‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 22 يناير 2026

تأمل وجوه الفنانين وهي تتقلّب مع الزمن في سلسلة لوحاتهم الذاتيّة

فنانان هولنديان انتهت حياتهما على نحوٍ تعيس.

رسم رمبرانت (1606–1669) عشرات البورتريهات الذاتيّة، وكذلك فعل سلفه المتأخر فان جوخ (1853–1890). كانت وثائق بصريّة أضافت قيمة تاريخيّة إلى جانب قيمتها الفنيّة والجمالية؛ سير ذاتية كُتبت بالفرشاة، وباحت بما لم تبح به الكلمات.

تأمل وجوههم عبر السنين: كيف غيّرتهم الحياة؟ وهل يمكن قراءة ما لم يُكتب من خلال ملامحهم أيمكنك سماع ما يودّون اخبارك به؟

رامبرانت واجه قسوة الحياة وتقلباتها؛ بعد المجد والثراء، أعلن إفلاسه. ماتت زوجته الأولى والثانية، وفقد ثلاثة من أطفاله في طفولتهم، وفقد الرابع يافعًا، ليلحقه بعد عام.

أما فان جوخ فقد اصطدم بصراعاته الداخلية أكثر مما اصطدم بالعالم. فشل عاطفي، لوحات غير مقبولة، خصومته وفراقه لصديقه جوجان، ونوبات انتهت بقطع أذنه ودخوله المستشفى. وحين علم أن أخاه ثيو – الذي كان يرسل إليه لوحاته – لم يستطع بيع شيء منها، أنهى حياته منتحرًا. في حياته لم تبع لفان جوخ إلا لوحة واحدة وهي الكروم الحمراء قرب آرل، 1890



عند تأملك تذكّر بأنّ كل زاوية من لوحاته تحمل معنى محدّدا؛ اللوحات لا تشبه المشاهد السينمائيّة، إذ يمكن أن تجد زوايا مهملة أو ملقاة على عواهنها إذ يمكن أن تشاهدها في الأفلام وحتى في أعمال الأنمي، قد تجسد المشاهد فيها بقوالب جاهزة. أما هنا، فكل ضربة فرشاة محكمة ومتعمدة، يكفي أن نذكر أن اللوحة الشهيرة  الرجل ذو الخوذة الذهبيّة، 1650 استبعدت من قائمة أعماله واعتبرت لفنان مجهول يشبهه! لأن فحوص الأشعة السينيّة كشفت تردّدات وتعديلات لا يفعلها عادة فنانٌ مثل رمبرانت.  يمكن الانتباه الى انقلاب ملامح الشخص المرسوم في اللوحة، تطلّع، فرح وسرور، وألوان وتعابير تزداد حزنا وقتامة مع  الأيام.  


الوضع مختلف مع فان جوخ، زوايا بارزة من لوحاته كأنت نتاج حركات انفعاليّة لفرشاة الرسم وسكّينه، كأنها انعكاسات لانفعالاته الداخليّة. ازدادت وضوحا بعد تركه باريس، كانت أنيقة في آرل ومتناغمة في سانت ريمي وواضحة في أوفرس. أكثر ما يلفت فيها: ألوانها الخلفية ونظرات عينيه.   

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

تسمع باللوحة خير من أن تراها

لم تبدو الأساطير والمخلوقات الأسطورية ساحرة؟ لأنها مترعة بالوصف ولم نرها على الطبيعة بعد. أقرب مثال لهذا السحر، سحر تخيّل اللوحات الفنيّة من وصف الكلمات. هل تعلق اللوحات  في الذاكرة عند وصفها بالكلمات أكثر من رؤيتها؟ أتذكّر عددا من اللوحات قرأت عنها في أسطر الكتب دون أي صورة لها. كثيرا ما استمتعت بنسج تفاصيلها في تفكيري. قبل رؤيتها.


ما الذي سيفتنك ويجذبك أكثر، مقال جميل عن اللوحات خالي من الصور، أم مقال يعرض صور اللوحات ويتحدّث عنها؟ أراهن أنك ستختار مقالا يعرض الصور ولو أنّي أجزم بأنّ متعة ستفوتك من لمس اللوحة بالأحرف قبل مشاهدتها.

 في الذاكرة لوحات أحببتها من وصفها ولو اقتصر على عنوانها، لوحات مثل  "بائعة الحليب" لجويا، ولوحته الأخرى "العصبة الحاكمة بالفلبين" بالكاد استطعت تخيّل لوحة جمالية بهذا العنوان. لوحة "مكتب القطن في نيوأورليانز" لإدجار ديجا. لوحة فيلاسكيز الشهيرة "وصيفات الشرف" الكثير تحدّث عنها بما فيهم فوكو. رامبرانت أكثر من أبهرني برائعته  "حرّاس الليل". لوحات وجدتها أقل جمالا من صورتها العالقة في ذهني من ريشة الكلمات، غالبا لوحات لمونيه  وجوجان!  -مع التنبيه أني أحب كثيرا لوحات الأول وعددا من لوحات الثاني- أما رينوار، غالبا ما كانت لوحاته تليق بما وصفت من كلمات.   


في بالي لوحات أحب وصفها والحديث عنها أو التقاط تركيزك بعنوانها لا أكثر: 

"الطاحونة" لرامبرانت، فراجونارد في  "الأرجوحة"،  "المطر والبخار والسرعة" لتيرنر، "قسم الأخوة هوراس" لدافيدز، "عربة القشّ" لكونستابل. السكينة بلوحات الطبيعة الصامتة لشاردان، الأفق والغيوم في لوحات جاكوب رويسدال، أسرار الطبيعة الغامضة مع كاسبر فريدريش، لكن الوصف بالكلمات يزداد صعوبة مع الفنّ المعاصر؛ كيف لأحد  أن يعبّر عن ما يعجبه بلوحات سي تومبلي وجيرهارد ريختر؟ حتما، الوصف سيأخذ منحى مختلفا وعبارات مدعّمة بالمصطلحات الحديثة، ذلك يقودنا الى اعتبار الوصف بالكلمات يستخدم أدوات لا تختلف كثيرا عن الألوان والفرشاة.

السبت، 29 نوفمبر 2025

العنوان كجزء من العمل نفسه

هل تعرف اسم معلقة امرؤ القيس؟ نسميها عرفا "قفا نبكِ". لماذا لا يسمّي الشعراء قصائدهم كما يفعل الروائيين؟ غالبا ما تأخذ القصائد أسماءها من اجماع الناس على مطلعها  أو مقطع وعبارة تمثّل ماريّة بارزة مثل "صبا نجد" لابن الدمينة، وأحيانا وصف يمثّلها مثل "لاميّة العرب" و "اليتيمة". القصائد بذلك تشبه الحكايات الشعبيّة (الفلكلوريّة)، عناوينها مختارة بتلقائية المتلقين بخلاف الروايات التي يمثّل العنوان السطر الأوّل منها، وإن وجدنا العديد من القصائد التي سمّاها أصحابها، وندرك أن العنوان حينها قد يمثل توقيعا للمؤلف  أو الشطر الأوّل و الأخير من الأبيات. هل تفقد القصائد بذلك تلقائيتها وتصبح نظما وغاية مثل "نهج البردة" للبوصيري وندرك إذا الفرق بينها وبين قصيدة "البردة" ؟ لا أميل لذلك ، وإن أخذت القصيدة بذلك منحى مختلفا عن التلقائية المعهودة بالأشعار، شيء ما يختلف بينهما مثل الاختلاف بين قصة قصيرة معنونة لكافكا مثلا، وحكاية شعبيّة نتداولها بعنوانها  المُجمع عليه.   

ما الذي يعنيه أن تعطي عملك الفنيّ اسما وما الذي يعنيه أن يترك العمل بلا اسم ليتلقّف الناس له اسما يمثّله؟ التأويل فضاء لا نهائيّ، لكن يُستدلّ فيه، كما نستدلّ طريقنا من النجوم في الفضاء الـ لانهائي، لكن وجود اسم وعنوان يعني أن أحدهم يشير بإصبعه الى نجمة محدّدة. 

القصائد غالبا عناوينها تلقائيّة سواء من المؤلف أو المتلقّي مثل الحكايات، بخلاف الروايات والقصص الأدبيّة. وفي عالم الرسم نجد هذا الاختلاف، لوحات نعرف أسماءها لأنها تصف مشهدا بعينه، وهي بذلك أسهل عنونة من القصائد، وأخرى اختار لها الرسامين عنوانا مميّزا، يمثّل توقيعا بارزا، وجزء أصيل من العمل نفسه، أكثر أصالة من أجزاءها الماديّة،  بقايا الخربشات والتشققات وشعر الفرشاة. والإطار. 


"ولازالوا يقولون السمك غالي الثمن!" 


لوحة الرسام خواكين سورولا، رسمها عام 1894م. يمكن للوحة أن تحدّثا عن نفسها ببساطة، فلوحة جيريكولد الشهيرة "طوف الميدوزا" تصوّر طوف الناجين من الموت والغرق بوضوح والعنوان أوضح أن اسمها الميدوزا لا أكثر، لكن بعنوانها تحدثنا لوحة سورولا بشيء لا نراه في اللوحة نفسها. ومثل ذلك نجد لوحات يبدع فنانيها عناوين جذّابة، مثل  "الحرية تقود الشعب" لديلاكروا، أو تزيد المشهد عمقا مثل "الوقت"  لفرانشيسكو جويا، وأخرى تستعير مفردة شاعريّة مثل "Saudade" للبرازيلي ألميدا جونيور، وهي مفردة برتغاليّة شهيرة لا مرادف لها باللغات الأخرى كأن اللوحة تحاول فعل ذلك بنفسها، المفردة تعني الشوق والحنين بلذة دافئة وألم لأحد نفتقده، وقد يأتي عنوان بعبارة تمثّل سياقا دقيقا للمشهد، مثل لوحة الفنان وليام ييمس "ومتى رأيت والدك آخر مرة؟" تصوّر صبيّا نبيلا يحقّق معه ضبّاط من الجيش البرلماني ابّان الحرب الأهلية البريطانية، اللوحة بالفعل تشبه مشهدا مسرحيّا وكلّ ما فيها من أشخاص وأوضاع تدور في فلك العنوان نفسه. وقد يطغى العنوان على المشهد مثل لوحة "هذا ليس غليونا" لرينيه ماجريت، فرغم العنوان إلا أن اللوحة تصوّر غليونا بالفعل. 


"الوقت" فرانشيسكو جويا، 1810م



الأحد، 13 أبريل 2025

قصّة الفنّ كما رواها غومبرتش : سيرة الأساليب وشيء من المفاهيم

 




كتاب "قصة الفن" ، تأليف إرنست غومبرتش، ترجمة عارف حديفة، منشورات هيئة البحرين للثقافة والآثار



الفنّ، تاريخا وقصّة

رغم كثرة الكتب التي تناولت تاريخ الفنّ، يبقى كتاب "قصة الفن" لغومبرتش الأشهر على الإطلاق. فالفنّ ليس حكاية تُروى، ولا مجرّد تسلسل زمني لأسماء الفنانين وأعمالهم؛ بل هو سلسلة من المفاهيم والأساليب التي تشكّلت على امتداد الأزمنة والأمكنة. لا يمكن فهم هذا التاريخ إلا بتحليل الأعمال نفسها، عبر تتبّع خيوط دقيقة جاءت في سياقات هامشية لا في متون السرد. فالمصريون القدماء لم يشرحوا دلالة بعض الألوان والأشكال في رسومهم، ورجال الكهوف لم يتركوا أثرًا يُفسّر ولعهم برسم قطعان الحيوانات قبل أكثر من ثلاثة عشر ألف عام. نتحدّث إذا عن سيرة الأساليب والمفاهيم التي جسّدت في  أعمال الفنانين، وكيف كان سبيل وصولها الى عقل الفنّان وانتهائها بفرشاة الرسام و مطرقة النحّات وتخطيطات المعماريّ، كلّ ذلك بسياقه التاريخي والاجتماعي، نجده في هذا الكتاب.

 

عن الكتاب

ما يثير الدهشة في هذا الكتاب هو تتبّعه الدقيق لتطوّر أساليب الفن ومفاهيمه؛ بدءًا من الرسم على جدران الكهوف وعلاقته بالسحر والشعوذة، مرورًا بالرسومات الفرعونية التي صوّرت الأجساد بمقاطع جانبية رمزية، دون مراعاة للاختلاف في الأبعاد، وصولًا إلى منحوتات الآشوريين التي لم تكن ملامحها دقيقة بما يكفي لتمييز هوية الشخص المصوَّر. لم يكن التجسيد يهدف لإبراز الفروق الفردية، بل للتعبير عن فكرة أو دور.

ثم تطوّر هذا التوجّه تدريجيًا، فبدأ الإغريق بتجسيد انفعالات الجسد، وأدخلوا مفهوم العمق والزوايا في الرسم. يتتبع المؤلف هذه التحوّلات بدقة حتى عصر النهضة، حيث بدأ الفنانون يُعامَلون كفنانين لا كحرفيين، وظهرت مفاهيم مثل المنظور، وتوزيع التناسق في التكوين، والتبخير. يعرض المؤلف أبرز المحطات الفنية والأسماء التي تركت بصمة حاسمة، مثل مايكل أنجلو، دافينشي، رافائيل، ورامبرانت، دون أن يغفل تحوّلات الفن في العصر الحديث.

يبيّن كيف انتقل الفن من الواقعية والاتقان البصري في أعمال فان آيك وألبريخت دورر، إلى التجريد والتفكيك مع كاندينسكي وبول كلي، وكيف عادت الأشكال البدائية الوثنية التي سبقت التاريخ لتظهر من جديد على يد فنانين معاصرين يستعيدون طفولة الفن الأولى. كما يشير إلى تغيّر موقع الفن الطليعي، من كونه مرفوضًا ومطارَدًا إلى تسيّده صالات العرض.

وإن كان قد أغفل ذكر بعض الأسماء المؤثرة في تطوّر الفن، مثل جيريكولت، وكليمنت، وموديلياني، وماليفيتش، فإن قراءته للأعمال والمدارس الفنية جاءت مدهشة في عمقها، وبخاصة في ربطه بين كل أسلوب وسياقه التاريخي والاجتماعي. كما أنّه يوفّق في الموازنة بين الحديث عن الرسم والنحت والمعمار.


ما لذي ينقص الكتاب ليكمل قصته؟

رغم اتساع الكتاب وشموليته، إلا أن غياب الحديث المفصّل عن الفنون خارج الإطار الغربي يُعدّ من أبرز النواقص فيه. يكاد يكون مختزلا بالعصور القديمة أو في سبيل ربطه بسياق الفنّ الغربي وهذا ما يجعل عنوان "قصة الفن" يبدو أحيانًا أوسع من محتواه، إذ أنّ 600 صفحة لا تكفي لاحتواء قصة الفنّ بجميع أبعادها الثقافية والجغرافية. كذلك، لم يُسلّط الكتاب الضوء الكافي على مساهمة الفلاسفة والمنظرين في علم الجمال، أمثال بومغارتن الذي وضع أسس الاستطيقا كمجال فلسفي مستقل. كما لم يُناقش بعمق أثر السياسات الكبرى كالمعسكر الشيوعي على الفن، خاصة في أوروبا الشرقية. ويمكن هنا الاستشهاد بفيلم Never Look Away (2018)، الذي يقدم لمحة درامية مؤثرة عن تجربة الفنان الألماني المعاصر غيرهارد ريختر، وتأثير النظام السياسي على مساره الفني. لكن، ورغم ما يمكن أن يُقال عن نواقصه، يصعب إنكار الإحاطة المدهشة التي حققها غومبرتش في تأريخ أساليب ومفاهيم الفنّ عامة والغربي خاصة، ومن زواياه التقنية والتاريخية والجمالية.


وربما ما ينقصنا لا ما ينقص الكتاب، كتابة قصّة الفنّ من وجهات نظر أخرى، عربيّة، إسلامية، شرقية وغيرها. سرديات بديلة تنبع من سياقاتها الخاصة، وتسلّط الضوء على تجارب فنية لم تمر بالضرورة عبر عدسة الفنّ الأوروبي.




الجمعة، 21 مارس 2025

أندريه روبليف وتاركوفسكي: همس الفن وسط ضجيج التاريخ

"السينما فنّ صعب وجاد للغاية، يتطلب التضحية بالنفس" 

(أندريه تاركوفسكي)

يبدو أن للمخرج الكثير مما يودّ قوله، وأن كل مشهد ليس لحظة عابرة تمرّ دون أن تقول الكثير من الأمور الجديّة. في عالم تاركوفسكي، كل لقطة تحمل عبئًا من التأمل، وكل حركة كاميرا هي محاولة للغوص والبحث عن معنى وراء ما هو ظاهر. 



عمق بالمعاني، رغم عبء الملل

أندريه تاركوفسكي، ربما يكون أكثر مخرج  يتحدث محبّوه بشغف عن محاولاتهم لفهم أعماله.  ورغم أن مشاهده الآسرة بصريّا وزوايا تصويره الفريدة هي أكثر ما يعلق في الذاكرة، إلا أن الحديث عنه غالبًا ما يتمحور حول المعاني التي تحملها أفلامه وشاعريتها أكثر من جمالياتها الفنيّة. أما أبرز الانتقادات التي تُوجَّه إلى أعماله، فهي بطء إيقاعها، وافتقارها إلى الأحداث المشوّقة، والإكثار من المشاهد المطوّلة والمعقّدة. ومع ذلك، حتى لمن لم تستهويه أعماله، يصعب تجاهل  ما تحمله من معاني عميقة تستحق التأمل، وإن أصابتك بالملل. إضافة الى أن طبيعة أفلامه تفرض هذا الأسلوب الفني، حيث يُبنى السرد على الإيقاع المتأمل بدلًا من السرد التقليدي. لهذا أعدت مشاهدة ما اعتبرته أكثر أفلامه  قابليّة للفهم.




أندريه، عن أندريه  الرسّام 

فيلم "اندريه روبليف"، 1966م. أكثر فيلم يمكن فهمه بعمق للمخرج، كونه يتحدث عن أشهر رسام في التاريخ الروسي، ويعكس سياقًا تاريخيًا متقاطعًا مع الفن، بالإضافة الى سهولة القصّة وتسلسل أحداثها مقارنة بباقي أفلامه. تاركوفسكي الذي يبدو من خلال صوره وآرائه، إنسانا لطيفا وهادئا، عاش في واحدة من أحلك فترات التاريخ الروسي (1932-1986). أفلامه تحمل طباعه، لا تبدو صاخبة وعنيفة حتى في أكثر مشاهدها قسوة. أيضا أندريه روبليف عاش في واحدة من الفترات الحالكة في التاريخ الروسي (1360-1430). الفيلم، المصوَّر بالأبيض والأسود، ليس مجرد تتبع لسيرة حياته، إذ لا تظهر أعماله إلا في المشاهد الختامية، حين يتحول التصوير إلى الألوان، كاشفًا تفاصيل لوحاته والتشققات التي أحدثها الزمن.

الفيلم يتكوّن من حكايات قصيرة، تجري عبر فترات وأماكن متفرّقة، يشهدها روبليف ويتفاعل مع شخصيات مختلفة بظروف ذلك الزمان، لهذا يمكن اعتبار الفيلم من احدى جوانبه قطعة وثائقيّة، نرى: الوثنيّين، الرهبان، التتار، الأمراء، الفقراء، المهرجين، الفنانين، بمسرح روسيا الشاسعة جغرافيّا. لكن تاركو لا يوضّح كثيرا في أفلامه؛ بالكاد تدرك تفاصيل الأحداث وأحيانا تفاجأ بسرعة تنقلاته الزمنيّة  وكأن الكاميرا تترك مشاهدا مهمّة خلفها، لأن المخرج انتهى من التقاط القبس الذي يبغيه من الحدث. 

روبليف لا يتحدث كثيرًا في الفيلم، ونادرًا ما نراه يرسم! بخلاف أفلام أخرى عن: فان جوخ، جويا، مونش، بيكاسو، كانت هنالك مشاهد تفصيليّة عن الرسم، يبدو أن كاميرا تاركوفسكي اختارت أن  تسند ظهرها على أعمال روبليف بدلا من التركيز عليها. هيئة روبليف بالفيلم تبدو متسائلة، من أنا وما لذي يمكنني فعله؟ في هذا المحيط الموحش بفرشاة رسم بالكاد أظهرها  تاركوفسكي. هل كان لروبليف في ذلك الوقت أن يقول شيئا بالأصل؟ آنذاك، كان الفنّ يُعامل كحرفة، شأنه شأن النجارة وغيرها. فهل نعرف اليوم من هو أعظم نجّار في التاريخ؟ لا! لأن النجارة لم تكن تُعامل كإبداع شخصي، بل كحرفة وظيفية، وكذلك كان الرسم. ولا نعرف أصحاب الكثير من الرسومات؛ لم يكن للفنّان ذاتا معتبرة تضع توقيعها على الأعمال، غالبا ما كانت الأعمال تنسب الى ورشة أو معمل يقوم عليها معلّم ما، فينسب العمل الى  "معلّم مدينة [س]" دون ذكر أسماء الفنانين الحقيقيين. لماذا اختار تاركوفسكي الرسام روبليف، الذي لا يعرف التاريخ الكثيرعنه، وجلّ أعماله -القليلة أصلا- على الجدران؟ ولم يرد اسمه في الكتاب الشهير لجومبريتش، "قصة الفن"، الذي يمتدّ لأكثر من (600) صفحة.






ما لذي كان يحاول رسمه بالفيلم؟

لفهم ذلك، لا بد من الربط بين أحداث الفيلم والمكانة الرمزية التي يحتلها روبليف في أذهان الروس والفنّ الروسي خاصة، وطبيعة الأعمال الفنية في ذلك العصر، كانت تُنفَّذ كمشاريع كبيرة تستغرق سنوات من عمر الفنان، قد يموت الفنان دون اكمالها. وأحيانا تكون ضمن مشروع انشائيّ ضخم، لكنيسة أو دير،  كانت هذه المشاريع توازي ما نطلق عليه اليوم Mega Projects بالنسبة لحرفيّ، حيث يكون مجرد ترس في آلة ضخمة، يخضع لسلطة الرعاة والممولين، ولا يُمنح سوى هامش ضئيل من الحرية الشخصية. في تلك الحقبة التي لم يكن يُنظر إلى الرسام باعتباره شخصية ذات شأن أو تأثير (وذلك قبل العصر الذي بدأ فيه الفنانون يحظون بالاعتبار والتقدير، كما حدث مع مايكل أنجلو وأعماله الجدارية)، ما لذي يمكن لفنّان مثل روبليف  فعله وقوله من خلال مشروعه، كما يمكننا أن نتساءل في خضمّ الرقابة الرهيبة والفكر الشيوعيّ الذي يلغي ذاتيّة الفرد، ما لذي يمكن لتاركوفسكي فعله وقوله في مشاريعه؟ ونحن نعلم أن الفيلم نفسه، تعرّض لمضايقات رقابيّة.





* من مشهد الجرس


في مشهد الجرس، يدعي صبيّ أن والده علمه سرّ صناعة الأجراس ويوهم الناس الذين كلّفوا رسميّا بصناعة جرس ضخم للمبنى الكنسيّ بذلك. هنا تتجلى روعة تاركوفسكي، مشهد حافل بالحياة والعشوائيّة، جمع من الناس والفوضى والجهد المضنيّ وعبر جميع الفصول يتدافعون لصنع ذلك الجرس الذي يقوم على كذبة قد تودي بحياتهم إن كُشفت، جهدت كاميرا تاركوفسكي لإظهار أن الجرس المعدني المهيب ذو الصوت الرخيم الذي نسمعه من بعيد ويثير إعجابنا، يخفي وراءه قصة من العرق والدم  ومن البرد القارس والنار الملتهبة.  ينجح المشروع، ينجو الصبيّ بكذبته، لكنه ينهار باكيًا في حضن روبليف، كأن العبء الذي حمله يفوق طاقته. لقد أوجد شيئًا منح الناس الفرح والمعنى في زمن بدت فيه الحياة خاوية من أي معنى. كان النجاح ثمرة الإيمان الجماعي والشغف، حتى لو بدأ الأمر بكذبة. والفنّ قد يبدأ بكذبة موهمة ويحقّق معنى لا نفهمه. إذا كان الصبي قد خلق وهما أصبح حقيقة، فهل احتاج تاركوفسكي يوما لمثل تلك الكذبة؟




" لقد شعرت طوال الوقت أنه لينجح الفيلم، يجب أن يملأني نسيج المشاهد والمناظر الطبيعيّة بذكريات محددة وروابط شاعريّة" 

(تاركوفسكي)


مشاهد تاركوفسكي المطولة كثيرة بالفيلم، أحيانا تتخيله يلتقط كاميراته بعيدا عن فريق الإنتاج ويلقي بها في زاوية مهملة أبطالها، أعشاب ومياه وحشرات وهواء طبيعي. في مشاهده البانورامية والجماعية، مثل مشهد الجرس، لا يسعى تاركوفسكي إلى الدقة الفنية المتقنة التي نجدها في أفلام هوليوود، حيث تُدار الحشود بمهارة وحساب دقيق لكل حركة. على العكس، تبدو مشاهد تاركوفسكي وكأنها التقطت بالصدفة، كأن الجمع الغفير من الناس لا يدرك وجود الكاميرا التي تصوّرهم. قد لا يتميّز هذا الأسلوب بالإتقان الفني بمعناه التقليدي، لكنه يعوّض ذلك بعمق عفويّ يلامس الحقيقة، حيث يصبح كل شيء أقرب إلى التوثيق الحقيقيّ منه  إلى التمثيل المستعار. توثيق يلمس شاعريّة اللحظة. 




* لوحة بريشة لروبليف


إليك، قبل وبعد خمسة قرون

ما صنعه روبليف كان بحق معجزة؛ فمن بقعة صعبة تاريخيًا وجغرافيًا، استطاع أن يخلّف إرثًا استمرّ لأكثر من خمسة قرون. والذي احتفى الفيلم به، بمشهد يظهر لوحاته الجداريّة بمشاهد ملوّنة تبرز تشققاتها الزمنيّة. رغم الزمن والظروف والقيود كان للفنّ تلك القدرة على ايصال صوت وإن لم نفهمه كليّا، لكنه صوت سحيق واصل من الأعماق عبر كل الظروف. لروبليف رمزيّة خاصة لدى الروس بالذات، لهذا وإن لم يذكر في كتاب مثل "تاريخ الفنّ"، فإنه يظل بالنسبة للروس فنانهم الأعظم عبر التاريخ.



الأربعاء، 14 أبريل 2021

أن تعرف قبل أن تشعر بما هو جميل بالفعل.

 من أين جاء "ايمانويل كنت" بالمعرفة؟ أو لنقل الرواد الأوائل الذين تحدثوا عن الجمالية؟ كان شيئا ملفتا أن اعتبار الحكم بالجمالية، معرفة. كيف تحكم وفق معرفة قبليّة (بديهيّة) على شيء ما بأنّه جميل، وكأن هذه المعرفة نبعت خالية من خبرة الحواس. وعلى رأي "كَنت" أن المعرفة لا تنبع من الحواس (التجربة) فقط، بل إن هنالك معرفة قبليّة (حكم عقليّ لا يستند الى التجارب) لكن كيف يمكن فصل تأثير الحواس على حكمنا بالجمال؟ وهو أكثر شيء ارتبط وجدانيّا به؛ حكمنا بأن هذا جميل، كثيرا ما ينبع وفق تأثرنا من تجربة سابقة لشيء اعتبرناه جميلا.  



أنا والقرية


لنرى الجمال بعين الفنّان/الرسام:

ما الذي جعل شاجال يرسم الوجه  باللون الأخضر بلوحة "أنا والقرية"، (1911) ؟ هل كان يعلم مسبقا أن الأخضر سيكون أجمل؟ أم أنه شعر بذلك؟ ان كان قد شعر، فهذا يعني أننا نتحدث عن معرفة بالحواس أو تجربة سابقة، وإن كان لا، هذا يعني أنه حكم نابع من معرفة قبليّة يبنى على معطيات عقليّة لا حسيّة، بعيدا عن التصوّر الدارج وفق اتجربة، بأن الوجه الأخضر يصعب اعجاب الناس به، والوجه المخضرّ مثل المزرق يشير الى الاختناق. وفي لوحة "قسم الإخوة هوراس"، (1784) لجاك لويس دافيد، ذلك الشكل المهيب من التضامن الأخويّ والذي يوحي بقسم الموت في سبيل مبادئ صارمة، تشبه الملامح والخطوط في اللوحة نفسها. خمن دافيد أن ذلك سيعجب الجميع ولا شكّ. الموضوع مغري ومحفّز سبق وأن اختبرت فيه مشاعر الناس، لهذا كان سهلا أن يخمن ما سيعجب الجميع في صالون باريس وعندما لاقت اعجاب الجميع اشترى لويس السادس عشر ملك فرنسا اللوحة. 

 

 

التوفيق بين المهنة والفنّ:

 هل المصمّم الداخلي فنّان أم حرفيّ ماهر؟ هل يصمّم البيوت بناء على ما يعجبه أو على ما يعجب الآخرين؟ انه لا يرسم ولا يخرج شعوره أو احساسه، بل يراعي رغبة واعجاب الآخرين. بصورة أخرى هو حرفيّ ماهر.  يذكّرنا بالرسامين الذين يرسمون البورتريهات بناء على الطلبات، ويعدّلون في اللوحة حسب رغبة الزبون؟ متخلين عن فردانيتهم في صالح مهنتهم. ونعرف كم اختصم رسّام مع زبون حول الطريقة التي يرسم فيها البورتريه. أشهرهم جاك لويس دافيد مع مدام ريكاميه. ونقيض ذلك، نجد بورتريهات لا حصر لها منتشرة كأنها صور فوتوغرافية من استديو تجاري، بلا توقيع، فقط توثيق كان من عمل رسام حرفي بالدرجة الأولى. لنتخيّل مصمما داخليا  مثل ذلك الفنان الذي يخاصم الزبون في سبيل رؤيته وانفراده بحكمه بأنّ هذا التصميم أنسب من ذاك. وبعدها لنتساءل:  المصمم هل يصمم و يبني حكمه بالتصميم لأن هذا الشيْ أصح، أم أن هذا الشيء أجمل؟ نتحدّث عن جوانب وان كانت جمالية لكن المصمّم يطرحها كأشياء نابعة من معرفة، وقد يقول بأنّ هذا يجب أن يكون على هذا النحو، مثل نوع وشكل الإضاءة والتحكم بالمساحات يتحدّث على أنه الأصحّ لا الأجمل فحسب. على كلّ حال هو يملك مساحة ضيقة لرؤيته بسبب مراعاة زبون ما خلافا للرسام.

بالعصور القديمة كان الفنان (الحرفيّ) يرسم ويلوّن الآلهة ويختار الألوان التي ترمز اليها طلبا لرضاها، بناء على رمزيّة لون ما. لم يكن يخرج شيئا (يعبّر) عن نفسه. هو رهين مهنته وتقاليدها.

 

الفنان ببساطة يطرح الأفكار كأشياء أجمل وتكون نابعة من معرفة، ويسهل إدراك أنها ليست معرفة مهنية بل معرفة أعمق من ذلك بكثير ويتخطى معطيات الحواس.

 

(قسم الإخوة هوراس)

 

 

إتخاذ القرار:

كيف وصل شاجال لقرار اختيار اللون الأخضر لرسم الوجه؟ هل كان نابعا من قدرة العقل على تخمين الجمال وأثره، أم أن شاجال استخدم إحساسه أكثر من تخمينه (عقليّا) بأنّ الأخضر سيكون أجمل وقد يعدب الآخرين؟ لقد راعى دافيد جانبا واضحا من الآخرين والنمط المحبّب اليهم وفق التجربة، لكنه  ملأ لوحته بشيء من المعرفة القبليّة أشياء خالية من أثر التجارب الحسيّة، لهذا تولّد شيء كامل من هذه اللوحة (ولدت الكلاسيكيّة الجديدة). وتجدر الإشارة الى أن الزمن كان قد ترك لشاجال مساحة تجربة عقليّة وحسية أكبر مما لدى دافيد؛ قرأ شاجال وعرف وسمع عن الحركات الفنية الحديثة وتجاربها وآثارها، عرف تقلبات الفن بالزمن أكثر من دافيد، لهذا منحه موقعه الزمني افضليّة في اجتراح شكل/لون جديد لتصوير الجمال بصورة خالصة. بعبارة أخرى يمكن اعتبار الفنّ الجميل عمليّة قرار واختيار. ولو توغّلنا بالتفكير أكثر يمكن أن نفهم السبب الذي يمنع صنع آلة (ذكاء صناعي) لإنتاج أعمال فنيّة جميلة، لو حصل لكان الاختيار نابع من بيانات مدخلة (تجربة حسيّة بالنسبة للذكاء الصناعي) أي أنّه سيظل يدور في حلقة مفرغة لا يمكن الخروج منها ولا تتعدى مساحتها مساحة تلك البيانات. ولنتخيل الإنسان آلة والبيانات المدخلة فيه تجارب حسيّة، يعني أن الفن الذي ينتجه نتاج تلك البيانات سيكون محدودا (كالآلة) . أما آلة (ذكاء صناعي) للقيام بحرفة؟ ممكن وأكثر بل إن هنالك آلات تقوم بذلك بالفعل.

 

 

في سبيل المعرفة، ما الذي يحتاجه الفن؟

يفشل الفنّ أحيانا عندما يكون مؤسسيّا؛ فيصبح لا شعوريا حرفة بحتة لها تقاليدها وتعاليمها المنمطة (كخطّ انتاج) و يكون مؤدلجا ومؤطرا بالكامل، مما يدفع الفنانين كثيرا الى خلق حركات أو توجهات للصدام معها، وقد يخلق ذلك فنا صداميّا واعتباطيّا، غرضه الاصطدام لا أكثر. اللوحة والمقطع الموسيقي لهم مساحة لا يمكن أن تخلو من كل الاحتمالات حتّى أشد اللوحات عنجهيّة (الأعمال الجريئة) لن تخرج من طور مراعاة شيء ما حول المتلقّي. حتى إفرازات الانسان  أصبحت عملا فنيّا!* ،عُرض بناء على تجربة وخبرة حب الناس وتطلعهم لكل ما هو ثائر ومستكشِف وجديد ومستعدون أن يعذروا أي أحد طالما أن غايته كذلك. لهذا كانت المدارس خيارا أفضل من الأكاديميات، فهي خلقت تقاليد مرنة وساهم إرثها في أثراء رؤيتها الخاصة أكثر، ولأنها مدرسة شبه افتراضيّة وليست أكاديمية (مقرات، وظائف، بيروقراطيّة الخ) أمكن الخروج منها بمرونة وبشكل بناء دون أي حاجة لكسر شيء ما.  

 


------------------------------

* الحديث لا ينتهي عن فصل العمل الفنّي عن الجمال؛ لو اعتبرنا أن الفنّ ينتج الجمال هل كلّ عمل فنّي جميل؟ وعندما نقول عمل فني جميل أيعني أنه عمل متفرّد؟ طالما أن العديد من الأعمال يمكن اعتبارها جميلة مثل مُنتجات الحرفيين وما تنتجه خطوط الانتاج الآلية من تحف إذ يمكن اعتبار ذلك الجمال جمالا عمليا لا فنيّا.

الجمعة، 6 نوفمبر 2020

كيف نصنع من الأشكال والأفكار البشعة عملا فنيّا.






 
في حال رسم الرسّام منظرا قبيحا، هل يمكن أن ينجم عن ذلك عملا فنيّا؟ وإن اعتبرناه كذلك، هل سنعتبره شيئا جميلا؟


تاريخ الأعمال الفنية مليء بالمشاهد البشعة والشنيعة والمؤلمة والتي تتناقض مع تصورنا عن الجمال، فنحن على سبيل المثال، نعبّر بعمق عن جمال لوحة "طوف الميدوزا" لثيودور جيريكو، (1791-1824).  يمكننا القول بأنّ الفنّ الأوروبي أبرع فنّ خلق الجمال من خلال مشاهد المآسي والالم، وعند تتبع جذورها، نجدها متأصلة من  سلسلة طويلة من اللوحات والدراسات الفنيّة، هل يمكن أن نعتبر ذلك نجاحا؟ جَعل المأساة عملا فنيّا يوصف بالجمال؟

 

بعيدا عن الفن الأوروبي وعن الألم والمأساة (الألم النابع من تعاطفنا مع الآخرين) إلى الفن الشرقي وتحديدا الياباني، حيث نجد  فنّانا اسمه تاكاشي موراكامي. لنعد السؤال مرة أخرى مع بعض التعديلات:

 هل يمكن أن يرسم الفنان شكلا بشعا ومنفّرا و مثيرا للاشمئزاز ويصبح عملا فنيّا يوصف بالجمال؟

 ذلك أصعب من تحويل المآسي والآلام  إلى عمل فنّي يوصف بالجمال. الواقع أن الأعمال اليابانية تجاوزت ذلك وصنعت أعمالا تصوّر أفكارا منفّرة ومثيرة للاشمئزاز. وواحدة من أكثر المواضيع التي يمكن الشعور بخطوط التماس بين المتناقضات الإيروتيك. عندما تصور الأعمال الغربيّة صورا عارية  تأخذها أحيانا بجانبها الميثيولوجي أو الأسطوري، حتّى تغلف هذا الحضور بشيء من الأبهة؛ لأنّ خلوّها يعرّيها من أي معنى أعمق، وهو ما جعل الكثير ينفر ويعترض على لوحتي ادوار مانيه، (1832-1883)، "غداء على العشب" و "أولمبيا"، رغم أن مثل هذه اللوحات  وجدت كثيرا وتمّ قبولها بفضل قدر لا بأس به من خلفيّة تبعدها ولو تلميحا عن الصراحة وتمنحها سياقا ميثيولوجيا، لكن لوحات مانيه لم تفعل أي شيء من ذلك، لهذا صدمتهم امرأة معاصرة وعارية تتناول الغداء مع رجلين بكامل ملابسهم.  قد يصعب على الفنّ بنمطه الغربيّ  إزالة ذلك الشعور بالذنب أو العار أو الخجل مما يتم تصويره. لوحة جوستاف كوربيه (1817-1877)، "أصل العالم"، تصوّر عضوا تناسليّا  لامرأة، تجاوزها الصريح كان فجّا وقد يكون هدف العمل الفنّي نفسه، الشعور بكسر شيء ما واجتيازه أكثر من الشعور بقبوله وتقبّله؛ والذي سيحتاج إلى قدر أعلى من الدقة في فهم مدى تأثير أدنى ملليمترات تفصيلية باللوحة على حكم الأشخاص. 

 

أكثر ما يدهش احتواء الأعمال الكرتونيّة اليابانيّة على العديد من المشاهد الجريئة والخليعة، وكثيرا ما تؤخذ بإطار فكاهيّ كوميديّ يجعلها مقبولة أكثر، ومحصورة في إطار اللقطة الكرتونيّة كأنّها مزحة ثقيلة أعقبتها ضربة ممازحة على الكتف. جرعة المزاح والفكاهة تلك تجعل المشهد والصورة أو الرسمة أكثر قبولا. وتزيل كل فكرة عن كونها تجاوزا إلى حد القبول بكونها شيء جميل سمحت هذه المزحة بالتعبير عنه بأريحيّة، دون أن يتم التعبير بمتعة التجاوز والتي لا حدود لها. يشبه ذلك تماما قبول بعض المزح والأقوال الخادشة من بعض الأشخاص وفي إطار ساخر. 

 

هل تشعرك لوحات اليابانيين الجريئة بمثل ما تشعرك به لوحات إدجار ديجا (1834-1917) ولوحات إيجون شيلي (1890-1918) من تجاوز؟ لا تلمس بأعمال اليابانيين ذلك، ولنا أن نتخيّل لوحة غربيّة كالتي رسمها كاتسوشيكا هوكوساي (1790-1849) "حلم زوجة الصياد" ؛ بالإضافة الى عنوانها الذي منحها عالما تبتعد به يمكن اعتبارها أقصى حدّ و ما يمكن للفكرة من غرابة و إثارة  تصوير إلايروتيك في إطار عمل فنّي. بذل الرسام فيه جهودا في جعلها أكثر قبولا بكونها مضحكة، منفرة إلى حدّ الاستغراب والضحك أو شيء من ذلك؛ لو رسمت بريشة غربيّة رصينة لتبادر للأذهان أنها ليست إلا أفكار تعبر عن رغبات الفنان نفسه. في الإطار الياباني يسهل افتراض أنها ليست فكرة مبنيّة على رغبة الرسام، بل فكرة مطروحة ومبنيّة على أفكار تدور حولها لا عليها. 

 







 أكثر ما يميّز تاكاشي موراكامي أنه يظهر صورة جامعة لكل الحالات الفريدة التي صورها الفنّ الياباني. تجد عنده أشكال في غاية القبح لكنها صورت بطريقة جميلة يجعل منها عملا فنيّا في غاية الروعة؛ بالأساس يمكنك أن تشاهد ابداع اليابانيين في ذلك من خلال خيالهم في إظهار أشكال المخلوقات الفضائية بعالم الكرتون. وعلى ما يكثر بفنّه من أفكار جريئة ذات ايحاءات جنسيّة أو تعابير ايروتيكيّة غريبة، فإن اطارها الفكاهي يشبه ما نجده في رسومات الانمي. وأشهر هذه الأعمال تمثال الشاب والفتاة وهم يلعبون لعبة القفز بالحبل والذي يتمّ خلقه من افرازاتهم. خلق شكل مضحك أو لمحة مضحكة تمنح الصورة مساحة لقول كلّ ما تريد بأريحيّة. وأكثر ما يصدم سلسلة الأشكال اللطيفة والجميلة في عالمه، تماثيل ورسومات مع مزجها أحيانا بأشكال بشعة أو قبيحة بعمليّة تمازج دقيقة. تظهر احساسه بالخيط الرفيع الذي يفصل القبيح والنفور والإشمئزاز بالأشكال اللطيفة والناعمة. أتذكّر حلقة من المسلسل الكرتوني "الوميض الأزرق" كان المشهد صادما عندما تحوّلت الأرانب إلى مخلوقات شريرة؛ شكل الأرانب إرتبط بدلالات كثيرة وإقحامها بصورة شريرة مثل صدمة غريبة تحفّز الذهن الى إعادة تركيب الأشكال التي يخزنها. إن اللعب على الدلالة النمطيّة لبعض الأشكال وإعادة خلطها قد يخلق شعورا يشبه الدهشة من الأعمال الفنيّة، حادة لكن بينها وبين النفور حدّا فاصلا وفي غاية الدقة والاقتراب من حدوده يحتاج الى انتباه دقيق.   

  


الأشكال المخيفة ليست جديدة في عالم الفنّ ولو أنها عند موراكامي مختلقة أكثر في حين أنها في أعمال فرانسيس بيكون (1909-1992) مشوّهة من الواقع لغاية ما، تعكس ملامسة للجانب النفسيّ للانسان الحديث. إن الجرأة في خلق إطار مقبول وفني للشكل المريع يشبه خلق إطار مقبول للتصوّرات الايروتيكية عند اليابانيين مثل تاكاشي موراكامي. 

الأربعاء، 9 سبتمبر 2020

الشكل الفني للفراغ

 





ملء الغرف بالأثاث والزوايا وبتعبير آخر ملء الفراغ، هل يمكن أن نقول بصورة أخرى أنه رسم أو نحت للفراغ لإعطائه شكلا؟

عند دخولك أي غرفة أو مكان مغلق بطبيعة الحال مليئة بالأثاث والزوايا وهي بالمجمل تشكّل شكلا لها وللفراغ بالنهاية. يمكن تقييم مدى جمال الأشياء الماديّة أكثر وبصورة أقل الفراغ "الذي يسبح فوق أسطح الأشياء بتعرجاتها" فوق وعلى جنبات الزوايا وقطع الأثاث ويأخذ شكلا بالنهاية . لو غمرنا المكان بالماء ثم جمدناه وأزلنا قالب الثلج الناتج، سيكون له شكلا وهو انعكاس ماهو موجود من مواد وزوايا وقطع. بكلّ الأحوال المصمم لم يصمم ذلك القالب من الفراغ بل وُجد كانعكاس لما قام بتصميمه. 

السؤال: شكل الفراغ هذا، هل نشعر أو نعلم أو نراه في باطننا دون أن ندرك؟ هل يحدث ذلك من دون وعي ويكون له أثر بالغ على ارتياحنا في المكان نفسه؟

 

 

Ando Fuchs

كيف يمكننا أن نفهم بأننا نشعر بهذا الشكل من الفراغ دون وعي؟ 

(سقف الغرف) لو نسخنا غرفتين وجعلنا احداهما ذات سقف منخفض والأخرى ذات سقف عالي. سيحدث ذلك تغييرا كبيرا، يشبه الاختلاف بين شكل "المستطيل" و "المربع". رغم أن مساحة الغرفة لم تختلف ولا توزيع القطع والمواد، لكن الغرفة اختلفت كثيرا، وأثرها على الشخص أيضا. كلّ هذا أحدثه تغيير شكل الفراغ، وبصورة أدق كتلة الفراغ. ولو أدخلنا على السقف تعديلات شكليّة ليست بالزخارف والأبعاد التي يتضح تأثيرها بسهولة، بل تعديلات مثل انحناء زوايا السقف بطريقة معيّنة "ربع دائرة مثلا" أو بزاوية مكسورة على  90ْ هل سيحدث ذلك فرقا؟ وهل الفرق سينجم عن شكل زاوية السقف المنحنية أو المكسورة نفسها أم بالفراغ الناجم عن ذلك؟ يمكننا أن نقول بأنّ زوايا الأسقف تحدث فرقا بالفعل وعلى افتراض ذلك لماذا نجزم بتأثير الفراغ الناجم من زوايا الأسقف ولا نجزم بالفراغ الناجم من أسطح المواد والأثاث نفسه؟ ولو أجزمنا بتأثيرها نعود ونقول: هل ذلك ناجم من الشكل أم من الشكل الناتج بالفراغ؟  وعندما نقول مكان مريح، أثاث مريح، هل يعني ذلك أنه جميل؟ إذا كيف يكون العمل الفنّي مريحا -على اعتبار أن التصميم الداخلي عمل فنّي كذلك- هل نقول ذلك عند اعتباره عملا جميلا؟ بالنسبة للمكان والقطع، هل نقول مكان مريح بفضل الكرسيّ المريح فيه وباقي أدوات الراحة، أبفضلها نقول عن المكان مريح؟ أم لأسباب تتعدّى ذلك؟

 

 

ولو جزمنا بأن التصميم الداخلي عمل فنّي، أيعني ذلك أننا سنجد ما يتوافق بالمعنى استخدام كلمة "مريح" لوصف جمال عمل فني آخر وليس تصميما داخليّا؟ هل من مقاييس جمال العمل الفنّي أن يكون مريحا؟ لعل علينا أن نعود إلى معنى كلمة "مريح" باختلاف لغاتنا ان كنّا نؤمن بدقة إطلاقاتنا وتعابيرنا العفوية وكيف أنها عميقة إلى حدّ أن المفردة المختارة تحيط بالمدلول بكافة مرادفاتها (معانيها المعجمية) هل ماهو مريح بالفن (التصميم الداخلي) له رديف بالأعمال الفنية الأخرى مثل الرسم والنحت وغيره؟

 

 
Jesus Perea

 

 

في سبيل محاولتنا معرفة قيمة الفراغ، من خلال توزيع المواد والزوايا علينا أن نتذكّر أن ذلك سيعتمد على "ثلاثة أبعاد" في حين الرسم مثلا يعتمد على "بعدين" لكن البعد الثالث بالرسم يتمثّل بالخلفية وتخلقه الأشكال والألوان. الموناليزا المزيّفة، تختلف عن الأصلية في أوضح صورها من خلال الخلفيّة، (كتلة الفراغ ذهنيّا) والتي يمكن افتراضها وفق الألوان والأشكال. البورتريهات تختلف كثيرا وفق لون الخلفيّات وحدها، بعضها قد تخنق الوجه والشخص المرسوم وتغرقه، تمنحه مساحة شاسعة، وكما عبّر شبنغلر بكتابه "تدهور الحضارة الغربيّة" عن عمق "البني السرمديّ" وأشار إلى عظمة اكتشاف هذا اللون بالبورتريهات وكيف أنه يمنح الشخصيّة المرسومة بعدا وعمقا وأنت تتأمّلها، كأنك تتأمل عمر الشخص نفسه. يعني أن اللون وتدرجاته سيتحكم ويغيّر كثيرا بكتلة الفراغ المفترضة بالأذهان. 

 

أيضا الشكل (شكل الشخص وهيئته وكتلته الأمامية وتقاطع حدوده) والانحناءات الناجمة عن ذلك صانعة حدودا للخلفيّة. كيف يؤثر على شكل الفراغ باللوحات؟ 



عائلة رولين، رسم فان غوخ


يتضح ذلك كثيرا في لوحات فان غوخ بالذات، خصوصا رسمه لعائلة ساعي البريد رولين والدكتور جاشية. الخطوط فيها أنيقة وليّنة وفي غاية اللطف تمنحك شعورا مريحا تشبه نوعا ما الخطوط الأنيقة والميلان في الرسومات اليابانيّة.حدود الفراغ خلف لوحات فان غوخ لطيفة. 

 

 

ولو قلنا بأن الفراغ الناجم بالنهاية شكل. وقبل ذلك لنعد للشعور المريح أو الإحساس المريح، هل لهذا الشعور أو الإحساس وزن أم شكل؟ هل له شكل (كتلة) أكثر مما له وزنا؟ وهل لهيئة الفراغ شكله (وإن كان غير مرئي بل شكل ذهنيّ) وزن وثقل نشعر به في قلوبنا (مثل أن نقول شعور ثقيل) ؟ لديّ شعور بأنّ شكل الفراغ له أثر على هذا الشعور بالراحة وفي حكمنا على المكان. كأن نقول بكلّ بساطة عن شيء بأننا لا نرتاح له -وفق شكله-. هذا الشكل الذي نشعر به ونراه دون وعي أكثر مما نراه مباشرة ويؤثر في شعورنا نحو المكان. 

على كل حال وكما يصعب حكر الجمال بقاعدة أو نظام ثابت؛ بالإضافة الى تخبّط الأذواق واختلافها وتباينها توجد أمور أخرى غير مفهومة تجعلنا لا نفهم على وجه الدقة متى يكون الشيء جميلا أو لا كعمل فنّي لكن الأمر أقل ابهاما مع البشر والكائنات.

 

دائما ما أتخيل أن أثاثا مليئا بالنتوءات البارزة والطويلة بنهايات "شعيرية" -أو نهايات كنهايات أسطح كنيسة السيجرادا فاميليا- قد يخلق فراغا منفّر الشكل، يشبه بأطرافه الكائنات المجهريّة. مما يجعل المكان غير مريح. أتساءل إن كان ذلك ناجم من أطراف الأثاث نفسه أم الفراغ؟ 

 

 

الى هنا نحن نعرف بأن للفراغ شكل مؤثر لكن ليس له لون يرسم حدوده بدقّه. فراغ مجوّف، فكيف يمكننا الحكم على أثره وهو لايملك لونا وإن خمّنا بأن له هالة نشعر بها وبحدودها ما يجعل له شكلا تقريبيا يتشكل بالنهاية في أذهاننا، هذا الشكل "الهولوجرامي" الذي نجد أنفسنا -دون أن نشعر- أمامه وحتّى ونحن في داخل عمقه لا يخرج عن أذهاننا وجوده. إن ما يساعدنا على تشكيل الفراغ هو اللون والضوء. فهو يرسم حدوده بالزوايا والمساحات والأسطح والمواد. لهذا يمكننا أن نتخيّل أكثر بأنّ التصميم الداخلي عمل صعب. لا نستطيع القول بأن التصميم الداخلي والأماكن -بما فيها الطبيعيّة- تصمّم شكل هذا الفراغ بالأساس. بل هو نتيجة انعكاسية وإن كان جميلا ومريحا كان انعكاسا لما هو أجمل بالواقع. شيء جميل في نفسه وأثره (انعكاسه) 

 

 

رينيه ماغريت

بالنهاية لنقس على الأشخاص في معرفة عمق الحكم وفق الفراغ وشكله. نحن نعلم لأي درجة بأننا لا نحكم على وجودهم بالأساس دون أن نحكم وبصورة أعمق على غيابهم وما يحدثه هذا الغياب -ولو فرضا- من فراغ. بل إننا وبلا وعي نراهم من خلال ذلك الفراغ الذي يمكن افتراضه 



     



الاثنين، 20 مايو 2019

هل يمكن لأحد أن يخبرنا مالذي يجعل الموناليزا أعظم لوحة في التاريخ؟


مالذي يجعلها أفضل لوحة في العالم؟ على اعتبار أنها فعلا كذلك والدليل أن لا أحد بحاجة الى كتابة عنوانها والتعريف بصاحب اللوحة الجميع يعرف ذلك لكن الجميع لا يعرف مالسبب الذي جعلها الأعظم في العالم. 

قرار بشري كان وراء ذلك، وعلينا نحن والتاريخ منح اللوحة كافة التبريرات والأسباب للإبقاء على عرشها. فمن بين الآلاف من اللوحات نحتاج أن نقرّ بوجود لوحة تعتبر الأعظم في العالم. لا يمكن لنا أن نبقي العرش خاليا كما أن لا أحد اطلاقا يفكّر في معارضة وجودها خوفا من الفراغ الذي ستخلفه. رغما عن كل من حاول تشويهها وسرقتها أو رسم نسخة ساخرة منها. 






اختيارها لم يكن صدفة منذ رسمها ودافينشي يظهر اهتمامه بها وعندما حل ضيفا على فرانسوا الأول ملك فرنسا والذي لطالما حلم بضم ايطاليا -بلد والدته- لبلاده. كان الملك قد أنشأ مدرسة فنية تعنى بالرسم على طريقة عصر النهضة "مدرسة فونتينبلو" ولو أنّها لم تنتنج الا نسخا مقلدة لا أصالة فيها. اقتنى الملك الذي يفهم الفن على ما يبدو اللوحة من دافينشي -بعد إلحاح- كما يود بعض المؤرخين قوله. منذ البداية واللوحة تثير الاهتمام والأهم أن رسامها الموسوعي أحب اللوحة، أي أن له أسباب عديدة وقد تكون أمور خارج مجال الفن. وبعد أن ظلت اللوحة مدة في قصر فونتينبلو جلبها لويس الرابع عشر لقصر فرساي ومن ثم وضعتها الثورة الفرنسية في متحف اللوفر لكن اللوحة خرجت من اللوفر ليضعها نابليون في غرفة نومه بقصر التويلري. لا يخفى على أحد مدى اهتمام نابليون بالفن. بل لا أحد يمكن أن يتخيل الفن من دونه، أي من دون اللوحات التي تصوره ولوحات الرسامين الذين رسموا بتشجيع في عهده. نابليون ذو الأصول الايطالية أظهر اهتماما خاصة بالموناليزا!. وقبل 100 عام تقريبا عندما سرقت من اللوفر من بين مئات اللوحات الايطالية العظيمة لكنه لم يختر السارق الايطالي إلا الموناليزا كنزا يعيده الى وطنه. تاريخ اللوحة يوحي بأنّ لها مكانا كبيرا في ذهن الجميع.
فرانسوا رغم أنه رُسم من قبل واحد من أعظم الفنانين الايطاليين (تيتيان) لكن اللوحة لم تشتهر كثيرا مقارنة بلوحة رسمها رسام فرنسي اسمه "جان كلويه" في وقت لم يكن في فرنسا رسامين معروفين. 



 لوحة الرسام "آنجرز" أحد تلاميذ جاك لويس دافيدز تصور موت دافينشي بين يدي الملك فرانسوا

من أشهر ماشتهرت به اللوحة الابتسامة، هل يمكنك أن تجزم فعلا بأن الموناليزا تبتسم؟ في كل مرة تشعر بذلك تحس بأنّها تنظر اليك بجمود فتقول في نفسك انها أبدا لا تبتسم لتتفاجأ بأنها تبتسم لردة فعلك. يوجد اندماج غريب بين المنظر الطبيعي خلف اللوحة وموناليزا هو ليس مكانا معينا بطبيعة الحال ولكنه كعادة كل الخلفيات صورة طبيعية قد توحي بمكان أو زمان ما لكنها هنا توحي بموناليزا نفسها. يوجد انسجام بين لون ملابسها ولون الصخور بالخلف، أما الجبال البيضاء فهي تشبه كثيرا الجبال التي رسمها بلوحته "القديسة آن" بل إن وجه مريم العذراء في اللوحة وآن لايختلف كثيرا عن وجه موناليزا نفسها، ونفس الوجه والملامح يتكرر في لوحة "عذراء الصخور" بطبيعة الحال لكل فنان وجه معين يعتبر أساسا للوجوه التي يرسمها لكن الوجه المعين هذا يكون خفيا عادة لكنه ظاهر بقوة مع دافينشي بأعظم لوحاته، اذ أن لوحاته المبكرة لاتحوي هذه الملامح المميزة. يبدو أن الوجه المعين كلما كان متقنا في ذهن الرسام كان أروع شكلا في كل وجه يرسمه وهو مكتمل للغاية في لوحة الموناليزا. لعل دافينشي رسم وجهين: وجه مبتسم ووجه متجهم ومن ثم قام بدمج كل ذلك بالختام. 




أبعاد اللوحة تبدو مثالية، أي حجم الشكل وتوزيع الفراغ من شأن ذلك أن يكون لوحة مريحة للعين وأرسخ للذهن. مثل لوحة "وستلر" التي رسم فيها والدته، المثير أنه رسم والده لكنها أبدا لم تنل مانالته لوحته لأمه. كيف يمكن توزيع الفراغ والأبعاد حتى تكون اللوحة كذلك؟ لا أحد يعرف ذلك لكن يمكن للموهوبين انتاج ذلك بشكل تلقائي. 

لعل من أكثر الأشياء التي يبرع فيها البشر قدرتهم على انتخاب نموذج يعينهم  ويساعدهم على منحهم الاستقرار في أفكارهم، تصوراتهم، اختياراتهم، أحكامهم. كأن الموناليزا اختيرت لتكون كذلك (أيقونة). العجيب أنه لا توجد قصيدة لها مكانة تشبه الموناليزا، أو رواية أو كتاب.      


يبدو أنه من الأسهل محاولة فهم روعة اللوحة من خلال دراسة مواقف وآراء الناس حولها أكثر من دراسة اللوحة نفسها. لا شيء سينتهي بنا لو حاولنا شرح جمال اللوحة نفسها. الجمال ليس إلا الشعور المنعكس فينا. 


هل للجمال سياق؟ 
قد يكون ذلك ولو أن النفس تميل الى القول بأن الجمال شيء مطلق، لكننا ندرك جيدا أن لوحات شاغال وفان غوخ ستعتبر قبيحة ومضحكة لو رسمت في عصر النهضة مثلا. كأن الجمال يتغير وفق سياقه. إذا متى وكيف ولماذا اعتبر الناس لوحات فان غوخ وشاغال جميلة بالقرن العشرين؟ بل لماذا رسموا بهذه الطريقة؟ هذا ما سيجعلنا نفهم الجمال كصورة مطلقة. لكن دراسة الشكل نفسه قد يجعلنا نفسهم جمال اللوحة لكن وفق سياق معين.

تصورنا عن الجمال بالفن يتغير مع الزمن كثيرا لكنه لم يتغير مع وملامح وجه الانسان، يمكننا الجزم بأن الأشخاص الذين نعتبرهم في غاية الجمال اليوم هم جميلون للغاية في أعين الناس قبل 100 او 200 سنة بخلاف الفن. لذلك يمكن القول أن الجمال أعمق من أن يكون رأيا.
 

وعلى كل حال هنالك فنانون بيعت لوحاتهم في حياتهم بمبالغ جيدة وبعد مماتهم لم يعد أحد يكترث كثيرا بهم ومن ثم عاد الناس واستعادوا اعمالهم الى أن نسوها أو لنقل اعطوها مكانتها الثابتة أخيرا كفنانين عظام لكن أقل من غيرهم وخير مثال على ذلك، رسامي "الروكوكو" الفرنسيين الذين اشتهروا في عصرهم ومن ثم نبذوا ونسيوا قسرا وتم استعادتهم نهاية القرن التاسع عشر وفي هذا العصر استقرت مكانتهم. 


ومع ذلك وبعيدا عن كل هذا الموناليزا ظلت رقما ثابتا.  





من بين النسخ المقلدة للموناليزا هذه أشهر نسخة وهي الموجودة بمتحف البرادو في مدريد.

الخميس، 6 سبتمبر 2018

أبجديّة الأشكال في لوحات جورجيا أوكيفي

عند مشاهدتك للحرف "ح" لاشكّ  بأنّك ستستشعر صوت احتكاك الهواء في حلقك وإن لم تنطق هذا الحرف. الحرف يترك أثرا في ذهنك وكذلك الألوان كأن يشعرك اللون الأزرق بالسكون والبرد أو أي شعور -يبدو أنّ ذلك يعتمد كثيرا على الشخص نفسه وذاكرته- حتّى الكلام له أثره فلو قلت لك "حصان" ستبرق أمام ذهنك صورة حصان خاطفة. وكأنّ كلّ  تلك الأشياء الهامشيّة التي تمرّ على حواسك نقرات كيبورد تنقر في ذهنك لتشكيل جملة ذهنيّة في بالك. جملة لاتُدركها بوصفك ولكن تدركها بانطباعك. حتّى الخطّ المستقيم يمنحك شعورا أو انطباعا عنه، خطّ أنيق أو متوتّر أو حادّ. دلالات تصل اليك بالمنطق ولكن مايعنيني الدلالات التي تصل بلا منطق معيّن، بل تصل بشكل غير مفهوم وعصيّ على الفهم. قد تجد شكلا في لوحة تجريديّة (بلاعنوان) يشعرك بالإرتياح وأحيانا العكس. ليس لأنّه يذكّرك بشيء بالذاكرة بل بما قبل الذاكرة، شيء أصيل في تكوينك. وكأنّ كلّ زاوية وركن وخطّ وانحناءة في شكل ما تعطي نقرة كيبورد خفيّة الى جانب ماتجسّده. أو لنقل بأنّ كلّ  شكل هو حرف من أبجديّة يتقن كتابتها بعض الفنّانين وتقرؤها بشعورك

كذلك الشاعر، الموسيقي، الرسّام يخاطبك لا بالخطاب الاعتياديّ الذي يتشكّل وفق مفهوم مشترك، بل بمثل هذه الإشارات الغير مباشرة أو الانطباع الجانبيّ. 

  حديثي عن اللوحات أي عن الأشكال من هذه النقطة. يمكنك فهم لوحة مكتملة الأركان والتفاصيل ومعرفة كلّ مايودّ الرسّام قوله ولكن الحديث عن من لم يرسم الكثير من التفاصيل، بل رسم جزءا بسيطا -من كلّ - وكأنّه بذلك ترك لك حرفا يدلّ على جملة. إنّ الأشكال التي رسمها تترك أثرا في نفسك وذلك الأثر ليس عبثيّا بل كأنّ الفنّان أدرك قدرة الأشكال التي يرسمها على التعبير.

الرسّامة الأمريكية: جورجيا أوكيفي 1887-1986م



  

لعل أوكيفي أكثر اسم نسائي يمتاز بالأصالة أو التفرّد في عالم الرسم. رغم كثرة الأسماء النسائية إلا أنّها ظلّت لسوء الحظّ قرينة لأسماء رسّامين رجال أو لنقل تشبّه لوحاتهن برسّامين معيّنين. بداية من الايطاليّة ارتيميسا جينتليسكي 1593-1653م إلى الرسامة ماري لويز فيجيه لوبرن بنهاية الملكيّة بفرنسا وعودتها. وصولا لفنّانات عادة لايتمّ ذكرهنّ إلا ضمن مجموعة مثل الانطباعيّات بيرت موريسو وماري كاسات وبدرجة أقلّ ايفا جونزاليس. لموريسو لوحات مشهورة ومميّزة تشعر بأنّها جديرة بأنّ تكون ذات أثر مهمّ ومُعترف. لكن لعلّ السبب مع الأسف كونها إمرأة ويصعب فعلا الجزم بأنّ هذا السبب وحده ليس كافيا. حتّى فريدا كاهلو يرتبط الحديث بها وبحياتها وزوجها ريفيرا أكثر من فنّها لكن الوضع كلّه مختلف مع أوكيفي في كلّ  شيء حتّى في تعاطيها مع فنّها، بل إنّها لم تكن حاذقة فقط في مجال رسم الأشكال والتقاطها بل بالصور التي تؤخذ لها، تشعر بأنّها جزء مكمّل للوحاتها. تقليب صورها وبيتها المعزول وتأملّها لاتقلّ  روعة عن تأمّل لوحاتها. 
باختصار هي فنانة صنعت مكانتها بكلّ أريحيّة. حتّي اسمها المكتوب  Georgia O'Keeffe يبدو شكلا فنيّا (":









أشتهرت كثيرا زهور أوكيفي وتفاصيلها التي تبدو وكأنّها تشير إلى شيء\شعور نعرفه مع الشعور بأنّنا لسنا متأكّدين من ذلك. أبعد من كونها رسمت لتبدو قريبة من العضو التناسليّ للمرأة، الى الحدّ الذي يجعلنا نفكّر بما يعنيه ذلك في زهرة؟ أو الى الحدّ الذي يجعلنا نتساءل لماذا تبدو وكأنّ تموجاتها توحي وكأنّ شيئا ما سينبثق من اللوحة؟ أي أنّك تتأمّل اللوحة وكأنّك في حالة انتظار لشيء ما. 
















ان طريقتها في رسم المناظر الطبيعيّة تعبّر عن فهمها أو لنقل تصوّرها للشكل الذي يجعلك تشعر بطباع الطبيعة وكأنّها بورتريه لشخص توحي ملامحه بطباعه. التفاصيل البسيطة والتي عشقها الفنّانون بالخطوط اليابانيّة الأنيقة هي كذلك مع لوحات أوكيفي لكن ليس بالاعتماد على الخطوط بل على تموّجات الأشكال بالألوان




حتّى الزوايا تعطي انطباعا خفيّا، بعض الزوايات لها القدرة على ايصال ذلك الشعور الغير مريح والذي ينتابك بمثل هذه المدن. أو كأنّ الزاوية منحتك موطئ قدم بالمكان الذي تصوّره اللوحة





'


لم يكن شكل الصليب أساسيّا في أغلب اللوحات التي صوّر بها، كان أداة لا أكثر ولم يعطي شعورا بارزا. كان يظهرا في لوحات مزدحمة بالأشخاص والأشكال في حين أنّه هنا وبهذا الشكل بدا قادرا على منح شعور لم تمنحه كلّ الأشكال التي كانت معه في تلك اللوحات  





من أشهر الرموز التي رسمتها أوكيفي. لعلّه أكثر رمز قادر على أن يجعلنا نفهم الطبيعة التي صوّرتها أوكيفي. تلك الصحراء والتي لطالما تغنّى البشر بقسوتها التي بدت لهم شيئا يستحقّ التبجيل. هذا الرأس يمثّل الموت وقسوة الصحراء وكم يبدو غريبا أن يكون شكل يدلّ على الموت مثيرا في جماله. توجد الكثير من اللوحات التي صوّرت جماجم بشريّة من قبل أشهر الرسّامين. لكنّها لا تمنحك إلا شعورا محصورا بنطاق معيّن. لعلّ  عِظم قدر الموت بالنسبة للإنسان تجعله غير قادر على أن يبعد الموت من تصوّراته عندما يرى جمجمة مرسومة. في حين أن جمجمة حيوان قادرة على أن تجذب اهتمامه حول تصوّر البيئة التي كانت تعيش فيها ويتلمّس أثر نحت الزمن عليها. 
لعلّ  أوكيفي أدركت مدى قدرة هذه الجماجم على التعبير، لذلك رسمتها بعدّة هيّئات. بشكل أنيق وكأنّها زينة معلّقة على جدار الطبيعة، تماما كما يفعل الصيّادون في بلدها بتعليق رؤوس الحيوانات التي اصطادوها.








  ومن أبرز مايمتاز به فنّها أنّها تدرك مقدار التأثير الذي يتركه أبسط شكل في اللوحة. تماما مثل البقعة الحمراء التي جعلت لوحة تيرنر تجذب الانتباه عوضا عن لوحة كونستابل. ومثلما يترك وستلر شيئا من أثر الفرشاة هنا وهناك في لوحاته.












ليس لأنّها صاحبة أغلى لوحة بيعت لفنّانة تستحقّ لوحاتها التأمّل. بل لأنّها بدت وكأنّها قادرة على جعل الأشكال تقول مالم تستطع الأشكال سابقا قوله. والى جانب كلّ ذلك ليس غريبا أن تجد كتابا لا يحوي إلا صورها - خاصة التي التقطها زوجها لها- وصور بيتها والبيئة التي عاشت فيها حتّى طبيعة حياتها مميّزة.








للأسف يصعب كثيرا أن نصف شعورا خفيّا يكمن فينا فكيف في وصف ما تمنحه بعض الأشكال فينا. ما كلّ شكل يمنح نفس التأثير عند كلّ  شخص ولكن أشكال معيّنة لها القدرة على منح تأثير محدّد عند قدر كبير من الأشخاص. تلك الأشكال الفنّانون يدركونها كما يدرك الشاعر تأثير بعض الكلمات والتعابير. 

الرغبة في قول شيء، هذا ما أستطيع قوله حول الأشكال التي تبدو في لوحات أوكيفي والتي لايشبهها إلا صورة شخص يبدو وكأنّه يودّ أن يقول لك شيئا ولكنّه لايقول لأنّه محبوس داخل الصورة ولايمكنك أبدا أن تعرف ماسيقول بالضبط ولكن يمكنك أن تشعر نسبيّا بما يودّ قوله 

 تحويل الأشكال لأبجديّة تخاطب الشعور هو عمل برع فيه العديد من الفنّانين ولعلّ أقرب مثال كاندنيسكي وماليفيتش وبول كلي و أوكيفي برعت بذلك بأسلوب أكثر خصوصيّة

قد لا أكون معجبا كثيرا بجمال لوحاتها ولكنّي معجب بقدرتها على التعبير بشعور ما ينتاب من يتأمّلها




الأربعاء، 13 ديسمبر 2017

الصورة تتحرّك! : مالذي أحدثته الصورة عندما تحرّكت






  عند ظهور أول صورة فوتوغرافيّة 1826م كان يوجد سباق نحو تطوير آلة التصوير والتوسّع باستخدامها. ومثل المصباح الكهربائي هذا الاختراع لم يظهر فجأة. بدأ مبكّرا مع الفرنسي نيبيس وجاءآخرون بعده وكلّها كانت صورا ساكنة. لكنها لاحقا حرّكت بطرق مختلفة منها ماجرى باختراع المصوّر مايبريدج بتحريك الصور المرسومة  1879م وكذلك بتحريك الصور الفوتوغرافيّة -مثل صورة راكب الخيل- ومن بعدها ظهرت مشاهد متحرّكة بالربع الأخير من القرن التاسع عشر.

 كلّ ذلك حدث بتتابع وتسارع يصعب معها اعطاء نبذة أو حكاية دقيقة عن ماحدث. إنّ ماحدث عندما تحرّكت الصورة لأوّل مرّة كان يجب أن يخلق صدمة هائلة تشبه قيام تمثال "داوود" لمايكل آنجلو بتحريك يده ليحكّ أنفه، ولكن يبدو أنّ تمثال داوود قام بذلك في غفلة منّا ، حيث كان التصوير يأخذ مجراه واكتماله بكلّ ذلك الزخم مع الوقت قبل الحركة كيف كنّا ننظر للصورة؟ أغلب التماثيل الجامدة واللوحات هي بالأصل ثانية ساكنة من حدث متحرّك أو صامت. حيث كان خيال المشاهد هو من يقوم بتحريك ماتبقّى من ثواني وذلك كان يجعلنا نستغرق بالتفكير والتأمّل ونقوم بتحريك هذه الصور مرارا وتكرارا عبر خيالنا. أو بكلّ بساطة بتركها ساكنة مع استشعار أثر الحدث الساكن حال حراكه. إن تحرّك الصورة سيفقدنا الكثير من ذلك حتما. 



في لوحة إدغار ديجا "الدخلة" أو كما تعرف أحيانا "الاغتصاب" 1869م يقوم العنوان تلقائيّا بتحريك المشهد. وكعادة ديجا -وهو برأيي رسام لايمكن الحديث عن تاريخ فنّ الصور الفوتوغرافيّة والفيديو دون التطرّق له- وكمعجب بآلة التصوير الحديثة كثيرا ماقام برسم اللوحات آخذا في الاعتبار الحركة التي ستجري في ذهن المشاهد. نستطيع القول بأنّ ديجا كان بذلك يرسم كمخرج سينمائيّ. أيعني أنّ حركة الصورة سوف تفقد المشاهد جزءا كبيرا من التأمّل. إذا كيف يستطيع المخرج إظهار عمل يدعو المشاهد للتأمّل؟ ولكون الاختراع ظهر  والسينما كانت في بدايتها لم تكن تلك الصور المتحرّكة إلا أشياء مسلية وتوثيقيّة في الغالب. إذ أنّ الإنسان شيئا فشيئا بدأ يكتشف قدرة السينما (الصورة المتحركة) على إظهار عمق تعبيريّ من خلالها. الفكرة ليست بتصوير حدث كما هُوَ، حيث سيكون خيالك عاطلا عن العمل. بل في إظهار تفاصيل وتعابير الوجه والديكور والموسيقى تجعلك هذه المرّة تعيش الحدث بنفسك بدلا من أن تتخيّل حدوثه، ولاشكّ أن الصورة المتحرّكة ستجعلك قادرا على تخيّل ذلك أكثر من الصورة الساكنة. لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إنّ السينما إستطاعت أن تخلق مجالا للتأمّل يشبه ماتقوم به الصورة الساكنة، عبر الأحداث المقطوعة، واللامفهومة، والنتائج التي لم تعرض كامل تفاصيلها، كلّ ذلك عندما يتمّ بحرفيّة عاليّة سيجعل خيالك لايكفّ عن الاستغراق في إعادة وتحليل كلّ تلك المشاهد التي لم تروى. 



الأمثلة كثيرة جدّا ولكلّ مخرج أسلوبه في ذلك.قرأت مرّة أن المخرج فيديريكو فيلليني تحدّث عن مشهد بمقهى روساتّي كان يودّ اخراجه لرجل وامرأة كانا يأتيان كثيرا للمقهى ويتخاصمان كلّ مرّة، وبعد مدّة بات الرجل يأتي وحدة ليجلس وحيدا بالمقهى، كان الحزن باديا عليه وكان ينظر للفراغ. كانت المرأة قد ماتت. أراد فيلليني تصوير ذلك بالطبع فيلليني لم يعجبه طلب المنتج أن يروي بالتفصيل مالذي حدث لهما وأن يسهب في ذكر التفاصيل، إذ أنّه أراد أن يترك التفاصيل لاستنتاجات المشاهدين وحدهم. 


في فيلم Jeanne Dielman 1975 للمخرجة شانتال اكرمان في مشهد اعداد القهوة، لايوجد أيّ فراغ متاح للتخيّل. فقد كان المشهد طويلا وكاملا لاعداد قهوة كاملة من-إلى. التعبير الذي يوصله الفيلم عبر ذلك كان بليغا، إذ أنّه فعلا سيخلق لك ذلك الشعور المرير وحالة الضجر التي تعيشها بطلة الفيلم بكلّ بساطة. على صعيد المخرجين، كان هنالك فنّانين أكثر من كونهم مخرجين تقنيين أوكلت لهم مهمّة تصوير مشهد أو قصّة بمؤثّرات رائعة. حيث أنّهم لم يكونوا تقنيين بقدر ماكانوا فنّانين. استطاعوا خلق صورا سينمائيّة رائعة بأساليبهم التعبيريّة. 

ببساطة قام الانسان باكتشاف الكثير من أساليب التعبير عندما تحرّكت الصورة، لم يكن أثرها مقتصرا فقط على السينما، بل على الشعر والكتابة وكلّ شيء. بل إنّ الصورة عندما تحرّكت قامت بنحت خيال الناس كافة. ومن يدري لعلّ الصورة عندما تحرّكت وفرّت على الروائيين عناء سرد العديد من المشاهد المتحرّكة ووصفها وحثّتهم على الالتفات أكثر إلى مايحدث في عمق الإنسان بدلا عن ذلك . كم من البشر أتيح لهم مشاهدة صورة لموج هائج يصطدم بالصخور قبل تحرّك الصورة؟ الآن حتّى الذي لم يشاهد بحرا في حياته يمكنه مشاهدة ذلك عبر التلفاز. ليس لهذا المشهد فحسب بل وغيره الكثير.

ولاشكّ وأنّ أهوال الحرب اكتسبت معنى أشدّ عمقا بالعصر الحديث وبالحرب العالميّة الثانية بفضل الصورة المتحرّكة بالذات. أهوال حروب أخرى كانت مخيفة مثلها لكنها لاتبدو كذلك لأنّها جاءت قبل أن تتحرّك الصورة. بعد تحرّك الصورة أصبح الإنسان أجرأ على الخيال. حتّى تمثال داوود يمكنه  أن يحكّ أنفه الآن بمشهد كرتوني، في حين لايمكن تصوّر أن تلك الفكرة كانت يمكن تخيّلها قبل أن تتحرّك الصورة.





  بالصورة لوحة رينيه ماغريت عنوانها La perspectiva amorosa - 1935 ماغريت لم يكن يحرّك فرشاته على لوحاته وحسب بل وعلى عناوينه. وفي هذه اللوحة وبالشكل المنظور يمكنك أن ترى حركة سالفة لجسم ساكن.    
بالنهاية قد نقول بأنّ الحياة دبّت بالصور عندما تحرّكت أو عندما بدأت الأفكار تتحرّك داخل الإنسان عوضا عن جمودها، ليكتشف معاني جديدة فبات شاعرا في تصويره المرئيّ كما هو شاعر في كلماته.