الأحد، 29 سبتمبر 2019

آلة الحكم بالإعدام .


*

كان لها هدير يشبه غرف التبريد المتجمدة. آلة صممت للأشخاص المحكوم عليهم بالدخول في جوفها لتقرير مصيرهم.

عدد من المسؤولين تواجدوا ببزاتهم الرسمية، لم يكن الجو مؤهلا لمثل هذه الملابس الثقيلة والمزعجة، ما أكثر الزخارف فيها وكأنها تصر على إعطاء المشهد شيئا من الأبهة ولو كانت مصنوعة من قطعة قماش ملونة. آمر وحدة الإعدام يتحدث مع السيد مندوب المحكمة بحديث جانبي وهو يشير إلى مكان بالخارج تماما. تعابيرهم لا تشبه المكان على الإطلاق وحدها بزة الآمر الرسمية توحي بأنه معني بما يحدث
" حاولت أن أفهمهم لكن للأسف كما تعلم الإجراءات معقدة، سبق وخاطبتهم لكن دون جدوى" قال الآمر وهو يميل بعيدا عن صاحبه دون أن يبعد يده عن ملامسة السيد برفق سارحا بنظراته بعيدا.
 أجابه مندوب المحكمة " سمعت أن كل شيء سيتغير"
 "أي تغيير؟" أجاب الآمر بهدوء وأضاف  بعد سحب نفسه نحو المندوب وكأنه ممسك بعامود ثابت "اني أعرفهم جيّدا، لا جدوى منهم على الاطلاق" هكذا قال وهو مبتسم هيئته لا توحي بالأبهة لكن حضور تابعيه وعددهم يوحي بذلك.
 بادله المندوب بابتسامة قائلا "ستتحسن الأحوال على كل حال" كان ثباته وهندامه ولبسه الأسود الأنيق مع كبر سنه والشيب في وجهه يوحي بالوقار وسيما الرحمة بادية على وجهة الأمر الذي جعلني أتوهم بأنهم كانوا يتحدثون عن تحسن احوالي

كان علي أن أدخل الآلة وهي بحجم حجرة صغيرة محمولة على عربة قديمة. صعدت الدرج للدخول إليها، كان قد تم الحكم علي بها وفي موكب بسيط مع عدد من الأزياء الرسمية تم اقتيادي. يمكنني الهرب لو أردت لكن الأيدي ستطالني حتما وتغير الحكم من ايداعي داخل الآلة المعدّة للانفجار بالمحكوم عليهم  -ان هي انفجرت- إلى الإعدام شنقا. الكل يعرف بأن عددا كبيرا من المحكومين بها بل أغلبهم خرجوا منها سالمين عدا عن بعض الحوادث المؤسفة والتي كانت نتيجة خطأ ما. لهذا الكثيرون يرون أن الحكم بالبقاء في جوفها ٦ ساعات  بانتظار انفجارها يعني النجاة حتما من الاعدام. الآلة صممت لتنفجر وفق إعدادات وخوارزميات يمكنها أن تقرر ما إذا كان المدان يستحق الموت أم لا. كل هذا لم يكن كافيا ليشعرني بالطمأنينة رغم الأوجه المطمئنة حولي. فكرت بالهرب لكن ذلك كان سيعني تبديل الحكم للموت قطعا. لكن فكرة التواجد في جوف آلة كأنها لعبة متاهات مصغرة من الداخل مليئة بكومة معقدة من القطع المتحركة وبأسلاك وتروس وبكرات مسننة وأذرع معدنية ومفاتيح من عدة أشكال وأزرة مضاءة بمختلف الألوان ومنافذ باعثة للحرارة والضجيج والاهتزاز كلها حشرت داخل جوفها بشكل معقد بحيث يبدو أن قطع سلك بسيط منها كافي لإبطالها. أي جرذ كان يمكنه انقاذي، لكن أي جرذ كان سيلج داخل جوفها مع كائن يفوق حجمه عشرات المرات.

بعد أن تمنوا لي التوفيق أغلقوا الباب علي لأبقى ٦ ساعات يفترض أنها صالحة للعيش دون أكل أو شرب لأترك فيها وحيدا.

الآلة من الخارج مكعبة الشكل تقريبا دون أي لمسة فنية، و بلون مهترئ عتيق دون نوافذ، عدى عن فتحات موصولة  يبدو أنها صنعت لتمرير الهواء البارد من جهاز التكييف المثبت عليها أو منافذ لدخول الأسلاك الكبيرة وهي تثير الخوف لحجمها وشكلها الغريب، تبدو وكأنها موجودة لحقن الآلة بالطاقة. شعرت بأنها كائن معدني أكثر من كونها آلة. بالداخل تبدو أصغر بكثير من الخارج، بسبب متاهة الأجهزة المعقدة والمرصوصة بالجوانب لخلق أي مساحة فارغة وهي ممر فارغ لا يكفي للتمدد بسلام  ويوجد كرسي بالعمق وجهاز توقيت يحسب الوقت المتبقّي

الكل واثق من خروجي حيا لأنهم ينظرون الي من الخارج

 اللعنة تذكرت أحد المنسوبين يقول بأن الفنيين أدخلوا بعض التحسينات في الآلة! أي أنها قد تعمل بعكس ماعتادوا عليه. كلمته تلك قتلتني. الآن أنا بداخلها كجثة باردة. كل شيء بارد لا ينبغي أن ترتفع حرارة الآلة وإلا ستنفجر، ينبغي أن لا تنفجر إلا وفق ما هو مخطط لها. قبل الصعود شاهدت عددا من الفنيين يعنون بجهاز التكييف، وجوده ظروري لعمل الآلة. لم يدخلوني إلا بعد أن وقع جميعهم على ورقة الفحص وأن كل شيء سليم لتعمل الآلة كما يجب.

الكرسي بارد للغاية، الأرقام تشير إلى أشياء لا قيمة لها لكن وجودها يوحي بأن كل شيء على ما يرام. بعض جوانب الآلة كتب عليها المحكومين قبلي ماكان يفترض أن تكون آخر كلماتهم. لم يتركوا لي ما يكفي من الفراغ، آخرها كتبت قبل أعوام، أصبح الجميع ينظر الى هذه الآلة على أنها لا تعمل. لم يحدث وأن انفجرت بمحكوم مثلي من قبل. لكني سمعت عن حوادث يذكرونها لآلات انفجرت بسبب أعطال فنية ومرات أقل انفجرت كما يجب.

الكثير تحدث بأن الآلة لا قيمة لها وأنها خدعة ذلك أن المؤسسة المصنعة تحلب الأموال لقاء تشغيلها والعناية بها وصنع بديل عن كل واحدة تنفجر بنجاح. فساد هذه المؤسسة يجعلنا نعيش! هكذا هي الأمور والخروج من الآلة حيا يعني اسقاط كل الأحكام عني

لهذا الهرب كان مخزيا والهرب سيجعل مني اضحوكة ويلحق بي العار ناهيك عن كوني أحمق استبدل حكم الإعدام المحتمل بإعدام مؤكد.

الكرسي البارد منعني من الذهاب أبعد بالتفكير. الباب مغلق بإحكام ولا شك أن الجميع بعيدون من حولي ويحاولون امضاء وقت فراغهم على مسافة أمان كافية، رغم استهانتهم بالآلة لا أحد منهم يقترب.

صوت هدير الآلة يخنقني. يشبه الغضب، الحديد والمعادن بدأت تزمجر. بدأت أشعر بغضب الأشياء من حولي، كأنها فعلا قرأت بيانات قضيتي وأن كلامهم عن الخوارزميات حقيقة! لم أكن مجرما لكن التهم أمكن إثباتها ورقيّا.

أحاول تغطية فمي وأنفي فالهواء البارد بدأ يحفر في حلقي. أذرع حديدية تدير تروسا مسننة بانتظام واحكام لم تقلقني حركتها الرتيبة إلا بعد أن شعرت بأن رتم حركتها بدأ بالتغيير! خطب ما أصاب الآلة والتي اشتهرت بأنها لا تعمل كثيرا كما يجب وبدلا من انفجارها بالنهاية انفجرت عدة مرات بسبب أعطال كهذه دون إكمال مهمتها بالحكم.

بالجهة الأخرى بدت احدى القطع منحلة أكثر من اللازم، لم تكن كذلك. قطعة ممسكة بذراع يدير أحد التروس والذي بدا مائلا أكثر من غيره. حاولت احكام تثبيت القطعة بخوف لكن لعنة ما حلت بي، أصبحت أسوأ من السابق لاشك أن يدي ارتجفت أكثر من اللازم لهذا تخلخلت أكثر لم أعد أفرق بين اهتزازها واهتزاز يدي وقلبي. حركة الأذرع أصبحت أشد اختلافا!

شيء ما فعلته يدي، كنت واهما لم يكن الرتم إلا على حاله لكن تدخلي أفسد كل شيء، أهذه الأعطال التي يتحدثون عنها؟ كان الهواء المنفوث من أحد الأجهزة ساخنا، وجه الجهاز بتقاطيع أزرة التحكم والمفاتيح المضاءة تشبه وجها عابسا لن تحب التحديق به. الأسلاك من خلف هذا الوجه شدت بعناية وهي موصلة على ما يبدو لتغذيته ونفخه أكثر بحيث يبدو كالمدعي العام بوجهه المتجهم  وهو من سيملأ صدر هذه الآلة لتنفجر بي.
لو أن اللمبة الحمراء تنطفئ لبدا الوجه أكثر قبولا. الاقتراب منه أصابني بالذعر، من خلفه وجوه وكومة لا تنتهي من الأجهزة المكدسة فوق بعضها. يمكنني رؤية بضع أسلاك منحلة بالداخل! "لا أحد يعبأُ بسلامة المواطنين ولا أحد يهتم" يبدو أن إحكامها يحتاج إلى جهد ما، لم تكن أوجه الفنيين الذين رأيتهم قبل دخولي لتوحي بأنهم على استعداد لشدها، ان كان مقدرا للآلة أن تنفجر فلا يهم إن كان بسبب عملها أم بسبب خلل يصعب اقتفاؤه وسط كل هذه الأشلاء.

اللعنة، هل علي أن أُعنى بالآلة مثل الأهبل بالداخل كي لا تنفجر بسبب اهمال هؤلاء الفنيين؟ للمرة الأولى شعرت برخص قيمة الأرواح عندهم.

   الباب مغلق بإحكام ومقفل ولا يمكن لأي يد أن تحفر في تلك المعادن مخرجا خلال ٦ ساعات. ناهيك على أن شارات التحذير تملؤ الآلة، وهي تحذر من أن أي عبث قد يتسبب بانفجار الآلة لهذا دائما ما يشار بالتقارير الى أن سبب العطل الفني ناجم من عبث المحكومين بحياتهم.
كيف حافظ من نجى من المحكومين على رباطة جأشهم؟!

لمَ لم اسأل أي أحد منهم عن ما يجب فعله بمثل هذه الحالات.

هدير الآلة بات أشد ومفاتيح الإنارة التي كانت مطفأة باتت متوهجة بألوان مختلفة، ازدادت أزرة الأنوار المضاءة بشكل يثير الذعر، بالخصوص تلك الحمراء المصابة بالغبار، وكأنها تضيء للمرة الأولي! اذ أن الآلة كانت قد حوت عددا من المحكومين كلهم سلموا لكن لم تكن الحمراء مضاءة مع أحدهم. الكرسي أصبح أشد برودة والمكان أصبح باردا بشكل مرعب كأنه ثلاجة أموات.

الأصوات اختلفت، الأنوار كذلك، الاهتزازات، باتت أشد عنفا وقلبي يرجف صدري بشدة كأنه يحاول كسر بابه حتى يخرج مني. هو قد وجد نفسه حبيسا داخل جسدي.

حاولت ضرب الباب متجاهلا، الكتابة الحمراء والتي لم أفهم ما تعني إلا أن لونها يوحي بالمعنى

مرت ٤ ساعات، بقيت ساعتان، جلست على الكرسي جثة هامدة افترض أنها أنا. أمامي جهاز بجانبه قطعة نقدية. سمعتهم يقولون أن الآلة لا تنفجر إلا بعد أن يقوم هذا الجهاز (جهاز الطباعة) بطباعة ورقة تشير الى النتيجة، انفجار أو الى وجود خلل يحتم الانفجار أو بوجود انذار كاذب. الجهاز يخرج الورقة من فمه وكأنه يمد لسانه برسالة تقول "انفجار" ...
كان المحكومين يضعون قطعة النقد هذه على طرف فم الجهاز اذ أن سقوطها و رنينها على السطح المعدني يشير إلى أن الجهاز مد لسانه أخيرا ناطقا بالحكم. وهم ينتظرون هذا الرنين بخوف وقلق. وكم ماتوا (فزعا) لأن القطعة كانت تسقط أحيانا من طرف فم الجهاز بسبب عطسة أو اهتزاز الآلة أو بسبب عدم تثبيتها بعناية.    

ثبتّ القطعة جيدا. لأنتظر الجهاز حتى أقطع لسانه حال خروجه لأقرأ ما فيه
بقيت ساعة لا شك المكان هادئ بالخارج بعكس الصخب والعنف داخل هذه الآلة.

اربطة حذائي منحلة أميل لأشد الأربطة ... أسمع رنينا! يهتز قلبي، أدفع جذعي للأعلى لأرى ما انتهيت عليه دون أن أفهم شيئا، لم تعد أربطة أعصابي مشدودة بخلايا جسدي بإحكام وشراييني لم يعد الدم يتدفق فيها بعناية كما بالسابق وعظامي لم تعد مشدودة على مفاصلي بقوة حتى تحملني، عضلاتي باتت كالإسفنج، هشة من الضعف، وقلبي بات ينبض بالفراغ، لم يعد تفكيري قادرا على تشكيل شيء من أشياء متفرقة، لم يعد تفكيري جزءًا من أي شيء مني

لا أهتم وإن خرجت سالما لا شيء مما حدث فيني يمكن اصلاحه 

فُتح الباب! يتفقد المسؤولون الآلة ويعيد الفنيون فحص الأجهزة. يوقعون على أوراق الفحص "كل شيء على ما يرام"

"هلا عزيز تهانينا كيف سارت الأمور؟ "  



 * Max Ernst

الجمعة، 16 أغسطس 2019

كرسي (٢)

-٦٢-
قبل النوم، أدركت بأني أعيش حياتي لاستدراك ماضي تمنيته ولا أدري ما هو. كل ما أعرفه هو الوقت الذي كان فيه هذا الماضي حاضرا. ولا أدري -وكم لا أدري- ان كنت سأجتازه. يقضي الإنسان عمره من أجل نقطة زمنية، يعيش من أجلها كمستقبل يذهب إليه وحاضر يحاول الحصول عليه وماضي يسعى لاستعادته في يوم ما.






بعد أن أصبح طبيبي النفسي معروفا بالنسبة لي بات يصعب الدفع بشعوري خارجا لمسامعه. عرفت أن وجهه سيطاردني وسأظل أهرب منه ومن حقيقة أني بحت له بشيء هام. بعيدا عن وجهه أحاول أن أري نفسي ما سأقوله له:


هذا الماضي المتمنى يمكن معرفته واستعادته بأن يتحقق على شكل حلم قادم
سألتني: كيف ستعرفه وماعلاقة ذلك بالأحلام؟
سأقول لك: الأحلام لاتتغير لكن الزمن يغير حلتها وعلاقة ذلك بالأحلام تشبه تفسير الأحلام في منامنا، دائما ماتكون الحقيقة -وهي ثابتة- خارج نص الحلم. لو أمكن لي تفسير أحلامي لعرفت واستعدت ما كنت أريده آنذاك ولعلي أعرف نفسي أكثر
"فقط لو أني كنت مؤلف (هجوم العمالقة)!" سأقولها بلامقدمات.  
ماعلاقة ذلك؟ "لا أدري هو حلم أحاول تفسيره ولم راودني" أقول الكلمة الأخيرة بإلحاح. 
ككل أحلامنا نقول مستحيلة فهجوم العمالقة كان قد تم تأليفه بالفعل من قبل ايساياما، لا أدري هل أجد التفسير عنده؟ أو في (هجوم العمالقة) مالذي يجعلني أعتقد بأن تأليفه كان حلما لي؟

لا أود إقحامك في أحداثه كثيرا لكن كعادة الأحلام يصعب روايتها بدقة؛ لقد حكوا عن بشر يفقدون السيطرة على أنفسهم عندما يستحوذون على جسد ما! -أذكر أني قلت مثل ذلك في أول جلسة-  ذلك يشبه الأرواح في أجسادنا، نحن نفقد السيطرة تماما، هذا الجسد يسيرنا ولا يكفي التفكير بسطحية رغباته كل ذلك لا يغير شيئا. هل تصدق يمكن أن تعيش في جسد شخص آخر حال موتك! يمكنك أن تموت لتعيش للأبد، ذلك يشبه فكرة التضحيات البطولية في كل الروايات بكل بساطة أموت كي أعيش، مالذي يعنيه كل ذلك؟
إن لم أقحمك في الأحداث حتما لن أقحمك في مقاطعه والتي هي بمثابة شرائط ذكريات تعرض أمام عيني مضاءة بمصباح يجهر العين، كأني مشهد لأحد أبطالهم وهو يتذكر حلم شخص آخر. نعم يمكنك أن تفهمني أكثر عندما تراه، فأنا لم أختر حلمي وهذا العمل لم يكتب صدفة. قدر له أن يكون حلما لي لهذا أشعر بأني أعرف نفسي في كل مرة أفسر الأحداث فيه.
لا تسخر مني، اني دقيق ازاء نبرات الأصوات بشكل لا يصدق، يمكنني أن أعرض لك أصواتا لاتزال عالقة بلحظاتها.  لماذا أستمر في إعادتها؟ ألأعثر على شيء فيها؟ إنهم يستمرون في قول أشياء أود قولها وبالنبرة التي أريد  هذا العمل لايزال مستمرا في كونه حلما لي أكثر وأكثر من أسواره حتى ساحل بحره. هذا العمل يفهمني، يفسرني، يمكنه أن يكون دليلا لي نحو ما أبحث عنه في قبو روحي. على كل هل تدرك إلى أي مدى أأتمنتك؟ إني أقول لك بأن حلمي هذا العمل أي أني قد أعرض نفسي وكياني لأن يقول أحدهم بأن حلمي عمل تافه!
هو وإن كان سيظل حلمي الذي لن يتحقق إلا كما قلت سابقا في نفسي: لن يتحقق حلمي إلا بعد أن أستيقظ في يوم ما وأجد كل ماعشته كان حلما، وهو مايجعلني أعتقد بأن تأليف هذا العمل حلم يمكن أن يتحقق    

البشر يمكن تفسيرهم من خلال أحلامهم

يمكنني أن أميز لك بين ما أحب وبين ما أحلم به

أشعر بالحنين اتجاه كل ما أحلم به، أغاني، كلمات، صور ذكريات،أشخاص، هجوم العمالقة أشعر بالحنين نحوهم لا يمكن أن تشعر بالحنين اتجاه أشياء لم تنتمي لها من قبل. أكانت تلك الأشياء لي في عالم ما؟ أكان علي أن أكون صاحبها؟ لا يمكنني أن أقول لك ماهي فهي ليست أحلاما مكتملة، قد تستغرب اعتباري لها أحلاما لي، لكني أفهم من نفسي كثيرا من خلال كل محاولة لتفسيرها.

أتعرف كيف كتبت ما قلت لك؟
كان حلما كنت أكتب أسطرا على ورقة مظلمة، ماكانت الرغبة لتتركني "أنوم" دون أن أتظاهر بكتابة ماتمليه علي، حدث ذلك بشكل متقطع وكأن أحدهم قام بضبط المنبه عند كل اغفاءة.أو تدري لم أسميت مافعلته حلما؟ لأن ذلك قادني للحنين إلى يوم كان قبل أعوام يومها كتبت ما كتبت على ورقة مظلمة من شيء يدفعني. بالأمس تماما كما فعلت قبل أعوام  كتبت كل شيء بعد أن تحدثت مع أحدهم هل من تفسير لذلك؟ لا أدري لكن أيضا قبل سنوات في ذلك اليوم كان هناك أحدهم مثل ما كان بالأمس. لم يكن ذلك الماضي الذي أبحث عنه بعيدا عن تلك اللحظات ولا أذكر: أكان حاضرا أم ماضيا أم كان لا يزال حلما لم يأتي بعد.



(إنمي وكنت أتمنى تأليفه) !

عنوان الجلسة سيجعل مني شيئا سخيفا. لا أدري كيف كنت سأجرؤ على قول ذلك أمامه. لا أذكر عنوان جلستي الأولى معه، لكن ابتسامة مساعده جعلتني أشعر بالضيق والأسف ولا أود تكرار ذلك.


(أحظر لي كرسيا وضع فيه ما شئت، النتائج ستصلك بعد أيام)

لو كنت طبيبا لفعلت ذلك كرسي أو صورة، رسمة لكرسي ذلك لن يكون كافيا لكنه أجدى قليلا. توجد رسمة لا أدري لم ظننت لسنوات أنها لكرسي قابل للاهتزاز .. 








 

------------
١. ادفار مونش
٢. بول غوغان

الخميس، 8 أغسطس 2019

كائن غريب وقت الظهيرة



الكلاب تنبح! لاشك بدأت الشياطين تتجول وقت الغروب. لطالما وجدت في الخرافات تفسيرات معقولة أكثر من الأفكار المنطقية. لازلت أحكم على الأشياء وفق ماتعلمته في صغري، كان مبنيا أكثر على الخرافات، يمكننا اعتبارها تفسيرات منطقية صيغت على شكل قصص مشوقة. 

بدأت الطيور تخلي السماء وعادت الى أعشاشها. أستطيع أن أدرك الآن بأن الكلاب باتت تخاطب بعضها البعض بنباحها، ولم تعد تكترث للشياطين التي تتجول في الأرجاء، هل بدأت أفهم لغة الكلاب؟!

قبل سنوات، أيام طفولتي وأنا أتحدث عنها وكأنها كنزي الوحيد الذي أحب أن أعرضه لكم. كنت أجد الشارع أكثر رحابة ومتعة وقت "القايلة" كل الكائنات التي لا تحب البشر ولارؤيتها يمكنها الخروج بحرية في هذا الوقت وحده. اعتادت أن تراني كثيرا، لم تعد تنزعج من وجودي. ولا من الكائنات التي كنت أتخيل مقاتلتها، يبدو أنها كانت تراها بالفعل. الشمس حارة  لكنها لاتبدو مزعجة ووجهي يشتعل احمرارا بالمرآة أجده أكثر وجه أراه يعبر عن سعادتي. وقت أذان العصر يخرج البشر ويبدؤون بالتجول وتكثر العصافير والسيارات المزعجة والسماء تمتلئ بالطائرات المسافرة، والتي كنت أناديها بأسماء أقاربي علهم يسمعوني. كانوا قد غادروا نهاية العطلة الصيفية بالطائرة. يقينا كنت أشعر بأنهم يسمعوني، وحين كنت أسألهم كانوا يقولون: نعم نذكرك! ما كنت لأحب الحقيقة لو كانت غير ذلك. 

عندما يكثر البشر وتبدأ الشياطين وقت الغروب بمزاحمتهم وصوت العصافير يضج بالسماء قبل العودة الى العش، أشعر بهذا الوقت. خانق للغاية ومزدحم في تلك الساعة، تتبادل جميع الكائنات أدوارها حتى عندما ألعب بالتربة، الحشرات والديدان تكون أكثر وقت الغروب. البشر، الشياطين، العصافير، الحمام، القطط، الديدان، ونباح الكلاب، والسيارات والطائرات وقد بدأت تضيء والنجوم بدأت بالظهور و الأحياء والأموات كل شيء حيّ كان متواجدا في ذلك الوقت لهذا أجد بأن ذلك هو ما يجعل الصدور تضيق وقت الغروب. ولا شيء أكثر. لا لأنه يذكرنا بالراحلين ولا أي شيء من هذا الكلام. 

ذاك مايجعلني أحب وقت الظهيرة للعب أكثر. حيث الكائنات تشبه بعضها، التي تحب الحياة خلسة، كائنات لا أحد يعرف عنها شيئا وأراهن لو أن هنالك كائن لم يكتشف بعد حتما سيكون واحدا من تلك الكائنات التي تخرج في هذا الوقت، عدا عن سيارات قليلة جدا وأشخاص ملثمين يكتبون على الجدران أشياء لامعنى له. 
أفتقد تلك الأشواك، كانت حادة لكنها لاتعلق داخل الجلد، خضراء بقوة وزهرها أحمر فاقع في غاية الصغر. لا تشبه الأشواك التي تبدو عدوانية بمجرد النظر إليها. 

كانت الكلاب تنبح قليلا، الشياطين لا تخرج أبدا في هذه الأوقات. لكن كنت قد سمعت عن كائن يعيش في هذه الأوقات ويشكل مصدر قلق. كائن خرافي ولا شك أنه خرافة حقيقية؛ ماكان لأحد أن يختلق كائن خرافي يعيش في هذه الساعات. أكثر ساعات البشر مقتا وكسلا. 

أفهم جيدا سبب تكاثر تلك الكائنات الغريبة في الليل والفجر ووقت الغروب. فهي أوقات لا تحتاج لخيال نافذ. بل إن حركات ظلال الأشجار وهي  تلعب على الأرض ونسمات الهواء الباردة والتي يحلو معها كل حديث. أشكال لا نهائية من المخلوقات. حتما لن يرى أحد هذه الكائنات في الظلام أي أنها ستظل موجودة في الأذهان للأبد. لكن كائن يعيش في أشد أوقات النهار وضوحا حتما سيلقى القبض عليه ويرى دون تجاهل. 

لا أفهم لغة الكلاب ولكن شيء ما كان هناك ولو هربت حينها لشعرت بشيء يلحق بي؛ الخوف يصنع المخلوقات. لكني لم أهرب، فالنهار لا يخفي شيئا والرؤية تردي هذه المخلوقات قتيلة بين أعيننا، فهي تتواجد أكثر إن لم نراها.
الكائنات تخفي شيئا، والتي اعتدت أن ألعب حولها بدت تتصرف وكزن لا شيء غريب يحدث هنا بطريقة توحي وبشكل صارخ بوجود شيء غريب مر من هنا. القلق وحشرات والطيور النادرة والقطط والسحالي والكلب الطائش كلها انتبهت بقلق الى شيء ما كان سيموت للأبد لو انتبهت إليه. 

الثلاثاء، 6 أغسطس 2019

كلام لا طائل منه حول البحر





لطالما اعتقد أن نقمته تمنحه القدرة على رؤية الأشياء بوضوح أكبر.


 "غشاوة قذرة على عيني" قالها وهو يمسح عينه من ماء البحر. حال خروجه من الماء شعر بالانزعاج وحبيبات الرمل عالقة على ساقه. كان مشمئزا من ملمس جلده اللزج بعد انحسار ماتبقّى من مياه البحر على جلده. لا يدري أي نوع من الافرازات تلك.

بعد أن شعر بأن حبيبات الرمل كادت تصل الى ركبته وهي تتسلق مع كل خطوة كان يخطوها نحو دورة المياه قتله اليأس "لاتوجد طريقة لمعاقبة الشعب أكثر من حرمانهم من مكان يغسلون فيه أجسادهم عند البحر" المكان مستخ إلا من رائحة الصابون التي زادته شعورا بالاتساخ.

عاد الى أصحابه متضايق من رائحته العالقة من البحر. قبل ساعة كانت الشمس ساطعة، بدت المياه صافية ونظيفة لكن بعد خروجه شعر بأنه كان قد تمرغ بسوائل البحر. الذي يتكون من عدد لا يحصى من الافرازات الخارجة من أجساد كل الكائنات التي يمكنك تخيلها. بدأ يتصور بأن البحر ماهي إلا الافرازات التي تخرج من جلد اليابسة، ونحن نتمرغ فيها بكل سرور. "لاشك وأن هذه المدينة في غاية التعب"  قال ذلك وكأن الطعم العالق في فمه أوحى له بذلك.

كل شيء منفر، البساط الذي كان نظيفا أصبح مشتتا بالرمال والملمس اللزج لجلده كان يضايقه أكثر من مساحات الجفاف التي كانت تحك جلده والذي علق فيه كل شيء، بقايا سمكة نافقة، افراز لزج لكائن رخوي، نبتة بلون العفن عالقة في شعره وخليط الملوحة العالقة في جسده من مصادر مختلفة التفكير فيها سيذهبه بعيدا. كل مايفكر به هو أن يسلخ جلد الافرازات وبقايا الكائنات العالق في جسده. لا شك أنه حساس ازاء كل شيء يلمسه.

لطالما ادعى بأنه قادر على الشعور بأي أحد عند مصافحته. "اللمس أكثر من حاسة" هذا ماعتاد قوله. أي شيء لمسه وجعله يشعر بكل هذا الضيق؟ من علق في جلده؟

الكل يبدو مرحا وسعيدا في هذا الشاطئ
"كيف لك أن ترتاح وقد علقت فيك هذه المياه؟" بهذا فاتح اصحابه. "كنتَ سعيدا وأنت تتحدث عن السباحة على شواطئ الجزر التي زرتها" معلقين باستغراب وتهكم. "البحر هنا يلوثك ليس إلا كومة من الافرازات لا أشعر معها بارتياح. في الجزر افرازات الأسماك التي تشبه أسماك الزينة تعلق بك وشعيرات جوز الهند تعلق في شعرك وعوالق من نباتات لايشوب لونها الملوثات وحبيبات الرمل الناعمة، الطبيعة كلها تعلق بك وتلمسك. عدا عن بعض السياح هنا وهناك ومنهم من تتمنّي أن يعلق بك شيء منه و .."  شعر بأنه يخوض في جدال لا طائل منه فقد زال عنه ذلك الشعور بالضيق، فقد جفت آخر ذرة لزجة من جلده.

الأربعاء، 10 يوليو 2019

من أوديسا كوبريك إلي سولاريس تاركوفسكي


A Space Odyssey:2001 (1968)




Solaris (1972)



سيحلو لك أن تقارن بين الفيلمين كما كان يحلو للنقاد من قبل. كمقارنة بين قطبي الإخراج السينمائي الأمريكي والسوفييتي. يمكن أن تقارنهما من الخارج لكن من الداخل -أحداث الفيلم- يصعب ذلك. 

الفيلمان في غاية الاختلاف، فيلم كوبريك فضائي للغاية كما هو واضح لكن فيلم تاركوفسكي انسانيّ أو أرضيّ بامتياز، حتّى الكون الذي صوره تاركو بالفيلم لم يكن إلا جزءا من الكون الذي يعيشه الإنسان من ذاكرته لا من خياله

في البدء القاعدة الفضائية، عند كوبريك هي نموذج للقاعدة الخيالية والتي اعتدنا عليها لاحقا بالأعمال الفضائية، مباني خياليّة نظيفة ومرتّبة بإتقان كأنّها عمل ينتمي للفنّ الحديث. في حين نجد القاعدة في فيلم تاركو فوضويّة ومتّسخة كأي منشأة بشريّة، أو كأي قاعدة حقيقية لاخياليّة كما هي مع كوبريك. لاتشعر بوحشة معها إذ أن تاركو لم يملأ فيلمه بالتجسيدات الغرائبية كما فعل كوبريك، بل إنّه قدر الإمكان جعلك تشعر بأن الفضاء الخارجي لن يكون كما اعتدنا بشاشات الغرب، فضاء أسود وفراغ لانهائي موحش ومليء بالنجوم بل سماء تشبه سماؤنا مع نور لايختلف عن نور الشمس. حتّى الملابس لم تكن مصطنعة بل كانت مثل ملابس الأرض تاركو صبّ تركيزه على الانسان في العمل لهذا لم يشتّتك من خلال جرّ خيالك بعيدا نحو الفضاء. 

فيلم كوبريك حاول تجسيد صورة للزمن بوصفه الكون الذي نعيش فيه في حين حاول تاركو تجسيد صورة للذاكرة بوصفها الكون الذي نعيشه. كان يمكن أن نشاهد الحكاية تصور في فيلم على الأرض لكن الفضاء خلق إطارا مناسبا للغاية وأبعد مما نتصوّر. بل أكاد أجزم أن هذا الإطار خلق فرصة لاتعوّض لتاركو ليبثّ كل مايودّ قوله.

تاركو أحضر معه في هذا الفيلم كل  شيء يحبه، الكتب وهي أشياء لانشاهدها في أفلام الفضاء الامريكي وقصة (دون كيخوت) ولوحات بيتر بروغل والتي ظهرت في فيلم (المرآة) ولوحة لروبليوف وهو فنان ظهرت لوحاته في أفلامه واحتل عنوانا لواحد من أهم أعماله.  في الأرض تمثال نصفي لأفلاطون وفي المحطة الفضائيّة تمثال نصفي لسقراط أشياء أبدا لا تبدو وأنّها ستحل في الفضاء في يوم ما. ما أود قوله أن تاركو لم يستغل حقيقة أن الفيلم على الفضاء ليتلاعب بأعصابك ومشاعرك ويغري خيالك من خلال كل الغرائب التي كان يمكن الحديث عنها وتصويرها من عالم المستقبل كالأفلام الغربية أو الخيال الغرائبي والذي كان واضحا جدّا في فيلم زيلوفسكي On The Silver Globe (1988)  من صور مألوفة يحلّق بك حتّى أنّه في مشهد انعدام الجاذبية أراهن بأنه استطاع أن يبعث من الأعماق كل الدلالات الممكنة لانعدام الجاذبية في مشهد. مشهد خلاب أكثر من المشهد المشهور في فيلمه الأشهر (المرآة) 

ولأن تاركو لا أقول يكرر نفسه بل إنه يحب الحديث عن مايحب في كل مرة. نجد مشهدا لامرأة جالسة -بالشكل الذي تبدو فيه لوحات هامرشوي-  وهي تدخّن، وهو ماكرره في فيلمه (المرآة). 




    

الفيلم اعتمد كثيرا على الحوار والمعنى فيه في حين رائعة كوبريك الأوديسا كانت في المشاهد يكفي أنها تولّد صورا وتصورات لاتنتهي في بال كل من شاهد الفيلم وهذا البوستر البديل يدل على ذلك





وكما قلت سابقا أن المقارنة صعبا بينهما، إذ ان لكل فيلم اتجاهه، لايمكن الحديث عن هذا والعودة لذاك بسهولة إلا في اطار حديثنا بشكل عام عن تصوّر الفضاء والاسلوب الذي اتبعه كل مخرج لسرد حكايته. 

وهنا فيلم تاركو والذي اعتمد كثيرا على الحوارات 






..



وكأنّه يستحضر "فاوست" الذي ذكر بالفيلم.شخصيات الفيلم هنا قلقة من خلال التساؤلات (من الداخل) لكنها مع فيلم كوبريك مرتابة ومتوجسة (من الخارج). 


وفي بداية الفيلم كان هنالك مشهد لهطول المطر يشبه الأمطار في أفلام تاركو، تظهر فجأة وتفسد كل شيء على نحو يدعو للبهجة!




المقارنة بين الفيلمين صعبة وان بدت ممتعة. ولأنّ رغبتي بالأساس كانت الحديث عن سولاريس لم أتحدث كثيرا عن اوديسا كوبريك ولأنّنا نريد رغم كل شيء يمنعنا أن نقارن بينهما أستطيع القول بأن فيلم سولاريس كنص مكتوب أعمق من فيلم أوديسا لكن كوبريك وهو صاحب مقولة:
"If it can be written, or thought it can be filmed"
أخذ بالنص بعيدا عبر بصرياته الخلابة وادخاله المدروس للموسيقى كخلفية ودقته في تحديد ردات الفعل مع الوانه التي جعلت العمل يبدو كسلسلة من اللوحات الفنية أشهرها تلك الألوان التي شكلت وجه رائد الفضاء ديفيد باومان وكأنه سلسلة بورتريهات لأندي وارهول





 التساؤل الذي انتهى به الفيلم يدور حول الكون والانسان كجزء في حين التساؤل في فيلم تاركو انتهى حول الإنسان ككون لا ينتهي. وكما يحب معجبوه أن يصفوا أفلامه بأنها شعرية، فيلمه سولاريس يمثل صورة نقية للأفلام الشعرية. كما يفعل الشعر يأسرك حينما يدخلك إلى تصور جديد حول أشياء لم تعتد رؤيتها بجوانب معينة، الجوانب التي يرى الشاعر من خلالها الأشياء.