الخميس، 1 أكتوبر 2026

-41-

.. بدأت أشاهد مسلسل "يوم آخر"*، صوت الموسيقى طاغية على المشاهد؛ تقريبا نصف المشاهد تبدأ بالوصلة الحزينة لدرجة أن وقعها يترك أثره المجهد على الأذهان. ادراكي ذلك جاء بعد إعادة المسلسل الكرتوني "لولو الصغيرة"، الموسيقى تطنّ كامل الحلقة وتسبب الصداع. كي لا أظلم، الأول مشوّق رغم كآبته وشخصياته الانهزامية -على الأقل أفضل من المسلسل الأتعس: حكم البشر- والثاني دبلجته مرحة للغاية. سمعت أن المقاطع القصيرة المتكررة، مثل آلات الكبس وغيرها تسبب التعفّن الدماغي، كذلك المسلسلات في مرحلة ما عند تكرار ودوران الأحداث تحدث أثرا مشابها، كأن هرمونات السعادة فأر هامستر يدور في دولابه ثابتا في مكانه. لهذا أحب الأفلام أكثر، وأتوق كثيرا لأفلام التسعينات الجميلة بقصصها الواقعية، وأتوق للحظات التركيز في أفلام الأوروبيين القديمة واليابانيين، ما يدعى تهكّما أفلام المحنكين D: ، التركيز الطاغي بحثا عن المعاني بتفاصيلها تمنحك تغذية فكريّة وشبعا روحيّا نفتقده في أفلام الأكشن. جرّبت العودة الى الرسم، وأنا مدين للفنّ الحديث لإيجاده سبلا لغير المتقنين بالتعبير رسما على غرار لوحات: تومبلي، ريختر، روثكو وغيرهم، رغم انهم بالأساس متقنين لأساسيات الرسم كثيرا. هل نحب موسيقى الثمانينات بدافع الحنين؟ أما الإنميات الكلاسيكية أجزم بأن حبها يجمع بين جمالها والحنين إليها وأنّى لنا بمشاهد مثل حديث سيلفر في "جزيرة الكنز" عن الغروب والقهوة. أما الجيمينج؟ ما لعبت أي شي بعد زيلدا بننتيندو سويتش. 


سنة مرت على " ... "** ، لم أحب العيش فيها وبالكاد عاونني وجود أصحابي من حولي. نفسيتي كانت في الحضيض ومزاجي كان على أهبة الاستعداد للانزعاج والكدر. لم أحب البحر هناك، كأن لا وجود له إلا على الخارطة. الأماكن اللطيفة قليلة هناك ولكن بعد مرور سنة وأكثر، أشعر بحنين خافت إلى تلك الأيام، كعادتي مع أيّ أيام قضيتها بعيدا في مكان ما ولكن في الـ "..."* كنت أعيش داخل قفص صنعته بنفسي، وتركت أجنحتي ملقاة على خدّي. أكان بإمكاني التحليق والخروج أبعد من مشاويري الروتينية. 


هربا من القلق ولنفض ما علق من أثر مزعج، أفكر في مشاريع ذهنيّة (جمع لوحات معاصرة وحديثة اعجبتني، تدوينة لهجوم العمالقة، قراءة اكثر واكثر شعر وكتب) وبنفس الوقت، أخاف من ازدحامها وتكدّسها في مخّي.



___________

* واحد من المسلسلات القطرية الكئيبة

** بلد

  



الخميس، 22 يناير 2026

تأمل وجوه الفنانين وهي تتقلّب مع الزمن في سلسلة لوحاتهم الذاتيّة

فنانان هولنديان انتهت حياتهما على نحوٍ تعيس.

رسم رمبرانت (1606–1669) عشرات البورتريهات الذاتيّة، وكذلك فعل سلفه المتأخر فان جوخ (1853–1890). كانت وثائق بصريّة أضافت قيمة تاريخيّة إلى جانب قيمتها الفنيّة والجمالية؛ سير ذاتية كُتبت بالفرشاة، وباحت بما لم تبح به الكلمات.

تأمل وجوههم عبر السنين: كيف غيّرتهم الحياة؟ وهل يمكن قراءة ما لم يُكتب من خلال ملامحهم أيمكنك سماع ما يودّون اخبارك به؟

رامبرانت واجه قسوة الحياة وتقلباتها؛ بعد المجد والثراء، أعلن إفلاسه. ماتت زوجته الأولى والثانية، وفقد ثلاثة من أطفاله في طفولتهم، وفقد الرابع يافعًا، ليلحقه بعد عام.

أما فان جوخ فقد اصطدم بصراعاته الداخلية أكثر مما اصطدم بالعالم. فشل عاطفي، لوحات غير مقبولة، خصومته وفراقه لصديقه جوجان، ونوبات انتهت بقطع أذنه ودخوله المستشفى. وحين علم أن أخاه ثيو – الذي كان يرسل إليه لوحاته – لم يستطع بيع شيء منها، أنهى حياته منتحرًا. في حياته لم تبع لفان جوخ إلا لوحة واحدة وهي الكروم الحمراء قرب آرل، 1890



عند تأملك تذكّر بأنّ كل زاوية من لوحاته تحمل معنى محدّدا؛ اللوحات لا تشبه المشاهد السينمائيّة، إذ يمكن أن تجد زوايا مهملة أو ملقاة على عواهنها إذ يمكن أن تشاهدها في الأفلام وحتى في أعمال الأنمي، قد تجسد المشاهد فيها بقوالب جاهزة. أما هنا، فكل ضربة فرشاة محكمة ومتعمدة، يكفي أن نذكر أن اللوحة الشهيرة  الرجل ذو الخوذة الذهبيّة، 1650 استبعدت من قائمة أعماله واعتبرت لفنان مجهول يشبهه! لأن فحوص الأشعة السينيّة كشفت تردّدات وتعديلات لا يفعلها عادة فنانٌ مثل رمبرانت.  يمكن الانتباه الى انقلاب ملامح الشخص المرسوم في اللوحة، تطلّع، فرح وسرور، وألوان وتعابير تزداد حزنا وقتامة مع  الأيام.  


الوضع مختلف مع فان جوخ، زوايا بارزة من لوحاته كأنت نتاج حركات انفعاليّة لفرشاة الرسم وسكّينه، كأنها انعكاسات لانفعالاته الداخليّة. ازدادت وضوحا بعد تركه باريس، كانت أنيقة في آرل ومتناغمة في سانت ريمي وواضحة في أوفرس. أكثر ما يلفت فيها: ألوانها الخلفية ونظرات عينيه.