الأحد، 1 نوفمبر 2026

القصة الحقيقية وراء كل كتاب بحثت عنه (2)

 مضى عام على تدوينة القصة الحقيقية وراء كل كتاب بحثت عنه أحببت أن أقف لأرى ما الذي تغير وما الذي أبحث عنه.


بدايةً، صرت أحب استخدام علامة التنصيص « » للعناوين D:، وعثرت فقط على واحد من قائمة الكتب الأحد عشر التي كنت أبحث عنها، وهو «قصص وطرائف عن الفلزات». ومثل أي صياد يبحث عن فريسة معيّنة قد يعود بطرائد بديلة وهذا ما حدث معي بكتب من منشورات  مكتبة دار طلاس؛ إذ أن رحلة البحث أصلا كانت على «العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء»، كتب الدار العلميّة جميلة للغاية. وما أعجبني أن الكتب العشرة المتبقية ما زالت مرغوبة، بل زادت عليها كتب أعرف جيدًا سبب ولوجها القائمة لحداثة عهدها. ومن واقع تجربة، الأفضل التريّث فترةً حتى نتأكد إن كانت الكتب قد وصلت إلى القائمة بفعل هبّة حماس عابرة أو لا، خصوصًا إن كانت حديثة الطباعة.


من أين تأتي التوصيات؟ للبعض قدرة سحرية؛ أي كتاب يذكره ويمدحه يلقى بحثا وقبولا وإن كان الكلام بحجم تغريدة، فإنه يعطي صورة تلقيك أمام أجمل زاوية ترى من خلالها هذا الكتاب، في البال 3 حسابات بالذات. وما يبدو سطحيّا قد يكون عميقا، مثل الغلاف وحجم الكتاب ولون الورق والطباعة؛ كتاب «مجاني الأدب في حدائق» تأليف لويس شيخو من مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت، كتاب فاتن، رغم أنه منتخبات أدبية مستمدة من التراث، وهي كتب شائعة جدّا، إلا أن انتقاءاته ولغته وترتيبه بديعين وأضف إلى ذلك، حجم الكتاب وتجليده وخطه ولونه وممسكه (طريقة المسك) كلّها عوامل جعلت الكتاب مثالي للاقتناء، عثرت عليه بمعرض الكتاب بالرياض بسعر عالي، ومع ذلك لازال أخي يندب حظّه للتفريط به. وأحيانا يتكرر رأي إيجابي ملفت على كتاب بعينه من أكثر من شخص وبمناسبات متفرقة، مثل كتاب «تاريخ علم المنطق» لألكسندر ماكوفلسكي، ذلك جعل الكتاب يدخل في قائمة اهتماماتي أكثر، وكم كُتب عن المنطق؟ الكثير، لهذا اتفاق الآراء عليه ملفت. 


لازلت أكتب وأنا أتخيّل جولات الصيد -من زمان- مع عمّي (": ، في احدى الجولات صادفنا  طائرا ملفت يعرفه، حاول رميه، كان يشبه طائرا أسودا ذيله طويل وصوته طروب يرتاد نخيل بيتنا ولا أعرف اسمه، اللهم أن لونه رمادي ورأسه أسود بخطوط بيضاء وذيله الطويل اسود، يسميه عمي «قطع عشرة» ولا تسأل ليش. 

أحيانا تصادف كتبا وإن لم تكن في قائمة البحث، إلا أنها في قائمة اهتماماتك الطويلة، حدث معي بكتاب «الشعور بما يحدث» لأنطونيو داماسيو، من الدار العربية للعلوم ناشرون وهي دار قلّما تعيد طباعته ما نفد من كتبها، لاحظوا بدأت ادرس سلوكيّات دور النشر مثل صيّاد D:، نشر للمؤلف كتاب آخر لكني آثرت الانتظار للعثور ما أرغب به وعدم الاكتفاء بحلّ بديل باقتناء كتاب لنفس المؤلف.


توجد كتب أبحث عنها من حين لآخر لفرادتها وقيمتها التاريخيّة، مثل كتاب «كي لا ننسى» تأليف مجموعة من المؤلفين وتحرير المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي، الكتاب عمل جبّار يوثق القرى الفلسطينية عام 1948م وما آلت إليه بعد الاحتلال مع نبذة تاريخية ولمحة اجتماعية عنها، العمل جدير بما أنيط به. وكتاب آخر يشبهه «قبل الشتات: التاريخ المصور للشعب الفلسطيني» أيضا للمؤرخ وليد الخالدي. اقتناء كتاب عن بلد وفترة تاريخيّة ما قد يدفعك للتوسّع لاقتناء فترات وبلدان اكثر أو اكمال السلسلة مثل سلسلة دارة الملك عبدالعزيز في ترجمة ما ورد بالكتب الكلاسيكية عن جزيرة العرب. بودّي لو أضع قائمة لكل بلد عربي وأهمّ ما كتب عنها بجانب معيّن في كتاب بسيط بلا مجلدات، كوثائق ثمينة على سبيل المثال مؤلفات حنّا بطاطو عن الأحزاب العراقية وفلاحي سوريا. ولا أنسى كتاب كارل تويتشل «المملكة العربية السعودية وتطورات مصادرها الطبيعية» عرفته هذا الكتاب المفاجئ والنادر من كتاب عبدالعزيز البراك «مشروع الخرج الزراعي في عهد الملك عبدالعزيز».


ومثل ذلك الكتب التي تمثّل مشروعا يقضي المؤلف عمره وجهده في إنجازه، فتلمس فيها أثر الوقت والعمل المتراكم، أحيانا أميل لاقتنائها تقديرا لهذا الجهد. أو المشاريع المعرفية التي تقف وراءها مؤسسات داعمة، فتلمس فيها أثر العمل الجماعي وما يتيحه من ثراء في المخرجات، مثل «الطيور في السعوديّة» الذي أعده مجموعة من المختصين في مجلدين مصوّرين وعلى نفقة أرامكو السعودية.  قد احتاج الكتاب لأبحث عن طائر عمي الذي يبحث عنه. 


أجمل لحظات البحث، التفتيش بحسابات النت وانستجرام بيع الكتب العلمية لدور النشر الروسيّة وغيرها، على غرار «قصص وطرائف عن الفلزات»، مواضيع مدهشة ونادرة، تثير لقافة الاطلاع ، كتب عن هندسة المناجم ، طرائف علم الفلك، الميتالورجيا العامة، فيزياء الغيوم وغيرها، في مكتبة المتنبي قدر لا بأس به من تلك الكتب، غالبا نادرة وكانت مقررات جامعية.


«مولد التراجيديا» لنيتشه، يتذبذب في قائمتي، أحب شذرات نيتشه وآراؤه الاندفاعية أتقبل الكثير منها، لكن تصوّرت بأنه سيكون أفضل ما يكون لو كان اكثر استرسالا وأقل انفعالية، وهذا ما يمكن ايجاده في التراجيديا، وللأسف بخلاف بقية كتبه يصعب العثورعليه. المفاجأة كانت مع رولان بارت؛ لم اقتني كتبه ولا أحب آراؤه لكن حديثا عن كتابه  «درس السيميولوجيا» لفت نظري ومع تقليب الأفكار وبسبب صغر حجمه عزمت على وضعه في قائمتي. 






من تصاميم حسن فتحي

الاسم المفاجئ لي كان حسن فتحي، تعرفت عليه من كتاب ابراهيم العريس «ألف عام من العمران»، من سلسلة لا بأس بها، وجدت في وصفه لحسن فتحي ماكنت أتوق لمعرفته عن عالم العمران، دور مجتمعي، استخدام مصادر وحلول طبيعيّة، بيوت طينيّة وفي بيئة تشبه واحات أفلام الكرتون - أساسا احدى أمنياتي أعيش فترة في واحة معزولة بالصحراء الكبرى-، كتابه الأشهر «عمارة الفقراء» وليس أمامي إلا كتابه الأقل شهرة «الطاقات الطبيعية والعمارة التقليدية»، مشروعه الملهم انتهى بخيبة أمل وصار أطلالا. والغريب أن رواية «الجبل» لفتحي غانم تحدثت عن مشروعه ولكن بإطار سلبي -كما فهمت- السؤال، هل أبحث عن الرواية؟ D: وبالحديث عن الواحات والصحاري كتاب «في صحراء ليبيا» لأحمد محمد حسنين يراودني وفاجأتني تعليقات الناس عليه، خصوصا بعد ندمي على كتاب رحالة فرنسي عن الصحراء الكبرى فوتّه من معرض الكتاب، لعله من حسن حظّي من يدري! مثل هذه الكتب تدخل القائمة كذاكرة عشوائية تتردد من وقت لآخر والقليل منها يدوم، لكني افتقد لكتاب عن هذا المكان الذي أتخيله كثيرا، الى درجة أحببت الجزئية الصغيرة من كتاب «ثعالب الصحراء» لبول كارل عن رومل والفيلق الافريقي، في وصف رحلة البحث عن واحة.


بمكتبة والدي في بداياتي  لقراءة كتب التراث بتعثّر، وكتب المؤرخين العرب تكرر على هامش ما أقرؤه كتاب «صبح الأعشى» للقلقشندي، بدا أنه محيط ويحمل كلّ ما أفقده من تفاصيل، قبل الانترنت والتواصل الاجتماعي لم يكن في يدي إلا التخمين عن ما يحويه الكتاب. فتشكلت في ذهني صورة عنه، وحتى بعد اطلاعي على كتب «الأغاني» و «سير أعلام النبلاء» لم تخفت الصورة إلا بعد اطلاعي وصدمتي؛ لم يكن شيئا مما تخيلت وزال الكتاب من قائمة الاهتمام. وبنظرة بسيطة عن وضع المكتبات ووسائل التواصل، ليس للكتاب ذكر ملفت. لكن أحبب صورته في ذهني.


بالروايات «رحلة إلى آخر الليل» لفيرديناند سيلين، الأجدر بالقراءة بعد ريمارك، لمن يحبّ أن يقرأ أكثر عن الحرب العالمية الأولى، الرواية تروح وتجيء في ذاكرتي/قائمتي. ولا أنسى لدي رأي كونته، روايات ألكسندر دوما الطويلة ليست شاقة، لذا احتاجها لأدخل بعيدا في رواية ما. بقي أن اختار أي من رواياته الطويلة أبحث.  

 


«الخُلد الصغير»  لرسام الإنمي التشيكي، زيدينك ميلر

بالنهاية كلّ ما أتخيله أن أجمع ما أحبه من كتب وفي بالي مشهد لمسلسل الكرتون «الخُلد الصغير» وهو يجمع الزاد استعدادا لبياته الشتوي آمنا ودافئا في جحره/مكتبته، ورائحة التربة الرطبة تعطّر المكان وتجلب السكينة. 

الخميس، 1 أكتوبر 2026

-41-

.. بدأت أشاهد مسلسل "يوم آخر"*، صوت الموسيقى طاغية على المشاهد؛ تقريبا نصف المشاهد تبدأ بالوصلة الحزينة لدرجة أن وقعها يترك أثره المجهد على الأذهان. ادراكي ذلك جاء بعد إعادة المسلسل الكرتوني "لولو الصغيرة"، الموسيقى تطنّ كامل الحلقة وتسبب الصداع. كي لا أظلم، الأول مشوّق رغم كآبته وشخصياته الانهزامية -على الأقل أفضل من المسلسل الأتعس: حكم البشر- والثاني دبلجته مرحة للغاية. سمعت أن المقاطع القصيرة المتكررة، مثل آلات الكبس وغيرها تسبب التعفّن الدماغي، كذلك المسلسلات في مرحلة ما عند تكرار ودوران الأحداث تحدث أثرا مشابها، كأن هرمونات السعادة فأر هامستر يدور في دولابه ثابتا في مكانه. لهذا أحب الأفلام أكثر، وأتوق كثيرا لأفلام التسعينات الجميلة بقصصها الواقعية، وأتوق للحظات التركيز في أفلام الأوروبيين القديمة واليابانيين، ما يدعى تهكّما أفلام المحنكين D: ، التركيز الطاغي بحثا عن المعاني بتفاصيلها تمنحك تغذية فكريّة وشبعا روحيّا نفتقده في أفلام الأكشن. جرّبت العودة الى الرسم، وأنا مدين للفنّ الحديث لإيجاده سبلا لغير المتقنين بالتعبير رسما على غرار لوحات: تومبلي، ريختر، روثكو وغيرهم، رغم انهم بالأساس متقنين لأساسيات الرسم كثيرا. هل نحب موسيقى الثمانينات بدافع الحنين؟ أما الإنميات الكلاسيكية أجزم بأن حبها يجمع بين جمالها والحنين إليها وأنّى لنا بمشاهد مثل حديث سيلفر في "جزيرة الكنز" عن الغروب والقهوة. أما الجيمينج؟ ما لعبت أي شي بعد زيلدا بننتيندو سويتش. 


سنة مرت على " ... "** ، لم أحب العيش فيها وبالكاد عاونني وجود أصحابي من حولي. نفسيتي كانت في الحضيض ومزاجي كان على أهبة الاستعداد للانزعاج والكدر. لم أحب البحر هناك، كأن لا وجود له إلا على الخارطة. الأماكن اللطيفة قليلة هناك ولكن بعد مرور سنة وأكثر، أشعر بحنين خافت إلى تلك الأيام، كعادتي مع أيّ أيام قضيتها بعيدا في مكان ما ولكن في الـ "..."* كنت أعيش داخل قفص صنعته بنفسي، وتركت أجنحتي ملقاة على خدّي. أكان بإمكاني التحليق والخروج أبعد من مشاويري الروتينية. 


هربا من القلق ولنفض ما علق من أثر مزعج، أفكر في مشاريع ذهنيّة (جمع لوحات معاصرة وحديثة اعجبتني، تدوينة لهجوم العمالقة، قراءة اكثر واكثر شعر وكتب) وبنفس الوقت، أخاف من ازدحامها وتكدّسها في مخّي.



___________

* واحد من المسلسلات القطرية الكئيبة

** بلد

  



الخميس، 22 يناير 2026

تأمل وجوه الفنانين وهي تتقلّب مع الزمن في سلسلة لوحاتهم الذاتيّة

فنانان هولنديان انتهت حياتهما على نحوٍ تعيس.

رسم رمبرانت (1606–1669) عشرات البورتريهات الذاتيّة، وكذلك فعل سلفه المتأخر فان جوخ (1853–1890). كانت وثائق بصريّة أضافت قيمة تاريخيّة إلى جانب قيمتها الفنيّة والجمالية؛ سير ذاتية كُتبت بالفرشاة، وباحت بما لم تبح به الكلمات.

تأمل وجوههم عبر السنين: كيف غيّرتهم الحياة؟ وهل يمكن قراءة ما لم يُكتب من خلال ملامحهم أيمكنك سماع ما يودّون اخبارك به؟

رامبرانت واجه قسوة الحياة وتقلباتها؛ بعد المجد والثراء، أعلن إفلاسه. ماتت زوجته الأولى والثانية، وفقد ثلاثة من أطفاله في طفولتهم، وفقد الرابع يافعًا، ليلحقه بعد عام.

أما فان جوخ فقد اصطدم بصراعاته الداخلية أكثر مما اصطدم بالعالم. فشل عاطفي، لوحات غير مقبولة، خصومته وفراقه لصديقه جوجان، ونوبات انتهت بقطع أذنه ودخوله المستشفى. وحين علم أن أخاه ثيو – الذي كان يرسل إليه لوحاته – لم يستطع بيع شيء منها، أنهى حياته منتحرًا. في حياته لم تبع لفان جوخ إلا لوحة واحدة وهي الكروم الحمراء قرب آرل، 1890



عند تأملك تذكّر بأنّ كل زاوية من لوحاته تحمل معنى محدّدا؛ اللوحات لا تشبه المشاهد السينمائيّة، إذ يمكن أن تجد زوايا مهملة أو ملقاة على عواهنها إذ يمكن أن تشاهدها في الأفلام وحتى في أعمال الأنمي، قد تجسد المشاهد فيها بقوالب جاهزة. أما هنا، فكل ضربة فرشاة محكمة ومتعمدة، يكفي أن نذكر أن اللوحة الشهيرة  الرجل ذو الخوذة الذهبيّة، 1650 استبعدت من قائمة أعماله واعتبرت لفنان مجهول يشبهه! لأن فحوص الأشعة السينيّة كشفت تردّدات وتعديلات لا يفعلها عادة فنانٌ مثل رمبرانت.  يمكن الانتباه الى انقلاب ملامح الشخص المرسوم في اللوحة، تطلّع، فرح وسرور، وألوان وتعابير تزداد حزنا وقتامة مع  الأيام.  


الوضع مختلف مع فان جوخ، زوايا بارزة من لوحاته كأنت نتاج حركات انفعاليّة لفرشاة الرسم وسكّينه، كأنها انعكاسات لانفعالاته الداخليّة. ازدادت وضوحا بعد تركه باريس، كانت أنيقة في آرل ومتناغمة في سانت ريمي وواضحة في أوفرس. أكثر ما يلفت فيها: ألوانها الخلفية ونظرات عينيه.   

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

تسمع باللوحة خير من أن تراها

لم تبدو الأساطير والمخلوقات الأسطورية ساحرة؟ لأنها مترعة بالوصف ولم نرها على الطبيعة بعد. أقرب مثال لهذا السحر، سحر تخيّل اللوحات الفنيّة من وصف الكلمات. هل تعلق اللوحات  في الذاكرة عند وصفها بالكلمات أكثر من رؤيتها؟ أتذكّر عددا من اللوحات قرأت عنها في أسطر الكتب دون أي صورة لها. كثيرا ما استمتعت بنسج تفاصيلها في تفكيري. قبل رؤيتها.


ما الذي سيفتنك ويجذبك أكثر، مقال جميل عن اللوحات خالي من الصور، أم مقال يعرض صور اللوحات ويتحدّث عنها؟ أراهن أنك ستختار مقالا يعرض الصور ولو أنّي أجزم بأنّ متعة ستفوتك من لمس اللوحة بالأحرف قبل مشاهدتها.

 في الذاكرة لوحات أحببتها من وصفها ولو اقتصر على عنوانها، لوحات مثل  "بائعة الحليب" لجويا، ولوحته الأخرى "العصبة الحاكمة بالفلبين" بالكاد استطعت تخيّل لوحة جمالية بهذا العنوان. لوحة "مكتب القطن في نيوأورليانز" لإدجار ديجا. لوحة فيلاسكيز الشهيرة "وصيفات الشرف" الكثير تحدّث عنها بما فيهم فوكو. رامبرانت أكثر من أبهرني برائعته  "حرّاس الليل". لوحات وجدتها أقل جمالا من صورتها العالقة في ذهني من ريشة الكلمات، غالبا لوحات لمونيه  وجوجان!  -مع التنبيه أني أحب كثيرا لوحات الأول وعددا من لوحات الثاني- أما رينوار، غالبا ما كانت لوحاته تليق بما وصفت من كلمات.   


في بالي لوحات أحب وصفها والحديث عنها أو التقاط تركيزك بعنوانها لا أكثر: 

"الطاحونة" لرامبرانت، فراجونارد في  "الأرجوحة"،  "المطر والبخار والسرعة" لتيرنر، "قسم الأخوة هوراس" لدافيدز، "عربة القشّ" لكونستابل. السكينة بلوحات الطبيعة الصامتة لشاردان، الأفق والغيوم في لوحات جاكوب رويسدال، أسرار الطبيعة الغامضة مع كاسبر فريدريش، لكن الوصف بالكلمات يزداد صعوبة مع الفنّ المعاصر؛ كيف لأحد  أن يعبّر عن ما يعجبه بلوحات سي تومبلي وجيرهارد ريختر؟ حتما، الوصف سيأخذ منحى مختلفا وعبارات مدعّمة بالمصطلحات الحديثة، ذلك يقودنا الى اعتبار الوصف بالكلمات يستخدم أدوات لا تختلف كثيرا عن الألوان والفرشاة.

السبت، 29 نوفمبر 2025

العنوان كجزء من العمل نفسه

هل تعرف اسم معلقة امرؤ القيس؟ نسميها عرفا "قفا نبكِ". لماذا لا يسمّي الشعراء قصائدهم كما يفعل الروائيين؟ غالبا ما تأخذ القصائد أسماءها من اجماع الناس على مطلعها  أو مقطع وعبارة تمثّل ماريّة بارزة مثل "صبا نجد" لابن الدمينة، وأحيانا وصف يمثّلها مثل "لاميّة العرب" و "اليتيمة". القصائد بذلك تشبه الحكايات الشعبيّة (الفلكلوريّة)، عناوينها مختارة بتلقائية المتلقين بخلاف الروايات التي يمثّل العنوان السطر الأوّل منها، وإن وجدنا العديد من القصائد التي سمّاها أصحابها، وندرك أن العنوان حينها قد يمثل توقيعا للمؤلف  أو الشطر الأوّل و الأخير من الأبيات. هل تفقد القصائد بذلك تلقائيتها وتصبح نظما وغاية مثل "نهج البردة" للبوصيري وندرك إذا الفرق بينها وبين قصيدة "البردة" ؟ لا أميل لذلك ، وإن أخذت القصيدة بذلك منحى مختلفا عن التلقائية المعهودة بالأشعار، شيء ما يختلف بينهما مثل الاختلاف بين قصة قصيرة معنونة لكافكا مثلا، وحكاية شعبيّة نتداولها بعنوانها  المُجمع عليه.   

ما الذي يعنيه أن تعطي عملك الفنيّ اسما وما الذي يعنيه أن يترك العمل بلا اسم ليتلقّف الناس له اسما يمثّله؟ التأويل فضاء لا نهائيّ، لكن يُستدلّ فيه، كما نستدلّ طريقنا من النجوم في الفضاء الـ لانهائي، لكن وجود اسم وعنوان يعني أن أحدهم يشير بإصبعه الى نجمة محدّدة. 

القصائد غالبا عناوينها تلقائيّة سواء من المؤلف أو المتلقّي مثل الحكايات، بخلاف الروايات والقصص الأدبيّة. وفي عالم الرسم نجد هذا الاختلاف، لوحات نعرف أسماءها لأنها تصف مشهدا بعينه، وهي بذلك أسهل عنونة من القصائد، وأخرى اختار لها الرسامين عنوانا مميّزا، يمثّل توقيعا بارزا، وجزء أصيل من العمل نفسه، أكثر أصالة من أجزاءها الماديّة،  بقايا الخربشات والتشققات وشعر الفرشاة. والإطار. 


"ولازالوا يقولون السمك غالي الثمن!" 


لوحة الرسام خواكين سورولا، رسمها عام 1894م. يمكن للوحة أن تحدّثا عن نفسها ببساطة، فلوحة جيريكولد الشهيرة "طوف الميدوزا" تصوّر طوف الناجين من الموت والغرق بوضوح والعنوان أوضح أن اسمها الميدوزا لا أكثر، لكن بعنوانها تحدثنا لوحة سورولا بشيء لا نراه في اللوحة نفسها. ومثل ذلك نجد لوحات يبدع فنانيها عناوين جذّابة، مثل  "الحرية تقود الشعب" لديلاكروا، أو تزيد المشهد عمقا مثل "الوقت"  لفرانشيسكو جويا، وأخرى تستعير مفردة شاعريّة مثل "Saudade" للبرازيلي ألميدا جونيور، وهي مفردة برتغاليّة شهيرة لا مرادف لها باللغات الأخرى كأن اللوحة تحاول فعل ذلك بنفسها، المفردة تعني الشوق والحنين بلذة دافئة وألم لأحد نفتقده، وقد يأتي عنوان بعبارة تمثّل سياقا دقيقا للمشهد، مثل لوحة الفنان وليام ييمس "ومتى رأيت والدك آخر مرة؟" تصوّر صبيّا نبيلا يحقّق معه ضبّاط من الجيش البرلماني ابّان الحرب الأهلية البريطانية، اللوحة بالفعل تشبه مشهدا مسرحيّا وكلّ ما فيها من أشخاص وأوضاع تدور في فلك العنوان نفسه. وقد يطغى العنوان على المشهد مثل لوحة "هذا ليس غليونا" لرينيه ماجريت، فرغم العنوان إلا أن اللوحة تصوّر غليونا بالفعل. 


"الوقت" فرانشيسكو جويا، 1810م