الخميس، 29 يناير 2026

-41-

متى ادركت بأني كبرت بالفعل؟
أعندما بدأت تقلقني بقع الأوساخ الصغيرة على ثيابي، وبدأت أتقيّد بقواعد اللباس والهندام وفق الذوق العام، ولم أعد أتمرّد بملابسي؟ كلها  مراحل افتراضيّة وأعمار رقميّة لكن ما جعلني أدرك بأنني كبرت وبأن العمر طوى رغما عني صفحات كنت أتشبّث بها وكادت تسحقني يوم رميت نفسي كفاصلة لتثبيت تلك الصفحات. 


كنزي الثمين ولازلت أحفر ذاكرتي لأخرجه في كل مرة وأعيد ترميم حفرتي وإخفاء معالمها، إلا أن كثرة الحفر جعلتها تشبه ساحة المعارك وحفر الخنادق المردومة ولازلت مصرّا على العودة لتفقد كنزي الحبيب. انتهت المعارك والحروب ولازلت أقف حارسا ولم أبدّل ملابسي ولم احتفل مع الجميع. ما الذي أخبئه في صندوق الكنز؟ لا شيء ذو قيمة إلا لي ولذاكرتي، أدوات وأغراض وأوراق كأنها معالم بارزة لتلك الأيام (قراشيع كما كنّا نسميها تلك الأيام)  تساعدني على تذكّر كلّ شيء والقبض على شيء من غبار تلك الأيام. 
كل شيء خبأته إلا أسماء وألقاب لا يمكن قبضها والاحتفاظ بها. بقيت حيّة تنبض برؤيتي الأشخاص الذين اطلقوا عليّ تلك الأسماء. بها سمّيت نفسي وتخيلتها اسم شخصيّتي الخياليّة التي تنبش في كنزي الثمين بانتظار اليوم الموعود يوم تحقيق كلّ شيء، وتحوّل كل تلك القراشيع إلى واقع وأشياء حقيقيّة. 

ماتا فجأة! من منحاني تلك الأسماء. شعرت بأنّي كبرت وبأن الحياة قاسية، صارخة، فجّة تدوس احلامنا الهشّة. فقدت كلمة السرّ وطريق عودتي لشخصيتي التي اعتادت الوصول وتفقد كنزي الثمين، وكل تلك القراشيع استحالت قراشيع  بالفعل. بل انّي -ويا للأسف- لم أخبرهم بكلّ ما عنوه لي ولطفولتي؛ من سيأخذ تلك الأوهام على محمل الجدّ والمعنى؟ للأسف أرغمت على كبت ما وددت اخبارهم به.

"أحقق حلمي"، قرعت العبارة ذهني كثيرا طوال عمري، وأنا أسمعها بمختلف الأعمال الكرتونيّة. اعتادت الشخصيّات تحقيق أحلامها في حلقتها الأخيرة، وبعدها؟.. بعدها حياة أخرى لا نراها ولا نعلم بها. ما حاولت انكاره أن للإنسان حلقة أخيرة تختلف كثيرا عن حلقات أفلام الكرتون، الحلقة الأخيرة وما بعدها؟؟ كنت أدرك كل ذلك ولكنّي استمريت في تشبثي بتلك الأوهام. قبل أيام شاهدت كايدو يقول في " ون بيس" ساخرا : "البشر .. انهم عاجزون عن فقدان الأمل"، انمي الكبار يوقظني ويسحب مني بطّانية احلامي. 




الخميس، 22 يناير 2026

تأمل وجوه الفنانين وهي تتقلّب مع الزمن في سلسلة لوحاتهم الذاتيّة

فنانان هولنديان انتهت حياتهما على نحوٍ تعيس.

رسم رمبرانت (1606–1669) عشرات البورتريهات الذاتيّة، وكذلك فعل سلفه المتأخر فان جوخ (1853–1890). كانت وثائق بصريّة أضافت قيمة تاريخيّة إلى جانب قيمتها الفنيّة والجمالية؛ سير ذاتية كُتبت بالفرشاة، وباحت بما لم تبح به الكلمات.

تأمل وجوههم عبر السنين: كيف غيّرتهم الحياة؟ وهل يمكن قراءة ما لم يُكتب من خلال ملامح هذه اللوحات؟ أيمكنك سماع ما يودّون اخبارك به؟

رامبرانت واجه قسوة الحياة وتقلباتها؛ بعد مجدٍ وشهرةٍ وثراء، أعلن إفلاسه. ماتت زوجته الأولى والثانية، وفقد ثلاثة من أطفاله في طفولتهم، ثم فقد الرابع يافعًا، ليلحقه بعد عام.

أما فان جوخ فقد اصطدم بصراعاته الداخلية أكثر مما اصطدم بالعالم. حبّ فاشل، لوحات غير مقبولة، خصومته وفراقه لصديقه جوجان، ونوبات انتهت بقطع أذنه ودخوله المستشفى. وحين علم أن أخاه ثيو – الذي كان يرسل إليه لوحاته – لم يستطع بيع شيء منها، أنهى حياته منتحرًا. في حياته لم تبع لفان جوخ إلا لوحة واحدة وهي الكروم الحمراء قرب آرل، 1890



عند تأملك تذكّر بأنّ كل زاوية من لوحاته تحمل معنى محدّدا؛ اللوحات لا تشبه المشاهد السينمائيّة، إذ يمكن أن تجد زوايا مهملة أو ملقاة على عواهنها إذ يمكن أن تشاهدها في الأفلام وحتى في أعمال الأنمي، قد تجسد المشاهد فيها بقوالب جاهزة. أما هنا، فكل ضربة فرشاة محكمة ومتعمدة، يكفي أن نذكر أن اللوحة الشهيرة  الرجل ذو الخوذة الذهبيّة، 1650 استبعدت من قائمة أعماله واعتبرت لفنان مجهول يشبهه! لأن فحوص الأشعة السينيّة كشفت تردّدات وتعديلات لا يفعلها عادة فنانٌ مثل رمبرانت.  يمكن الانتباه الى انقلاب ملامح الشخص المرسوم في اللوحة، تطلّع، فرح وسرور، وألوان وتعابير تزداد حزنا وقتامة مع  الأيام.  


الوضع مختلف مع فان جوخ، زوايا بارزة من لوحاته كأنت نتاج حركات انفعاليّة لفرشاة الرسم وسكّينه، كأنها انعكاسات لانفعالاته الداخليّة. ازدادت وضوحا بعد تركه باريس، كانت أنيقة في آرل ومتناغمة في سانت ريمي وواضحة في أوفرس. أكثر ما يلفت فيها: ألوانها الخلفية ونظرات عينيه.   

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

تسمع باللوحة خير من أن تراها

لم تبدو الأساطير والمخلوقات الأسطورية ساحرة؟ لأنها مترعة بالوصف ولم نرها على الطبيعة بعد. أقرب مثال لهذا السحر، سحر تخيّل اللوحات الفنيّة من وصف الكلمات. هل تعلق اللوحات  في الذاكرة عند وصفها بالكلمات أكثر من رؤيتها؟ أتذكّر عددا من اللوحات قرأت عنها في أسطر الكتب دون أي صورة لها. كثيرا ما استمتعت بنسج تفاصيلها في تفكيري. قبل رؤيتها.


ما الذي سيفتنك ويجذبك أكثر، مقال جميل عن اللوحات خالي من الصور، أم مقال يعرض صور اللوحات ويتحدّث عنها؟ أراهن أنك ستختار مقالا يعرض الصور ولو أنّي أجزم بأنّ متعة ستفوتك من لمس اللوحة بالأحرف قبل مشاهدتها.

 في الذاكرة لوحات أحببتها من وصفها ولو اقتصر على عنوانها، لوحات مثل  "بائعة الحليب" لجويا، ولوحته الأخرى "العصبة الحاكمة بالفلبين" بالكاد استطعت تخيّل لوحة جمالية بهذا العنوان. لوحة "مكتب القطن في نيوأورليانز" لإدجار ديجا. لوحة فيلاسكيز الشهيرة "وصيفات الشرف" الكثير تحدّث عنها بما فيهم فوكو. رامبرانت أكثر من أبهرني برائعته  "حرّاس الليل". لوحات وجدتها أقل جمالا من صورتها العالقة في ذهني من ريشة الكلمات، غالبا لوحات لمونيه  وجوجان!  -مع التنبيه أني أحب كثيرا لوحات الأول وعددا من لوحات الثاني- أما رينوار، غالبا ما كانت لوحاته تليق بما وصفت من كلمات.   


في بالي لوحات أحب وصفها والحديث عنها أو التقاط تركيزك بعنوانها لا أكثر: 

"الطاحونة" لرامبرانت، فراجونارد في  "الأرجوحة"،  "المطر والبخار والسرعة" لتيرنر، "قسم الأخوة هوراس" لدافيدز، "عربة القشّ" لكونستابل. السكينة بلوحات الطبيعة الصامتة لشاردان، الأفق والغيوم في لوحات جاكوب رويسدال، أسرار الطبيعة الغامضة مع كاسبر فريدريش، لكن الوصف بالكلمات يزداد صعوبة مع الفنّ المعاصر؛ كيف لأحد  أن يعبّر عن ما يعجبه بلوحات سي تومبلي وجيرهارد ريختر؟ حتما، الوصف سيأخذ منحى مختلفا وعبارات مدعّمة بالمصطلحات الحديثة، ذلك يقودنا الى اعتبار الوصف بالكلمات يستخدم أدوات لا تختلف كثيرا عن الألوان والفرشاة.

السبت، 29 نوفمبر 2025

العنوان كجزء من العمل نفسه

هل تعرف اسم معلقة امرؤ القيس؟ نسميها عرفا "قفا نبكِ". لماذا لا يسمّي الشعراء قصائدهم كما يفعل الروائيين؟ غالبا ما تأخذ القصائد أسماءها من اجماع الناس على مطلعها  أو مقطع وعبارة تمثّل ماريّة بارزة مثل "صبا نجد" لابن الدمينة، وأحيانا وصف يمثّلها مثل "لاميّة العرب" و "اليتيمة". القصائد بذلك تشبه الحكايات الشعبيّة (الفلكلوريّة)، عناوينها مختارة بتلقائية المتلقين بخلاف الروايات التي يمثّل العنوان السطر الأوّل منها، وإن وجدنا العديد من القصائد التي سمّاها أصحابها، وندرك أن العنوان حينها قد يمثل توقيعا للمؤلف  أو الشطر الأوّل و الأخير من الأبيات. هل تفقد القصائد بذلك تلقائيتها وتصبح نظما وغاية مثل "نهج البردة" للبوصيري وندرك إذا الفرق بينها وبين قصيدة "البردة" ؟ لا أميل لذلك ، وإن أخذت القصيدة بذلك منحى مختلفا عن التلقائية المعهودة بالأشعار، شيء ما يختلف بينهما مثل الاختلاف بين قصة قصيرة معنونة لكافكا مثلا، وحكاية شعبيّة نتداولها بعنوانها  المُجمع عليه.   

ما الذي يعنيه أن تعطي عملك الفنيّ اسما وما الذي يعنيه أن يترك العمل بلا اسم ليتلقّف الناس له اسما يمثّله؟ التأويل فضاء لا نهائيّ، لكن يُستدلّ فيه، كما نستدلّ طريقنا من النجوم في الفضاء الـ لانهائي، لكن وجود اسم وعنوان يعني أن أحدهم يشير بإصبعه الى نجمة محدّدة. 

القصائد غالبا عناوينها تلقائيّة سواء من المؤلف أو المتلقّي مثل الحكايات، بخلاف الروايات والقصص الأدبيّة. وفي عالم الرسم نجد هذا الاختلاف، لوحات نعرف أسماءها لأنها تصف مشهدا بعينه، وهي بذلك أسهل عنونة من القصائد، وأخرى اختار لها الرسامين عنوانا مميّزا، يمثّل توقيعا بارزا، وجزء أصيل من العمل نفسه، أكثر أصالة من أجزاءها الماديّة،  بقايا الخربشات والتشققات وشعر الفرشاة. والإطار. 


"ولازالوا يقولون السمك غالي الثمن!" 


لوحة الرسام خواكين سورولا، رسمها عام 1894م. يمكن للوحة أن تحدّثا عن نفسها ببساطة، فلوحة جيريكولد الشهيرة "طوف الميدوزا" تصوّر طوف الناجين من الموت والغرق بوضوح والعنوان أوضح أن اسمها الميدوزا لا أكثر، لكن بعنوانها تحدثنا لوحة سورولا بشيء لا نراه في اللوحة نفسها. ومثل ذلك نجد لوحات يبدع فنانيها عناوين جذّابة، مثل  "الحرية تقود الشعب" لديلاكروا، أو تزيد المشهد عمقا مثل "الوقت"  لفرانشيسكو جويا، وأخرى تستعير مفردة شاعريّة مثل "Saudade" للبرازيلي ألميدا جونيور، وهي مفردة برتغاليّة شهيرة لا مرادف لها باللغات الأخرى كأن اللوحة تحاول فعل ذلك بنفسها، المفردة تعني الشوق والحنين بلذة دافئة وألم لأحد نفتقده، وقد يأتي عنوان بعبارة تمثّل سياقا دقيقا للمشهد، مثل لوحة الفنان وليام ييمس "ومتى رأيت والدك آخر مرة؟" تصوّر صبيّا نبيلا يحقّق معه ضبّاط من الجيش البرلماني ابّان الحرب الأهلية البريطانية، اللوحة بالفعل تشبه مشهدا مسرحيّا وكلّ ما فيها من أشخاص وأوضاع تدور في فلك العنوان نفسه. وقد يطغى العنوان على المشهد مثل لوحة "هذا ليس غليونا" لرينيه ماجريت، فرغم العنوان إلا أن اللوحة تصوّر غليونا بالفعل. 


"الوقت" فرانشيسكو جويا، 1810م



السبت، 18 أكتوبر 2025

إيفانجيليون ونهاية أعمال الميكا


 هل يمكن اعتبار نيون جينيسيس ايفانجيليون (1995)  مسك الختام لسلسلة أعمال الميكا؟



في الذاكرة: مازنجر (1972)، جونكر (1972)، جرندايزر (1975)، البطل خماسي (1976) وغيرهم الكثير، أعمال ميكا كلاسيكية حازت مكانة كبرى  لكن سرعان ما وصلت تلك إلى مرحلة التشبّع وتكرار الأفكار.

رواج هذه الأعمال تزامن مع موجة البحث العلمي المبكر عن الكائنات الفضائية، و القلق من احتمال وقوع غزو خارجي أو نهاية كارثية للعالم، خصوصًا في ظل الحرب الباردة والتجارب النوويّة.



 نيون جينيسيس ايفانجيليون أو " انجيل عصر جديد"

الى حدّ ما، يمكن اعتبار العمل ذروة الميكا في إضافة الأفكار ؛ أكثر من كل ما أضافته الأعمال السابقة. يحظى العمل بتقدير واسع حتى من الذين لا يتابعون الميكا بشغف، وله حظور ملفت بالدراسات والمقالات الجديّة.

ما الذي نجده فيه ولا نجده في غيره؟ مع أن العمل لم يكن محبّبا على غرار سلسلة الأعمال الكلاسيكية ولم يكن شينجي (بطل القصة) مقرّبا الى قلوب المشاهدين، و على ما شاب نهايته بالفيلم من غموض وتداخل مبالغ فيه، للعمل أوجه تميّزه عن غيره. 



بدايات مربكة

لعل أول ما يطرأ على ذاكرة من شاهد العمل، الجمود والكآبة التي تسكنه؛ شعور يبدأ في أولى الحلقات. مشاهد مطوّلة وجامدة، أحيانا يكسرها حدث عابر وذو دلالة مفاجئة. شينجي (بطل العمل) يظهر بلا تمهيد، وقيادته للآلي تتم بلا تحضيرٍ كافٍ. لقاء عابِر مع والده يُثير أسئلة لا إجابات. ظهور “الملائكة” مفاجئ ومقلق. قلق الشخصيات وضجرهم ينساب إليك  فتحسّ بأن ثمة معارك نفسية تنبعث من الداخل ومن ماضي لم يروى وأحمال تثقل أذهانهم. بخلاف الأعمال السابقة، كان القلق ينصبّ من الغزو الخارجي وتهديده. 


عن الرسم 

أحيانا لا توحي صرامة خطوط الرسم بإمكانية حدوث أي حركة تكسر المشهد. التفاصيل المسلية قليلة، ومساحات الفراغ شاسعة، بعض الزوايا والمشاهد الخالية توحي بالإهمال والترك، كأن الجمود مقصود لإبراز خواء العالم. ومع ذلك الرسم ليس مبسطا؛ فالتلاعب بالزوايا والألوان الصارخة يبرز عناصر معينة، تضيف شعورًا قويًا يتناقض مع جمود الرسم. 



 بروز اللون والشكل


ألوان باهتة وضبابية تخلو من الحياة تعكس المشهد



المونتاج واللقطات

اللقطات المطوّلة في العمل تخلق شعورًا بالترقّب والملل، مشابهة لما نراه في الأفلام السينمائيّة. مصمم هذه اللقطات يدرك أن المشاعر التي تنتاب المشاهد تحتاج إلى وقت لتتكوّن، فتوقيت قطع المشهد وطريقة الانتقال تلعب دورًا مهمًا في بناء المعنى. مونتاج هذا العمل يتميز بشيء من الشاعريّة بحثا عن معنى.


الأسماء

 "الملائكة"، اسم يطلق على المخلوقات الغازية! ما يعكس تساؤلا إن كان البشر هم الطرف الشرير بالفعل. وبقدر غموض الاسم يأتي غموض المكان الذي أتوا منه. عنوان العمل "انجيل عصر جديد" يكتسب عمق دلالته من شخصيّة اسمها "آدم"، تتمحور حوله أجزاء مهمة من القصة. "حقل الإرهاب المطلق" وهي طاقة دفاعية وهجوميّة يطلقها الغزاة.  لا يبدو بأن الأسماء اختلقت لجذب الانتباه فحسب؛ بل لتوصيل دلالات دقيقة.


غموض وحذر 

بأعمال الميكا السابقة الغزاة يشبهون بعضهم، وحوش آليّة لها هيئة شبه بشريّة. بهذا العمل يمكن اطلاق عبارة "الشيء" على الغزاة؛ إذ يفتقرون إلى هيكل بشري ثابت أو إطار محدد. ويتطور شكلهم في كل مرة، ليقترب أكثر من هدفه. هذا التطور السريع يثير قلق الشخصيات، وينقل شعورًا مماثلًا إلى المتلقي. على عكس الأعمال القديمة، حيث كان اقتراب العدو متكررًا وروتينيًا، هنا يظهر العدو وكأنه يكسر الحواجز والمسافات، مما يزيد من التوتر والإحساس بالخطر.

ويمكنك الشعور بالقلق الذي انتاب العالم من وجود مدينة مخبّأة أسفل المدينة! في المدينة مطلّ بزاوية الغروب يشبه كثيرا مشاهد الانمي القديمة لشخصين يتأملان الغروب بسكينة بحثا عن السلام. بعض المنشآت يظهر عليها الحذر؛ أنشأت تحسبا لشيء ما. الكثير من الشخصيات عباراتها توحي بالملل من الهرب المستمر من تهديد مقلق لا يصل حدّ الفزع، مما يجعل التبلّد يسيطر على تعابيرهم، بما في ذلك العالم المسؤول عن مواجهة الغزاة (والد شينجي)، الذي بالكاد يظهر عليه القلق بشكل يكسر جموده.

الأسرار في القصة مصممة بعناية؛ فهي تخلق فراغًا يخلق انبعاجا على سلوك الشخصيات وتصرفاتهم.



طوكيو وقت الغروب



بين الواقعيّة والخيال

من يذكر التجارب العلميّة بأعمال الميكا؟ مثل تجربة التحام الأسلحة الطائرة بجرندايزر واليويو الكهرومغناطيسي في البطل خماسي. في ايفنجيليون التجارب أكثر تعقيدا وعلمية. ومعدّلات النجاح ضئيلة للغاية، بما يتماشى مع القلق والغموض المحيط بالأحداث. 

مصطلح الحاسوب الحيوي يتألّق كإضافة فريدة؛ فالمفاجأة في الدمج بين البيولوجيا والتكنولوجيا تقترن بازدواجية تُلقي بظلال مثيرة وريبة على طبيعة الكائنات والآليين وأجهزة الحاسوب. 

وعلى صعيد الواقعيّة، نرى القيود التي تحدّ من استخدامات الآليين وما تمثله من تحديات مقلقة؛ حاجة الآليين لكابلات الطاقة ولا يقاتلون دونها الا  لدقائق معدودة، مثل الرجل الحديدي لا يستطيع القتال إلا فترة محدودة. ولا يطيرون بصورة مطلقة مثل الميكا الكلاسكية. أو أسلحة لا محدودة من أشعات الليزر. الآليون في أعمال الكلاسيكية من ابداع الخيال، وفي هذا العمل أقرب للخيال العلميّ.



لا يحمل الآليون الذين يتصدون للغزاة هيئة محببة


 الخير والأمل

كانت أعمال الميكا الكلاسيكية تتغنى بأعمال الخير البطوليّة وتحثّ على الأمل. نهاية الحلقات مريحة -كأنها تنهيدة-،  وقاعدة الآليين المدافعين عن الأرض تمثّل الخير المطلق بمواجهة الشرّ، كتبت لنحبّ أبطالها المخلصين، وأقوالهم التي تحثّ على فعل الخير بعيدا عن النقاش في قضايا الأخلاق (الإيتيقا). لكن الخير في ايفانجيليون لا يخلو من الريبة، من مسمّى "الملائكة" للغزاة الى  ما يحيط بالقاعدة (نيرف) من غموض يكتنف مشاريعها و أهدافها السريّة. والعمل يحوي كمّا من النقاشات في قضايا الخير والشر. 




بخلاف أبطال الميكا، كان شينجي مكتئبا في أغلب حالاته وأشهر صوره بالعمل 


بالختام: هل من عمل بعده؟

بقدر ما فتح العمل أبعادا وتفاصيلا بهذا المجال مثلا، الآلات الحيويّة، الغزاة وطبيعتهم المبهمة، الأبعاد النفسيّة للأحداث وأثرها على الشخصيّات، إلا أنه أغلق الباب كما يبدو على من بعده! هل نال العمل صفته الختاميّة لتوقيت صدوره أو لما قدّمه من أفكار؟ أم هل تجاوزت اهتمامات المشاهدين عالم الميكا وغزاة الفضاء؟ يبدو أن ايفانجيليون والزمن تقاطعا معا، ليكتبا نهاية حقبة لا تنسى من أعمال الميكا البطوليّة.