام رجل آلي بقتله تثير الشكوك والقلق حولهم من قبل شرطي يكره الرجال الآليين ويتبين مع التحقيقات وجود عقل مدبّر يعمل بالخفاء وهو كمبيوتر مركزيّ في المصنع الرئيسي بدأ يطوّر طريقة للسيطرة على باقي الآليين والتحكّم للقضاء أخيرا على البشر.
بنظرة عامة:
في الانميات نجد روبوتات آلية لها أسماء لطيفة كالتي تعطى للحيوانات الأليفة مثل روبوتان وأليكترو وغيرهم في حين تميل الأفلام للريبة ويكتسب وجودها طابع التهديد ولايشكّل الذكاء الاصطناعي بالانميات غالبا موضوعا بحدّ ذاته تتمحور حوله القصة بل جزء عرضيّ متروك لسعة المخيلة بدون فرضيات ومخاوف محتملة.
أكثر مايخيفنا ذكاء اصطناعي يسعى للقضاء على البشر، تكرر ذلك بالأفلام ومرّ علينا بإنمي "فرسان الفضاء" يظهر ذلك بقدرته على التطوّر تلقائيّا وهي بذرة لأغلب مخاوفنا من الذكاء الاصطناعي. الخيال في الانمي كان أكثر تحليقا للخارج ونظرت إليه من بعيد في حين تعمّقت الأفلام داخل هذا العالم باستكشاف وقلق. في Pluto -أكثر عمل شامل عن عالم الذكاء الاصطناعي- عندما شعر العالم بالتهديد لم يوجه أصابع الاتهام للذكاء الاصطناعي بل الى البشر كسبب أساسيّ لكل ذلك، مردّ ذلك ربّما لأن العمل تعامل بأنسنة نسبيّة مع الذكاء الاصطناعي ولايغيب عن بالنا مشروع كوبريك، الفيلم الذي أخرجه سبيلسبرغ A.I. Artificial Intelligence (2001) والذي صنع مزجه لمسألة مستقبل البشريّة الغامض مع الذكاء الاصطناعي والماضي الممزوج بالخرافات أثرا عميقا بأنسنة الذكاء الاصطناعي.
ويأتي سؤال: هل ينظر الانسان الى تهديد الذكاء الاصطناعي بقلق حقيقي أم بقلق فضوليّ وخيالي يشبه قلقنا من وجود غزاة يأتون يوما من الفضاء؟ ما يمكن اعتباره خرافة الانسان الحديث حول مخلوقات اسطوريّة من الفضاء وهي امتداد لخرافاتنا القديمة حول مخلوقات أسطورية صنعتها مخيلتنا. مع الانتباه الى أن القلق هذه المرة يأتي من كائن صنعناه بأيدينا.
الاثنين، 4 ديسمبر 2023
كيف يمكن عمل فيلم مثالي عن نابليون؟
شخصية تشبه الاسكندر المقدوني ويوليوس قيصر مجمع على عظمتها ويصعب الحكم عليها.لا نجد صعوبة في الحكم على هتلر وستالين أو جنكيزخان ورغم أن نابليون يشبه الدكتاتوريين والطغاة بجوانب كثيرة إلا أنه نادرا ما تطلق عليه هذه الصفات بصورة مطلقة. كأنّ التاريخ قام بعمل مونتاج لسيرته وتحاشى تشويه حكايته بالحقائق ليقتصر على الجانب المشرق من عظمته، سمة فعلها التاريخ لأشخاص نادرين.
هل انتاج فيلم بسرديّة تعظيميّة مشابهة لفيلم أبيل غانس (1927م) وبمدة ٦ ساعات تقريبا عمل مثاليّ؟.
بسيرته الكثير مما يمكن الحديث عنه وما يمكن كشفه والتركيز عليه كمّ هائل من العناصر التي نجدها في القصص والكتب واللوحات الفنيّة عنه. انتقاؤها في فيلم يحتاج لانتقائيّة ابداعيّة، كان يمكن أن تكون بصورتها الأكمل بمشروع كوبريك الذي توفّي قبل اتمامه ويمكن فهم سبب بقاء المشروع في ظلّ المسودّات والأفكار والمفاوضات سنين طويلة. الآن لدينا فيلم ريدلي سكوت بطولة خواكين فينيكس ولا أدري كيف سيكون.
الأمر أشبه بمحاولة رسام اختزال نابليون في لوحة، أي زمن سيختار؟، على أنّ اللوحة ليست إلا قطعة متوقّفة من الزمن إلا أنها قادرة على اعطاء صورة مجملة عنه ربما أكثر من فيلم يدوم لساعات؛ فالمدة ليست دائما في صالح الأفلام. هل تستطيع البوسترات تصوير ما تصوّره اللوحات؟ في أحد بوسترات فيلم سكوت نجد فينيكس جالسا بوضعيّة تشبه لوحة الرسام الفرنسي ديلاروش المرسومة عام (١٨٤٠م) بعنوان "نابليون في فونتينبلو في ٣١ مارس ١٨١٤" بعد هزيمته الأولى من الحلفاء. بالبوستر يرتدي قبّعة ويبدو أقلّ بدانة وتعابيره مختلفة؛ بدا جديّا ومتجهّما في حين كان اليأس والغضب واضحين عليه في اللوحة، وعلى الجدار نجد توقيع نابليون باللون الأحمر.
وانتهي بتساؤل: كيف سيبدو الفيلم المثاليّ عن نابليون؟
لوحة ديلاروش
لوحة جاك لويس دافيدز "نابليون عابرا الألب" (١٨٠١م)، لعلها أشهر لوحة لنابليون.
السبت، 15 أبريل 2023
كل شيء هادئ على الجبهة الغربيّة.
All Quiet on the Western Front
"كل شيء هادئ على الجبهة الغربيّة"
عنوان رواية جسّدت في عدة أفلام سينمائيّة، للألماني إريش ماريا ريمارك، الذي شارك في الحرب العالميّة الأولى بالجبهة الغربيّة (1914-1918). من بين مئات الروايات والقصص التي روت مختلف الحروب ، كانت لروايات هذه الحرب مكانة خاصة بالذاكرة البشريّة. لمَ يبدو الحديث مختلفا عن هذه الحرب بجبهتها الغربيّة؟
قبل هذه الحرب
من بعد حرب 1871م، دخلت الدول الأوروبيّة سباقا للتسلّح حتّى بدأت الحرب 1914م. الجيوش أصبحت متخمة بالاستعدادات، وعلى الجبهات أعداد مليونيه لم يحشد البشر مثلها من قبل، استعدادا للمذبحة. الأسلحة صبحت أشدّ فتكا، بما فيها الأسلحة الكيميائيّة، والتي تركت أثرا بذاكرة الجنود، قال أحدهم "أتذكّر المشاهد الفظيعة في المستشفى العسكري حيث يرقد ضحايا الغاز مختنقين أياما بطولها وهم يتقيؤون قطعا من رئاتهم المحروقة"[١]، كانت هذه الأسلحة على استعداد تام لحصد أكبر عدد ممكن من البشر.
الفيلم الألماني
ما الذي حدث في الجبهة الغربيّة بالذات؟
تحدّث الفيلم الألماني All Quiet on the Western Front (2022) (المشتق من الرواية) عن هذه الجبهة، وكذلك فيلم كوبريك Path of Glory (1957).
بعد تجمّد الجبهة، بدأت الجيوش بحفر الخنادق وإنشاء التحصينات التي كبرت مع الحرب، جيوشا كاملة اختبأت بالخنادق. لم يعد الوقت يمضي، وملئ الجنود بالرعب والخوف والترقّب. شاهدوا الموت بالحركة البطيئة، شيء لا يشبه ما تصوره الأفلام من انفجارات مفاجئة وتطاير أشلاء البشر؛ في المشهد ترى الأجساد بعد تطايرها ساكنة وجامدة، لكن الجنود شاهدوا تساقط الأشلاء الملطخة بالدماء والطين وهي تتحرك وتصرخ، لا يستطيع المخرجون والكتّاب تصوير كلّ ذلك الصراخ والدماء، وروائح الموت المخيفة؛ "الرجل الذي لم يفهم بلحمه ودمه لا يستطيع أن يتكلم عنها"[٢].
وصوت المدافع المرعب والمرتبط بتطاير الأشلاء كان سببا بتسجيل حالات كثيرة من الصرع والأمراض النفسيّة؛ كان العلماء قد بدؤوا بدراسة مثل تلك الحالات قبل الحرب، ألقت الحرب عليهم سيلا لا ينتهي ممن أصيبوا بتلك الأعراض الغريبة، عولجت حالات بالصعق الكهربائي "كانت الحرب قد أنمت بالفعل في المانيا كما في بلدان الغرب الأوروبي الاهتمام بالتحليل النفسي فمعاينة أعصبة الحرب فتحت عيون الأطباء أخيرا على أهمية المنشأ النفسي للاضطرابات العصابية"[٣]
بسبب طبيعة الحرب التي خنقتها الخنادق، شاهد الجنود موت رفقائهم دون مواجهة، ما شكّل حملا ثقيلا على ذاكرتهم. الأرض المشوّهة بالخنادق وحفر القذائف كانت كافية لترك انطباع لا يُنسى "ما زلت عاجزا عن العثور على الكلمة أو الصورة التي تعبر عن فظاعة هذا الخراب ، لا شيء يشبهه على وجه الأرض، ولا يمكن أن يوجد مثيل له تبقى الصحراء صحراء دائما، ولكن الصحراء التي تخبرك طوال الوقت أنها لم تكن صحراء من قبل أمر مقرف، تلك هي الحكاية التي ترويها جذوع الأشجار السوداء المبتورة التي لا تزال قائمة حيث كانت القرى من قبل"[٤].
عبث الحرب في وجه البطولات
سلاح الفرسان، الذي كان يمثّل الطبقة العليا بالجيش، وانتسب اليه العديد من أبناء الأسر المرموقة أصبح بلا فائدة. بوجه الخنادق والرشاشات. " لقد عدونا بخيولنا هنا وهناك مثل الأرانب أمام خط من المدافع وكان الرجال والخيول يتساقطون في كل الاتجاهات، أنفقنا معظم الوقت في تفادي الخيول" هذا ما قاله فرانسيس جرانفيل[٥]. بهذه الطريقة، كان تحطّم رمزيّة هذا السلاح محبطا. طبيعة الحرب قلّلت من دور الشجاعة في المعارك، الشجعان خامدون بالخنادق. لم يكن هنالك وزن ملموس للإتقان في هذه الحرب، كل ما كانت تحتاجه أشخاص يرتدون بدلة عسكريّة وينفذون الأوامر، بلا مهارة وإتقان بخلاف الحرب العالميّة الثانية، (في الحرب العالميّة الثانية مُنح الطيار هانز أولريش رودل "وسام فارس الصليب الحديدي مع أوراق البلوط الذهبيّة والسيوف والماس" لتدميره أكثر من 500 دبابة وعشرات السفن والقوارب والمعدات) حتّى مثل هذه القصص البطولية لم ممكنة بالحرب العالميّة الأولى.
عبثيّة الحرب
ببداية الفيلم، مشهد للألمان وهم يجردون الجثث من الملابس العسكريّة، ليتم غسلها وخياطة ما تمزّق منها، لإلباسها أفواجا أخرى من المجنّدين، أحيانا دون الحصول على وقت كافي لانتزاع أسماء المقتولين. كذلك عدد من الوحدات أبيدت، حملت اسما ورقما، لمجندين مدنيين من مناطق محدّدة من الطبقة الوسطى، نسبة كبيرة من الجنود المحترفين (الرسميين) قتلوا أو أصيبوا، وأصبحت الجيوش بغالبها من المتطوعين المدنيين، والكثير منهم حملوا السلاح لأول مرة. معدّل أعمار الجنود بدأ ينخفض. ما شكّل عبئا على الدول. لم يكن على الجبهات قادة عباقرة يحسمون الموقف، ولا أسلحة سريعة تنهي كلّ ذلك سريعا كعمليّة قتل رحيم.
كانت الخنادق حصينة للغاية؛ حُصدت آلاف الأرواح بسهولة، في سبيل مدّ سيطرتهم بضعة سينتمترات على الخريطة. على الخريطة بدت الكيلومترات سهلة، لكنها تطلبت بالواقع بساطا من جثث الجنود. ما يخلق مشهدا أشبه بالكوميديا السوداء؛ جنرالات متعطشين للانتصارات والأوسمة، ينعمون بأفخم الأطعمة وأنظف الأماكن برفقة السياسيين والصحفيين، يستنفذون برعونة أرواح المجنّدين، (ركّز فيلم كوبريك على هذا الجانب كثيرا لدرجة أنه أحدث ضجّة في فرنسا).
وبعد أن يجعلك الفيلم الألماني تتعرف وتتعلّق بحكاية الشخصيّة الأساسيّة بالفيلم، تشاهده وهو يموت بمعركة عبثيّة أخرى، في آخر يوم وأثناء مفاوضات الاستسلام، أحد الجنرالات وبسبب حنقه العبثي يرسل ما تبقّى من حطام جنوده الى الجبهة بتلك اللحظة! لا لشيء إلا ليرضي فكرة تأزّ في رأسه المليء بتأثير الكحول. يساق الجنود اليائسون مدركين أن بلدهم أعلن استسلامه ولم يتبقّى على وقف اطلاق النار إلا أقل من ساعة، لكن قائدهم من مقره المريح يصرّ على ارسالهم. يهجمون بيأس، ويموت الكثير، بالنسبة لك ليسوا إلا كومبارس لكن الشخصيّة الأساسيّة يموت معهم، تشعر بحسرة، وبمقدار ما نالته الشخصيّة من تعاطفك خلال مشاهدتك، تدرك أن من مات من الكومبارس بهذه الطريقة كان يعني الكثير لأحدهم.
عودة المجندين بعد الحرب
حكى الجنود تجاربهم بعد الحرب لعائلاتهم، والأدباء منهم لقرّائهم والرسامون لمعجبيهم. كانت حالة فريدة، من عاد كانوا بالغالب مدنيين جنّدوا بالحرب، "لم تخرج حكاية الحرب العظمى من بين صفوف الجنود العاديين، لقد جاءت من متطوّعي الطبقة الوسطى الذين أصبحوا ضباط الحرب الصغار وهو أمر مفهوم ؛ الطبقة الوسطى هي الطبقة العظمى في مجال تسجيل الذات" [٦] وهذا ما جعل وقع حكاياتهم مختلفا.
الحرب بطيئة ومملة، خالية من نشوة الحركة والانتصارات، ليس فيها إلا الجمود والترقّب بالخنادق، يجعل وجه الموت يقترب ببطء، ذلك أتاح لهم رؤية جانب لا يكاد يرى من وجه الموت على مرّ التاريخ، "الجبهة قفص ينتظر المرء ما يحدث فيه بتوتّر" [٧].
وكذلك تعرضت ذاكرة الجنود للإصابات؛ عندما شرع الأديب روديارد كبلنغ بكتابة تاريخ عسكري عن الحرس الايرلندي بالحرب حاول تقصّي الأحداث والقصص من ذاكرة الجنود ومروياتهم، لكنه لاحظ الاختلاط الكبير في حكايتهم وامتلائها بالأخطاء "يصاب الرجال بالشك أو بالثقة الزائدة بالنفس، ويقدمون بنية حسنة تماما نسخا متناقضة عن ما حدث، المشهد المؤثر لرفيق شوّه الى حد بدا معه ميتا ينطبع على عقل المرء، ويطرد كل حدث عداه في ذلك اليوم، صدمة مستودع عتاد يُفجّر ويقلب السماء على الأرض الخالية يشوّش الذاكرة طوال نصف المعركة"[٨].
أيضا أصيب الجنود في انسانيّتهم؛ حيث حضرت السخرية في أكثر المواقف رعبا، مثل استهزاء جنود انجليز بجثة جندي فرنسي محترق [٩] أو عندما يقول أحدهم بكلّ بساطة " من الأفضل أن نضرب الحربة في البطن؛ لأنها لن تعلق هناك كما يحصل عندما ندفعها بالأضلاع" [١٠]
على الجانب المخالف ، الجندي الطيّب شفيك
بالجانب الآخر وعلى الجبهة الشرقيّة كان ياروسلاف هاشيك يروي حكاية "الجندي الطيّب: شفيك"، واحدة من أكثر الروايات الكوميديّة شهرة. يمكنها أن تأخذك الى أقصى اتجاه مخالف لما شعرت به برواية "لا جديد على الجبهة الغربيّة"؛ ستضحك كثيرا من دعابات ومواقف شفيك الساخرة، والتي كانت انعكاسا لما يكنّه هاشيك التشيكي/السلافي لإمبراطورية الهابسبورغ وتاريخها، البلد الذي كان على مضض يحمل جنسيّتها ويرتدي بزّتها العسكريّة، "لا شيء قد تغير منذ ذلك الحين، الذي ظهر فيه اللص فويتخ [القديس أدالبرت شفيع التشيكيين] الذي لقب بالقديس وراح يعمل قتلا وإبادة في السلاف البلطيقيين وهو يحمل السيف بيد والصليب بيد أخرى" [١١]. حتما، لم تخلوا الجبهة الشرقيّة من الكوارث، لكنها ذكرت قليلا بالرواية؛ رغم مشاركة المؤلف في تلك الجبهة. لكن هل كان بإمكان هاشيك تأليف روايته "الجندي الطيّب: شفيك" وهو يقاتل بخنادق الجبهة الغربيّة؟ لم تخلوا الجبهة الغربيّة من توصيف كوميديّ وساخر والمسألة لا تدور حول شرط وجود الموت والمآسي؛ فهي موجودة في كلّ الجبهات، لكن للجبهة الغربيّة طبيعة مختلفة. تحرك جنود الجبهة الشرقيّة لمسافات طويلة في حين تعفّن الجنود بخنادق الجبهة الغربيّة. النطاق الذي تحدثت عنه رواية هاشيك كانت خلف خطوط القتال غالبا، وبحكم توجه هاشيك الناقد، نجد حكاياته من الخطوط الخلفيّة مليئة بتفاصيل إداريّة واجتماعيّة وتاريخيّة، بعضها حقائق عرفها وبعضها تعكس وجهة نظره " كان العقيد فريدريش كراوس الذي يحمل لقبا إضافيّا هو "فون تسيلرغورت" وتسيلرغورت هذه قرية في سالزبورغ سبق لأسلافه أن سلبوها من كل شيء في القرن الثامن عشر".[١٢]
وبجانب الروائيون رسامون على الجبهة
على صعيد الروائيين، وصف الفرنسي فرديناند سيلين بروايته "سفر الى آخر الليل" الحرب على الجبهة الغربيّة من الجانب الفرنسي، و ريمارك بروايته "لا جديد عل الجبهة الغربيّة" وصف الجبهة الغربية من الجانب الالماني، وفي روايته وصف هاشيك الحرب بالجبهة الشرقيّة من الجانب الهابسبورغي (الألماني). هذا على صعيد الروائيين وماذا عن الرسامين؟
بالجبهة الغربيّة ومن الجانب الألماني، شارك عدد من الرسامين المشهورين. مات اثنين منهم، فرانز مارك و أوغست ماك. رسم مارك قبل بداية الحرب، عام 1913م لوحة تشبه ما ستراه البشريّة لاحقا من فوضى الحرب "مصير الحيوانات" ورسم أوغست ماك عام 1914م، لوحته "الوداع"، التي تصور مشاعر الكآبة التي أحاطت بالجميع بداية الحرب. أما من نجى، فقد تركت تلك الحرب أثرا بالغا بأعمالهم، ولعلّ أشدّ من رسم أهوالها الرسام أوتو ديكس، كما عكست لوحة جورج غروس "تحيّة الى أوسكار بانيتزا"، 1917م، التي تصوّر مشهد تأبين الكاتب الالماني بانيتزا، الفوضى والأجواء المشحونة في الداخل الألماني أثناء الحرب. ويمكن رؤية الأشكال المشوّهة بعد الحرب، في لوحات بيكمان وماكس أرنست. وكان كيرشنر الوحيد الذي رسم نفسه ببدلته العسكرية. أيضا اشتهرت مشاركة رسامين آخرين خارج المانيا. زار الرسام الأمريكي جون سارجنت الجبهة الغربيّة، ورسم لوحته الشهيرة "بالغاز" عام 1919م، وهي تصوّر كومة من المصابين مطروحين بالأرض، وصفّ من الواقفين أصيبوا بهجوم غازيّ. على كلّ حال يمكنك مشاهدة الفرق بين لوحة الجندي الرسام ديكس والزائر الرسام سارجنت.
"جندي جريح" ١٩٢٤ لأوتو ديكس
بماذا اختلفت عن الحرب العالميّة الثانية:
كانت الحرب العالمية الثانية حرب الصاعقة وطائرات الشتوكا وقاذفات الكاتيوشا ودبابات T-34 و التايغر واختراع الرادار وبروز الغواصات وحاملات الطائرات، حرب الآلات والابداع والسرعة والابتكار بامتياز، لم تكن حرب الجمود والانتظار الخانق في خنادق الجبهة الغربيّة وتيرة الحرب المتسارعة والمتنقّلة خفّفت من أثر التفكير والكآبة لكنها لم تخفف من الدماء والآلام بطبيعة الحال. كلّ شيء حدث بسرعة مفاجئة بما فيها سقوط فرنسا " إنه ليصعب على المرء أن يحكم بموضوعيّة ووضوح على مجرى الحرب في الجبهة الغربية خلال شهر أيار وحزيران سنة 1940؛ فإن تواتر الهزائم السريعة وعدد الأسرى الضخم والمدن المفتوحة وما إليها قد أوحت إلى العالم المشدوه بأن فرنسا لم تقاوم قطّ. هناك حقيقة لا مجال للشك فيها هي أن الجيش والأمة لم يبديا من ضروب البسالة في هذه الحرب التي لم يستعدا لها ما أبدياه في حرب 1914م ولكن هنالك حقيقة أخرى حرص هذا الكتاب [التاريخ الكامل للحرب العالميّة الثانية لريمون كارتييه] على إثباتها وهي أن هذه الحرب لم تعدم معارك بطوليّة دامية تخللتها أيام الهدنة"[١٤]. رغم قصر المعارك، عدد الوفيات كان أكبر، والموت أسرع بفعل الآلات، كان يسير بسرعة جنونيّة بخلاف الحرب الأولى، لكن أبرز من حكى عن الحرب وشهد فظائعها المدنيّون! هذه الحرب فتكت بالمدنيين أكثر مثلا، بمدن: درسدن، هيروشيما، ناغازاكي، لينينغراد. للموت وجه واحد، لكن بالحرب العالمية الثانية، ظهر بأقنعة مختلفة، بسبب الآلات الحربية، ومن أبرز أقنعتها ما يمكن أن نراه باقتراب الموت والخوف في قعر المحيط، داخل غوّاصة تكاد بآلاتها تخنق طاقمها المكتظّ في الفيلم الألماني
Das Boot (1981).
المشاهد الجانبيّة لأفلام الحرب
بالعودة الى فيلمنا، وكومة الملابس ولوحات أسماء الجنود المنزوعة وهو حدث ثانوي بالحرب، أعطى للمشاهد رؤية أعمق للأحداث. حتّى مظاهر الترف، يمكن للمشاهد الجانبيّة بمفارقتها الصارخة أن تمنحك زاوية للرؤية بشكل أفضل. كون مشاهد الدماء والقتل مكرّرة ومعتادة في تصوير الأفلام ويتعذّر وصفها، مشاهد ينطبق عليها ما قاله جندي الماني شارك بالحرب العالميّة الأولى " قد يتعاطف أولئك الذين لم يعيشوا التجربة وهم يقرأون كما يتعاطف شخص مع بطل رواية أو مسرحية لكنهم لن يفهموا بالتأكيد كما أن المرء لا يستطيع أن يفهم ما يتعذر تفسيره" وآخر انجليزي قال " يجب عليك أن ترى الأشياء بأم عينيك قبل أن تصدقها بأي قدر من الحميمية"[١٥] . إذا لا مجال لقول وتصوير كلّ شيء، كل ما يمكن فعله اقتناص اللحظات التي لم تروى من قبل؛ لعلّها تكشف الغطاء عن معاني فاتت من ذاكرة الحرب.
بالختام
بسبب الطبيعة البطيئة للحرب وتواجد المدنيين المجندين فيها، اكتسبت الحرب العالمية الأولى طابعًا خاصًا، حيث ظهرت الصراعات الجسدية والنفسية بوضوح في روايات المشاركين.
----------------------
الهوامش:
[١] إريش ماريا ريمارك ، لا جديد على الجبهة الغربيّة، ترجمة ليندا حسين، دار أثر للنشر والتوزيع.
[٢] صموئيل هاينز، حكاية الجند: الحرب والذاكرة والمذكرات في القرن العشرين، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير للطباعة والنشر.
[٣] سيغموند فرويد، محاضرات تمهيديّة جديدة: حياتي - خمسة دروس - مساهمة في تاريخ التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، دار مدارك للنشر.
[٤] مصدر رقم (٢).
[٥] مصدر رقم (٢).
[٦] المصدر رقم (٢).
[٧] مصدر رقم(١)
[٨] مصدر رقم (٢).
[٩] مصدررقم (٢).
[١٠] مصدر رقم(١).
[١١] ياروسلاف هاشيك، الجندي الطيب: شفيك، ترجمة توفيق الأسدي، دار الخيال للطباعة والنشر والتوزيع.
[١٢] مصدر رقم(١١).
[١٣] ج.ه.ج اندريشين، موسوعة الحرب العالميّة الأولى، ترجمة نسيم واكيم يازجي، دار مؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع.
[١٤] ريمون كارتييه، التاريخ الكامل للحرب العالميّة الثانية، سهيل سماحة و أنطوان مسعود وإشرف جبران مسعود، نشر مؤسسة نوفل ش.م.م.
[١٥] مصدر رقم (٢).
الاثنين، 5 ديسمبر 2022
بين سيمبا وكيمبا وهوية الحيوانات الناطقة بعالم الانمي
الكثير من أعمال ديزني الأيقونة استمدت من أشهر الموروثات العالميّة لكن عملها الأكثر أيقونيّة (الأسد الملك) لم يؤخذ من الموروث العالمي مثل: الأقزام السبعة وعلاءالدين وهرقل وماوكلي بل من عمل كرتوني ياباني (كيمبا: الليث الأبيض) على أن ديزني مصرّة على أصالة حكايتها وأنها لم تأخذ العمل الياباني. الموضوع مثير للجدل وأجد أن للعمل أصالته رغم ما تخلله من أخذٍ واضح لبناء مختلف المشاهد والأفكار المرئية أكثر من القصة وهي أسد يملك مملكة وينظّم الحيوانات فيها كرعيّة في حين لا تشبه مملكته كثيرا مملكة (كيمبا:الليث الأبيض).
بالبداية:
منذ الصغر درج على سمعي أن الأسد ملك الغابة أما النمر سيّد الغابة -ولا أذكر أين سمعت ذلك- حينها بالكاد كنت استوعب الفرق بينهما الى حدّ وصفه بدقة، لكن مع كرتون "ماوكلي فتى الأدغال" و"شيريخان" المأخوذ اسمه من "شير" وتعني نمر باللغة الأوردية أو الفارسية و"خان" التي تعني ملك بلغة المغول والترك وكما أن العرب قديما حينما تقول ملك يختلف معناها نسبيّا عن كلمة ملك بلغة شعوب أخرى وعندما يقول المغول والترك ملك فهي تعني ملك بمفهوم خاص. خان ملك أقرب الى الملكيّة القبليّة وكأن "شيريخان" ملك النمور يختلف كليّا عن الأسد الملك الذي يعني ملكا للغابة وسكّانها من الحيوانات. شيريخان وأن عنى اسمه ملك فهو كما يوصف بالمسلسل الكرتوني "الخارج عن القانون" D: ومن غير المعقول أن يقال عن الأسد الذي هو ملك لمملكة خارج عن القانون وإن كان شريرا في مملكته وبالتالي يمكن أن نستوعب أكثر معنى أن يكون النمر ملكا بلا مملكة بل على بني جنسه ولعل اللقب الذي درج بذاكرتي "سيّد الغابة" قريب له ويعني أنه متسيّد الغابة بقوّته لا بشرعيّة مثل الأسد الملك لهذا لا يمكن تخيّل مشهد التتويج الشهير لسيمبا على طفل لشيريخان.
ملك الغابة:
بهذا الفهم يمكننا الانطلاق بقصة "كيمبا: الليث الأبيض" الذي ينظم مملكته ويشرّع قوانينها ؛ الليث الأبيض يمنع الصيد وأكل اللحوم ! D: من هذا القانون الطريف تعرف مدى طرافة حكاية الليث الأبيض والأحداث. إلا أن حكاية كيمبا معقّدة لوجود العنصر البشريّ الغائب تماما عن "الأسد الملك" لهذا سهُل فيها ابتكار القصّة وترتيب الأحداث؛ وريث للعرش يفقد عرشه بمؤامرة من عمّه ويرجع لاستعادته لاحقا. العنصر البشريّ غائب لكن الطبيعة البشريّة حاضرة وبقوّة.
مالذي أخذه الأسد الملك من الليث الأبيض؟:
إضافة الى الاسم كيمبا/سيمبا. أغلبها مأخوذات بصريّة، الصخرة المطلّة وان كانت بمشهد هامشيّ في الليث الأبيض لكنها معلم بارز في الأسد الملك وهي تشبه كثيرا صخرة ماوكلي فتى الأدغال التي يصعد فوقها زعيم الذئاب. "سكار" الأسد الأعور ويوجد أسد أعور في الليث الأبيض. قرد الماندريل مستشار الليث الأبيض وهو بهذه الصفة القريبة موجود بالأسد الملك وغيرها من المعالم البصريّة. العديد من شخصيات الليث الأبيض موجودة في الأسد الملك، الضباع الشريرة وهي غالبا بهذه الصفة في مملكة الأسد، كريهة حتى بطريقة قتلها الوحشية. كلها أشياء مثل هذه لكنها لا تؤثر كثيرا على صلب الحكاية بل دعّمتها ويمكنني القول بصورة أوضح أن "الأسد الملك" استفاد كثيرا من عمل "كيمبا:الليث الأبيض".
كيمبا: الليث الأبيض :
كليلة ودمنة عالم الكرتون الحكاية التي أدخلت العنصر البشريّ قدر الإمكان كما هو في ذهنيّة الحيوانات. كائن مدمّر وأناني وطمّاع ومرعب بآلاته. في الليث الأبيض وفي افريقيا نجد الأشكال توحي بقوّة الى الخلفيّة التاريخيّة. دائما ماكان البشر البيض في الحكاية بملابس المستعمر وبندقيّة الصيّادونجد الأشكال السمراء، الوجوه الافريقيّة بألوان ملابسها الفاقعة وأشكال توحي بالبدائية القبليّة حيث تفهمها وتعيش الحيوانات بقربها لكنها ما إن تأتي مع الرجل الأبيض كتابع أو كمسخدم لأدواته (قنابل يدويّة، بنادق، سياط) نجده ينقلب الى ذلك الكائن المرعب أو إنسان العصر الحديث، انسان أواخر القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين. للانسان الافريقي في حكايات الليث الأبيض بطبيعته الافريقيّة عدة حكايات يغيب عنها ذلك الطابع الملتبس والمنفّر لوجود البشر قرب الحيوانات. حلقات مثل قصّة الانسان الذي يقاتل الفهد وذريّته وزعيم القبيلة الذي رغب باصطياد الليث الأبيض -ويبدو أنه بحكم الملابس من الماساي- والكاهن الذي تكرر ظهوره في الليث الأبيض. بمقدمة الحلقة الأولى من الجزء الثاني مقدمة بليغة وصارخة عن افريقيا، تعطي أحسن فكرة عن هذا العمل.
صور من مقدمة الحلقة الأولى:
الأسد الملك :
العمل حسّي بامتياز، بصريّا لا يُنسى مشهد القطيع الذي كاد يدهس سيمبا والمشهد الأوّل والتحليق بعين الطائر "زازو" الى الاطلالة التي يقف بها "موفاسا" بانتظار حيوانات مملكة وأغنية Circle of Life بالمشهد وصولا لجملة "هاكونا ماتاتا". تلك الأدوات هي ما يميّز أعمال ديزني ويبرز الجهد والاتقان أكثر من القصّة التي وان كانت جميلة لا تذكر كثيرا بالحديث عن الفيلم بخلاف المشاهد والأغاني كقطع منفصلة بني العمل منها. لهذا مهما أخذ العمل من الليث الأبيض من أفكار بصريّة فإنّ القيمة الأكبر في اعادة انتاج ذلك بإتقان أكثر. لا تهتمّ القصة كثيرا بالقضايا الحيوانيّة مثل قصص الليث الأبيض بل إنها قريبة منّا نحن البشر وتشبه كثيرا ما أُثر من حكايات الملوك وما يحيط بهم من دسائس ورغم الغياب الكامل للشخصيّة البشريّة عن العمل إلا أن القصّة تشبه الطبيعة البشريّة كثيرا. الإخراج والمونتاج والموسيقى والتي فيها اسم لامع مثل هانس زيمر كلهّا خدمت القصّة وان طغت عليها قليلا. وتظل بداية الفيلم مع الأغنية واحدة من أشهر البدايات على الإطلاق.
بداية "الأسد الملك" :
تجسيد الحيوانات في قصص بشريّة:
صحيح يصعب تأليف قصة عن حيوانات تتحدث دون أن تشبه ولو قليلا البشر بعاطفتها -فاللغة سمة بشريّة- ويزداد الشبه بارتدائها للملابس الانسانيّة مثل الكثير من الأعمال الكرتونيّة مثل "سنجوب" وتصبح بشريّة بالكامل بوقوفها علي قدميها مثل "السبع المدهش"، إلا أن الشخصيّات في "الأسد الملك" ورغم تجريدها من الملابس - بالأساس هل هي بدونها متجردّة D: - في عاطفتها وحواراتها وأفكارها تشبه البشر كثيرا أكثر من شخصيّات "ماوكلي: فتى الأدغال" مثلا ولعل شخصيّات ماوكلي أصبحت حيوانيّة أكثر لوجود البشر بالعمل الذي خلق حدّا فاصلا في حين ساهم غياب الشخصيّات البشريّة بجعل شخصيّات "الأسد الملك" تشبه البشر أكثر واعطت العواطف فرصة أكبر للاستحواذ على اللحظات بغياب أي ازعاج من وجود عنصر بشريّ يشوب العمل، لهذا يمكن ببساطة إعادة تجسيد قصة "الأسد الملك" باستخدام شخصيّات بشريّة، سواء في مملكة غربية أو شرقيّة. الحديث عن مسألة تجسيد الحيوانات أوسع من أن ينتهي ببساطة.
بالنهاية:
قصص الليث الأبيض أجمل وأوسع، بطبيعة الحال أوسع لكونه مسلسل وحتّى لو أختزلت الحكاية في فيلم ستظل القصة أشمل وأجمل ويظل الأسد الملك يستمدّ أغلب روعته من جمال الإنتاج. "كيمبا: الليث الأبيض" فيها قصص تستحق المشاهدة كثيرا؛ غاية في العمق والغرابة وولاّدة للأفكار. حلقات كثيرة منها يمكن أن يطول ويطول الحديث عنها. الانسان فيها يمثّل بعقليّته انسان العصر الحديث (أواخر القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين) الذي بلغ فيه قمّة عنفه اتجاه الحيوانات؛ بسببه دفع العديد من الحيوانات نحو حافة الانقراض. ليجيء الانسان الأحدث وإن كان رحوما مقارنة بسابقه إلا أنه منذ بدأ بتحويل حدائق الحيوانات القفصيّة لحدائق سفاري بدأ يتجه لتحويل الغابات إلى حدائق/محميّات وكأنها عمليّة قتل رحيم لطبيعتها - يبقى منها إلا أعدادا تصلح كتذكار وعيّنات- والسؤال هل ستشبه هذه الحدائق مستقبلا غابة سيمبا أم الليث الأبيض؟
الأحد، 25 يوليو 2021
الأفلام استديوهات سيميائية: العالم الذي جسّده فيلم Blade Runner 2049
Blade Runner 2049
إخراج الكندي: دينيس فيلنوف (٢٠١٧)
مخرج أفلام Prisoners (2013) و Arrival (2016). الاستمرار على هذه الوتيرة من الأعمال مذهل وأكثر شيء يشدّ الانتباه جمال الألوان والصور في أفلامه.
يمكن الانتباه الى أن الفيلم بنى أغلب تجسيداته من أعمال سابقة بالذاكرة. الجميل أن الفيلم أكمل ما يمكن أن نسمّيه ما بدأ به السابقون في تصوّراتهم وتجسيدهم للعالم وهو على مشارف الفناء حتّى استعادة السيطرة عليه من خلال قوى خارقة. أعداد لا حصر لها من الأفلام تحدثت عن الدمار ونهاية العالم يمكن أن تستشفّ مدى تشابه مخيّلة المخرجين عند النظر الى أوجه الشبه بين عوالمهم. هذا الفيلم لم يقدّم تصوّرا موازيا بقدر ما يمكن اعتباره بأنّه أكمل البناء على نحو أفضل
احدى علامات التشابه بأفلام أخرى بطل الفيلم الذي يتجوّل بحثا بالقصّة يذكّرنا كثيرا ببطل فيلم Equilibrium (2002) ويمكن العثور على العديد من العلامات كلما أعدنا استذكار أفلام أكثر ونصل الى حقيقة قد تخبرنا بزحد الأسباب أن أغلب شركات الانتاج والاستديوهات والمصممين زملاء عمل ومهنة ويشاركون بصنع مختلف الأفلام ناهيك عن تأثير مجتمع صنّاع الأفلام الحيّ والذي يملك -حتما- تصوّرا جمعيّا للعديد من الأمور لهذا نجد نسقا متينا يشبه بعضه بالأفلام والبروز منه صعب ويحتاج الى تفرّد يجيده كثيرا مخرج هذا الفيلم.
نعود الى بناء عالم الفيلم والذي يشكّل بنهاية المطاف الاستديو الخيالي لأحداث القصّة. حتّى بأفلام الفضاء الشاسع يبدو عالم الفيلم ضيّقا فالمشاهد محصور بما يشاهده لا بمايعرفه. كل فيلم عبارة عن مسرح/استديو سيميائيّ مغلق وان كان واسعا فبالمعنى والايحاء لا بمساحة استديو التصوير بالواقع. ما يميّز هذا الفيلم هو الشعور باتساع عالمه لا من خلال نقل المشاهد لمساحات واسعة ومفتوحة ففيلم 2012 (2009) نقل المشاهد الى مناطق جغرافيّة مختلفة لكنه ظلّ محصورا رغم وجود سياقين للقصّة في نفس الفيلم وكذلك لوس أنجلوس في فيلم Demolition Man (1993) لوس أنجلوس تبدو محدودة في حين أنها واسعة كثيرا في هذا الفيلم الذي لم يصوّر مناطقها الداخليّة كثيرا.
العالم في هذا الفيلم بسعته يشبه الذاكرة والتي تبدو لا نهائيّة وعميقة بسبب معالمها المشوشة التي تبقى في غاية الاتساع بفضل محاولات الاستعادة والتأمل . في أحد مشاهد الفيلم حديث جميل عن الذاكرة مع شخصيّة تملك مؤسسة لصنع الذاكرة التي يتمّ غرسها في البشر المنتجون مخبريّا. وبالحديث عن البشر الموازون للبشر الطبيعيين تعود ذاكرتنا لتلك الكائنات التي صنعناها بالأفلام لتشبهنا أو لتخدمنا لكنها انتهت الى عذاب لا ينتهي ما إن تدرك مصيرها أو ماهيّتها في هذا العالم وكيف أنها ليست مثلنا لا تملك ذكريات ولا لحظة فناء تشكّل هويّة دائمة لها مثلنا نحن البشر. رجال آليين شاهدناهم يعانون رغم آليتهم بالأفلام.ولعل أشهر فيلم تعامل مع هذا الجانب مشروع كوبريك الذي أخرجه سبيلبيرغ
A.I.Artificial Intelligence (2001)
صبي شعر بالمعاناة بعد أن أدرك أنه آلة وليس بشرا، مثلما نعاني نحن من تحسّرنا لأنّنا لم نلد كما وأين ما نتمنّى. أما كيف تلعب تلك المخلوقات دورا مصيريّا في مصيرنا وعن ذلك التوجّس الذي ينتابنا من مخلوقات صنعناها نحن البشر فهو يبدو واضحا في فيلم I, Robot (2004) -كالعادة الأمثلة كثيرة ولا تنتهي ويوجد ماهو أحسن منها لكن لا يمكن حصرها-. في فيلمنا مزج بين هذين الأمرين بشكل مؤثّر، تشعر بأنّ القصة بنت على أجمل الجوانب مما نملكه من قصص سابقة. أكثرت الأفلام بالحديث عن المشاعر والعاطفة والحب لكن هذا الفيلم ركّز على ماهو أعمق، الذاكرة.
-قلعة هاول المتحركة-
السيارات الطائرة والمباني المهيبة والسدود التي تحجب المحيط بأمواجه الهادرة بفعل اختلال البيئة والمركبات المخيفة، وكل تلك المعدات والمنشآت بنيت بالفيلم بصورة جماليّة وذات أثر بليغ بالمعنى. الجمال في كل تلك المجسمات والمباني والألوان توحي بأنّ كل لقطة ومشهد تمّ تصويرها لتبدو عملا فنيّا. لا يمكن الاستهانة بشكل الآلات والمنشآت وأثرها بالأفلام. ولو أردنا تذكّر بعض الأفلام التي أبدعت في تجسيد ذلك لوجدنا الأمثلة تبدأ من أفلام الفضاء والأفلام التي تتحدّث عن المستقبل. بعض النماذج المجسمّة قد تصبح أيقونة لفيلم كامل وأشهر مثال سفينة فيلم Titanic (1997) الكل منبهر من تجسيد ضخامتها بالفيلم و مثال من عالم الانمي "قلعة هاول المتحرّكة" لميازاكي لا يمكن أن يفلت شكل القلعة من ذهنك عند مشاهدتك الفيلم. أيضا لا يمكن الاستهانة بالأشكال والأشياء التي يتمّ بناؤها للظهور في بضعة مشاهد في فيلم، بل إنها أحيانا تأخذ جزءا كبيرا من ميزانيّة الانتاج كما حدث بالمركبة الفضائية بفيلم كوبريك
A Space Odyssey:2001 (1968)
-مشهد الحديقة الافتراضيّة من مسلسل (عدنان ولينا) وهنا يبدو عدنان ولينا وعبسي مدهوشين من وجود البشر يلعبون في الحديقة حولهم ولم يكونوا إلا صورا هولوغراميّة-
-الحديقة الافتراضيّة بالفيلم-
يوجد مشهد مبهر وجميل وهي الحديقة الافتراضيّة، الفيلم يتحدّث عن انقراض الغابات والأشجار لهذا وُجد من أنشأ حديقة افتراضيّة تروّح عن روحه. تلك الحديقة تذكرنا بحديقة البرج في القلعة بالمسلسل الكرتوني "عدنان ولينا" صنعت هذه الحديقة أيضا لنفس الغرض ولأننا نتحدّث عن بناء من مكوّنات وأساسات من ذاكرة عالم الأفلام، هل شاهد فيلنوف "عدنان ولينا" ؟ أكاد أجزم بأنّه لم يشاهده على الإطلاق؛ لكننا كبشر وإن كنّا نبني تصوّراتنا وخيالاتنا على ذاكرتنا وللبشر تجربة مشتركة لا شكّ أننا سنبني أشياء متشابهة بطريقة أو بأخرى. حتّى في تكويننا كبشر ولو اعتبرنا ذلك جزء من تجاربنا سنفهم أكثر كيف أننا قد نلتقي كثيرا بتصوّراتنا عن أبعد الأمور من الحديقة الافتراضيّة الى أساطير النشوء وحكاية الطوفان والتي اشتركت فيها شعوب لم تلتقي ببعض ومع ذلك لها تصوّرات مشتركة في العديد من المسائل. وكأن لنا تصوّرا جمعيّ.
يمكننا أن نتخيّل الفيلم كقصّة جميلة لكنها مثّلت في مسرح خلاب وفي غاية الروعة ومبهر بكل الإمكانات والتقنيات. كل ذلك الوهج كان مسلّطا على القصّة نفسها لهذا أتت بهذه الروعة.
البناء الذي جسّد عالم الفيلم هو أقرب مافي الفيلم من كمال ولو أنّ عالم المشاعر في الشخصيّة الأساسيّة بالفيلم مؤثر للغاية وحكاية الذاكرة من أروع ما جسّد في عالم الأفلام؛ ولم يتم اعتصار مشاعر ولحظات الشخصيّة الى حدّ الابتذال. كذلك لا يمكن نسيان بعض زوايا المشاهد والتي أخذت بطريقة فنيّة ومعبّرة
ومشاهدة لا تُتنسى






































