الاثنين، 4 فبراير 2019

عن نونيّة ابن زيدون و هل على الحبّ أن يكون مؤلما أو أن يكون من طرف واحد؟

بالبداية أعترف بأنّي عجزت عن كتابة ما أودّ حول قصيدة ابن زيدون التي أحبّ. وأكثر شيء كنت أخشاه أن ينتهي استعدادي الى قراءة انطباعيّة عنها. 

أكتب ذلك وأنا أشعر بخيبة الأمل. 

وعقابا لي سأنشر ما كتبته كما هو: 


لاشيء يغذّي الحبّ أكثر من الحرمان ولاشيء يعكس حقيقته الأنقى إلا أن يكون من طرف واحد أو أن تجعله الظروف كذلك. هل هو شعور يدفع صاحبه أم أنّه شعور يندفع صاحبه فيه؟ هل لهذا الحبّ لذّة تشبه لذّة الألم؟
 للجرح ووخز الإبرة لذّة خفيّة لاتتعدّى مقدار جزء من ثانية يشعر المرء بأنّه قد شعر بها ولهذا قد نجد من يؤنّب نفسه ويعاقب نفسه ويؤلمها ويجد في ذلك لذّة خفيّة، هي لذّة ألم خفيّ عبثا يحاول المرء البحث عن تلك الوخزة وكأنّه يبحث عن ابرة في كومة قشّ. قد يغرق المرء نفسه بالألم حتّى يفقد أي أثر لتلك الوخزة فتغدوا آلامه بلا فائدة ويتشوّه شعوره كليّا

يصعب على المرء أن يزن مقدار مايحتاج من ألم ليلمس ذلك الشعور أو عمقه. الشعور به يحتاج الى شعور دقيق وحسّ مرهف. الكثير يحبّ  أن يلمس جرحه وكأنه يداعب ألمه ولا يفعل الشعراء إلا ذلك في قصائدهم وهي تحكي عن الفراق والحرمان والأحباب. يخطفنا بيت من قصيدة كوخزة! محاطة بالآلام حتّي أنّنا بالكاد نشعر بها عندما نقرؤ ذلك البيت دون باقي أبياته/آلامه. هل تستحقّ الوخزة كلّ  ذلك؟ بغضّ  النظر عن قولنا أصبحت تلك قصائد تسير بهالأزمان جيلا بعد جيل.



لم يدفع الحمد العذريين نحو العفّة لاشكّ  وأنّهم وجدوا فيه ما وجده عمر بن أبي ربيعة ولكن بصورة أخرى. ولو بدوا في أذى من حالتهم تلك. وهو ماتشير إليه أشعارهم، قد نشعر بشيء من سرور لكن ظاهر الحزن يخفي كلّ ذلك 
    

"يمكننا أن نحبّ دون أن نكون سعداء ويمكننا أن نكون سعداء دون أن نحبّ، لكن أن نحبّ ونلقى السعادة أن نجمع بين هاتين المتعتين الانسانيتين الكبيرتين هو الاعجوبة." 

من رواية بلزاك: (أسرار الأميرة دي كادينيان)


وإن كانت تكفينا وخزة من قصيدة حبّ كاملة فإن قصيدة ابن زيدون (أضحى التنائي) تكفي لأن تكون  وخزة قصائد العشق كلهّا. أبياتها تسرّك رغم مافيها من حزن وألم. شيء أقرب إلى الجنون أو إلى أن يكون المرء قادرا على أن يستأنس بحزنه

ليس للحبّ نهايات سعيدة إلا أن ينتهي هو نفسه. لطالما أنهت الحكايات قصص الحبّ بنهايات -يسمّونها سعيدة- تنتهي بالزواج والوفاق ومثل ذلك ولو استمرّت الحكاية قليلا لوجدنا ذلك الحبّ يتذبذب أمام أبسط المشاكل المنزلية.

في برزخ ما يقع الحبّ لذلك كانت أبيات ابن زيدون من أجمل مايكون بالكاد كان وصفه مكتملا وصريحا، إذ أنّه يترك مساحة خالية لاندفاعك نحو اكمال ذلك الشعور في كلّ بيت يعجبك وكأنّ قافية النون تشجّعنا على ذلك.

وقد نكون ومايخشى تفرّقنا 
فاليوم نحن ومايرجى تلاقينا
..
ماحقّنا أن تقرّوا عين ذي حسد
بنا، ولا أن تسرّوا كاشحا فينا

 وكذلك كان أكثر من اقترب من نقطة الألم تلك لأنّه كان يحوم حولها وهو يذكر تقلب الأحوال في كلّ بيت تقريبا، لازال في كلّ بيت يوغل الحسرة بعمق في كلّ  مرّة يذكر ماكان ايحاءً حتى ينهي بما آلت اليه أحواله ويظهر ذلك بدءا من مطلع قصيدته المشهور.

ياساري البرق غاد القصر واسقي به 
من كان صرف الهوى والودّ يسقينا
..
ويانسيم الصبا بلّغ تحيّتنا
من لو على البعد حيّا كان يحيينا
..
ياروضة طالما أجنت لوحظنا
وردا جلاه الصبا غضّا ونسرينا

 طالما أن الحبّ غير واضح فمن الأولى أن يوصف بمثل ذلك، بصورة لاتكون أقرب للحلم فيروى البيت ويفسّر مثل الحلم 

واذ هصرنا فنون الوصل دانية
قطافها فجنينا منه ماشينا
..
ويانعيما خطرنا من غضارته
في وشْي نعمى سحبنا ذيله حيـنا

كانت الصور تشبه مقتطفات أو بقايا مبعثرة على اختلاف أشكالها إلا أنّها كانت وكأنّها حروف تقول كلّ شيء، هذه الأشياء المبعثرة والتي كشف عنها ابن زيدون كما هي داخل حجرة قلبه. إنّه يحيط بالمعنى الذي يكتمل تصوّره في ذهن القارئ فهما وشعورا تماما مثلما يقول في هذا البيت 

لسنا نسمّيك إجلالا وتكرمة
وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا


القصيدة أجمل من أن تظلم باقتباس شيء منها، هي قصيدة تتمنّى لو أنّك كتبتها وبالنسبة لي أجد أن أعمق وصف يمكن أن يعبّراعجابك بعمل ما هو أن تتمنّى بأنّ العمل كان لك.






بصوت: ماجد الشبل الله يرحمه

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

قبل أن ألقي طفولتي في سلّة المهملات





قبل آن آلقي طفولتي في سلة المهملات قرّرت أن آحتفظ قدر الإمكان بما أمكنني في شريط "كاسيت" يحفظ أجمل الأغاني واللقطات في أفلام الكرتون. لم تعد الأشرطة متوفّرة وحفظها بات معقّدا كنت قد حفظت أغلب مافيها عن ظهر قلب، لطالما أعدت تكرار الشريط أكثر من مرّة في جلسة واحدة، لم يكن هنالك شيء لأفعله في بيتنا البعيد. قد يبدو الأمر غريبا ومرعبا لكنّي أدرك أن هذه الأشرطة تركت تأثيرها العميق فيني. لم أدرك كعادة أيّ  انسان كلّ شيء إلا متأخّرا اعتادت الأفلام كرتون أن تضيّق الخناق على الأمل  وفي الحلقة الأخيرة يذهب كلّ  شيء وتتحقّق الأحلام. كنت في قرارة نفسي أؤمن بأنّ كلّ كلّ أحلامي ستتحقّق في الحلقة الأخيرة من حياتي لكن الحياة ليست مسلسلا كرتونيّا! الآن أدركت بأنّ الحلقة الأخيرة من حياتي لن تنتهي بتحقيق شيء وأنّي لن أكون إلا شخصيّة هامشيّة رسمت على عجل في حلقة ما. لازالت ملامح الوجوه في أفلام الكرتون تعطيني فكرة عن الأشخاص الذين أقابلهم في حياتي، كنت أستعين بخبرة الرسامين في تحليل شخصيّات الناس من حولي وذلك مايجعلني ساذجا ولا أفهم بالضبط مالذي يعنيه الناس في تصرّفاتهم، إنّهم لايتقيّدون بما كنت معتادا عليه في الشخصيّات الكرتونيّة. لم يكن يزعجني أن أبدو غبيّا، لطالما كانت الشخصيّات الغبيّة طيبة القلب في عالم الكرتون. أحببت أن أكون طيّبا وإن جعلني ذلك غبيّا أمام الجميع. حلمت كثيرا أن أبدو شخصيّة كرتونيّة في عالم أفلام الكرتون لكن الأمر انتهى بي وأن جعلني شخصيّة كرتونيّة في الواقع، كيف يمكنني أن أشرح ذلك؟ إنّ ذلك يدفعني للحديث عن أشياء لا أودّ الحديث عنها في حياتي ومواقف ليست مخجلة ولكن لا أريد ذكرها ببساطة. حزنت غالبا عند كلّ حلقة أخيرة في أي مسلسل كرتوني أحبّه كنت أعيد مشاهدة الحلقة أكثر من مرّة طالما أنّها الأخيرة كنت بذلك أحاول أن لاتنتهي وتمنّيت أن أهرب من حياتي إليهم، كنت أعيد مشاهدة الحلقات زملا في أن يدعوني للإنضمام إليهم. على كلّ  حال أطفأت الجهاز ولم يدعوني أحد للانضمام اليه، لا الشخصيّات الكرتونيّة ولا الناس من حولي لهذا وجدت نفسي أعيش في برزخ خالي من الحياة. على كلّ حال لاشيء من ذلك يهمّ، أعود للحديث عن "كاسيت" الذكريات التي جمعتها. بطبيعة الحال أغنية (في قصص الشعوب) لأصالة و (جرندايزر) وصوت الكمان في أغنية (فارس الفتى الشجاع) وفيها أجمل قصّة حبّ شاهدتها في عالم الكرتون بعد (رانما ٢\١) والسبب أن قصّة الحبّ كانت هامشيّة. ولقطات من (ليدي اوسكار) بطبيعة الحال لقطات لنهايات معيّنة. وكذلك أغنية (جزيرة الكنز) الأجمل ولحظات الوداع المؤثّرة. في تلك الأثناء كانت أغنية (السندباد) تعرض على التلفاز فقمت بتسجيلها مع الجميع. وأغاني كثيرة لكن ختامها مع أجمل أغنية كرتونيّة (النسر الذهبي). الأغنية الجديرة التي لم تكن موجودة كانت (ريمي الفتى الشريد).

لو أن أحدا سألني ماهو أجمل مسلسل كرتونيّ شاهدته لذكرت له قائمة بالأفلام الكرتونيّة التي تمنّيت لو عشت فيها. على كلّ حال وضعت طفولتي جانبا مع "الكاسيت" الى عالم الأفلام، الوحيد الذي وجدته يشبه عالمي ويشبه تصويره وتصميمه للشخصيّات العالم الكرتونيّ هو ستانلي كوبريك! كانت اكتشافا سعيدا بالنسبة لي، لم أفهم مالذي جعلني أحبّ هذا المخرج بالذات واعتبرته يعبّر عن ما أريد لو كنت مخرجا، الآن فقط أقول لأنّ عالمه يشبه العالم الذي عرفته في أفلام الكرتون. وفي عالم كرة القدم أحببت برشلونة من صميم قلبي، كانت كرة القدم تلعب للمتعة فيه، وهذا مايجعلك قادرا على التمنّي للعب معهم بالفعل.

ورغم حبّي لكلّ  شيء تقريبا من: موسيقى وأغاني ورسم وشعر وكتب وروايات وقصص وأفلام لكن الشيء الوحيد الذي تمنّيت لو كان من تأليفي أنا هو (هجوم العمالقة) هل لذلك علاقة بطفولتي؟ لا أدري بالفعل. كما أنّي لا أدري إن كان ماقلته حول تأثير ذلك العالم الذي خبأته في "الكاسيت" صحيحا. وهل أنا قادر على اخراج نفسي من ذلك البرزخ والوصول الى أيّ  عالم يمكنني أن أعيش فيه كشخصيّة طبيعيّة.

الأمر يبدو غريبا ولكن الأكثر غرابة هو أن الشخصيّة الكرتونيّة التي يقول الكبار من حولي بأنّي أحببتها كثيرا بطفولتي هي (كاليميرو)! حسنا لا أذكر الأيّام التي شاهدت فيها هذا الكرتون، لأنّي كنت أصغر من أن أذكر أيّ  شيء منه لكن المضحك أن الشخصيّة تشبه كثيرا ما تحدّثت عنه. فرخ يضع قشرة البيض على رأسه، وكأنّه يعيش في برزخ ولم تكتمل ولادته في هذا العالم بعد.           

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

-١٦-

-١٦-




مدينة  كانت تشعرني بالضيق كلّ مرّة أدخلها أقع في مأزق شوارعها وتحويلاتها التي  لاتنتهي فأبحث لاهثا عن أقرب مخرج منها الى مدينتي القريبة. عرفت لها أربعة  مداخل إلا أنّي لم أدري يوما كيف يمكنني الخروج منها. لهذا كنت أتحاشى  الذهاب إليها وأتضايق كثيرا عندما أجد نفسي مضطرّا للذهاب؛ كلّ شيء في  مدينتي لم يكن كافيا. لا أحد يتذمّر من كثرة التحويلات التي كانت تغيّر  مسارها في كلّ مرّة نحفظ الطريق إليها. والطرقات السيئة، لم يكن أحد يتذمّر  كان الوضع سيئا لدرجة أنّ عدم تذمّر الناس كان يبدو طبيعيّا وأمر  اعتياديّ. كنت أستغرب، الكثيرون  كانوا يمدحونها ويقولون كلّ شيء جميل فيها وأنّني لا أعرفها، وأنّني واهم عندما أقول بأنّ مدينتي المرتّبة أفضل منها. وأستغرب من رفيقي الذي كان يجرّني إليها في عطلة نهاية  الأسبوع للتمشية، لا شيء فيها يدعو للبهجة هكذا أقول لكن لا أدري من أين  يأتي رفيقي بكلّ تلك الأماكن الجميلة فيها؛ فالمكان المفضّل لديّ  لم يكن  إلا أقصى طرف فيها أي أبعد شيء منها. عندما أعود وحدي إليها أتوه فأكرّر  كلّ  لعناتي السابقة، كان الشتم بصوت عالي هو الشيء الوحيد الذي يشعرني  بالراحة فيها. لكن الغريب أنّي في كلّ مرّة آتيها وأعود ضائعا كنت أمرّ  بنهاية يومي بالذات -أيّ عندما يهمّ الجميع بإقفال محلاتهم والعودة لأخذ  ماتبقّى من وقتهم ليكملوا سهراتهم كلّ في مأواه- كنت أشاهد طريقا في غاية  الروعة، كانت إنارته بهيجة لأبعد حدّ، تشبه مدنا حلمت بها أو بالسكن فيها.  كان الجلوس على رصيفها والاستماع لصخب الناس والسيّارات فيها كافيا لقضاء  وقت ممتع. أين كنت كلّ هذا الوقت عن هذا الشارع؟ فكنت في كلّ مرّة أقفل  راجعا أعقد العزم على زيارة ذلك الشارع في هذه المدينة البغيضة. أعود وأتوه  كالعادة ولا أجد ذلك الشارع وعندما أعود شاتما هذه المدينة على ضياع عطلتي  أمرّ بنفس الشارع أو لا أدري غيره ولكنّه مثل الأوّل، في غاية البهجة.  المكان يبدو سعيدا لا أدري كيف شعرت بذلك. كنت أغبط نفسي لاأنّي أخيرا  توصّلت الى هذا المكان مع عزم للعودة إليه في أقرب فرصة، كانت تراودني فكرة  المشي فيه والتعرّف على كلّ محلاته عن قرب. ولكن لفرط بهجتي لم أفكّر في  قراءة اسم الشارع. أضحت هذه المدينة لغزا أدخل اليها لا أرى فيها إلا ما  أكره ومايشعرني بحسرتي على وقتي ولكن عندما أهمّ بالرجوع غاضبا أمرّ على  ذلك الشارع الذي يواسيني. لم أكن في كلّ مرّة أفلح بالعثور عليه، وماكان  يغيضني هو أنّي عندما أصف الشارع لرفيقي لم يكن -على معرفته الجيّدة  بالمدينة- قادرا على معرفة هذا الشارع من خلال وصفي، كنت أقول "الشارع الذي  كنت أقول لك لحظة مرورنا فيه: فلنعد إليه في يوم ما" لكنّه لم يذكر! هل  كنت أحلم؟ بدأت أشعر بأنّ الجميع يخبّئ عنّي هذا المكان أو هذه الأماكن  عنّي، كان مدحهم للمدينة التي أجدها بغيضة ينطبق على تلك الشوارع أو الشارع  الذي كنت أمرّه. وكأنّي في غفوة كنت أمرّ به وأستيقظ واصلا إلى مدينتي دون  أن ألتقط إسم ذلك المكان. كان الطريق طويلا الى الحدّ الذي يبدو فيه كافيا  لاستيعاب أوقات فراغي. حديث الإنارة الطويل ذاك كان شيئا لا يُنسى، كان  مثل حكاية مرئيّة تشاهدها عيني بكلّ  سرور وفي كلّ مرّة حكاية جديدة، لأنّ  الشارع كان حيّا الى درجة أنّ المحلات تتجدّد مضيفة بإنارتها بعدا  للحكاية. 
تلك الأضواء لايمكن أن تُنسى. 
دام  الأمر طويلا، بل أكثر من سنة أو سنتين وعندها عرفت ذلك الشارع، كان مدخلا  للمدينة، لم أعد أدخل المدينة تلك الا من خلاله. كان المرور به يكفيني. لا أستطيع أن أصف سعادتي فهي ليست بتلك الدرجة التي تجعلني أهلهل وأعبّر بحماس عنها لكنّي كنت مسرورا بعمق وكأنّي أخيرا وجدت كلّ المدح الذي قيل فيها مختبئا هنا. على  سعادتي بذلك المكان لكنّي كنت أشعر بنقص ما في ذلك المكان، لا أدري هل كنت  أخدع نفسي به أم لأنّه بات مألوفا. 

مضت  سنوات على ذلك حاليّا المدينة الكريهة باتت جميلة، إنّها تفاجئني، ولكن  الناس يغيضوني. فهم لايذكرون كم تحسّنت وباتت أجمل وأكثر مايثير غيضي هو  أنّ عدم انتباههم لذلك بدا أمرا طبيعيّا.

واليوم  بالذات مررت بشارع كان مختبئا، إنّه يذكّرني بذلك الشارع الحلم، بعد كلّ  هذه السنوات عرفت لم بدا ذلك الشارع الذي عرفته ناقصا. الواقع أنّي عثرت  على مكان واحد من تلك الأماكن واكتفيت به على شعوري بنقصه لكن صدفة اليوم  وجهت صفعة عتاب أليمة على وجهي لأرى هذا المكان أو الشارع الذي مررته لهذا  اليوم يعاتبني على وصولي متأخرّا بعد كلّ هذه السنين.   

بقي أن أسأل نفسي: هل أحبّها؟
الواقع أنّي الى حدّ الآن لا أملك شعورا مكتملا

السبت، 8 سبتمبر 2018

-١٥-

-١٥-

(تذكرة سفر)

لطاما اعتبرت الستر ذات الألوان الزاهية الأكثر أناقة من بين ملابس الرجال كافة. كنت أستغرب كثيرا عن السبب الذي لايجعلني أرتديها مرارا وتكرارا وبعد أوّل يوم سفر أدركت السبب بالفعل. فهي بحاجة إلى الكيّ في كلّ  مرّة. قد يبدو هذا السبب تافها لكنه كافي لعدم ارتدائها. من قال إنّ الأشياء التافهة غير مهمة؟ أنا على استعداد لأنّ أثبت لك بأنّ أفخم الفنادق قد تكرهها لأسباب تافهة. بل إنّ أكثر شيء يقف حجر عثرة على الكمال الأشياء التافهة. وهي تمنحك الجرأة على أن تقول عن أحدهم بأنّه شخص لا مثيل له لولا "..." صدّقني لا شيء سيكون جديرا بعد "لو" هذه. 

الراحة جزء من الأناقة لهذا فاللبس المريح أكثر أناقة من لبس جميل وغير مريح. كذلك الفنادق والأماكن الفخمة، فهي تبدو مزعجة جدّا عندما تشعر بأنّ عليك أن تكون مهذّبا أكثر مما اعتدت حتّى تواكب حسن تعاملهم. قد تكون نقطتي هذه تافهة لكنّها كافية لجعلي أكفّ عن التفكير بالإقامة في مثل هذه الأماكن. 

حفظت في جوالي تقارير كثيرة أدركت أنّها غير مفيدة في نهاية المطاف، على كثر ماقيل فيها بدت وكأنّها لم تقل شيئا على الإطلاق! لم أبدو وكأنّني سافرت من قبل وهو ماتوقّعته من تلك التقارير. حتما لا شيء من تلك التقارير وتلك التوصيات تصلح لأنّ تبدأ بـ "عزيزي القارئ" ولأكون واضحا، أغلب تلك التقارير بدت غير مفيدة لأنّها تجاهلت تفاصيل بدت تافهة في نظرهم وهذا ماجعلها تبدو فارغة رغم كلّ شيء مهم فيها 

الخميس، 6 سبتمبر 2018

أبجديّة الأشكال في لوحات جورجيا أوكيفي

عند مشاهدتك للحرف "ح" لاشكّ  بأنّك ستستشعر صوت احتكاك الهواء في حلقك وإن لم تنطق هذا الحرف. الحرف يترك أثرا في ذهنك وكذلك الألوان كأن يشعرك اللون الأزرق بالسكون والبرد أو أي شعور -يبدو أنّ ذلك يعتمد كثيرا على الشخص نفسه وذاكرته- حتّى الكلام له أثره فلو قلت لك "حصان" ستبرق أمام ذهنك صورة حصان خاطفة. وكأنّ كلّ  تلك الأشياء الهامشيّة التي تمرّ على حواسك نقرات كيبورد تنقر في ذهنك لتشكيل جملة ذهنيّة في بالك. جملة لاتُدركها بوصفك ولكن تدركها بانطباعك. حتّى الخطّ المستقيم يمنحك شعورا أو انطباعا عنه، خطّ أنيق أو متوتّر أو حادّ. دلالات تصل اليك بالمنطق ولكن مايعنيني الدلالات التي تصل بلا منطق معيّن، بل تصل بشكل غير مفهوم وعصيّ على الفهم. قد تجد شكلا في لوحة تجريديّة (بلاعنوان) يشعرك بالإرتياح وأحيانا العكس. ليس لأنّه يذكّرك بشيء بالذاكرة بل بما قبل الذاكرة، شيء أصيل في تكوينك. وكأنّ كلّ زاوية وركن وخطّ وانحناءة في شكل ما تعطي نقرة كيبورد خفيّة الى جانب ماتجسّده. أو لنقل بأنّ كلّ  شكل هو حرف من أبجديّة يتقن كتابتها بعض الفنّانين وتقرؤها بشعورك

كذلك الشاعر، الموسيقي، الرسّام يخاطبك لا بالخطاب الاعتياديّ الذي يتشكّل وفق مفهوم مشترك، بل بمثل هذه الإشارات الغير مباشرة أو الانطباع الجانبيّ. 

  حديثي عن اللوحات أي عن الأشكال من هذه النقطة. يمكنك فهم لوحة مكتملة الأركان والتفاصيل ومعرفة كلّ مايودّ الرسّام قوله ولكن الحديث عن من لم يرسم الكثير من التفاصيل، بل رسم جزءا بسيطا -من كلّ - وكأنّه بذلك ترك لك حرفا يدلّ على جملة. إنّ الأشكال التي رسمها تترك أثرا في نفسك وذلك الأثر ليس عبثيّا بل كأنّ الفنّان أدرك قدرة الأشكال التي يرسمها على التعبير.

الرسّامة الأمريكية: جورجيا أوكيفي 1887-1986م



  

لعل أوكيفي أكثر اسم نسائي يمتاز بالأصالة أو التفرّد في عالم الرسم. رغم كثرة الأسماء النسائية إلا أنّها ظلّت لسوء الحظّ قرينة لأسماء رسّامين رجال أو لنقل تشبّه لوحاتهن برسّامين معيّنين. بداية من الايطاليّة ارتيميسا جينتليسكي 1593-1653م إلى الرسامة ماري لويز فيجيه لوبرن بنهاية الملكيّة بفرنسا وعودتها. وصولا لفنّانات عادة لايتمّ ذكرهنّ إلا ضمن مجموعة مثل الانطباعيّات بيرت موريسو وماري كاسات وبدرجة أقلّ ايفا جونزاليس. لموريسو لوحات مشهورة ومميّزة تشعر بأنّها جديرة بأنّ تكون ذات أثر مهمّ ومُعترف. لكن لعلّ السبب مع الأسف كونها إمرأة ويصعب فعلا الجزم بأنّ هذا السبب وحده ليس كافيا. حتّى فريدا كاهلو يرتبط الحديث بها وبحياتها وزوجها ريفيرا أكثر من فنّها لكن الوضع كلّه مختلف مع أوكيفي في كلّ  شيء حتّى في تعاطيها مع فنّها، بل إنّها لم تكن حاذقة فقط في مجال رسم الأشكال والتقاطها بل بالصور التي تؤخذ لها، تشعر بأنّها جزء مكمّل للوحاتها. تقليب صورها وبيتها المعزول وتأملّها لاتقلّ  روعة عن تأمّل لوحاتها. 
باختصار هي فنانة صنعت مكانتها بكلّ أريحيّة. حتّي اسمها المكتوب  Georgia O'Keeffe يبدو شكلا فنيّا (":









أشتهرت كثيرا زهور أوكيفي وتفاصيلها التي تبدو وكأنّها تشير إلى شيء\شعور نعرفه مع الشعور بأنّنا لسنا متأكّدين من ذلك. أبعد من كونها رسمت لتبدو قريبة من العضو التناسليّ للمرأة، الى الحدّ الذي يجعلنا نفكّر بما يعنيه ذلك في زهرة؟ أو الى الحدّ الذي يجعلنا نتساءل لماذا تبدو وكأنّ تموجاتها توحي وكأنّ شيئا ما سينبثق من اللوحة؟ أي أنّك تتأمّل اللوحة وكأنّك في حالة انتظار لشيء ما. 
















ان طريقتها في رسم المناظر الطبيعيّة تعبّر عن فهمها أو لنقل تصوّرها للشكل الذي يجعلك تشعر بطباع الطبيعة وكأنّها بورتريه لشخص توحي ملامحه بطباعه. التفاصيل البسيطة والتي عشقها الفنّانون بالخطوط اليابانيّة الأنيقة هي كذلك مع لوحات أوكيفي لكن ليس بالاعتماد على الخطوط بل على تموّجات الأشكال بالألوان




حتّى الزوايا تعطي انطباعا خفيّا، بعض الزوايات لها القدرة على ايصال ذلك الشعور الغير مريح والذي ينتابك بمثل هذه المدن. أو كأنّ الزاوية منحتك موطئ قدم بالمكان الذي تصوّره اللوحة





'


لم يكن شكل الصليب أساسيّا في أغلب اللوحات التي صوّر بها، كان أداة لا أكثر ولم يعطي شعورا بارزا. كان يظهرا في لوحات مزدحمة بالأشخاص والأشكال في حين أنّه هنا وبهذا الشكل بدا قادرا على منح شعور لم تمنحه كلّ الأشكال التي كانت معه في تلك اللوحات  





من أشهر الرموز التي رسمتها أوكيفي. لعلّه أكثر رمز قادر على أن يجعلنا نفهم الطبيعة التي صوّرتها أوكيفي. تلك الصحراء والتي لطالما تغنّى البشر بقسوتها التي بدت لهم شيئا يستحقّ التبجيل. هذا الرأس يمثّل الموت وقسوة الصحراء وكم يبدو غريبا أن يكون شكل يدلّ على الموت مثيرا في جماله. توجد الكثير من اللوحات التي صوّرت جماجم بشريّة من قبل أشهر الرسّامين. لكنّها لا تمنحك إلا شعورا محصورا بنطاق معيّن. لعلّ  عِظم قدر الموت بالنسبة للإنسان تجعله غير قادر على أن يبعد الموت من تصوّراته عندما يرى جمجمة مرسومة. في حين أن جمجمة حيوان قادرة على أن تجذب اهتمامه حول تصوّر البيئة التي كانت تعيش فيها ويتلمّس أثر نحت الزمن عليها. 
لعلّ  أوكيفي أدركت مدى قدرة هذه الجماجم على التعبير، لذلك رسمتها بعدّة هيّئات. بشكل أنيق وكأنّها زينة معلّقة على جدار الطبيعة، تماما كما يفعل الصيّادون في بلدها بتعليق رؤوس الحيوانات التي اصطادوها.








  ومن أبرز مايمتاز به فنّها أنّها تدرك مقدار التأثير الذي يتركه أبسط شكل في اللوحة. تماما مثل البقعة الحمراء التي جعلت لوحة تيرنر تجذب الانتباه عوضا عن لوحة كونستابل. ومثلما يترك وستلر شيئا من أثر الفرشاة هنا وهناك في لوحاته.












ليس لأنّها صاحبة أغلى لوحة بيعت لفنّانة تستحقّ لوحاتها التأمّل. بل لأنّها بدت وكأنّها قادرة على جعل الأشكال تقول مالم تستطع الأشكال سابقا قوله. والى جانب كلّ ذلك ليس غريبا أن تجد كتابا لا يحوي إلا صورها - خاصة التي التقطها زوجها لها- وصور بيتها والبيئة التي عاشت فيها حتّى طبيعة حياتها مميّزة.








للأسف يصعب كثيرا أن نصف شعورا خفيّا يكمن فينا فكيف في وصف ما تمنحه بعض الأشكال فينا. ما كلّ شكل يمنح نفس التأثير عند كلّ  شخص ولكن أشكال معيّنة لها القدرة على منح تأثير محدّد عند قدر كبير من الأشخاص. تلك الأشكال الفنّانون يدركونها كما يدرك الشاعر تأثير بعض الكلمات والتعابير. 

الرغبة في قول شيء، هذا ما أستطيع قوله حول الأشكال التي تبدو في لوحات أوكيفي والتي لايشبهها إلا صورة شخص يبدو وكأنّه يودّ أن يقول لك شيئا ولكنّه لايقول لأنّه محبوس داخل الصورة ولايمكنك أبدا أن تعرف ماسيقول بالضبط ولكن يمكنك أن تشعر نسبيّا بما يودّ قوله 

 تحويل الأشكال لأبجديّة تخاطب الشعور هو عمل برع فيه العديد من الفنّانين ولعلّ أقرب مثال كاندنيسكي وماليفيتش وبول كلي و أوكيفي برعت بذلك بأسلوب أكثر خصوصيّة

قد لا أكون معجبا كثيرا بجمال لوحاتها ولكنّي معجب بقدرتها على التعبير بشعور ما ينتاب من يتأمّلها