‏إظهار الرسائل ذات التسميات كلّ شيء آخر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كلّ شيء آخر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 16 أكتوبر 2023

طنين

 



 "ألا تسمع هذا الصراخ الرهيب الذي يحيط بك من كل جانب؟ هذا الصراخ يسميه البشر بالصمت"

العبارة لامست أعمق ما يمكن للكلمات حفره في ذاكرتي. كم بدا ذلك رهيبا؛ اعتبار الصمت صوتا نسمعه. يشبه الصمت التحديق بعيدا بالأفق، أو كما صوّر الرسام فريدريش كاسبر الأفق في لوحته "متجول فوق بحر الضباب، 1818م". لوحات كاسبر مليئة بالصمت، بعبارة أخرى مليئة -وللتوّ انتبه الى هذا الرابط- بالأفق. العبارة لجورج بوشنر، أخذتها من فيلم " لغز كاسبر هاوسر، 1974 " إخراج، فرنر هيرتزوغ. 

هل توقّعت أن تُحرم يوما من سماع ذلك الصوت بسبب عرض صحّي، أو علّة طفيفة تسبّب طنينا في أذنك؟

 كم أذهلتني معلومة أن جزءا من الناس بعد أن يفقد قوّة السمع ويبدؤ بالضعف يحلّ الطنين تدريجيّا على سمعه بدلا من الصمت! وكأن انعدام الصوت ليس إلا ذلك الطنين المُزعج الذي يدوي داخل الرأس ويملؤه فعلا بالفراغ، ذلك الفضاء الذي يخلقه الصمت على أذهاننا وداخل رؤوسنا ليس فراغا بل أفقا واسعا يجعلنا نتنفّس بعمق. ولم يقوى الضجيج يوما على اسكات الصمت؛ إذ أن صمت بضعة أجزاء من الثانية كافية لتجعلنا نتنفس. لكن الطنين يسكت الصمت، الطنين فراغ مُزعجّ. فراغ تؤكده محاولتي اليائسة لإغلاق أذني. وبالشعور بأنّ كل ما يلفت الانتباه باطمئنان حولي يتلاشى ويتشتت وجوده الذي كان يملؤ فراغا يمكن أن أسند رأسي أو تفكيري عليه. كل يوم منذ أيام وأنا أحاول سماع ذلك الصوت الذي أحنّ إليه، الصمت الذي لطالما أحببته الى حدّ أن عبارة عنه كانت كافية لترك أعمق حفرة لمست شيئا عزيزا في ذاكرتي.

 


السبت، 18 مارس 2023

الكوميديا والضحك.

 

Children in a movie theater. 1958. Wayne Miller

 

"الأرض تضحك وردا" 

رالف أميرسون

 


 أفضل بداية للحديث عن أي موضوع، البحث عن مفهومه وما يعنيه. غالبا ما يبدأ البحث بأقوال اليونانيين الذين على ما يبدو لم يتركوا شيئا إلا وأفردوا له تعريفا لمفهومه ليكون منطلقا للتفلسف حوله؛ فليس غريبا حينها أن تكون بداية الحديث عن الاصطلاحات اليونانية.


 

معنى "الكوميديا" 

بالرجوع لمختلف القواميس، نجد أنها كلمة يونانية مركبة، مكونة من:

 komos يقابلها بالانجليزية revel وتعني: "عربد"، "استمتع"، وكذلك تأتي بمعنى "قصف" !

 ōidē والانجليزية to sing ما يعني:  "غناء" أو لنقل "التغنّي".

 أرسطو في كتابه فن الشعر يقول: "أن الكوميديا نشأت من الأغاني المتصلة بالعضو الذكري وكانت تغنّى بالاحتفالات والطقوس التي تخصّ الخصوبة" وبشكل أوسع "على الرغم من أن أصل الملهاة (الكوميديا) القديمة غامض، فإن الدور الذي لعبه الكورس [جوقة الإنشاد] يعتقد أنه جاء من أداء المطربين الأثينيين.. مجموعة من المغنين كانوا يرقصون ويغنون ويمتعون الحضور بهزل فاحش ونقد شخصي لما يبدو أنه كان من طقوس الخصوبة ويحتمل أنه متصل ببداية عبادة ديونيسيس.. يُعتقد أن مساهمة الممثلين في الكوميديا القديمة انبثقت عن الحكايات الهزلية التي تختلف عن حكايات المغنين بحبكتها. كانت تقدم مواقف مسلية في مشاهد قصيرة تؤديها شخصيات جماعيّة من نموذج واحد. كان أداؤهم غير محتشم لأن هذه الحكايات كانت لها علاقة بطقوس العضو الذكريّ"[1] وما أغرب أن يحمل المعنى بإحدى تشعباته مصادفةً عبارة "قصف"؛ الكلمة التي نقولها بتعبيرنا العاميّ "قصف الجبهة"، وأن يوحي أرسطو الى الأصل الجريء للكوميديا. 

للكوميديا صور متعددة مثلاً، في المسرح اليوناني القديم أشتهر أرسطوفانيس، الحكايات القديمة والفلكلورية، ونجدها بمدوّنات الإغريقي ايسوب وما جمعه وترجمه عبدالله بن المقفع من قصص كليلة ودمنة، وبالقصص المؤلفة والمكتوبة  غرغانتوا وبانتاغرويل لرابله على سبيل المثال. لا يوجد شعب لا يحمل إرثا كوميديا، سواء كان فلكلوريا أم أدبيا. وأكثر الصور الكوميدية شهرة ما جسّد بطريقة تفاعليّة وحركيّة.

 

فسيفساء تصوّر الأقنعة التي كانت تستخدم بالمسرحيّات قديما

 


النكتة :

 الحديث عن الكوميديا يقودنا للنكتة، والتي يمكن اعتبارها فنّ شعبيّ، بالعادة قصّة قصيرة هدفها إضحاك الآخرين لأسباب عدة، ومنها: إدخال البهجة والسرور على المستمعين، السخرية والتشفّي، إيصال حكمة ورسالة مبطّنة. ومن معاني عبارة "نكتة" باللغة العربيّة: الأثر أو العلامة، سواء كانت خفيّة أم ظاهرة. وهي فعلا تترك أثرا وعلامة على المستمع. في الأعمال الأدبية، تظهر النكت في شعر الهجاء، يندر أن تجد بيتا هجائيّا لا يحمل في طيّاته غاية لإضحاك الآخرين. نجده بالشعر العربي الجاهليّ والإسلامي، إلا أنه يبدو أكثر وضوحا وإلحاحا بالأخير، من خلال أبيات الأخطل وجرير والفرزدق، وصولا إلى أقذع حالاته، مع شعراء العصر العبّاسي ومن بعدهم. ومن أشهر أشعار الهجاء المُضحكة شطر بيت شهير لحسان بن ثابت -رضي الله عنه- "جسم البغال وأحلام العصافير"، كأن الشطر بتناقله على الألسن احدى صور الـ MEME الشهيرة. وظهرت النكتة من خلال الشخصيات الأدبيّة، الخياليّة والواقعيّة، بالتراث العربي مثلاً، جحا وشعيب. 



مكانة الكوميديا 

 الكوميديا وحكايات الضحك حاضرة كثيرا بقصص الملوك والحكّام، حيث بدوا من خلالها أقرب الى طباع سائر الناس. تزخر كتب التراث العربي بقصص الظرفاء من أدباء وشعراء وغيرهم. ورُوي بالأثر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- متى وكيف ضحك، وتناولت الشريعة الإسلاميّة الضحك وآدابه، إذ نهي فقهيّا عن الكذب في سبيل إضحاك الآخرين، وفي حديث رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- :"كثرة الضحك تميت القلب"، ذلك يعني أن الضحك وما يجلبه بالكوميديا والنكت لا يخلو من الذمّ بظروف. بعيدا عن التراث العربيّ، تواجد المهرجون في قصور الحكّام الأوروبيين. ولعلّ أشهر صورة تحكي لنا تواجد مهرّج في حضرة أحد الحكّام، ما صورته لوحة ستانزيك، 1862م  للرسام البولندي يان ماتيكو، وهي تحكي قصة المهرج ستانزيك، الذي شاهد بالصدفة خريطة تصف الوضع العسكريّ لبولندا. نرى المهرج يجلس بعيدا عن ضحكات النبلاء واحتفالاتهم، بوجه متجّهم، بعد أن هاله ما تعكسه الخريطة من كارثة تنتظر بلده الأم. لعل هذا يظهر لنا إلى أي مدى يمكن أن تكون الكوميديا حاضرة بكلّ المستويات والأزمنة، وبمختلف الظروف، بما في ذلك أحلكها. وإلى أي مدي يمكن أن تكون معبّرة وبقسوة. كوسيلة، حاول الملوك من خلالها العودة لطبيعتهم البسيطة، والاطلاع على البسطاء. وحاول العامة تسلية حكامهم لنيل الحظوة والمكافآت، ومن خلالها نصح الحكماء ملوكهم، ومثل هذه الحالات رويت في كتب التراث مثل الأغاني للأصفهاني  و العقد لابن عبدربّه. وظلّت الكوميديا قناة فعّالة ومرنة -إن كانت غير رسميّة- للاتصال والتواصل بين مختلف الطبقات، من ملوك وحكام ورعيّة، قوّة ناعمة تفرض هيمنتها بميل البشر الطبيعيّ للكوميديا. بدونها كان يمكن أن يغدو الانسان أكثر انعزالا عن غيره، وتصبح الحواجز بين الطبقات الاجتماعيّة أكثر إحكاما. ومن خلالها تأمل الانسان كثيرا سلوك الحيوانات والطبيعة، ونرى كيف أسقط الانسان سلوك الحيوانات في قصصه الفلكلوريّة والطريفة؛ مثلاً، نجد الأسد بجبروته، والثعلب بمكره، والذئب بدهائه، ولعل أكثر الانطباعات رسوخا عن سلوك الحيوانات في الأذهان نابعة من تلك القصص. 


Stańczyk by Jan Matejko 1862

 



جرأة الكوميديا:

يتصرف البشر فيما بينهم وفق واعد سلوكيّة، تخلق سياقا يسيرون عليه،  والضحك غالبا ما يكون خروجا لحظيا وعفويا من هذا السياق، يخلق ترويحا عن النفس والأفكار. بعبارة أخرى، كأن أحدهم يرخي قليلا ربطة عنق الرسميّات عن أنفاسه. لذلك له طابع متمّرد على كل السياقات، ومن خلاله يمكن تمرير أكثر الرسائل جرأة وبذاءة. في أعمال الانمي اليابانية، كثيرا ما خالطت لقطات الإيروتيك تعابير كوميدية، تنعكس برسم الأوجه الشاخصة بنهم، وعلى العينين رسم قلوب ورعاف بالأنف. كثيرا ما رويت النكات السياسيّة في ظلّ أكثر الأنظمة السياسيّة قسوة. وتكمن براعة النكتة في الخروج من المسار والسياق بطريقة بهلوانيّة، تجلب الرضى رغم الانتقاد.

 سانجي من One Piece يمكن فهم الإشارات الكوميدية ومدى جرأتها من خلال العناصر الموجودة بالصورة.

الكوميديا، واحدة من أكثر وسائل الخروج عن السياق أمانا. مرّرت من خلالها أقسى تعابير النقد، على المجتمعات والشعوب والأعراق. مثلاً عبارة nigga  غير مقبولة إطلاقا، إلا من باب النكتة وفي الأعمال الكوميدية، وعلى نطاق ضيق بالتعامل بين الناس مباشرة. بحكم أن الأعمال الكوميديّة -كما نفترض- تحمل رسالة هادفة، في حين لا يحمل التعامل المباشر رسائل هادفة غالبا. وكما نعبّر عاميّا "مزحة برزحة"، ما الذي يجعل الخروج باستخدام الكوميديا والنكتة مقبولا أكثر من غيره؟ "لقد كان أرسطوفانيس معلما وشاعرا كوميديا. نقده الذي لا رحمة فيه للحركات الفكريّة والسياسية وقادتها قد أراد منه أن يقنع الأثينيين بتعديل سياساتهم العامة. كتب كل مسرحيّاته تقريبا حول مشاكل وأشخاص محليين. في مسرحياته بذاءة كبيرة. بتحويل أفكاره الأساسيّة الى مسرحيات، فإنه يستفيد من كلّ وسيلة ليدفع الناس الى الضحك. بتفوقه بالكوميديا الساخرة والحكايات الهزليّة إنه سيد الكلمة المسرحيّة، يعرف القيمة الكوميدية للقول المناسب والنهاية غير المتوقعة. كثير من نوادره لا تحكى بل تمثّل."[1] حتّى أنه بالضحك أو التعابير الكوميدية، يمكن للأشخاص القفز للوصول الى الآخرين والتفاعل معهم، ونسمّي ذلك كسرا للحواجز.

إذا سألنا أنفسنا عن نسبة النكات البذيئة التي نتذكرها، سنجد أن لها حضورًا لافتًا بين ما يتداوله الناس ، وتحظى بقبول لا بأس به. وعلى عكس الحكايات البذيئة التي تتطلب مناسبة محددة لسردها، فإن النكتة قادرة على تجاوز القيود؛ فهي موجزة ومباشرة، تقدم فكرة سريعة وتثير ضحكًا فوريًا يحظى بالتسامح.

 

التسامح مع الكوميديا 

في رواية أيام سدوم المائة والعشرون، حاول ماركيز دو ساد  بوصفه للرغبات الوصول لأقصى حالات اللغة تعبيرا ، وملامسة أعلى سقف للرغبات. بالخيال وصل أبعد مما وصله بازوليني في فيلمه Salo. وفي الأعمال الفنيّة، حاول الكثير من الرسامين رسم مشاهد ايروتيكية طافحة بالرغبات، وبطبيعة الحال واجهها النقّاد بعنف، ولنا أن نتخيّل لو أن نتفا من تلك المشاهد المرسومة تم تناولها بإطار كوميدي، كما نجدها بأعمال الياباني تاكاشي موراكامي، أجساد لشخصيات كرتونيّة منفوخة الأعضاء، كأنها أخذت من انميّ hentai ولكن بوضعيّات مضحكة. كانت المبالغة في الوضعيات المضحكة لا المثيرة. قد يبدو المجون حادّا ومنفّرا، وسيبدو أقلّ حدّة وأنعم إن ظهر بإطار كوميدي وساخر. في كلا الحالتين يمثّل ذلك انفلاتا، ولكون انفلات الرغبات غير محبّب، سيغدو أكثر تقبلا بالحالات الكوميديّة، كاستخدام مشهد إباحيّ أو صورة لممثل أو ممثلة اباحيّة بإطار كوميدي في MEME ساخر.


الـ MEME كظاهرة معاصرة

 كما نعرّف الكلام باللغات بأنها: أصوات منبّرة، كإشارة تحمل دلالة بين المستمعين. والأحرف عبارة عن: رسم يشير لتلك الأصوات، ويمكن تركيبها لتغدو كلمة، ومثلها إشارات الضوء والتلغراف، بنمط معيّن يمنحها دلالة للتواصل بين متلقين. أيضا الـ  MEME صورة تمثّل إشارة مركّبة لها دلالة بين المتلقّين -خصوصا- وسائل التواصل الاجتماعيّ. وكأي وسيلة تواصل وُجدت وليدة ظرف معيّن، فإن الـ MEME اختلقت لتختصر الكثير من العبارات على متلقّي يقلّب صفحات الانترنت سريعا؛ فلا وقت له للقراءة والتمعّن بعمق وجديّة. وبطبيعة الحال، الظروف تساهم في تجسيد طرق ولغات التواصل بين البشر وفق الاحتياج، مثل لغة الاشارة والتلغراف، وحتّى طريقة التواصل بين المساجين بقرع القضبان، واستخدام أدخنة النيران قديما للإشارة بين الناس من مسافات بعيدة، والـ MEME في عصر ازدهار وسائل التواصل الاجتماعيّ. ما يلفت النظر أنها أخذت كثيرا طابع النكت والكوميديا، وهو ما يُفهم أن ذلك ما يتطلبه الظرف وحاجة المتلقّين لتلك اللغة وقت فراغهم. صورة، لكن بدلالة مستحدثة على دلالتها الأصليّة. لغة محكيّة، مثل أي لغة، تبدأ بإشارة اعتباطيّة يفهمها سكّان وسائل التواصل الاجتماعيّ، ويصعب قليلا أن يفهمها أشخاص بعيدون عنه. ما الذي يعنيه كون الـ MEME لها طابع كوميدي بفهم مشترك. ولماذا اختار الناس في حساباتهم الافتراضية، تعابير كوميدية للتواصل؟ ما قد يدلّ على أن الكوميديا والنكتة طبيعة بشريّة ذات فهم مشترك، قد تشبه بجوانب في طبيعة وجودها اللغة نفسها.

وبتعريف آخر الـ MEME عبارة عن صورة لها دلالة نمطيّة، استحدثت لها دلاليّة إضافية خارج السياق. ولعلّ واحدة من أقدم أشكال MEME، الرسومات الزخرفيّة، الموجودة بالنقوش القديمة والرسومات القروسطية، صور لوحوش خرافيّة وكائنات بجسد مركب من عدة حيوانات، وفي رسومات بعض الفنانين اليابانيين، صور مخلوقات أسطوريّة، أحيانا بأعين جاحضة مخيفة، لكنها تخفي شيئا من الطرافة والسخرية، لدرجة أنها رغم رعبها فهي قد تسرق ضحكة ساخرة من فمك. وتحمل بعض كتب القرون الوسطى الأوروبيّة، رسومات مضحكة وطريفة، ربّما في أكثر كتبها تعنّتا، تصوّر الشياطين والوحوش بأشكال غريبة، وبوضعيات مضحكة ومشينة، بعضها حيوانات ترتدي ملابس بشريّة، تذكّرنا بلوحات الرسامين، هيرومينوس بوش (1450-1516م) وبيتر بروغل (1525-1569م)، وما تحمله من صور طريفة ومضحكة وإن كانت تصوّر الجحيم والعذاب. 

بوصف تلك الأشكال، قد نقول بأنها كائنات مركبة أو مشوّهة. ولاننسى أن خيطا رفيعا يفصل بين الأشكال المرعبة والمضحكة، والأشكال المشوّهة قد تحمل تعابير فنيّة بعيدة عن الهزل، مثلاً، لوحات بيكاسو وفرانسيس بيكون. وقد يرتعب الأطفال أحيانا من بعض وجوه الشخصيّات الكرتونيّة الطريفة. بالأساس أشكال غريبة، لكنها أصبحت طريفة، بفضل السياق المُحدث بإطار محصور. ولعلّ هذا ما يصنع الطرافة بالأشكال الغريبة، السياق في الإطار المحصور خلال فكرة طريفة. والسياق مع الإطار المحصور، يكوّن الفهم الذي ينبغي أن يبنى كمعنى طريف وفكاهيّ. ومثل هذا البناء لا يكون إلا بفهم جماعيّ، يتشكّل بصورة قريبة من تشكّل المفردات والمصطلحات. ولعلّ أشهر ما يمكننا الاستشهاد به، MEME معركة جودزيلا وكينج كونج و القط الأبيض الشهير على طاولة الطعام. الفهم الجماعيّ يكمن في السياق المضاف (قد تكون صورة مُحدثة أو عبارة) بالإطار المحصور المتمثّل بالصورة الأصليّة للـ MEME. المعركة بين إثنين والكلب دخل فجأة، العبارات المضافة بصورة القطّ. 

 
احدى الرسوم القروسطيّة بأحد الكتب


meem مشهد المعركة في فيلم Godzilla Vs Kong


صورة من مسلسل The Real Housewives of Beverly Hills أصبحت باستخدام العبارات  من أشهر الـ MEME



الكوميديا الإبداعية

ازدهرت الكوميديا بالمسرح والأغاني الشعبيّة، بفضل أدائها التفاعلي، لكن مع جنس أدبيّ يفتقد لهذا التفاعل كالرواية مثلاً، تصعب الكوميديا. قد يسهل تأليف الروايات المأساويّة، لكن الكوميديا والخروج من السياق يتطلّب رشاقة وخفّة، أو ما نسميه "حسّا فكاهيا". يصعب تصوّره بلا حركة وتفاعل إلا ما ندر، مثلاً، رواية "الجندي الطيّب: شفيك"، تعتمد الفكاهة على المفاجأة، كطبيعة الخروج من السياق، لهذا لا تكفّ ابتسامتك عن الارتسام فجأة، وأنت تقرأ عن الطيّب شفيك. 



الكوميديا السوداء

 أو ما نقول عنه "المضحك المبكي". خروج حاد -لكنه خاطف- عن سياق الواقع. المسألة ليست جمعا للأضداد؛ فالضحك ليس نقيضا للبكاء، وإن بدا كذلك، وإلا لكانت الكوميديا السوداء أسهل. فجمع الأضداد ينتج غالبا حالة بروز ملفتة لجمع النقيضين كما قال شاعر "اليتيمة"

فالوجه مثل الصبح مبيضّ

والشعر مثل الليل مسودّ

ضدان لما استجمعا حسنا

والضدّ يظهر حسنه للضدّ

ولو عومل الضحك كنقيض للبكاء، وأنتج من خلال هذا المفهوم عمل كوميدي، سيبدو مبتذلا. ولكونهما غير نقيضين، إبرازهما معا، بما فيهم من حديّة، تشبه ما يفعله الطباخون بإضافة الملح إلى الأطعمة الحلوة بمقدار قليل يساهم في إبراز حلاوة نكهة الـ salted caramel مثلا. عمليّة جمع لطبيعتين مستقلتين من تفاعلات النفس البشريّة، والجمع بينهما بقالب واحد بمقياس محكم صعب، لكنه ينتج عملا عميقا وفي غاية الذكاء، وهو ما تبدو عليه الكوميديا السوداء.  في فيلم كوبريك A Clockwork Orange، اقتحم أليكس منزل امرأة مسنّة كانت تمارس الرياضة في غرفة مليئة بالقطع الفنيّة الحديثة، أغلبها خليعة وإيروتيكيّة، حاولت المرأة ضرب أليكس بتمثال نصفي لبيتهوفن، في حين أمسك أليكس بقطعة فنيّة حديثة، وبدأ الشجار بالقطعتين على وقع سيمفونيّة بيتهوفن التاسعة، الفنّ الحديث ضدّ الفن الكلاسيكي. 


 لقطة فيلم A Clockwork Orange



هل الكوميديا بذاتها فنّ؟

 تبدو أقرب إلى ذلك، لنقل أن الحسّ الفكاهيّ موهبة. لكن ما إن يُمنح إطارا فنيّا إلا ويغدو عملا نسمه بالكوميدي. والمبدعون والأذكياء ذوي الحسّ الفكاهيّ على ندرتهم، يحوزون على سحر خاص، مثل فولتير ومارك توين. الحسّ الفكاهيّ شيء لا يمكن تعلمه، ولم يدرج في الأذهان وصف المضحكين والكوميديين بالذكاء. ولو أن للذكاء سمة كوميديّة عندما يقترن بالغدر والخداع، كما يروي الانسان بفلكلوره القصصي عن تصرّفات الثعلب الذكيّة، الذي يبدو أن لديه ذكاءً يخرجه قليلا من سياق طبيعة الحيوانات وسلوكياتها الاعتيادية، لهذا ربط الثعلب كثيرا بالشياطين بمعتقدات عدد من الشعوب[4]. ولو كان لنا أن نتساءل قائلين: هل يمكن للروبوت (الذكاء الاصطناعيّ) أن يكون مضحكا وذا حسّ فكاهيّ؟ قد نتخيّل أي ابداع للذكاء الصناعيّ، إلا الإضحاك والكوميديا، يصعب تصوّر أن شيئا في غاية الإتقان والدقّة، قد يخرج عن السياق المصمّم له. ولو تخيّلت وسيلة لاختبار وفحص انسان آلي، إذا كان روبوتا (ذكاء اصطناعي) أم لا، لاخترت الضحك والإضحاك، بدلا من سلسلة الأسئلة المنطقيّة، التي تعمل للكشف عن البشر الآليين، كما شاهدناها مثلاً، في فيلم Blade Runner (1982).

إن أردنا، كيف يمكن أن ينتج الذكاء الاصطناعي الكوميديا والنكت؟ ما ينتج عن الذكاء الاصطناعي عادة، معطيات تستند إلى منطق مستخلص من الخوارزميات، وبيانات يمكن تحليلها للوصول إلى استنتاجات وتوقعات منطقية، ما يجعله قادراً على معالجة مشاعر مثل الحزن، وإن كان بدرجات محددة. فالحزن يمكن توقّعه وفهم أسبابه، بينما يظل الحسّ الفكاهي لغزاً يصعب التنبؤ به، إذ يعتمد على عنصر المفاجأة الذي يولّد الضحك. لا يمكن بناء قصة كوميدية على حدث واحد يتطور بشكل متسارع، مثل كرة الثلج التي تكبر تدريجيًا، كما يحدث في حالات الحزن. ففي حين يعتمد الحزن على سلسلة من التطورات التي يمكن التنبؤ بها وتراكم المشاعر، فإن الكوميديا تقوم على سلسلة من المواقف المضحكة التي إذا توقفت، زال أثرها سريعًا. هذا يتناقض مع الحزن الذي يظل قائمًا بعمق وبُعد زمني. للكوميديا طابع ابتكاريّ أكثر من الحزن، ما هو مُحزن عند شعب ما، حتما محزن عند باقي الشعوب. لكن ما هو مضحك عند شعب ما، قد لا يُضحك شعوبا أخرى بالدرجة نفسها. وقد تزداد المسألة تعقيدا، فالنكتة يتفاوت مفعولها من راوي الى آخر. ومفهوم ما هو مضحك أوسع بكثير من ما هو محزن. ما هو محزن يُبنى ضمن قصّة أو حكاية، في حين أن ما هو مضحك يمكن أن يكون تصرّفا أو تجسيدا، شيء لحظيّ لا امتداد منطقيّ له. ومن خلال ذلك، قد نتخيّل الذكاء الاصطناعي يبني حكاية أو حدثا كوميديّا، لكنه لن يكون إلا اجترار أو استنساخ لصيغ فكاهيّة سابقة. من يملك حسّا فكاهيّا لا يستطيع أن يعلمها لغيره، بل إنه لا يملك لها معرفة ولا نتخيّل أن ينتهي حسّه الفكاهيّ، يمكن فقط أن نتخيّل روبوتا ذو حسّ فكاهيّ، شريطة استقباله البيانات مثل الانسان، بحواسه وانتباهه لردود الأفعال والتلميحات، و ماينتجه من تفاعل خاص ومباشر. الذكاء الاصطناعي يعتمد على المحاكاة، وتعتمد الكوميديا على الإبداع. 

 


 الضحك

الضحك  استجابة طبيعية للفرح أو المفارقات. لقد اهتمت الأدبيات البشرية بعلاقة الضحك بالمفارقات، حيث يُعتبر الضحك في بعض الثقافات، مثل الثقافة الروسية، دليلاً على قلة الأدب إذا كان بلا سبب. لأن الضحك فعل تفاعلي، فإن رواة النكت قد يضحكون أكثر من المستمعين. لكن أكثر النكات تأثيرًا هي تلك التي تثير ضحك المتلقي دون حاجة لتفاعل من الراوي. من جهة أخرى، فإن سرد النكات كتابةً يكون تحديًا، إذ تكون أكثر فعالية عندما تُروى شفهياً من قِبل شخص يتمتع بقدرة على الأداء، حيث تُعزز نبرات الصوت وحركات الجسم من التجربة. يبدو أن للضحك جذورًا عميقة في النفس البشرية، ورغم فهمنا لكون الضحك والنكات أفعالًا تفاعلية، إلا أن نقلها في إطار محدود، مثل النص المكتوب، يُعد مهمة صعبة، كما تفعله عبارات مارك توين بكتبه. وكم تبدو العبارات المضحكة والطريفة عميقة بلسان الفلاسفة، الذين يقلّ عندهم الطابع الكوميدي، إلا من باب النقد، و تكون لاذعة وبليغة بامتياز، مثل عبارات نيتشه الناقدة للألمان والعبارات السياسيّة اللاذعة للأديب والفيلسوف الفرنسي فولتير. ولفهم الغاية لمثل تلك العبارات "يمكن وضع حدّ فاصل بين النقد والإهانة المباشرة، يكمن الاختلاف في ذكاء التقديم الذي يعتبر سمة هامة للنقد إن هذه حقيقة نفسية و ليست تقليدا أدبيا. نستطيع أن نتحدّى أو نشتم الأشياء التي نخافها لكننا لا نضحك عليها. أن تضحك على شيء دليل على إحساس الضاحك بالتفوّق" [2]



الضحك شعور  أم فعل؟

هل سمعت أحدهم يقول (دون أن يضحك فعلاً) : أضحكني قول فلان، أو ضحكت من تصرف ذاك؟ ولو أنه فعليّا لم يضحك، أي لم يصدر ذلك الانفعال والذي نسمّيه الضحك. هل يصحّ أن نقول بأن الإنسان يضحك في قلبه؟ (من داخله)، عدا عن حالة الرغبة بالتعبير عن الفرح والابتهاج، بقوله أنه ضحك، دون أن يصدر منه ذلك التفاعل، كإثبات وجود الفرح والابتهاج بضحكة افتراضيّة. كثيرا ما يعبّر الضحك الافتراضي عن التندّر، كردة فعل مناقضة لما هو مفترض، أو ضحك يحمل طابع التفاعل مع الكوميديا السوداء، "ضحكت في داخلي" و "أنا من داخلي أضحك"، هل هو ضحك حقيقيّ؟ وهل خلق تفاعلا كيميائيا داخل الجسد، بما يجسّده من شعور كما يفعل الحزن وغيره من المشاعر. الضحك وما يمثله من تفاعل وانفعال (شعور)، يحمل طابعا أكثر فجائيّة ولحظيّة من الحزن، الذي يبدو أحب كثيمة يتم تناولها بالابداعات البشريّة، من قصص وأشعار وخرافات. لحظات الحزن أطول أمدا من لحظات الشعور بالضحك، لذا يمكن تأملها ووصفها أكثر. في حين يصعب الإمساك بلحظات الشعور بالضحك، وبالتالي تأملها. كأن الحزن صورة ساكنة في حين يبدو الضحك صورة متحرّكة وخاطفة. 


 "إذا ضحك المرء فعلى الآخرين، وإذا بكى فعلى نفسه"

مثل هنديّ [3]

 


جذور الضحك، متى ضحك الإنسان أو مرة؟

 هل تعلّم الانسان الضحك، ومعها تعلّم ما هو مضحك (الكوميديا)؟ يسهل إضحاك الأطفال أكثر من غيرهم، ويسهل إبهارهم و خداعهم، وكأن هناك صلة بين عمر الإنسان وسهولة إضحاكه. أيملّ الانسان مما كان يضحكه؟  وتزداد صعوبة إضحاكه وتقلّ  بتقدّم الانسان بالعمر؟  كأن في الأمر خدعة! كأن ما يضحك الانسان ليس إلا شيئا نجح بخداعه. يمكننا القول بأنّ الضحك يحمل شيئا من بقايا طفولتنا. ولنا أن نسأل باعتباطيّة، كيف سيضحك الروبوت لأوّل مرة وهو لم يكن طفلا في يوم ما؟

 


الختام: هل الحس الفكاهي ملَكة؟

كيف لصاحب الحسّ الفكاهي معرفة ما يضحك الناس؟ وكأنه فهم لنفسيّات البشر وتفكيرهم. ولكونها -كما سنفترض- مَلكة، فهي ليست قائمة على سلسلة من العمليّات التحليليّة وتنتهي باستنباط دقيق، بل إنها أقرب إلى الحدس. لهذا يمكننا القول بأن من يملك حسّا فكاهيّا، لديه حدس كوميديّ دقيق أكثر من غيره. 

يظل ما هو مضحك (الكوميديا) موضوع يصعب فهمه وتناوله. يمكن اسقاط أوصاف كثيرة لوصفه، ومن ثم دراسته. كأن نتخيّل أن الكوميديا عمل يحاكي الجانب الخلفيّ لتفكيرنا، والجانب الذي لانرغب أن يمثلنا ونُعرف به ونُختزل في داخله. ولكنه سيظل جانبا نحبّ من وقت لآخر الهرب إليه، كمساحة مريحة من ثقل وعبء الحياة وجديتها.

 

---------------------

الهوامش:

[1] ليليان هيرلاندز، ج. د. بيرسي، ستيرلنج أ. براون، ترجمة محمد الجورا، دار الحقائق للطباعة والنشر والتوزيع.

[2] نفس المصدر السابق.

[3] روحي البعلبكي، موسوعة روائع الحكمة والأقوال الخالدة، بيروت: دار العلم للملايين.

[4] مارتن والن، (٢٠١٠)، الثعلب التاريخ الطبيعي والثقافي، ترجمة ريم الذوادي، أبوظبي: كلمة للنشر والتوزيع.

 

 

 

 

الاثنين، 7 يونيو 2021

( نادني لينا )





 "اندلعت الحرب العالميّة الثالثة عام ألفين وثمانية. استخدمت فيها الشعوب المتحاربة أسلحة مغناطيسيّة تفوق في قدرتها الأسلحة التقليديّة. ونتيجة لذلك حلّ الدمار في البرّ والبحر. انقلبت محاور الكرة الأرضيّة وباتت الكرة الأرضيّة تعيش كارثة مؤلمة. مضى الآن عشرون عاما على الكارثة ولم يبقى على هذه الجزيرة سواي. أتت الحرب على معضم أجزاء الكرة الأرضيّة. والآن أخذت الأشجار والحشائش تنمو ثانية، وأخذت الأسماك تملؤ مياه البحر. لقد انتعشت الأرض وامتلأت بالحياة من جديد"




المقدمة الأشهر في عالم الكرتون؛ لا شكّ أن الكثير ستشتغل أذهانهم بصوت جدّ عدنان وهو يكتب المقدمة بمذكراته ، ونسبة منهم سينتبهون لصوت عدنان وهو ينادي "جدّييييي" آخر المقطع. ألفت الرواية عام ١٩٧٠ تخيل المؤلف قيام هذه الحرب بعد ٣٨ سنة أي ٢٠٠٨م. 

 

رواية المدّ الهائل:



خبر إعادة الدبلجة ذكّرتني برواية (المدّ الهائل) لألكسندر هيل كي، وبدأت بقراءتها لأرى القصّة بالكتاب. أنهيت الرواية وبدأت أقارنها بالقصة الكرتونيّة

 


تذكّرت ستانلي كوبريك وهو يتعامل مع النصوص التي يقتبس منها أفلامه، التفاصيل موجودة في كتاب "ستانلي كوبريك: سيرة حياته وأعماله" للمؤلف: فنسينت لوبرتو. يمكن اعتبار هذا الكتاب مرجعا رائعا لهذه المواضيع وكذلك يحكي كثيرا عن التفاصيل التقنيّة والتي حتّمت على المخرج تغيير النصوص الأصليّة والخروج بنصّ جديد أو لنقل محسّنات سينمائيّة. التزم ميازاكي بأساسات القصّة مع تبديل كبير بالمسارات وترتيب الأحداث ماجعل ميازاكي يحلّق بالقصّة بمعنى الكلمة.

 

 الرواية انتهت عند الحلقة الثالثة  على ما أذكر من الجزء الخامس -عدنان ولينا مكوّن من ستة أجزاء- وأغلب الأحداث تدور بالجزء الثاني والثالث من الشريط الكرتونيّ، جزء كبير وكبير جدّا من إرث عدنان (القصّة الكرتونيّة) بجمالها وروعتها أستحدثه ميازاكي دون انتهاك لروح الرواية الأصلية.   

 

 

 إعادة الدبلجة:

نعود للدبلجة الجديدة، لم كل هذه الضجّة؟ قد لا يعرف بأنّ "سلاحف النينجا" لها دبلجتين مختلفتين كليّا وأجزم أنها لم تكن لتثر الجدل رغم اختلاف المستوى بينهما. و "هكلبري فن" على ما أذكر لها دبلجتين بل إن هنالك مسلسلات أعيد انتاجها بحلّة جديدة وأفضل مثال "ريمي الفتى الشريد" و "دروب ريمي" وأتذكّر مسلسلا أعيد دبلجته بما يسمّى بالدبلجة الاسلاميّة، كانت تجربة تدعو للسخرية أحيانا وطالت هذه التجربة الفيلم الجميل "قبر اليراعات" والمعروف عربيّا باسم "سيتا الحنون" دبلج ثانية باسم "نارا الصغيرة والطائرات المغيرة" وكانت أصواته تشبه أشرطة التسجيلات الاسلاميّة، لكن ذلك لم يحدث أي ضجّة تذكر، وإن تحسّرت على فوات النسخة المدبلجة من "سيتا الحنون" على من شاهدها بنسختها الأخرى "نارا الصغيرة.."

لكن مع عدنان ولينا الأمر مختلف. من الخطأ إثارة ردود الأفعال باسم ذكريات الطفولة؛ أنت لن ترغم غيرك على مسار طفولتك والمسألة ليست كما تقول الكلمات التي أقتبست كثيرا بالسوشيال ميديا عن المقاهي والرفاق ومن يعيد الرفاق والخ أنت لن تستطيع إعادة حالتك الأولى وأنت تشاهد عدنان ولينا في طفولتك؛ لن تستعيد الدهشة الأولى ولا تلك المساحات المبهمة من غموض التعابير والأحداث بالنسبة الى عمرك ومعرفتك وطريقة تعاملك الأمر أشبه بقاعة سينما بشاشة مميّزة أقفلت أبوابها الى الأبد ولو أعدت مشاهدة نفس المسلسل في أماكن مختلفة لن تغيّر من حقيقة أنك لن تشاهد بعد الآن هذا المسلسل من ذلك المكان. أنت بنفسك خسرت طفولتك بحكم الزمن، عن أي شيء تحافظ عليه إذا؟؟ من وجهة نظري إن كان هنالك شيء يدعو للغضب فهو: 

١. اقفال حلقات المسلسل القديم من اليويتوب وهو تصرّف عدواني -للأسف مشروع ربّما- 

٢. التفريط بقيمة عمل ثمين يعدّ إرثا، لا لطفولة جيل بل لنا جميعا.

 

 

قيمة الدبلجة القديمة:

دبلجت مئات المسلسلات الكرتونيّة لكن عندما نتحدّث عن عدنان ولينا ستدرك أذهاننا أن لها نجاحا مختلفا، يمكن أن نعبّر عنه بأنه كان نجاحا أيقونيّا. إذا كان جزء كبير من قيمة المسلسل الكرتوني "جزيرة الكنز" في صوت وحيد جلال (جون سيلفر) فكيف بعدنان ولينا والذي يستمدّ جزءا كبيرا من روعته وقيمته من نبرات صوت المؤدين وانفعالاتهم، نستطيع القول بأنّه أفضل عمل كان الأداء الانفعالي للأصوات فيه مميّزا. قد يتذكّر من شاهد المسلسلات الكرتونيّة العديد من المشاهد واللقطات والمواقف ولكن مع عدنان ولينا سيتذكّر حتما بعض الكلمات والجمل؛ لا لأنّها جملا ترسخ ككلمات بل كأصوات علقت بانفعالها بالأذهان. من مِن متابعي عدنان ولينا لا يتذكّر جيّدا كلمة "إخررررس" بصوت نمرو وعلام -بالرواية ذكرت كلمة "إخرس" مرة واحدة ص ١٧١- ليس في الأمر مبالغة عندما أتحدث عن مثل تلك الأمور فلها وقعها ومثال آخر ضحكة عبسي وأجد مفردة مؤدّي الصوت لا تؤدي الغرض لعل مفردة مجسّد الصوت أفضل تعبيرا، فكلهم كانوا يتفاعلون بالمشاهد ولا أذكر مسلسلا كرتونيا خلق في الأذهان ذاكرة صوتيّة مثل عدنان ولينا الدبلجة الجديدة تشبه مقطع يوتيوبي لتعليم الأطفال الجمل والكلمات. رتم ثابت ورتيب وبلا روح وتفاعل.  

 

 

"نادني لينا"

بهذه الجملة بالدبلجة القديمة تحدثت لينا مع عدنان وفي الدبلجة البديلة تقول "أنا اسمي لينا، لينا نادني باسمي" . يعرف الكثير البداية الشهيرة لرواية "موبي ديك": "نادني اسماعيل" لهذا الاسلوب من الكلام سحره، أقرب للحديث منه إلى الإنشاء وهو الفرق بين الدبلجة القديمة والحديثة.

 


مقارنة بين الرواية والانمي:



"إذ قال: وغطّت السماء طائرات تشبه الفراشات"

لينا وهي تحكي لعدنان ماقاله جدّها عن ذلك اليوم

 المشهد المنذر بقيامة ذلك العالم، لينا قالت ذلك وهي تنظر الى عيّنة من تلك الطائرات (جمانة) وهي خامدة في قبو القلعة. الجمال الغرائبي والمخيف فنّ يبدع اليابانيون فيه كثيرا، لهذا أبدع الانمي في تصوير هذا المشهد. لم يستغرق استديو غيبلي في رسم التفاصيل كثيرا بالانمي كما نشاهده في انميّات أخرى مثل "قلعة هاول المتحرّكة" لكن بعض العناصر حيكت بتفاصيل إضافيّة خاصة القلعة والطائرة جمانة. تلك الطائرات كانت تشبه فراشة العثّة لكنها بلون معدنيّ قاتم ولها أجنحة ضخمة، حجم الجناح تقريبا بحجم حاملة طائرات، أي بحجم ملعب كرة قدم. ظهر هذا المشهد الذي وصفه الدكتور رامي للينا واصفا ذلك اليوم المشؤوم الذي انتهى فيه العالم "وغطّت السماء.." مرتين: الأولي بمقدمة المسلسل والثانية بفلاش باك سميرة وهي تتذكّر ذلك اليوم.



 

(سميرة تتذكّر)


لا وجود لهذه الطائرة بالرواية وهي عنصر مهمّ في المسلسل والانمي؛ يمكننا أن نخمّن بأنّ شكلها المخيف يعود الى طائرات سباق التسلّح المخيفة بالحرب الباردة؛ إذ تشبه طائرات B-2 الأمريكيّة وطائرات أخرى صمّمت بأشكال مشابهة. ولا ننسى طائرات النقل العملاقة السوفيتية "أنتونوف" الكثير من فئاتها ذات حجم مخيف


(قاذفات أمريكيّة ابّان الحرب الباردة)


  ونتحدّث عن عنصر مهم آخر ورئيسيّ بالانمي ولا وجود له بالرواية، القلعة. أغلب الأحداث تدور في أندستريا وهي الأرض المحيطة بالقلعة، ولا وجود لاسم أندستريا بالمسلسل؛ إذ أن القلعة تعني المبنى المهيب الضخم والأرض المحيطة بها -عندما أقول انمي أعنيه كمنتج من غيبلي وأسميه مسلسل وأعني الانمي بالدبلجة-  صوّر ميازاكي تلك الأرض كأرض جرداء خالية من أي علامات انسانيّة لكنها مليئة بالبشر، تشبه بيئة قائمة على دكتاتوريّة العمّال أو اليسار المتطرّف. مبنى القلعة، الشيء المفقود بالرواية لكنها علامة راسخة بالانمي، مبنى غريب وهائل ومخيف وفيها مقرّ استخلاص الطاقة الشمسيّة المرعبة، والأخيرة شيء أساسيّ بالانمي وهامشيّ بالرواية. لم تفصّل الرواية كثيرا بالمعدّات لكن ميازاكي الذي يحبّ التفاصيل فصّلها كثيرا. بعنصريّ: طائرة جمانة والقلعة. للقعلة مشاهد جماليّة، الليليّة منها بالذات، يمكن اعتبارها واحدة من أجمل صور استديو غيبلي الفنيّة.

  

(القلعة من الأعلى)

 

 (جمانة تخرج من أرض القلعة)

 

وما يجعلنا نعتقد أن المسلسل كدوبلاج كان بارعا جدّا تعامله مع الأسماء وطريقة التعريب: عدنان وهو بالرواية كونان احتفظ الاسم بالـ "نان" ولينا هي بالرواية لانا وجيمسي هو عبسي -وهل يخفى القمر- أما الاسم الأجمل، نمرو وهو بالرواية أورلو، نمرو ذلك الفتى المتنمّر والمتمرّد. تعامل مؤلف الرواية مع الكارثة ككارثة جيولوجيّة. ذكرت القشرة الأرضيّة في المسلسل أكثر من الرواية، وكأنّ ميازاكي تشرّب الرواية كثيرا. وبالرواية ذكر الـ "تسونامي" ولا أدري هل كان هذا الاسم مشهورا كما هو اليوم بعد تسونامي اليابان الذي ضرب المفاعل النووي؟ أمّا القنبلة المغناطيسيّة! كيف هي شكلها وكيف تعمل؟ لا أذكر بكتب التاريخ العسكري ولا المخترعات ذكرا لمثلها، لكنها تتكرّر كثيرا كثيرا في انميّات الميكا، غزو الفضاء؛ الكثير من الرجال الآليين يمتلكون أسلحة سميت بالانمي والمسلسلات أسلحة كهرومغناطيسيّة. أتخيّل هذا السلاح كقنبلة تخلق ثقبا أسودا أو فراغا ذو كثافة -ولو أن في هذا الوصف تضارب- لنقل تخلق فراغا كبيرا تعمل كدوّامة فراغيّة تجذب بكلّ عنف ماحولها وتدمره. 

ظهر مشهد من البداية حذف من المسلسل! وهو مشهد الكرة الأرضيّة وهي تغرق ببحرها والدوّامات تملؤها حاول ميازاكي بكلّ وضوح توظيف ما أمكنه من عناصر الرواية؛ في مشهد لسميرة وهي عند مرفأ القلعة كانت تقود الدراجة الهوائيّة بملابس أنيقة، بالرواية ذكرت قيادة الدراجات الهوائيّة كإمتياز طبقيّ وكذلك ذكرت بالرواية النقاط التي تمنح للأشخاص للترقية بدرجة مواطنته وهي النقاط أو العلامات في المسلسل. الاسقاطات السياسيّة أو الأيدلوجيّة واضحة بالمسلسل مثل الرواية والمسلسل حاول تصويرها أكثر. مدينة العمّال الكئيبة وفي أرض الأمل - جنّة هذا الانمي- أكثر كلمة ملفتة فيها كانت "العمل/الى العمل"  وهو ماكان يكرهه عبسي الفتى البريّ كما صورته الرواية. عبسي شخصيّة رئيسيّة بالمسلسل وهامشيّة بالرواية. والتقسيم وفق الأعمار، كانت صورته واضحة كثيرا في المسلسل؛ أرض الأمل والتي تشبه الأراضي السويسريّة -بالرواية ذكرت باسم هاي هاربور كأرض فيها غابة ووادي وهضاب لا أكثر- المسلسل استغرق كثيرا في تصوير هذه الجزيرة كجنّة أبدع في ميازاكي رسمها. واستبدل مشهد الماعز المشوي بالرواية بخنزير برّي مشوي على طريقة "ليشون" الفلبينيّة، في المسلسل سمي هذا الحيوان بالثور لأسباب واضحة مشهد عبسي وهو يعدّه ويلتهمه واحد من أشهى المشاهد في عالم الانمي

 

(ثور عبسي وبالأصح خنزير عبسي D: )


وتوكيدا لروعة المسلسل بالدبلجة أصوات العضّ والمضغ كانت مغرية D: . "يا لرائحة السمك القذرة" كان هذا تعليق سميرة عندما دخلت كوخ عدنان لأوّل مرّة ولكنها بالرواية تصرفت عكس ذلك والتهمت بنهم السمك المدخّن الذي افتقدته بسبب ندرة الأخشاب في مكان إقامتها. بالرواية ملابسها كانت بنطالا فضفاضا وسترة غير منمّقة لكنها بالمسلسل عكس ذلك؛ ترتدي بزّة رسميّة وعمليّة.المقارنات كثيرة كثيرة لكنها تدل على استنبات ميازاكي للعديد من الأشياء التي وجد لها تربة خصبة بالرواية الأصليّة.



(مشاهد من أرض الأمل)

 

"ثم نزل مسرعا الى الشاطئ الضيّق، صارخا، باكيا وملوّحا على نحو بريّ بيديه"

هذا المقطع من الرواية، الوصف كان معبّرا و تذكّرت سريعا المشهد بالمعنيّ بالمسلسل ووجدته كما وُصف. 

"ظهر مخلوق صغير رثّ الثياب"

"كان قد ناهز العاشرة وكان يكبر بطريقة بريّة"

(عبسي)

ماهو إلا عبسي تماما بالمسلسل. تذكّرت ملحّنا سألوه عن سرّ نجاح أغنية قام بتلحينها، قال بأنها أتت له الكلمات جاهزة ولحنها معها، كذلك الرواية، أرى أنها أتت محمّلة بالصور والخيال وما على ميازاكي إلا أن يعمل عليها.

 لنتحدّث عن بداية الانمي أو المسلسل، بالبداية التقى عدنان بلينا وهي بالنسبة له كائن لم يسبق أن رأى مثله في حياته فقد ولد في الجزيرة المفقودة ولم يشاهد بشرا إلا واحدا وهو جدّه وهي شخصيّة رئيسيّة بالمسلسل كثيمة لذاكرة عدنان ولا وجود لها بالرواية، من هنا ندرك كيف صنع ميازاكي بداية موفّقة. ردود أفعال عدنان الأولى مع لينا كانت ظريفة وتعلّقه بها وبرائحة ملابسها وهو يقوم بغسلها مع ضحكات بمشهد لا تخفي دلالة رسم الأسنان حقيقتها المشاغبة.

  


التخاطر:



في الرواية هو موضوع أساسيّ، التخاطر وقراءة الأفكار وكلّ ذلك مع تقمّص الأرواح عالم غيبيّ. كانت سمة واضحة بالرواية، أتحدث عن نفسي وعند مشاهدتي للمسلسل لأوّل مرّة ولأنه عالم غريب بالنسبة لي. لم أدرك كثيرا هذه الظواهر، لم يظهر المسلسل تلك القدرات كشيء إراديّ، بل على العكس ظهرت بالمسلسل بشكل أفضل من الرواية. حالات لا يمكن تفسيرها، اكتسبتها لينا بفضل طبيعتها وحديثها الدائم مع الطيور، كانت تلك الفكرة مقبولة كثيرا بهذا الأسلوب من التورية.

 

 

عودة إلى الرسم أكثر:

 المسلسل استغرق كثيرا بالتوسع بأمور أخرى دون الابتعاد عن الرواية، لهذا بتصوّري لم يوري اهتماما كبيرا بتلك الظاهرة (التخاطر) الا بلحظات معيّنة. علينا أن نعي عندما يرسم الرسّام شكلا فهو وبلا وعي يكون قد كوّن فكرة ولو بسيطة عن أجزاء الشكل الداخلية وتكوينها. بالإضافة الى جمال الأشكال التي رسمها الانمي وتدل على تصوّر عميق للقصّة، الأجزاء الداخليّة من القلعة والرسم التخطيطيّ لها


القلعة وكذلك الطائرة "جمانه" والتي تظهر بالمخطط والتي تحدّثنا عن مثيلاتها سابقا رسمت أجزاؤها بعناية ملحوظة.


لم ضدّ الاعتراض بهذا الشكل على إعادة الدبلجة؟

   عندما شاهدت جنود القلعة والذين كانوا يرتدون بزاتا خضراء موحدة وخوذ تغطي الأعين اندهشت كثيرا عند نزعهم لأقنعتهم وكيف أنهم بدوا يشبهون كثيرا بقيّة الناس البسطاء في أرض الأمل. كنت أعلم يقينا أنهم بشر لكن مشاهدتهم بملامح مألوفة جعلني أستغرب كيف يكونون مثلهم ويقومون بأفعالهم المشينة اتّجاههم. كذلك لا أنسى العديد من العبارات خلقت فجوات من عدم الفهم مثل "عبثا تحاول" عندما قالتها سميرة لم أفهم بالبداية وعلى وجه الدقّة ماتعني، ليس عيبا بالدبلجة بل أمر رائع أن تواصل الدبلجة رتمها ويضطرّ المشاهد -ان كان صغيرا- للحاق بها. كل ذلك وأكثر العمر حينها سمح لي بالاندهاش ودفعني للتفكير أكثر، الأجزاء المبهمة لصغار الأعمار تحفّز الخيال كثيرا في حين الأجزاء الدقيقة والمفهومة للبالغين تحفّز على التأمّل وهنا الفرق بين مشاهدتك لمسلسلك بطفولتك وبعد بلوغك، باختصار تلك اللحظات ولّت فليس لنا حقّ في الاعتراض إلا على اختفاء تلك النسخ من اليوتيوب بسببها وحسافة أن ما عشناه -وكان جميلا بدليل عمقها في ذاكرتنا- لن يعيشه غيرنا إن اقتصر وجود المسلسل على النسخة الحديثة.

 

بالنهاية قليلة المسلسلات الكرتونيّة التي تميّزت أساسا بجمال الدبلجة والأصوات و "عدنان ولينا" أجملها.  وفي المسلسل كوميديا لا تنسى وكم هو مؤسف لو فاتت أحدا منكم.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2020

لا نهائيّة المعاني

 


 

"ألا تسمع هذا الصراخ الرهيب الذي يحيط بك من كلّ جانب؟ هذا الصراخ يسمّيه البشر بالصمت"

جورج بوشنر


توصف اللغة كثيرا بأنها أصوات لها طابع اعتباطي ولكن الانسان (المجتمع) يمنح هذا الصوت دلالة ما. وحتّى ان أصرّوا على أن لا علاقة للدلالة بذلك الصوت (صوت الكلمة) فإنه من الجميل أن نفكر بأن كلمة "أم" صيغت بهذه النبرة الحميمية بحرف الميم الذي يضم الشفاه، وإن كانت فكرة ساذجة وواهمة في نظر اللسانيين بالذات. حيث يرون بأن الناس يفكرون بهذه الطريقة لأنهم يرونها جميلة وخلابة لكنها ليست منطقية. الواقع أن ما قد يجعل هذه الفكرة أقرب الى الحقيقة كونها جميلة، يمكن اعتبار بعض النظريات والفرضيات صحيحة كونها جميلة وخلابة؛ الفكرة تبدو صحيحة لأنها جميلة، لا يعقل للحقيقة أن تتركها فارغة. طوال التاريخ والانسان يحارب هذه الأفكار الجميلة في سبيل الحقيقة وإن كانت مُرّة واعتبرها أهم من كل شيء -كان ذلك صعبا-  بعكس انسان العصور القديمة الذي لم يكن يحمل ذلك التقدير للعلم أو لم يكن يتخيل أن للحقيقة شكل مبسط لهذا أتاح لمختلف التفسيرات وأكثرها تحليقا وجمالا بأنّ تحيك من الحقائق ما تشاء. أتخيل أنه بعد ألف عام لن يرث البشر أساطير وقصص جميلة خرافية من عصرنا بل سيقفز للخلف أكثر.


حين يكون للصوت الاعتباطي دلالة ويصبح بعدها كلام ذو معنى ماذا عن بقية الإشارات على اعتبار أن الصوت إشارة. اللون مثلا، هل هو اعتباطي؟ أعني دلالاته هل منحناها له نحن أم وجدناها باللون نفسه؟ بعضها كذلك وبعضها منحت منّا، فكان اللون بهذه الصورة إشارة اعتباطيّة لكنه لم يكن كذلك عندما عنى اللون الأزرق الهدوء والسكون، حتما هو يعني أكثر من ذلك لكن هذا أسهل مايمكننا أن نجزم به. الشعوب تمنح الدلالات: ذاكرتها وأحداثها وأشياء كثيرة من حولها قد تصل الى حدّ اعتبارها جميلة، مقدسة. ولو خرجنا عن الألوان والأصوات البشرية لوجدنا الأشياء التي تبدو إشارات يمكن أن تكون لغة ذات دلالة: الغروب، الرعد، المطر. أوكلها اعتباطيّة وكذلك الدلالات الممنوحة لها هل جاءت اعتباطيّة؟ كأننا نخزّن فيها بيانات رقميّة وهي المعنى لنجد كل تلك الأشياء أو اللغات من حولنا ذاكرة متنقّلة.

 

هل تمنح بعض الشعوب دلالات لما حولها أكثر من غيرها؟ وهل نحن كأشخاص نمنح الدلالات؟ كل شخص يمنح وفق طريقته؟؟ وهل هنالك أشخاص أكثر من أشخاص؟ ماذا عن الحدّ الأقصى هل لذلك حدّ؟ ماذا لو أن أحدهم منح لكل شيء من محيط حياته دلالة ومعنى، لم يمنح النجوم دلالة ومعاني بل منح كلّ نجمة دلالة ومعني وحيدا وكلّ ذكرى (الذكريات إشارات كذلك) منحها دلالتها ومعانيها أيضا كيف يمكنه العيش وسط هذا الضجيج وسط هذه الغابة المكتظة من المعاني والكلمات (على شكل أشياء) والتي لا نهاية لها، هل يمكن حينها أن يجد لحظة صمت في حياته؟ لو وصل لهذا الحدّ سيبدو انتحارا بعد أن استنفذ كل شيء. والصمت وهو آخر شيء يملكه الانسان، الرمق الأخير للسكون وهو القلب النابض لكل المعاني والذي سيظل ينبض بمعناه الذي يملكه في أعماقه حتّى يطغى بالمعنى المجازي/ الإضافي الملقى على عاتقه. الصمت هو الأساس الي نستند عليه في كل ما نمنحه من دلالات ومعاني.


إننا لا نمنح الأشياء من حولنا دلالات ومعاني بل شيء من روحنا يتمّ قطفه لبثّ المعنى. في مشهد شبيه لما حدث مرة بانمي "ون بيس" حيث الناس يدفعون الضرائب من أرواحهم في جزيرة الـ بيغ ماما نفسها. كذلك الأشياء تطلب منك روحا لتأخذ المعنى منك. ماذا لو منح أحدهم كلّ شيء معنى ووجد نفسه خاليا تماما من أي شيء؟

لازلت أذكر حديث أحدهم الذي قال بأنه يستحيل حذف أي صورة أو أي شيء من ذاكرة "الميموري" حتّى لو حذفت فلا يمكن حذفها فيزيائيّا! كأن الحذف ليس إلا إعادة صياغة لا أكثر. كأنه لا نهاية لها مثل الفراغ تماما.




الأربعاء، 9 سبتمبر 2020

الشكل الفني للفراغ

 





ملء الغرف بالأثاث والزوايا وبتعبير آخر ملء الفراغ، هل يمكن أن نقول بصورة أخرى أنه رسم أو نحت للفراغ لإعطائه شكلا؟

عند دخولك أي غرفة أو مكان مغلق بطبيعة الحال مليئة بالأثاث والزوايا وهي بالمجمل تشكّل شكلا لها وللفراغ بالنهاية. يمكن تقييم مدى جمال الأشياء الماديّة أكثر وبصورة أقل الفراغ "الذي يسبح فوق أسطح الأشياء بتعرجاتها" فوق وعلى جنبات الزوايا وقطع الأثاث ويأخذ شكلا بالنهاية . لو غمرنا المكان بالماء ثم جمدناه وأزلنا قالب الثلج الناتج، سيكون له شكلا وهو انعكاس ماهو موجود من مواد وزوايا وقطع. بكلّ الأحوال المصمم لم يصمم ذلك القالب من الفراغ بل وُجد كانعكاس لما قام بتصميمه. 

السؤال: شكل الفراغ هذا، هل نشعر أو نعلم أو نراه في باطننا دون أن ندرك؟ هل يحدث ذلك من دون وعي ويكون له أثر بالغ على ارتياحنا في المكان نفسه؟

 

 

Ando Fuchs

كيف يمكننا أن نفهم بأننا نشعر بهذا الشكل من الفراغ دون وعي؟ 

(سقف الغرف) لو نسخنا غرفتين وجعلنا احداهما ذات سقف منخفض والأخرى ذات سقف عالي. سيحدث ذلك تغييرا كبيرا، يشبه الاختلاف بين شكل "المستطيل" و "المربع". رغم أن مساحة الغرفة لم تختلف ولا توزيع القطع والمواد، لكن الغرفة اختلفت كثيرا، وأثرها على الشخص أيضا. كلّ هذا أحدثه تغيير شكل الفراغ، وبصورة أدق كتلة الفراغ. ولو أدخلنا على السقف تعديلات شكليّة ليست بالزخارف والأبعاد التي يتضح تأثيرها بسهولة، بل تعديلات مثل انحناء زوايا السقف بطريقة معيّنة "ربع دائرة مثلا" أو بزاوية مكسورة على  90ْ هل سيحدث ذلك فرقا؟ وهل الفرق سينجم عن شكل زاوية السقف المنحنية أو المكسورة نفسها أم بالفراغ الناجم عن ذلك؟ يمكننا أن نقول بأنّ زوايا الأسقف تحدث فرقا بالفعل وعلى افتراض ذلك لماذا نجزم بتأثير الفراغ الناجم من زوايا الأسقف ولا نجزم بالفراغ الناجم من أسطح المواد والأثاث نفسه؟ ولو أجزمنا بتأثيرها نعود ونقول: هل ذلك ناجم من الشكل أم من الشكل الناتج بالفراغ؟  وعندما نقول مكان مريح، أثاث مريح، هل يعني ذلك أنه جميل؟ إذا كيف يكون العمل الفنّي مريحا -على اعتبار أن التصميم الداخلي عمل فنّي كذلك- هل نقول ذلك عند اعتباره عملا جميلا؟ بالنسبة للمكان والقطع، هل نقول مكان مريح بفضل الكرسيّ المريح فيه وباقي أدوات الراحة، أبفضلها نقول عن المكان مريح؟ أم لأسباب تتعدّى ذلك؟

 

 

ولو جزمنا بأن التصميم الداخلي عمل فنّي، أيعني ذلك أننا سنجد ما يتوافق بالمعنى استخدام كلمة "مريح" لوصف جمال عمل فني آخر وليس تصميما داخليّا؟ هل من مقاييس جمال العمل الفنّي أن يكون مريحا؟ لعل علينا أن نعود إلى معنى كلمة "مريح" باختلاف لغاتنا ان كنّا نؤمن بدقة إطلاقاتنا وتعابيرنا العفوية وكيف أنها عميقة إلى حدّ أن المفردة المختارة تحيط بالمدلول بكافة مرادفاتها (معانيها المعجمية) هل ماهو مريح بالفن (التصميم الداخلي) له رديف بالأعمال الفنية الأخرى مثل الرسم والنحت وغيره؟

 

 
Jesus Perea

 

 

في سبيل محاولتنا معرفة قيمة الفراغ، من خلال توزيع المواد والزوايا علينا أن نتذكّر أن ذلك سيعتمد على "ثلاثة أبعاد" في حين الرسم مثلا يعتمد على "بعدين" لكن البعد الثالث بالرسم يتمثّل بالخلفية وتخلقه الأشكال والألوان. الموناليزا المزيّفة، تختلف عن الأصلية في أوضح صورها من خلال الخلفيّة، (كتلة الفراغ ذهنيّا) والتي يمكن افتراضها وفق الألوان والأشكال. البورتريهات تختلف كثيرا وفق لون الخلفيّات وحدها، بعضها قد تخنق الوجه والشخص المرسوم وتغرقه، تمنحه مساحة شاسعة، وكما عبّر شبنغلر بكتابه "تدهور الحضارة الغربيّة" عن عمق "البني السرمديّ" وأشار إلى عظمة اكتشاف هذا اللون بالبورتريهات وكيف أنه يمنح الشخصيّة المرسومة بعدا وعمقا وأنت تتأمّلها، كأنك تتأمل عمر الشخص نفسه. يعني أن اللون وتدرجاته سيتحكم ويغيّر كثيرا بكتلة الفراغ المفترضة بالأذهان. 

 

أيضا الشكل (شكل الشخص وهيئته وكتلته الأمامية وتقاطع حدوده) والانحناءات الناجمة عن ذلك صانعة حدودا للخلفيّة. كيف يؤثر على شكل الفراغ باللوحات؟ 



عائلة رولين، رسم فان غوخ


يتضح ذلك كثيرا في لوحات فان غوخ بالذات، خصوصا رسمه لعائلة ساعي البريد رولين والدكتور جاشية. الخطوط فيها أنيقة وليّنة وفي غاية اللطف تمنحك شعورا مريحا تشبه نوعا ما الخطوط الأنيقة والميلان في الرسومات اليابانيّة.حدود الفراغ خلف لوحات فان غوخ لطيفة. 

 

 

ولو قلنا بأن الفراغ الناجم بالنهاية شكل. وقبل ذلك لنعد للشعور المريح أو الإحساس المريح، هل لهذا الشعور أو الإحساس وزن أم شكل؟ هل له شكل (كتلة) أكثر مما له وزنا؟ وهل لهيئة الفراغ شكله (وإن كان غير مرئي بل شكل ذهنيّ) وزن وثقل نشعر به في قلوبنا (مثل أن نقول شعور ثقيل) ؟ لديّ شعور بأنّ شكل الفراغ له أثر على هذا الشعور بالراحة وفي حكمنا على المكان. كأن نقول بكلّ بساطة عن شيء بأننا لا نرتاح له -وفق شكله-. هذا الشكل الذي نشعر به ونراه دون وعي أكثر مما نراه مباشرة ويؤثر في شعورنا نحو المكان. 

على كل حال وكما يصعب حكر الجمال بقاعدة أو نظام ثابت؛ بالإضافة الى تخبّط الأذواق واختلافها وتباينها توجد أمور أخرى غير مفهومة تجعلنا لا نفهم على وجه الدقة متى يكون الشيء جميلا أو لا كعمل فنّي لكن الأمر أقل ابهاما مع البشر والكائنات.

 

دائما ما أتخيل أن أثاثا مليئا بالنتوءات البارزة والطويلة بنهايات "شعيرية" -أو نهايات كنهايات أسطح كنيسة السيجرادا فاميليا- قد يخلق فراغا منفّر الشكل، يشبه بأطرافه الكائنات المجهريّة. مما يجعل المكان غير مريح. أتساءل إن كان ذلك ناجم من أطراف الأثاث نفسه أم الفراغ؟ 

 

 

الى هنا نحن نعرف بأن للفراغ شكل مؤثر لكن ليس له لون يرسم حدوده بدقّه. فراغ مجوّف، فكيف يمكننا الحكم على أثره وهو لايملك لونا وإن خمّنا بأن له هالة نشعر بها وبحدودها ما يجعل له شكلا تقريبيا يتشكل بالنهاية في أذهاننا، هذا الشكل "الهولوجرامي" الذي نجد أنفسنا -دون أن نشعر- أمامه وحتّى ونحن في داخل عمقه لا يخرج عن أذهاننا وجوده. إن ما يساعدنا على تشكيل الفراغ هو اللون والضوء. فهو يرسم حدوده بالزوايا والمساحات والأسطح والمواد. لهذا يمكننا أن نتخيّل أكثر بأنّ التصميم الداخلي عمل صعب. لا نستطيع القول بأن التصميم الداخلي والأماكن -بما فيها الطبيعيّة- تصمّم شكل هذا الفراغ بالأساس. بل هو نتيجة انعكاسية وإن كان جميلا ومريحا كان انعكاسا لما هو أجمل بالواقع. شيء جميل في نفسه وأثره (انعكاسه) 

 

 

رينيه ماغريت

بالنهاية لنقس على الأشخاص في معرفة عمق الحكم وفق الفراغ وشكله. نحن نعلم لأي درجة بأننا لا نحكم على وجودهم بالأساس دون أن نحكم وبصورة أعمق على غيابهم وما يحدثه هذا الغياب -ولو فرضا- من فراغ. بل إننا وبلا وعي نراهم من خلال ذلك الفراغ الذي يمكن افتراضه 



     



الأحد، 28 يونيو 2020

للطبيعة وجه طفوليّ

 بالنسبة لي يمكن اعتبار الأطفال منظرا طبيعيّا. الطبيعة وان آذت لا نحقد عليها؛ نعرف أنها فعلت ذلك بحكم طبيعتها. ليسوا كالبالغين ندرك يقينا أنهم يؤذون بعد تفكير وتعمّد. وليسوا أغبياء والطبيعة ليست غبية. إنهم أذكياء لكنهم لا يخفون تفكيرهم كما نفعل نحن البالغين. نحن نفكر بأن كل من حولنا يفكّر بأمر ما لهذا نفكر كردة فعل عدوانية ومع سلسلة لا تنتهي من هذه الأفكار ينشأ عالم متعب ومريب، وحدهم الأغبياء يقعون بالفخ دائما. لهذا نشعر ضمنيّا بأن من قد نلمح الى أنهم أغبياء لأنهم "على نياتهم" طيبون، حتّى في المسلسلات الكرتونيّة. انهم يلطّفون الشخصيات الشريرة بجعلهم أغبياء في عالم الكرتون، والأشرار الأذكياء هم الأوغاد بينهم. كلنا علقت فينا بقايا من طبيعتها الطفولية، مثل الحذر برفق لا يفسد سياق الأذهان وأشياء أخرى متفرقة يصعب علينا تذكّرها وهي في أعماقنا. طبيعتنا التي تظهر فجأة وفي لحظات معيّنة، بالغالب عندما نعبّر عن مايبهرنا فجأة -فهمت لماذا يقولون الفن يصنع السلام وان كان كاريكاتوريّا قولهم: حاربوا الارهاب بالموسيقى- لهذا التعبير عن ما يعجبنا بتفكير وذكاء حاد -كالسكّين- لا يبدو طبيعيّا، ألهذا لا نحبّ النقاد كثيرا؟    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الصورة من منغوليا

الاثنين، 25 مارس 2019

كرسيّ

كرسي وطبيب أو طبيبة نفسية ولكيّ لا أكثر الكلام أذكر أني قلت لأصحابي بأني أحلم بالجلوس على كنب جلديّ  فخم لونه بنّي غامق أغوص فيه. 

أدخل على الطبيب ولا أطيل في التحديق في وجهه لأنّ ذلك سيكون كافيا ليكون شخصا معروفا بالنسبة لي وكافيا كي أخشى أن أقول أي شيء حقيقي عنّي. إن ماسيجعلني أندفع لقول كلّ  شيء هو رهاني على بلادة مشاعره وكثرة القصص التي رويت له لاشيء مميّز يمكنني قوله ولو كان ما سأقوله واقعيّا وصادقا ذلك سيجعله شيئا تافها وعابرا أمام قصص الدراما التي قيلت له في هذا الكرسيّ على كلّ  مالذي كنت سأقوله:

  


(bla bla bla ..)

سأخبرك بسرّ أنا أعرف تماما تلك الأحداث التي أثّرت على طفولتي. تماما مثلما يقال كثيرا وبشكل مبتذل أنّ أحداث الطفولة لها تأثير عميق على حياة الإنسان.  لن أقول لك الأشياء التي أثّرت فيني وكانت سببا في فشلي إذ أنّ ولادتي كانت أكبر سبب لفشلي على حدّ علمي. لا تسخر منّي أعرف أكثر من كلمة كنت ألثغها دون أن أشعر وكان الجميع بما في ذلك من هم أصغر منّي يحدقون استغرابا بي. ليس العجز هو من جعلني أقلب حرف الـ "ر" الى "غ" بل إنني وبكلّ صدق كنت أسمع الـ "ر" "غ" حتّى عندما يخرج من فمي هذا الحرف كنت أستغرب مالذي يجعلهم لا يقبلون هذا الحرف اللعين كان المعلّم -بالمرحلة الابتدائيّة بعد أكثر من سنة وهذه المرّة مع حرف "ط" الذي يتحوّل الى "ق" معي- يشير الى لساني والمشكلة تشير إلى أذني. تجاوزت علّة النطق كلّ مافي الأمر أنّ سماع الجملة أمام تحديق الجميع كان مفزعا وأنا على استعداد بأنّ لا أسمح للظروف بأنّ تجعل من الجميع يحدّق بي لأي سبب كان.

هل أقول لك بأنّي أذكر المرة الأولى التي مشيت بها؟ لاشكّ أنّي كنت أحلم أحيانا تختلط علي الأحلام والذكريات مثلما يختلط على الشخص الكاذب الكذبة التي رواها فيصعب عليه أن يميّز في أقواله السابقة بين صدقه وكذبه. أو هل أقول لك بأنّي أذكر جيدّا الصورة الجماعيّة والتي كنت فيها بعين كانت تبكي بعمر الثلاث سنوات وماسبب بكائي حينها؟ كان سببا تافها، لأقل لك بأنّي أعرف جيّدا مالذي دفعني للبكاء لسبب تافه في حينها.





 (طبيبي العزيز أنت كلّ  من يسمع لي)


سأكون كاذبا لو قلت بأنّي استطعت قول كلّ ذلك لطبيب نفسي، ماكان ليسمح لي بقول كلّ ذلك وكأنّه في محاضرة، هذا سيجعل مني طبيبا شعبيّا يحاضر على رأس طبيب متعلمّ.    

عزيزي القارئ إن كنت قد وصلت الى هذه الأسطر وأنت عزيز عليّ أكثر من أي طبيب نفسي لن أطيل عليك وأقتلك مللا.



عزيزي القارئ، وعند كلّ  كلمة "عزيزي" محاولة للقفز خارجا منّي أشعر بأنّي أحشاء داخل جسد صنعه أهلي وذكرياتي ومواقفي التي عشتها وهو الجسد الذي تراه أمامك. إن حدود ذلك الجسد هي حدود أخلاقي وعاداتي وتصرّفاتي الممكنة وأفكاري التي أقولها وهي في رأس ذلك الجسد وليست في رأسي المسكين. لايمكنني الخروج منه هو بالضبط ما سأكون عليه إلى أنّ أموت.  إن محاولة الخروج من ذلك الجسد تشبه محاولة إخراج عضو حيّ من جسدي ذلك سيكون مؤلما بعد حادثة شنيعة تخرجني أحشاءا من جسدي. استعنت بأسماء\أشباح مستعارة لمحاولة تخليصي من ذلك الجسد، كلها كانت من الخارج تحاول عبثا إخراجي. 

دعك من الذين يتحدّثون عن تغيير الذات ،الانتصار على العادات والتقاليد أو القيم وما إلى ذلك. نجدهم يكثرون هذه الأيام الطريقة الوحيدة للخروج -وتوجد أكثر من طريقة وحيدة- هو الخروج بالقوّة من هذا الجسد الأمر الذي سيردي الجسد قتيلا، مالذي تتوقّع من جسد خرج قلبه، عقله لاشكّ أنّه سيموت وسيدفنه أهلي، ديني، وكلّ شيء ساهم في بناء ذلك الجسد لي. عندها سأعتبر ميّتا وسأكون روحا تائهة بالنسبة لهم. الانتحار -وهو ذا- خيار صعب وبحاجة الى قرار أحمق لايحسب حساب أي خسارة ممكنة.

إنّني أعرف تماما حدود نفسي، وأعرف كثيرا عن أشياء أرغم في قولها ولا أستطيع قولها كما أعرف أو لنقل أشعر -والشعور أعمق من المعرفة في هذه الأحوال- أحدا ترك من يحبّ لأنّ فكرة فوزه بمن يحبّ كانت أكبر من أن يحتمله، فكّر بأنّ من يحبّ سيكون أجمل وأسمى لو كان مستحيلا ولهذا ابتعد عن محاولة الامساك به وحدّث الجميع بأنّ السبب كان خوفه من أن يُرفض فيترك ذلك فيه شعورا بالرفض الى الأبد. الى الآن الجميع يصدّقه وهو كذلك يصدّق نفسه. لا تسألوني كيف، لست أدري أي جسد أحمق قال هذا وأي عقل ساذج فكّر بذلك. 

عزيزي القارئ





  

لم يعد لدي شيء أقوله إلا أنّ أحدّثك عل ذلك الكرسيّ الذي حلمت به، في حال لم أجد عند الطبيب النفسيّ نفس الكرسيّ الذي أرغب به. أحلم بكوخ هادئ في كارامبو، نيو مكسيكو أدخّن الغليون بكرسيّ هزّاز بعد الغروب وعلى ضوء شمعة أقرأ شيئا لا يشبه حديثي هذا على الإطلاق. 

لماذا كارامبو؟ 
لماذا نيو مكسيكو؟
لماذا غليون وكرسيّ هزّاز؟
راجع حلقة (مخلص صديق الحيوان) عن "روبو زعيم الذئاب" وستعرف إلى أيّ  حدّ يمكن لأحداث الطفولة أن تترك أثرها بالغا. 





(عزيزتي نفسي)


لا أحد غيرنا هنا لم يصل الجميع بعد.

الاثنين، 4 فبراير 2019

عن نونيّة ابن زيدون و هل على الحبّ أن يكون مؤلما أو أن يكون من طرف واحد؟

بالبداية أعترف بأنّي عجزت عن كتابة ما أودّ حول قصيدة ابن زيدون التي أحبّ. وأكثر شيء كنت أخشاه أن ينتهي استعدادي الى قراءة انطباعيّة عنها. 

أكتب ذلك وأنا أشعر بخيبة الأمل. 

وعقابا لي سأنشر ما كتبته كما هو: 


لاشيء يغذّي الحبّ أكثر من الحرمان ولاشيء يعكس حقيقته الأنقى إلا أن يكون من طرف واحد أو أن تجعله الظروف كذلك. هل هو شعور يدفع صاحبه أم أنّه شعور يندفع صاحبه فيه؟ هل لهذا الحبّ لذّة تشبه لذّة الألم؟
 للجرح ووخز الإبرة لذّة خفيّة لاتتعدّى مقدار جزء من ثانية يشعر المرء بأنّه قد شعر بها ولهذا قد نجد من يؤنّب نفسه ويعاقب نفسه ويؤلمها ويجد في ذلك لذّة خفيّة، هي لذّة ألم خفيّ عبثا يحاول المرء البحث عن تلك الوخزة وكأنّه يبحث عن ابرة في كومة قشّ. قد يغرق المرء نفسه بالألم حتّى يفقد أي أثر لتلك الوخزة فتغدوا آلامه بلا فائدة ويتشوّه شعوره كليّا

يصعب على المرء أن يزن مقدار مايحتاج من ألم ليلمس ذلك الشعور أو عمقه. الشعور به يحتاج الى شعور دقيق وحسّ مرهف. الكثير يحبّ  أن يلمس جرحه وكأنه يداعب ألمه ولا يفعل الشعراء إلا ذلك في قصائدهم وهي تحكي عن الفراق والحرمان والأحباب. يخطفنا بيت من قصيدة كوخزة! محاطة بالآلام حتّي أنّنا بالكاد نشعر بها عندما نقرؤ ذلك البيت دون باقي أبياته/آلامه. هل تستحقّ الوخزة كلّ  ذلك؟ بغضّ  النظر عن قولنا أصبحت تلك قصائد تسير بهالأزمان جيلا بعد جيل.



لم يدفع الحمد العذريين نحو العفّة لاشكّ  وأنّهم وجدوا فيه ما وجده عمر بن أبي ربيعة ولكن بصورة أخرى. ولو بدوا في أذى من حالتهم تلك. وهو ماتشير إليه أشعارهم، قد نشعر بشيء من سرور لكن ظاهر الحزن يخفي كلّ ذلك 
    

"يمكننا أن نحبّ دون أن نكون سعداء ويمكننا أن نكون سعداء دون أن نحبّ، لكن أن نحبّ ونلقى السعادة أن نجمع بين هاتين المتعتين الانسانيتين الكبيرتين هو الاعجوبة." 

من رواية بلزاك: (أسرار الأميرة دي كادينيان)


وإن كانت تكفينا وخزة من قصيدة حبّ كاملة فإن قصيدة ابن زيدون (أضحى التنائي) تكفي لأن تكون  وخزة قصائد العشق كلهّا. أبياتها تسرّك رغم مافيها من حزن وألم. شيء أقرب إلى الجنون أو إلى أن يكون المرء قادرا على أن يستأنس بحزنه

ليس للحبّ نهايات سعيدة إلا أن ينتهي هو نفسه. لطالما أنهت الحكايات قصص الحبّ بنهايات -يسمّونها سعيدة- تنتهي بالزواج والوفاق ومثل ذلك ولو استمرّت الحكاية قليلا لوجدنا ذلك الحبّ يتذبذب أمام أبسط المشاكل المنزلية.

في برزخ ما يقع الحبّ لذلك كانت أبيات ابن زيدون من أجمل مايكون بالكاد كان وصفه مكتملا وصريحا، إذ أنّه يترك مساحة خالية لاندفاعك نحو اكمال ذلك الشعور في كلّ بيت يعجبك وكأنّ قافية النون تشجّعنا على ذلك.

وقد نكون ومايخشى تفرّقنا 
فاليوم نحن ومايرجى تلاقينا
..
ماحقّنا أن تقرّوا عين ذي حسد
بنا، ولا أن تسرّوا كاشحا فينا

 وكذلك كان أكثر من اقترب من نقطة الألم تلك لأنّه كان يحوم حولها وهو يذكر تقلب الأحوال في كلّ بيت تقريبا، لازال في كلّ بيت يوغل الحسرة بعمق في كلّ  مرّة يذكر ماكان ايحاءً حتى ينهي بما آلت اليه أحواله ويظهر ذلك بدءا من مطلع قصيدته المشهور.

ياساري البرق غاد القصر واسقي به 
من كان صرف الهوى والودّ يسقينا
..
ويانسيم الصبا بلّغ تحيّتنا
من لو على البعد حيّا كان يحيينا
..
ياروضة طالما أجنت لوحظنا
وردا جلاه الصبا غضّا ونسرينا

 طالما أن الحبّ غير واضح فمن الأولى أن يوصف بمثل ذلك، بصورة لاتكون أقرب للحلم فيروى البيت ويفسّر مثل الحلم 

واذ هصرنا فنون الوصل دانية
قطافها فجنينا منه ماشينا
..
ويانعيما خطرنا من غضارته
في وشْي نعمى سحبنا ذيله حيـنا

كانت الصور تشبه مقتطفات أو بقايا مبعثرة على اختلاف أشكالها إلا أنّها كانت وكأنّها حروف تقول كلّ شيء، هذه الأشياء المبعثرة والتي كشف عنها ابن زيدون كما هي داخل حجرة قلبه. إنّه يحيط بالمعنى الذي يكتمل تصوّره في ذهن القارئ فهما وشعورا تماما مثلما يقول في هذا البيت 

لسنا نسمّيك إجلالا وتكرمة
وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا


القصيدة أجمل من أن تظلم باقتباس شيء منها، هي قصيدة تتمنّى لو أنّك كتبتها وبالنسبة لي أجد أن أعمق وصف يمكن أن يعبّراعجابك بعمل ما هو أن تتمنّى بأنّ العمل كان لك.






بصوت: ماجد الشبل الله يرحمه