مضى عام على تدوينة القصة الحقيقية وراء كل كتاب بحثت عنه أحببت أن أقف لأرى ما الذي تغير وما الذي أبحث عنه.
بدايةً، صرت أحب استخدام علامة التنصيص « » للعناوين D:، وعثرت فقط على واحد من قائمة الكتب الأحد عشر التي كنت أبحث عنها، وهو «قصص وطرائف عن الفلزات». ومثل أي صياد يبحث عن فريسة معيّنة قد يعود بطرائد بديلة وهذا ما حدث معي بكتب من منشورات مكتبة دار طلاس؛ إذ أن رحلة البحث أصلا كانت على «العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء»، كتب الدار العلميّة جميلة للغاية. وما أعجبني أن الكتب العشرة المتبقية ما زالت مرغوبة، بل زادت عليها كتب أعرف جيدًا سبب ولوجها القائمة لحداثة عهدها. ومن واقع تجربة، الأفضل التريّث فترةً حتى نتأكد إن كانت الكتب قد وصلت إلى القائمة بفعل هبّة حماس عابرة أو لا، خصوصًا إن كانت حديثة الطباعة.
من أين تأتي التوصيات؟ للبعض قدرة سحرية؛ أي كتاب يذكره ويمدحه يلقى بحثا وقبولا وإن كان الكلام بحجم تغريدة، فإنه يعطي صورة تلقيك أمام أجمل زاوية ترى من خلالها هذا الكتاب، في البال 3 حسابات بالذات. وما يبدو سطحيّا قد يكون عميقا، مثل الغلاف وحجم الكتاب ولون الورق والطباعة؛ كتاب «مجاني الأدب في حدائق» تأليف لويس شيخو من مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت، كتاب فاتن، رغم أنه منتخبات أدبية مستمدة من التراث، وهي كتب شائعة جدّا، إلا أن انتقاءاته ولغته وترتيبه بديعين وأضف إلى ذلك، حجم الكتاب وتجليده وخطه ولونه وممسكه (طريقة المسك) كلّها عوامل جعلت الكتاب مثالي للاقتناء، عثرت عليه بمعرض الكتاب بالرياض بسعر عالي، ومع ذلك لازال أخي يندب حظّه للتفريط به. وأحيانا يتكرر رأي إيجابي ملفت على كتاب بعينه من أكثر من شخص وبمناسبات متفرقة، مثل كتاب «تاريخ علم المنطق» لألكسندر ماكوفلسكي، ذلك جعل الكتاب يدخل في قائمة اهتماماتي أكثر، وكم كُتب عن المنطق؟ الكثير، لهذا اتفاق الآراء عليه ملفت.
لازلت أكتب وأنا أتخيّل جولات الصيد -من زمان- مع عمّي (": ، في احدى الجولات صادفنا طائرا ملفت يعرفه، حاول رميه، كان يشبه طائرا أسودا ذيله طويل وصوته طروب يرتاد نخيل بيتنا ولا أعرف اسمه، اللهم أن لونه رمادي ورأسه أسود بخطوط بيضاء وذيله الطويل اسود، يسميه عمي «قطع عشرة» ولا تسأل ليش.
أحيانا تصادف كتبا وإن لم تكن في قائمة البحث، إلا أنها في قائمة اهتماماتك الطويلة، حدث معي بكتاب «الشعور بما يحدث» لأنطونيو داماسيو، من الدار العربية للعلوم ناشرون وهي دار قلّما تعيد طباعته ما نفد من كتبها، لاحظوا بدأت ادرس سلوكيّات دور النشر مثل صيّاد D:، نشر للمؤلف كتاب آخر لكني آثرت الانتظار للعثور ما أرغب به وعدم الاكتفاء بحلّ بديل باقتناء كتاب لنفس المؤلف.
توجد كتب أبحث عنها من حين لآخر لفرادتها وقيمتها التاريخيّة، مثل كتاب «كي لا ننسى» تأليف مجموعة من المؤلفين وتحرير المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي، الكتاب عمل جبّار يوثق القرى الفلسطينية عام 1948م وما آلت إليه بعد الاحتلال مع نبذة تاريخية ولمحة اجتماعية عنها، العمل جدير بما أنيط به. وكتاب آخر يشبهه «قبل الشتات: التاريخ المصور للشعب الفلسطيني» أيضا للمؤرخ وليد الخالدي. اقتناء كتاب عن بلد وفترة تاريخيّة ما قد يدفعك للتوسّع لاقتناء فترات وبلدان اكثر أو اكمال السلسلة مثل سلسلة دارة الملك عبدالعزيز في ترجمة ما ورد بالكتب الكلاسيكية عن جزيرة العرب. بودّي لو أضع قائمة لكل بلد عربي وأهمّ ما كتب عنها بجانب معيّن في كتاب بسيط بلا مجلدات، كوثائق ثمينة على سبيل المثال مؤلفات حنّا بطاطو عن الأحزاب العراقية وفلاحي سوريا. ولا أنسى كتاب كارل تويتشل «المملكة العربية السعودية وتطورات مصادرها الطبيعية» عرفته هذا الكتاب المفاجئ والنادر من كتاب عبدالعزيز البراك «مشروع الخرج الزراعي في عهد الملك عبدالعزيز».
ومثل ذلك الكتب التي تمثّل مشروعا يقضي المؤلف عمره وجهده في إنجازه، فتلمس فيها أثر الوقت والعمل المتراكم، أحيانا أميل لاقتنائها تقديرا لهذا الجهد. أو المشاريع المعرفية التي تقف وراءها مؤسسات داعمة، فتلمس فيها أثر العمل الجماعي وما يتيحه من ثراء في المخرجات، مثل «الطيور في السعوديّة» الذي أعده مجموعة من المختصين في مجلدين مصوّرين وعلى نفقة أرامكو السعودية. قد احتاج الكتاب لأبحث عن طائر عمي الذي يبحث عنه.
أجمل لحظات البحث، التفتيش بحسابات النت وانستجرام بيع الكتب العلمية لدور النشر الروسيّة وغيرها، على غرار «قصص وطرائف عن الفلزات»، مواضيع مدهشة ونادرة، تثير لقافة الاطلاع ، كتب عن هندسة المناجم ، طرائف علم الفلك، الميتالورجيا العامة، فيزياء الغيوم وغيرها، في مكتبة المتنبي قدر لا بأس به من تلك الكتب، غالبا نادرة وكانت مقررات جامعية.
«مولد التراجيديا» لنيتشه، يتذبذب في قائمتي، أحب شذرات نيتشه وآراؤه الاندفاعية أتقبل الكثير منها، لكن تصوّرت بأنه سيكون أفضل ما يكون لو كان اكثر استرسالا وأقل انفعالية، وهذا ما يمكن ايجاده في التراجيديا، وللأسف بخلاف بقية كتبه يصعب العثورعليه. المفاجأة كانت مع رولان بارت؛ لم اقتني كتبه ولا أحب آراؤه لكن حديثا عن كتابه «درس السيميولوجيا» لفت نظري ومع تقليب الأفكار وبسبب صغر حجمه عزمت على وضعه في قائمتي.
الاسم المفاجئ لي كان حسن فتحي، تعرفت عليه من كتاب ابراهيم العريس «ألف عام من العمران»، من سلسلة لا بأس بها، وجدت في وصفه لحسن فتحي ماكنت أتوق لمعرفته عن عالم العمران، دور مجتمعي، استخدام مصادر وحلول طبيعيّة، بيوت طينيّة وفي بيئة تشبه واحات أفلام الكرتون - أساسا احدى أمنياتي أعيش فترة في واحة معزولة بالصحراء الكبرى-، كتابه الأشهر «عمارة الفقراء» وليس أمامي إلا كتابه الأقل شهرة «الطاقات الطبيعية والعمارة التقليدية»، مشروعه الملهم انتهى بخيبة أمل وصار أطلالا. والغريب أن رواية «الجبل» لفتحي غانم تحدثت عن مشروعه ولكن بإطار سلبي -كما فهمت- السؤال، هل أبحث عن الرواية؟ D: وبالحديث عن الواحات والصحاري كتاب «في صحراء ليبيا» لأحمد محمد حسنين يراودني وفاجأتني تعليقات الناس عليه، خصوصا بعد ندمي على كتاب رحالة فرنسي عن الصحراء الكبرى فوتّه من معرض الكتاب، لعله من حسن حظّي من يدري! مثل هذه الكتب تدخل القائمة كذاكرة عشوائية تتردد من وقت لآخر والقليل منها يدوم، لكني افتقد لكتاب عن هذا المكان الذي أتخيله كثيرا، الى درجة أحببت الجزئية الصغيرة من كتاب «ثعالب الصحراء» لبول كارل عن رومل والفيلق الافريقي، في وصف رحلة البحث عن واحة.
بمكتبة والدي في بداياتي لقراءة كتب التراث بتعثّر، وكتب المؤرخين العرب تكرر على هامش ما أقرؤه كتاب «صبح الأعشى» للقلقشندي، بدا أنه محيط ويحمل كلّ ما أفقده من تفاصيل، قبل الانترنت والتواصل الاجتماعي لم يكن في يدي إلا التخمين عن ما يحويه الكتاب. فتشكلت في ذهني صورة عنه، وحتى بعد اطلاعي على كتب «الأغاني» و «سير أعلام النبلاء» لم تخفت الصورة إلا بعد اطلاعي وصدمتي؛ لم يكن شيئا مما تخيلت وزال الكتاب من قائمة الاهتمام. وبنظرة بسيطة عن وضع المكتبات ووسائل التواصل، ليس للكتاب ذكر ملفت. لكن أحبب صورته في ذهني.
بالروايات «رحلة إلى آخر الليل» لفيرديناند سيلين، الأجدر بالقراءة بعد ريمارك، لمن يحبّ أن يقرأ أكثر عن الحرب العالمية الأولى، الرواية تروح وتجيء في ذاكرتي/قائمتي. ولا أنسى لدي رأي كونته، روايات ألكسندر دوما الطويلة ليست شاقة، لذا احتاجها لأدخل بعيدا في رواية ما. بقي أن اختار أي من رواياته الطويلة أبحث.
بالنهاية كلّ ما أتخيله أن أجمع ما أحبه من كتب وفي بالي مشهد لمسلسل الكرتون «الخُلد الصغير» وهو يجمع الزاد استعدادا لبياته الشتوي آمنا ودافئا في جحره/مكتبته، ورائحة التربة الرطبة تعطّر المكان وتجلب السكينة.






