السبت، 7 ديسمبر 2019

كرة بولينغ .


في جوف ما يشبه كرة البولينغ بحجم بيت صغير كنت داخل تجويف بالكاد يسع شخصا واحدا. بالأمس كنت ألعب البولينغ، أو هكذا أذكر أو أحلم. ذلك ما أودعني في جوفها. المكان أضيق مما يبدو عليه. يخيّل إلى أن المكان يضيق أكثر وهذا يخنقني. أحاول دفع الجدار للخارج، أصرخ. لا شيء حتّى صراخي لا ينفذ للخارج. بكيت بحرقة، حيث أني لم أفهم قبل الآن لم يكتبونها هكذا "بكيت بحرقة" الآن أفهمها بحرقة. الدمع يشعل عيني، ولا نسيم أو نفس يطفئ اللهيب عن عيني. 
أصرخ، أدفع الجدار، أخدش الجدار بأظافري. لو أني حفرت للخارج؟ أحك الجدار بقوة، أصرخ حتى يخف الألم، أدميت أصابعي ومقدار ما حفرت لم يكن أعمق مما حفر الجدار في أصابعي. فكرت لو أني حفرت حتى آخر جزء مني لما وصلت للخارج. أجثو على ركبتي، أبكي بهدوء مسندا يداي على الجدار، أشعر بدوار! هل الكرة تتدحرج؟
بأعجوبة خرجت! كان حلما وكان ذلك وشيكا. 

أنهض لأرتدي ملابسي، ملابس العمل. وداخل مقر عمل لا يمكنني الخروج منه ومن لباسه وأسواره وحتّى اتصالاته المزعجة أدرك أني لم أخرج منه يوما. 
انتهى العمل. خروج مؤقت. للأسف من المعيب أن تكره شيئا يتمناه غيرك. أصل للبيت بعد سباق مع الزمن للحاق بأكبر قدر من الوقت. أفتح خزانة ملابسي. حيث حبست ملابسي. بالكاد تتعدى اللون الأزرق والرمادي. أنهي لباسي وأخرج. كأن المكان كان مخططا له، أصل إليه بعد تداول عدة خيارات انتهيت كالعادة الى ما عتدت اختياره. كأني أحدق بباقي الخيارات دون أن أخرج إليها، من نافذة نفس الأماكن التي -ولا أدري كيف- أرغمت عليها. كل شيء مثل ما قبل الأمس وقبله. خرجت من المكان أو لا أدري للتو دخلت -متى دخلت لا أذكر- أجلس عنده نفس الطاولة التي اعتدت عليها. أضع أغراضي لأجلس أو لا أدري للتو جمعت أغراضي ونهضت -متى نهضت لا أذكر- على كل ملأت بها جيبي وخرجت وعند الباب أذكر أني للتو كنت قد خرجت، متي وهل فعلا خرجت؟ لا أدري أو لا يهم، أشعر بالدوار وكأنّ أحدهم يدحرج كرة حبسني فيها.



الأربعاء، 27 نوفمبر 2019

قارب نجاة .





"كأنها تشعر بالدوار"
وحده صوت الصرير يشعرني بالاستقرار. الحلقة التي كانت تمسك بالمجداف كأنها تمسك رأسي عن الدوار.

الأمواج تموج بنا، شعور بالغثيان كأن أحشائي تموج داخل جوفي. على قلق فكرت بأن الحياة لن تسكن بعد الآن. كلّ شيء يتمايل، القارب، البحر، السماء، ونحن الستة مع الربّان. 

بحركة انتظامية كنّا نجدف بخلاف كل شيء مضطرب حولنا. الجو بارد، ملمس المجداف رطب وبرودته تسري في عظامي.
يتدفق العرق من جسدي الذي يرتعش حالما تلفحه الأجواء.

وكأني كنت أنفث في وجه الهواء أنفاسي وبغضب ينفث برودته في وجهي.

كان ربان القارب يجلس قبالنا. بدا كل شيء طبيعي من تعابير وجهه.

يصعب عليك الالتفات فذلك كفيل بتمزيق عضلات عنقك وهي تعارض اتجاه كل عضلات جسدك السائرة بالتجديف نحو وجهة لا تزال عين الربّان تراها بعيدة.

كل شيء بالخلف. لا أرى شيئا الا المكان الذي جئنا منه، بدا بعيدا وهو يحدق بنا من خلف ظهر رباننا الجالس بهدوء 

الهواء البارد يرش الرذاذ المالح على وجوهنا. المياه تملأ القارب. وعلى قلق انتظر تسلل الماء الى قدمي الباردة، هذا أكثر ما يقلقني انتظاره. حذائي لن ينتظر طويلا، زميلي الأقدم مهنة لم يبالي رغم أن المياه تسللت الى قدمه، ذلك يوحي بأن هنالك ما هو جدير بالقلق أكثر.

بانتظام واصلنا التجديف. جدفت بجد، الانتظام كان أكثر شيء يبعد أي تفكير مزعج عن بالي .

بدأ صوت انكسار الأمواج يختلف. كما أن تمايل الأمواج الذي بدأ ينتظم مع قاربنا عاد للاضطراب وملامح الربان بدأت بالاختلاف 

"عليّ أن لا ألتفت، السمع والطاعة هو كل ما علي فعله. تذكر ذلك عند كل لحظة تحتاج فيها الى التفكير"
بدأ الشعور بأن شيئا بالخلف يثور.
والشعور بأننا مندفعين باتجاه جوف ما بدأ يكبر. بدأ القارب يميل للأسفل أكثر، كل مرة ينزل فيها من فوق موجة عابرة. باتجاه غاطس يهوي لكن القارب بعد اصطدامه يعاود الصعود للأعلى، فوق موجة أعلى ومنها يهوي مجددا باتجاه غاطس يكاد يهوي بنا تحت الماء.

أشلاء أو بقايا قارب بدأت اسمع صوت ارتطامها بقاربنا -كأننا نلحق بذاك القارب- وبدأت تملأ سطح البحر من حولنا تلك الأشياء، لكن لا أحد يبالي من المجدفين. أثناء التجديف وكأن شيئا ارتطم بمجدافي، وقع الارتطام كان بالغا على قلبي. أضعت رتم التجديف، أحاول اللحاق بالرفاق قبل أن يقذف الربان نظراته على قلبي.
لحسن الحظ، لم ينتبه أحد ووسط كل تلك الاصطدامات لم ينتبه أحد الى تفكيري. 

الأمواج والأمطار بدأت تبللنا أكثر. الهواء البارد ينهش ظهري وعوضا عن محاولة الهروب أجدف باتجاهه. كل شيء وراء ظهري يقلقني، القفز خارج القارب كان آخر اتجاه متاح للهرب.

بدأت عين الربان تحدق بانتباه أكثر. الى مكان قريب غير مبالي الى أي حطام يلوّح بالقرب. بقلب فزع بدأت أنتظر رؤية أي شيء نيء وحيّ يطفو بالقرب منا.

بالخلف أشياء تبدو أفظع من أن أراها قبل أن أرى شيئا من بدايتها.

أفكر بإلقاء ما في يدي ونسيان المياه التي تسللت إلى قدمي أخيرا وألقي بنظري للخلف. القفز بإلقاء نظرة، الهروب بنظرة، كان هذا كل ما بقي بالإمكان فعله. 

عدا ذلك كان الربان والذي بدأ يصرخ "بدأ يصرخ!" بكلام لا أفهمه يبدو أن كل المجدفين يفهمونه. يصعب سماعه مع اختلاط صوته وصوت تكسر الأمواج ونفث الرياح.
"هذا مطمئن"
كلامه يبدو معتادا على أسماعهم، أمكنهم سماعه وفهمه لهذا واصلوا التجديف. 

لا زلت أدس نفسي بينهم وأنا أجدف. حتى فقد المجدفون القدرة على فهمه! وهذا ما بدأ  يخيفني. حاولت أن ألتفت "تبدو فكرة الجميع" لكن الهواء البارد (الخوف) جمد عنقي كان علي كسر عنقي لألتفت للخلف. 

الأصوات تضطرب لكن المجدفين واصلوا التجديف  باضطراب حتى فقد الربان نفسه القدرة على فهم كلماته!

ها قد بدأنا نفهم كلام الأمواج والرياح، كل شيء من الطبيعة بدأنا نفهمه، وعلى نحو  مخيف بدأنا نفهم ما يقولون. توقف التجديف كليّا. كانت الطبيعة تستمر بالصراخ بكلام يفزعنا فهمه.
الأسماك والحيتان والطيور مع الأمواج والرعود والرياح كانت تصرخ باستمرار في وجيهنا. 

غاضبة، عاتية
لكنها سكتت إلى الأبد. بعد أن أيقنت أننا لم نعد نفهم ما تقوله. وأرغمتنا على السكوت.

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2019

دمى تتحرك .



*




في اليوم الذي قررت فيه الدمى أن تتحرك دبّ الذعر في الناس. 
يمكن الشعور بذلك الفزع، لا يشبه الفزع من القيامة الذي يعني نهاية كل شيء. من هيئة المرعوبين كان ذلك يعني بداية شيء ما.

ليلا ومن النافذة وقد أطفأت الأنوار حتى لا يخرجني ظلي خارج الغرفة. الناس في الخارج مذعورون ويحاصرهم الفزع -أتخيل أن الوجود بينهم أكثر أمانا من وحدتي-. بطرف الساحة مجسم ضخم يتحرك -ليس بفعل الرياح- يحاول ضجرا أن يتحرر مثل اجناسه من المسامير التي تثبت جسده. متضايقا من هيئته التي صنع بها على شكل نصف جسد علويّ ممسكا بتلك الأداة على يده. واصل الاهتزاز لينتزع نفسه من المسامير التي تثبته كلوحة إعلانية فوق أحد المحلات التجارية. كأنه ثبت بإحكام خوفا من مثل هذا اليوم. مثل الأضواء التي تحدق فيه، وخلافا لجموع الهاربين مجموعة من الناس تحدق فيه كأنها لا تصدق ما يتحرك أمامها. 

لم أعد أرى الخيول التي كانت تزين الساحة. امتطت حريتها وجرت بعيدا. كأنها تحركت قبل باقي الدمى. وبقية التماثيل انتزعت نفسها لا أثر إلا أقدام انتزعت سيقانها حتى ذلك الطير والذي كان يزين سطح أحد المباني طار بعيدا. المكان بات خاليا الا من الناس التي تملأ المكان بالفزع

الفوضى تعم الساحة -أكرر ذلك يأسا في نفسي-. لم أزح الستارة عن وجهي كاملا. كي لا يراني الوحش ولا باقي الدمى. يمنحني ذلك شعورا بأني بعيد عن حالة الرعب التي يعيشها الناس بالخارج "أنا في مأمن" أقول ذلك كأني أحسب أن ورقة  قد تقيني من لكمة أحدهم 

بالساحة أحد الهاربين يجرّ صاحبه يحاول إكمال شيء يود قوله، ما الذي يوقفك عن الهرب للحديث مع أحدهم الا أن تقول بأنك كنت تعرف بأن ذلك كان سيحدث وأنك تعلم بأن الدمى كانت تحدق بنا طوال الوقت. وأن تلك الأصوات ليست تكسرا للفراغ داخل قطع الأثاث بالمنزل ولا خدش الرياح لصمت المكان. الدمى كانت تتحرك طوال الوقت دون أن ننتبه. 

لم ينتبه الهاربون الذين بدأوا يحتشدون بالساحة الى الحشد المقترب من بعيد. ليسوا بشرا كما يبدو، فهم يمشون على مهل بخلاف البشر الذين أراهم أمامي. 

كأنه انتزع المسامير من أقدامه هرب أحد المتجمهرين من أمام ذلك الوحش. بدأت المسامير بالانحلال وحركته باتت أشد اضطرابا. كأنه يود أن يلقي ما في يده على الناس لينال نصيبه من إرعاب الهاربين

كان الهاربين الذين احتشدوا أكثر بالمكان وبعضهم أكمل هروبه خارج الساحة يصطدمون ببعضهم البعض. ومن ثم يهربون سوية باتجاه واحد. بالعادة كان أحدهم يشير الى مكان ما، لا شك يشير الى البيت الذي هرب منه، أحدهم يشير الى بيتي! "هل علي أن أركض مثلهم؟" 

خلفي مباشرة، أشعر بحسيس يتحرك. قدم صلبة تطرق الأرضية بهدوء "تحركت دميتي أخيرا" ! وقدم أخرى بدت وكأنها تهمس في مشيها الناعم. الستارة عالقة في يدي. وقفت جامداً. بالخلف كأن شيئا ما يحدق بي. ذلك التحديق الذي خلته وهما بات يخترق جسدي ويكاد يهزني مسقطا طرف الستارة العالقة في يدي.

لم الذعر؟ الدمى كانت أفرادا من العائلة. أكانت تلعب خفية وتتحرك بالخفاء؟
بدأت الستارة تنحل من يدي وهو ما أقلقني. حكة تنهش جلدي -الفراغ فعل ذلك عمدا-. يمكنني أن أشعر  بما كانت تشعر به الدمى المقيدة في جمودها خوفا من الحركة. كم وددت تمزيق ذلك الجزء من يدي بأظافري. الأقدام لا زالت تقترب. لكنها على ما يبدو كفت عن التحديق بي. لم تعد توجه اقدامها نحوي. 

لكن حجم خطواتها بدأ يكبر. أي أنها تقترب أكثر. "ما هو حال الأطفال في مدن الألعاب؟" هذا أبعد مكان ذهب اليه تفكيري الذي يخشى التحرك مثلي. 

هل سقطت الستارة من يدي؟

لا أدري

دبّ الذعر في الدمى التي كانت تقترب. تمزقت أحشائي وهي تتحرك داخلي دون أن يتحرك جسدي شبرا واحداً.

هل أجري مع الناس للخارج؟ أم أتحول الى دمية قد تتحرك في يوم ما. 

قد يطول جمودي لسنوات طوال خوفا من أن تثير  حركتي الرعب والفزع في قلوب الدمى دون قصد مني 

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2019

فقاعة ماء في الهواء .


Henrik Sorensen

اليك أكتب..
ودائما أتخيل -وهذا مايخيفني بأن يأتي يوم لا أفرق فيه بين حياتي وخيالي- مشهد اكتشفت بأني أحبه من الخارج أكثر وكدور أقوم بتأديته لهذا أدركت بأني أجبن من أن أقدم على الانتحار في يوم ما.
وعرفت -أو يحتمل- أني أحب المشهد لانه عندما يقدم من يقوم بدور الانتحار عني لا يقتلني أنا بل أشياء أريد أن تموت عني

أتخيل
أني أصعد سلالم بناية عالية -المرتفعات العمرانية ترعبني إلا أن المرتفعات الطبيعية تأسرني- البناية كالبرج، وهي وسط منطقة مدنيّة حيّة ومليئة بالناس وكم تخيلت أن الناس يعيشون حياة رائعة دون أن يخبروني بها. أكمل صعودي للبرج، أخرج من جوفه الى السطح. الجو بارد، وأثر المطر واضح من خلال الأرضية الرطبة والأصوات التي تقطر من حولي، وتشعرني بأن شيئا ما يرمقني. وسحابة لم يكتمل رحيلها وإنزال مافيها.

أصعد درجات سلمٍ للأعلى
رجلي ترتجف، الهواء البارد. وتنزلق، لعله الخوف. أرتعش، البرد يفعل أكثر من ذلك. أتمسك بالقضبان الحديدية لأكمل صعودي، أتوكأ عليها، أنهار قليلا، أتوكأ بخدي على حديدة، باردة كالثلج. ألذ وأحن عليّ من الدفء

أبكي
أبكي وتتغير ملامح وجهي. لطالما اعتبرت ملامحي فظيعة عند البكاء. وجهي ليس قبيحا لكنه بشع عندما يبكي. أحب طريقة تعبيره وإن لم يعجبني شكله وكأنه يمسك بملامحه ويشد على ما يبكيه بقوة

أتنفس بحرقة. أتحسس الحديدة أصبحت دافئة قليلا.

أكمل طريقي، وأتخيل بأني لا أدري ما الذي فعلته بعدها لكن أَجِد نفسي أطير وأنا مستلقي بظهري على الهواء
أطير 
أطير للأسفل
بقوة
أحس بأن الدمع يطير للأعلى وهو يخرج من عيني، هذا الفراق يجعلني أتخيل الدمع فقاعات وأنا أغوص برأسي للأسفل بالماء كما كنت أحب
ابتسم ..
وارتطم بالأرض

لطالما كان السقوط بالخلف يؤلمني أكثر. أذكر أن رأسي يقتلني ألما ان سقطت على ظهري ورأسي بالخلف. ذلك يجعلني أطلق شهيقا حادا يخترق صدري بعنف
ألم ..
لا أدري لم اخترت أكثر شيء كان يؤلمني، طريقة لانتحار أحدنا؛ لعلي ظننت بأني سأسبح كما كنت أحب ولن أسقط كما كنت أخشى دوما

أكمل الرسالة بعد أن هربت وبطريقة بهلوانية كقصة من رأسي الذي كنت أفكر به 

الأحد، 29 سبتمبر 2019

آلة الحكم بالإعدام .


*

كان لها هدير يشبه غرف التبريد المتجمدة. آلة صممت للأشخاص المحكوم عليهم بالدخول في جوفها لتقرير مصيرهم.

عدد من المسؤولين تواجدوا ببزاتهم الرسمية، لم يكن الجو مؤهلا لمثل هذه الملابس الثقيلة والمزعجة، ما أكثر الزخارف فيها وكأنها تصر على إعطاء المشهد شيئا من الأبهة ولو كانت مصنوعة من قطعة قماش ملونة. آمر وحدة الإعدام يتحدث مع السيد مندوب المحكمة بحديث جانبي وهو يشير إلى مكان بالخارج تماما. تعابيرهم لا تشبه المكان على الإطلاق وحدها بزة الآمر الرسمية توحي بأنه معني بما يحدث
" حاولت أن أفهمهم لكن للأسف كما تعلم الإجراءات معقدة، سبق وخاطبتهم لكن دون جدوى" قال الآمر وهو يميل بعيدا عن صاحبه دون أن يبعد يده عن ملامسة السيد برفق سارحا بنظراته بعيدا.
 أجابه مندوب المحكمة " سمعت أن كل شيء سيتغير"
 "أي تغيير؟" أجاب الآمر بهدوء وأضاف  بعد سحب نفسه نحو المندوب وكأنه ممسك بعامود ثابت "اني أعرفهم جيّدا، لا جدوى منهم على الاطلاق" هكذا قال وهو مبتسم هيئته لا توحي بالأبهة لكن حضور تابعيه وعددهم يوحي بذلك.
 بادله المندوب بابتسامة قائلا "ستتحسن الأحوال على كل حال" كان ثباته وهندامه ولبسه الأسود الأنيق مع كبر سنه والشيب في وجهه يوحي بالوقار وسيما الرحمة بادية على وجهة الأمر الذي جعلني أتوهم بأنهم كانوا يتحدثون عن تحسن احوالي

كان علي أن أدخل الآلة وهي بحجم حجرة صغيرة محمولة على عربة قديمة. صعدت الدرج للدخول إليها، كان قد تم الحكم علي بها وفي موكب بسيط مع عدد من الأزياء الرسمية تم اقتيادي. يمكنني الهرب لو أردت لكن الأيدي ستطالني حتما وتغير الحكم من ايداعي داخل الآلة المعدّة للانفجار بالمحكوم عليهم  -ان هي انفجرت- إلى الإعدام شنقا. الكل يعرف بأن عددا كبيرا من المحكومين بها بل أغلبهم خرجوا منها سالمين عدا عن بعض الحوادث المؤسفة والتي كانت نتيجة خطأ ما. لهذا الكثيرون يرون أن الحكم بالبقاء في جوفها ٦ ساعات  بانتظار انفجارها يعني النجاة حتما من الاعدام. الآلة صممت لتنفجر وفق إعدادات وخوارزميات يمكنها أن تقرر ما إذا كان المدان يستحق الموت أم لا. كل هذا لم يكن كافيا ليشعرني بالطمأنينة رغم الأوجه المطمئنة حولي. فكرت بالهرب لكن ذلك كان سيعني تبديل الحكم للموت قطعا. لكن فكرة التواجد في جوف آلة كأنها لعبة متاهات مصغرة من الداخل مليئة بكومة معقدة من القطع المتحركة وبأسلاك وتروس وبكرات مسننة وأذرع معدنية ومفاتيح من عدة أشكال وأزرة مضاءة بمختلف الألوان ومنافذ باعثة للحرارة والضجيج والاهتزاز كلها حشرت داخل جوفها بشكل معقد بحيث يبدو أن قطع سلك بسيط منها كافي لإبطالها. أي جرذ كان يمكنه انقاذي، لكن أي جرذ كان سيلج داخل جوفها مع كائن يفوق حجمه عشرات المرات.

بعد أن تمنوا لي التوفيق أغلقوا الباب علي لأبقى ٦ ساعات يفترض أنها صالحة للعيش دون أكل أو شرب لأترك فيها وحيدا.

الآلة من الخارج مكعبة الشكل تقريبا دون أي لمسة فنية، و بلون مهترئ عتيق دون نوافذ، عدى عن فتحات موصولة  يبدو أنها صنعت لتمرير الهواء البارد من جهاز التكييف المثبت عليها أو منافذ لدخول الأسلاك الكبيرة وهي تثير الخوف لحجمها وشكلها الغريب، تبدو وكأنها موجودة لحقن الآلة بالطاقة. شعرت بأنها كائن معدني أكثر من كونها آلة. بالداخل تبدو أصغر بكثير من الخارج، بسبب متاهة الأجهزة المعقدة والمرصوصة بالجوانب لخلق أي مساحة فارغة وهي ممر فارغ لا يكفي للتمدد بسلام  ويوجد كرسي بالعمق وجهاز توقيت يحسب الوقت المتبقّي

الكل واثق من خروجي حيا لأنهم ينظرون الي من الخارج

 اللعنة تذكرت أحد المنسوبين يقول بأن الفنيين أدخلوا بعض التحسينات في الآلة! أي أنها قد تعمل بعكس ماعتادوا عليه. كلمته تلك قتلتني. الآن أنا بداخلها كجثة باردة. كل شيء بارد لا ينبغي أن ترتفع حرارة الآلة وإلا ستنفجر، ينبغي أن لا تنفجر إلا وفق ما هو مخطط لها. قبل الصعود شاهدت عددا من الفنيين يعنون بجهاز التكييف، وجوده ظروري لعمل الآلة. لم يدخلوني إلا بعد أن وقع جميعهم على ورقة الفحص وأن كل شيء سليم لتعمل الآلة كما يجب.

الكرسي بارد للغاية، الأرقام تشير إلى أشياء لا قيمة لها لكن وجودها يوحي بأن كل شيء على ما يرام. بعض جوانب الآلة كتب عليها المحكومين قبلي ماكان يفترض أن تكون آخر كلماتهم. لم يتركوا لي ما يكفي من الفراغ، آخرها كتبت قبل أعوام، أصبح الجميع ينظر الى هذه الآلة على أنها لا تعمل. لم يحدث وأن انفجرت بمحكوم مثلي من قبل. لكني سمعت عن حوادث يذكرونها لآلات انفجرت بسبب أعطال فنية ومرات أقل انفجرت كما يجب.

الكثير تحدث بأن الآلة لا قيمة لها وأنها خدعة ذلك أن المؤسسة المصنعة تحلب الأموال لقاء تشغيلها والعناية بها وصنع بديل عن كل واحدة تنفجر بنجاح. فساد هذه المؤسسة يجعلنا نعيش! هكذا هي الأمور والخروج من الآلة حيا يعني اسقاط كل الأحكام عني

لهذا الهرب كان مخزيا والهرب سيجعل مني اضحوكة ويلحق بي العار ناهيك عن كوني أحمق استبدل حكم الإعدام المحتمل بإعدام مؤكد.

الكرسي البارد منعني من الذهاب أبعد بالتفكير. الباب مغلق بإحكام ولا شك أن الجميع بعيدون من حولي ويحاولون امضاء وقت فراغهم على مسافة أمان كافية، رغم استهانتهم بالآلة لا أحد منهم يقترب.

صوت هدير الآلة يخنقني. يشبه الغضب، الحديد والمعادن بدأت تزمجر. بدأت أشعر بغضب الأشياء من حولي، كأنها فعلا قرأت بيانات قضيتي وأن كلامهم عن الخوارزميات حقيقة! لم أكن مجرما لكن التهم أمكن إثباتها ورقيّا.

أحاول تغطية فمي وأنفي فالهواء البارد بدأ يحفر في حلقي. أذرع حديدية تدير تروسا مسننة بانتظام واحكام لم تقلقني حركتها الرتيبة إلا بعد أن شعرت بأن رتم حركتها بدأ بالتغيير! خطب ما أصاب الآلة والتي اشتهرت بأنها لا تعمل كثيرا كما يجب وبدلا من انفجارها بالنهاية انفجرت عدة مرات بسبب أعطال كهذه دون إكمال مهمتها بالحكم.

بالجهة الأخرى بدت احدى القطع منحلة أكثر من اللازم، لم تكن كذلك. قطعة ممسكة بذراع يدير أحد التروس والذي بدا مائلا أكثر من غيره. حاولت احكام تثبيت القطعة بخوف لكن لعنة ما حلت بي، أصبحت أسوأ من السابق لاشك أن يدي ارتجفت أكثر من اللازم لهذا تخلخلت أكثر لم أعد أفرق بين اهتزازها واهتزاز يدي وقلبي. حركة الأذرع أصبحت أشد اختلافا!

شيء ما فعلته يدي، كنت واهما لم يكن الرتم إلا على حاله لكن تدخلي أفسد كل شيء، أهذه الأعطال التي يتحدثون عنها؟ كان الهواء المنفوث من أحد الأجهزة ساخنا، وجه الجهاز بتقاطيع أزرة التحكم والمفاتيح المضاءة تشبه وجها عابسا لن تحب التحديق به. الأسلاك من خلف هذا الوجه شدت بعناية وهي موصلة على ما يبدو لتغذيته ونفخه أكثر بحيث يبدو كالمدعي العام بوجهه المتجهم  وهو من سيملأ صدر هذه الآلة لتنفجر بي.
لو أن اللمبة الحمراء تنطفئ لبدا الوجه أكثر قبولا. الاقتراب منه أصابني بالذعر، من خلفه وجوه وكومة لا تنتهي من الأجهزة المكدسة فوق بعضها. يمكنني رؤية بضع أسلاك منحلة بالداخل! "لا أحد يعبأُ بسلامة المواطنين ولا أحد يهتم" يبدو أن إحكامها يحتاج إلى جهد ما، لم تكن أوجه الفنيين الذين رأيتهم قبل دخولي لتوحي بأنهم على استعداد لشدها، ان كان مقدرا للآلة أن تنفجر فلا يهم إن كان بسبب عملها أم بسبب خلل يصعب اقتفاؤه وسط كل هذه الأشلاء.

اللعنة، هل علي أن أُعنى بالآلة مثل الأهبل بالداخل كي لا تنفجر بسبب اهمال هؤلاء الفنيين؟ للمرة الأولى شعرت برخص قيمة الأرواح عندهم.

   الباب مغلق بإحكام ومقفل ولا يمكن لأي يد أن تحفر في تلك المعادن مخرجا خلال ٦ ساعات. ناهيك على أن شارات التحذير تملؤ الآلة، وهي تحذر من أن أي عبث قد يتسبب بانفجار الآلة لهذا دائما ما يشار بالتقارير الى أن سبب العطل الفني ناجم من عبث المحكومين بحياتهم.
كيف حافظ من نجى من المحكومين على رباطة جأشهم؟!

لمَ لم اسأل أي أحد منهم عن ما يجب فعله بمثل هذه الحالات.

هدير الآلة بات أشد ومفاتيح الإنارة التي كانت مطفأة باتت متوهجة بألوان مختلفة، ازدادت أزرة الأنوار المضاءة بشكل يثير الذعر، بالخصوص تلك الحمراء المصابة بالغبار، وكأنها تضيء للمرة الأولي! اذ أن الآلة كانت قد حوت عددا من المحكومين كلهم سلموا لكن لم تكن الحمراء مضاءة مع أحدهم. الكرسي أصبح أشد برودة والمكان أصبح باردا بشكل مرعب كأنه ثلاجة أموات.

الأصوات اختلفت، الأنوار كذلك، الاهتزازات، باتت أشد عنفا وقلبي يرجف صدري بشدة كأنه يحاول كسر بابه حتى يخرج مني. هو قد وجد نفسه حبيسا داخل جسدي.

حاولت ضرب الباب متجاهلا، الكتابة الحمراء والتي لم أفهم ما تعني إلا أن لونها يوحي بالمعنى

مرت ٤ ساعات، بقيت ساعتان، جلست على الكرسي جثة هامدة افترض أنها أنا. أمامي جهاز بجانبه قطعة نقدية. سمعتهم يقولون أن الآلة لا تنفجر إلا بعد أن يقوم هذا الجهاز (جهاز الطباعة) بطباعة ورقة تشير الى النتيجة، انفجار أو الى وجود خلل يحتم الانفجار أو بوجود انذار كاذب. الجهاز يخرج الورقة من فمه وكأنه يمد لسانه برسالة تقول "انفجار" ...
كان المحكومين يضعون قطعة النقد هذه على طرف فم الجهاز اذ أن سقوطها و رنينها على السطح المعدني يشير إلى أن الجهاز مد لسانه أخيرا ناطقا بالحكم. وهم ينتظرون هذا الرنين بخوف وقلق. وكم ماتوا (فزعا) لأن القطعة كانت تسقط أحيانا من طرف فم الجهاز بسبب عطسة أو اهتزاز الآلة أو بسبب عدم تثبيتها بعناية.    

ثبتّ القطعة جيدا. لأنتظر الجهاز حتى أقطع لسانه حال خروجه لأقرأ ما فيه
بقيت ساعة لا شك المكان هادئ بالخارج بعكس الصخب والعنف داخل هذه الآلة.

اربطة حذائي منحلة أميل لأشد الأربطة ... أسمع رنينا! يهتز قلبي، أدفع جذعي للأعلى لأرى ما انتهيت عليه دون أن أفهم شيئا، لم تعد أربطة أعصابي مشدودة بخلايا جسدي بإحكام وشراييني لم يعد الدم يتدفق فيها بعناية كما بالسابق وعظامي لم تعد مشدودة على مفاصلي بقوة حتى تحملني، عضلاتي باتت كالإسفنج، هشة من الضعف، وقلبي بات ينبض بالفراغ، لم يعد تفكيري قادرا على تشكيل شيء من أشياء متفرقة، لم يعد تفكيري جزءًا من أي شيء مني

لا أهتم وإن خرجت سالما لا شيء مما حدث فيني يمكن اصلاحه 

فُتح الباب! يتفقد المسؤولون الآلة ويعيد الفنيون فحص الأجهزة. يوقعون على أوراق الفحص "كل شيء على ما يرام"

"هلا عزيز تهانينا كيف سارت الأمور؟ "  



 * Max Ernst