الأربعاء، 10 أبريل 2019

شاهد قبر

*



قبل فترة قرأت قصّة لم يوقظني فيها إلا حكاية الرجل الذي دس رأسه في التراب هاربا. الحكاية أخرجت رأسها من تلك الحفرة وأكملت سيرها في حين ظلّ  رأسي عالقا. رائحة الطين تبعث على الراحة. أشعر بطيب أنفاس الأرض وهي تملأ جوفي. الأصوات من حولي تختنق كأنّ شيئا يخنق العالم دون أن ينتبه إليّ. أدس رأسي أكثر وبكل طمأنينة بدا وكأنّي تركت كلّ مايرعبني وراء ظهري. أتذكّر كيف كنت أحبّ أن أغطس برأسي في الماء عميقا كان الصمت يمنحني شعورا وكأن أحدهم يحاول أن يخنق العالم بالوسادة من خلفي. كنت راضيا! وأطيل البقاء قدر الإمكان أي بقدر ماكنت قادرا على الاختناق بالماء لأشفي غليلي

كانت يداي ترفرفان بعيدا، ومع الوقت لم تعد تبتعد كثيرا. كان دبيب الحشرات فيها يحك رأسي!. فكّرت أيهما رأسي. لم تكن يدان تفكران وتتذكران لتختلف كثيرا عن ماكان يحدث عادة في تفكيري. كانتا تذهبان بعيدا -أي أبعد من جسدي-  كذلك كانت تفكّر. ولؤأكد لنفسي بأنّ يدي ليست رأسي كنت أضرب بها على الأرض؛ ماكان ليضرب بنفسه على التراب. والجرح الذي على يدي لم أشعر به في رأسي، كان عليّ أن أجد وهما أكتفي به ماكنت لأهرب لتضايقني فكرة كهذه، لكن الحيرة عاودتني عندما بدأ الهواء يلعق جرحي
 
 أيام ولم يعد مكان رأسي يهمّني ولم تعد يداي تذهبان بعيدا ولم أعد أشعر بدبيب الحشرات كثيرا عدا عن بعض أرجلها وهي تحك  رأسي بيدي. آخر تربة قبضتها يدي كانت آخر فكرة تذكّرني بها.



نسيت حتّى بدأت أشياء تنمو خلال أظافري، وكأنّ يدي تستيقظ، كانت تحكّني من جديد وانتابتني تلك الفكرة الميؤوس منها، أين رأسي؟ بدأت أشعر بشيء يدبّ داخل يدي، داخل عروقي أصبحت أشعر باللمس وبدأت تنمو هذه المرة لم تعد أرجل الحشرات تزعجني


نسيت أن أتذكّر عيني -وكأنّي دسست برأسي عميقا بالقصّة- كانت الأحلام تطرق جفني وكنت أستيقظ منها سريعا لكنها باتت أعمق من السابق كانت تطرق من الداخل أكثر كأنّها كانت تنمو داخل عيني. لم يعد باب الجفن يفصل بين ما أراه وأحلامي. لم يعد من باب يغلق عيني

الأصوات التي كانت تختنق اختفت لم أعد أسمع إلا وقع أقدام. كانت الأشجار تقترب، هكذا شعرت لوهلة كانت تلقي نظرة بثمارها إليّ. بقدر ماكنت أشعر بأنّي مختفي عن عالمي شعرت بأنّ الأشجار باتت تراني.
 الأشجار تتحدّث عنّي!

بدأت أتذكّر الشعور بالعطش عندما بدأ الماء يصعد في داخلي، الشعور بأنّ كل شيء له دبيب يدبّ من حولي أفقدني نفسي. لا أذكر متى نسيت حاجتي إلى شرب الماء. لا شك وأن شيئا باغتني لأنسي. 

كم لبثت دون أن أحرّك جسدي؟ لايهم كنت حيا بما يكفي وكان الشعور بحركة من حولي يكفيني. إلى أن بدأ ذاك النسيم يهب ولأول مرة شعرت بقلبي كنت أميل! حيث يذهب النسيم وان ذهب بعيدا كنت أميل أكثر وذلك كان يؤلمني. تذكّرت كيف سيبدو شكلي بهلوانيّا ومضحكا وأنا أميل بجسدي بتلك الهيئة. إلا أن ذلك لم يوقفني عن الميلان، أحاول إيقاف نفسي مع أنّ التماهي مع ذاك النسيم يريح قلبي ويسعدني. كأنّ حفلة تدور بالأعلى. الكل  كان يلعب الأشجار كانت تلعب لست بهلوانيّا هكذا بدوت في نفسي. أكاد أنكسر! ذاك النسيم لم يعد نسيما. شيء كان يلويني إليه ليكسرني أكثر.
 استيقظ تفكيري أكثر وبدأت أفكر:
 ليته يكسرني إليه أكثر ليحررني

ما إن دب قلبي إلا وعاودت بي الحياة. قدماي! وكأنها كانت تطأ الهواء بالأعلى. الشعور بالرعب بدأ يدفعني للأعلى، أحدهم أنا أو غيري دس رأسي بعيدا في التراب ومع أوّل حركة من جسدي ولأول مرة منذ وقت لا أذكره تنفس جسدي أخيرا. أحاول سحب نفسي للأعلى وعيني بدأت تؤلمني، بدأت أحرك كل ما أمكنني بدأت أتفقد أعضاء جسدي بألمي. بالبداية أحاول سحب رأسي إلا أن ألما فظيعا يندفع داخل عيني ليصل أعمق الى الداخل كانت الأرض تتشبّث بعيني أحرك وجهي لتندفع أملاح التربة الى الداخل، كان ذلك يشعل وجهي. إلى أي حد تشوهت خلقتي؟ أعاود سحب وجهي أكثر لأسمع أصوات تقطع العروق في الداخل كان نزيفها يدفع بالملح أكثر وكانت الأرض تسحبني. إلى هذا الحد لم تعد قصتي تتحرك

نمت العروق وتلاشى آخر أمل بالخروج. كل شيء يدب من حولي والحياة مليئة بالداخل وهناك بالخارج في الأعلى كانت الأشجار والتي بدأت أفهمها أكثر تحدثني عن أناس يمشون من حولي لا أحد يطأ الأرض التي أنا عليها كما أن لا أحد حاول انتزاع تلك الأقدام للأعلى. ومع الأيام بدأت أرى حديث الأشجار بعيني: كنت شيئا يشبه شاهد قبر. على كل حال ماكانت الأشجار لتعرف ما أكون بالضبط      




*Andres Marti

الاثنين، 25 مارس 2019

كرسيّ

كرسي وطبيب أو طبيبة نفسية ولكيّ لا أكثر الكلام أذكر أني قلت لأصحابي بأني أحلم بالجلوس على كنب جلديّ  فخم لونه بنّي غامق أغوص فيه. 

أدخل على الطبيب ولا أطيل في التحديق في وجهه لأنّ ذلك سيكون كافيا ليكون شخصا معروفا بالنسبة لي وكافيا كي أخشى أن أقول أي شيء حقيقي عنّي. إن ماسيجعلني أندفع لقول كلّ  شيء هو رهاني على بلادة مشاعره وكثرة القصص التي رويت له لاشيء مميّز يمكنني قوله ولو كان ما سأقوله واقعيّا وصادقا ذلك سيجعله شيئا تافها وعابرا أمام قصص الدراما التي قيلت له في هذا الكرسيّ على كلّ  مالذي كنت سأقوله:

  


(bla bla bla ..)

سأخبرك بسرّ أنا أعرف تماما تلك الأحداث التي أثّرت على طفولتي. تماما مثلما يقال كثيرا وبشكل مبتذل أنّ أحداث الطفولة لها تأثير عميق على حياة الإنسان.  لن أقول لك الأشياء التي أثّرت فيني وكانت سببا في فشلي إذ أنّ ولادتي كانت أكبر سبب لفشلي على حدّ علمي. لا تسخر منّي أعرف أكثر من كلمة كنت ألثغها دون أن أشعر وكان الجميع بما في ذلك من هم أصغر منّي يحدقون استغرابا بي. ليس العجز هو من جعلني أقلب حرف الـ "ر" الى "غ" بل إنني وبكلّ صدق كنت أسمع الـ "ر" "غ" حتّى عندما يخرج من فمي هذا الحرف كنت أستغرب مالذي يجعلهم لا يقبلون هذا الحرف اللعين كان المعلّم -بالمرحلة الابتدائيّة بعد أكثر من سنة وهذه المرّة مع حرف "ط" الذي يتحوّل الى "ق" معي- يشير الى لساني والمشكلة تشير إلى أذني. تجاوزت علّة النطق كلّ مافي الأمر أنّ سماع الجملة أمام تحديق الجميع كان مفزعا وأنا على استعداد بأنّ لا أسمح للظروف بأنّ تجعل من الجميع يحدّق بي لأي سبب كان.

هل أقول لك بأنّي أذكر المرة الأولى التي مشيت بها؟ لاشكّ أنّي كنت أحلم أحيانا تختلط علي الأحلام والذكريات مثلما يختلط على الشخص الكاذب الكذبة التي رواها فيصعب عليه أن يميّز في أقواله السابقة بين صدقه وكذبه. أو هل أقول لك بأنّي أذكر جيدّا الصورة الجماعيّة والتي كنت فيها بعين كانت تبكي بعمر الثلاث سنوات وماسبب بكائي حينها؟ كان سببا تافها، لأقل لك بأنّي أعرف جيّدا مالذي دفعني للبكاء لسبب تافه في حينها.





 (طبيبي العزيز أنت كلّ  من يسمع لي)


سأكون كاذبا لو قلت بأنّي استطعت قول كلّ ذلك لطبيب نفسي، ماكان ليسمح لي بقول كلّ ذلك وكأنّه في محاضرة، هذا سيجعل مني طبيبا شعبيّا يحاضر على رأس طبيب متعلمّ.    

عزيزي القارئ إن كنت قد وصلت الى هذه الأسطر وأنت عزيز عليّ أكثر من أي طبيب نفسي لن أطيل عليك وأقتلك مللا.



عزيزي القارئ، وعند كلّ  كلمة "عزيزي" محاولة للقفز خارجا منّي أشعر بأنّي أحشاء داخل جسد صنعه أهلي وذكرياتي ومواقفي التي عشتها وهو الجسد الذي تراه أمامك. إن حدود ذلك الجسد هي حدود أخلاقي وعاداتي وتصرّفاتي الممكنة وأفكاري التي أقولها وهي في رأس ذلك الجسد وليست في رأسي المسكين. لايمكنني الخروج منه هو بالضبط ما سأكون عليه إلى أنّ أموت.  إن محاولة الخروج من ذلك الجسد تشبه محاولة إخراج عضو حيّ من جسدي ذلك سيكون مؤلما بعد حادثة شنيعة تخرجني أحشاءا من جسدي. استعنت بأسماء\أشباح مستعارة لمحاولة تخليصي من ذلك الجسد، كلها كانت من الخارج تحاول عبثا إخراجي. 

دعك من الذين يتحدّثون عن تغيير الذات ،الانتصار على العادات والتقاليد أو القيم وما إلى ذلك. نجدهم يكثرون هذه الأيام الطريقة الوحيدة للخروج -وتوجد أكثر من طريقة وحيدة- هو الخروج بالقوّة من هذا الجسد الأمر الذي سيردي الجسد قتيلا، مالذي تتوقّع من جسد خرج قلبه، عقله لاشكّ أنّه سيموت وسيدفنه أهلي، ديني، وكلّ شيء ساهم في بناء ذلك الجسد لي. عندها سأعتبر ميّتا وسأكون روحا تائهة بالنسبة لهم. الانتحار -وهو ذا- خيار صعب وبحاجة الى قرار أحمق لايحسب حساب أي خسارة ممكنة.

إنّني أعرف تماما حدود نفسي، وأعرف كثيرا عن أشياء أرغم في قولها ولا أستطيع قولها كما أعرف أو لنقل أشعر -والشعور أعمق من المعرفة في هذه الأحوال- أحدا ترك من يحبّ لأنّ فكرة فوزه بمن يحبّ كانت أكبر من أن يحتمله، فكّر بأنّ من يحبّ سيكون أجمل وأسمى لو كان مستحيلا ولهذا ابتعد عن محاولة الامساك به وحدّث الجميع بأنّ السبب كان خوفه من أن يُرفض فيترك ذلك فيه شعورا بالرفض الى الأبد. الى الآن الجميع يصدّقه وهو كذلك يصدّق نفسه. لا تسألوني كيف، لست أدري أي جسد أحمق قال هذا وأي عقل ساذج فكّر بذلك. 

عزيزي القارئ





  

لم يعد لدي شيء أقوله إلا أنّ أحدّثك عل ذلك الكرسيّ الذي حلمت به، في حال لم أجد عند الطبيب النفسيّ نفس الكرسيّ الذي أرغب به. أحلم بكوخ هادئ في كارامبو، نيو مكسيكو أدخّن الغليون بكرسيّ هزّاز بعد الغروب وعلى ضوء شمعة أقرأ شيئا لا يشبه حديثي هذا على الإطلاق. 

لماذا كارامبو؟ 
لماذا نيو مكسيكو؟
لماذا غليون وكرسيّ هزّاز؟
راجع حلقة (مخلص صديق الحيوان) عن "روبو زعيم الذئاب" وستعرف إلى أيّ  حدّ يمكن لأحداث الطفولة أن تترك أثرها بالغا. 





(عزيزتي نفسي)


لا أحد غيرنا هنا لم يصل الجميع بعد.

الاثنين، 4 فبراير 2019

عن نونيّة ابن زيدون و هل على الحبّ أن يكون مؤلما أو أن يكون من طرف واحد؟

بالبداية أعترف بأنّي عجزت عن كتابة ما أودّ حول قصيدة ابن زيدون التي أحبّ. وأكثر شيء كنت أخشاه أن ينتهي استعدادي الى قراءة انطباعيّة عنها. 

أكتب ذلك وأنا أشعر بخيبة الأمل. 

وعقابا لي سأنشر ما كتبته كما هو: 


لاشيء يغذّي الحبّ أكثر من الحرمان ولاشيء يعكس حقيقته الأنقى إلا أن يكون من طرف واحد أو أن تجعله الظروف كذلك. هل هو شعور يدفع صاحبه أم أنّه شعور يندفع صاحبه فيه؟ هل لهذا الحبّ لذّة تشبه لذّة الألم؟
 للجرح ووخز الإبرة لذّة خفيّة لاتتعدّى مقدار جزء من ثانية يشعر المرء بأنّه قد شعر بها ولهذا قد نجد من يؤنّب نفسه ويعاقب نفسه ويؤلمها ويجد في ذلك لذّة خفيّة، هي لذّة ألم خفيّ عبثا يحاول المرء البحث عن تلك الوخزة وكأنّه يبحث عن ابرة في كومة قشّ. قد يغرق المرء نفسه بالألم حتّى يفقد أي أثر لتلك الوخزة فتغدوا آلامه بلا فائدة ويتشوّه شعوره كليّا

يصعب على المرء أن يزن مقدار مايحتاج من ألم ليلمس ذلك الشعور أو عمقه. الشعور به يحتاج الى شعور دقيق وحسّ مرهف. الكثير يحبّ  أن يلمس جرحه وكأنه يداعب ألمه ولا يفعل الشعراء إلا ذلك في قصائدهم وهي تحكي عن الفراق والحرمان والأحباب. يخطفنا بيت من قصيدة كوخزة! محاطة بالآلام حتّي أنّنا بالكاد نشعر بها عندما نقرؤ ذلك البيت دون باقي أبياته/آلامه. هل تستحقّ الوخزة كلّ  ذلك؟ بغضّ  النظر عن قولنا أصبحت تلك قصائد تسير بهالأزمان جيلا بعد جيل.



لم يدفع الحمد العذريين نحو العفّة لاشكّ  وأنّهم وجدوا فيه ما وجده عمر بن أبي ربيعة ولكن بصورة أخرى. ولو بدوا في أذى من حالتهم تلك. وهو ماتشير إليه أشعارهم، قد نشعر بشيء من سرور لكن ظاهر الحزن يخفي كلّ ذلك 
    

"يمكننا أن نحبّ دون أن نكون سعداء ويمكننا أن نكون سعداء دون أن نحبّ، لكن أن نحبّ ونلقى السعادة أن نجمع بين هاتين المتعتين الانسانيتين الكبيرتين هو الاعجوبة." 

من رواية بلزاك: (أسرار الأميرة دي كادينيان)


وإن كانت تكفينا وخزة من قصيدة حبّ كاملة فإن قصيدة ابن زيدون (أضحى التنائي) تكفي لأن تكون  وخزة قصائد العشق كلهّا. أبياتها تسرّك رغم مافيها من حزن وألم. شيء أقرب إلى الجنون أو إلى أن يكون المرء قادرا على أن يستأنس بحزنه

ليس للحبّ نهايات سعيدة إلا أن ينتهي هو نفسه. لطالما أنهت الحكايات قصص الحبّ بنهايات -يسمّونها سعيدة- تنتهي بالزواج والوفاق ومثل ذلك ولو استمرّت الحكاية قليلا لوجدنا ذلك الحبّ يتذبذب أمام أبسط المشاكل المنزلية.

في برزخ ما يقع الحبّ لذلك كانت أبيات ابن زيدون من أجمل مايكون بالكاد كان وصفه مكتملا وصريحا، إذ أنّه يترك مساحة خالية لاندفاعك نحو اكمال ذلك الشعور في كلّ بيت يعجبك وكأنّ قافية النون تشجّعنا على ذلك.

وقد نكون ومايخشى تفرّقنا 
فاليوم نحن ومايرجى تلاقينا
..
ماحقّنا أن تقرّوا عين ذي حسد
بنا، ولا أن تسرّوا كاشحا فينا

 وكذلك كان أكثر من اقترب من نقطة الألم تلك لأنّه كان يحوم حولها وهو يذكر تقلب الأحوال في كلّ بيت تقريبا، لازال في كلّ بيت يوغل الحسرة بعمق في كلّ  مرّة يذكر ماكان ايحاءً حتى ينهي بما آلت اليه أحواله ويظهر ذلك بدءا من مطلع قصيدته المشهور.

ياساري البرق غاد القصر واسقي به 
من كان صرف الهوى والودّ يسقينا
..
ويانسيم الصبا بلّغ تحيّتنا
من لو على البعد حيّا كان يحيينا
..
ياروضة طالما أجنت لوحظنا
وردا جلاه الصبا غضّا ونسرينا

 طالما أن الحبّ غير واضح فمن الأولى أن يوصف بمثل ذلك، بصورة لاتكون أقرب للحلم فيروى البيت ويفسّر مثل الحلم 

واذ هصرنا فنون الوصل دانية
قطافها فجنينا منه ماشينا
..
ويانعيما خطرنا من غضارته
في وشْي نعمى سحبنا ذيله حيـنا

كانت الصور تشبه مقتطفات أو بقايا مبعثرة على اختلاف أشكالها إلا أنّها كانت وكأنّها حروف تقول كلّ شيء، هذه الأشياء المبعثرة والتي كشف عنها ابن زيدون كما هي داخل حجرة قلبه. إنّه يحيط بالمعنى الذي يكتمل تصوّره في ذهن القارئ فهما وشعورا تماما مثلما يقول في هذا البيت 

لسنا نسمّيك إجلالا وتكرمة
وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا


القصيدة أجمل من أن تظلم باقتباس شيء منها، هي قصيدة تتمنّى لو أنّك كتبتها وبالنسبة لي أجد أن أعمق وصف يمكن أن يعبّراعجابك بعمل ما هو أن تتمنّى بأنّ العمل كان لك.






بصوت: ماجد الشبل الله يرحمه

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

قبل أن ألقي طفولتي في سلّة المهملات





قبل آن آلقي طفولتي في سلة المهملات قرّرت أن آحتفظ قدر الإمكان بما أمكنني في شريط "كاسيت" يحفظ أجمل الأغاني واللقطات في أفلام الكرتون. لم تعد الأشرطة متوفّرة وحفظها بات معقّدا كنت قد حفظت أغلب مافيها عن ظهر قلب، لطالما أعدت تكرار الشريط أكثر من مرّة في جلسة واحدة، لم يكن هنالك شيء لأفعله في بيتنا البعيد. قد يبدو الأمر غريبا ومرعبا لكنّي أدرك أن هذه الأشرطة تركت تأثيرها العميق فيني. لم أدرك كعادة أيّ  انسان كلّ شيء إلا متأخّرا اعتادت الأفلام كرتون أن تضيّق الخناق على الأمل  وفي الحلقة الأخيرة يذهب كلّ  شيء وتتحقّق الأحلام. كنت في قرارة نفسي أؤمن بأنّ كلّ كلّ أحلامي ستتحقّق في الحلقة الأخيرة من حياتي لكن الحياة ليست مسلسلا كرتونيّا! الآن أدركت بأنّ الحلقة الأخيرة من حياتي لن تنتهي بتحقيق شيء وأنّي لن أكون إلا شخصيّة هامشيّة رسمت على عجل في حلقة ما. لازالت ملامح الوجوه في أفلام الكرتون تعطيني فكرة عن الأشخاص الذين أقابلهم في حياتي، كنت أستعين بخبرة الرسامين في تحليل شخصيّات الناس من حولي وذلك مايجعلني ساذجا ولا أفهم بالضبط مالذي يعنيه الناس في تصرّفاتهم، إنّهم لايتقيّدون بما كنت معتادا عليه في الشخصيّات الكرتونيّة. لم يكن يزعجني أن أبدو غبيّا، لطالما كانت الشخصيّات الغبيّة طيبة القلب في عالم الكرتون. أحببت أن أكون طيّبا وإن جعلني ذلك غبيّا أمام الجميع. حلمت كثيرا أن أبدو شخصيّة كرتونيّة في عالم أفلام الكرتون لكن الأمر انتهى بي وأن جعلني شخصيّة كرتونيّة في الواقع، كيف يمكنني أن أشرح ذلك؟ إنّ ذلك يدفعني للحديث عن أشياء لا أودّ الحديث عنها في حياتي ومواقف ليست مخجلة ولكن لا أريد ذكرها ببساطة. حزنت غالبا عند كلّ حلقة أخيرة في أي مسلسل كرتوني أحبّه كنت أعيد مشاهدة الحلقة أكثر من مرّة طالما أنّها الأخيرة كنت بذلك أحاول أن لاتنتهي وتمنّيت أن أهرب من حياتي إليهم، كنت أعيد مشاهدة الحلقات زملا في أن يدعوني للإنضمام إليهم. على كلّ  حال أطفأت الجهاز ولم يدعوني أحد للانضمام اليه، لا الشخصيّات الكرتونيّة ولا الناس من حولي لهذا وجدت نفسي أعيش في برزخ خالي من الحياة. على كلّ حال لاشيء من ذلك يهمّ، أعود للحديث عن "كاسيت" الذكريات التي جمعتها. بطبيعة الحال أغنية (في قصص الشعوب) لأصالة و (جرندايزر) وصوت الكمان في أغنية (فارس الفتى الشجاع) وفيها أجمل قصّة حبّ شاهدتها في عالم الكرتون بعد (رانما ٢\١) والسبب أن قصّة الحبّ كانت هامشيّة. ولقطات من (ليدي اوسكار) بطبيعة الحال لقطات لنهايات معيّنة. وكذلك أغنية (جزيرة الكنز) الأجمل ولحظات الوداع المؤثّرة. في تلك الأثناء كانت أغنية (السندباد) تعرض على التلفاز فقمت بتسجيلها مع الجميع. وأغاني كثيرة لكن ختامها مع أجمل أغنية كرتونيّة (النسر الذهبي). الأغنية الجديرة التي لم تكن موجودة كانت (ريمي الفتى الشريد).

لو أن أحدا سألني ماهو أجمل مسلسل كرتونيّ شاهدته لذكرت له قائمة بالأفلام الكرتونيّة التي تمنّيت لو عشت فيها. على كلّ حال وضعت طفولتي جانبا مع "الكاسيت" الى عالم الأفلام، الوحيد الذي وجدته يشبه عالمي ويشبه تصويره وتصميمه للشخصيّات العالم الكرتونيّ هو ستانلي كوبريك! كانت اكتشافا سعيدا بالنسبة لي، لم أفهم مالذي جعلني أحبّ هذا المخرج بالذات واعتبرته يعبّر عن ما أريد لو كنت مخرجا، الآن فقط أقول لأنّ عالمه يشبه العالم الذي عرفته في أفلام الكرتون. وفي عالم كرة القدم أحببت برشلونة من صميم قلبي، كانت كرة القدم تلعب للمتعة فيه، وهذا مايجعلك قادرا على التمنّي للعب معهم بالفعل.

ورغم حبّي لكلّ  شيء تقريبا من: موسيقى وأغاني ورسم وشعر وكتب وروايات وقصص وأفلام لكن الشيء الوحيد الذي تمنّيت لو كان من تأليفي أنا هو (هجوم العمالقة) هل لذلك علاقة بطفولتي؟ لا أدري بالفعل. كما أنّي لا أدري إن كان ماقلته حول تأثير ذلك العالم الذي خبأته في "الكاسيت" صحيحا. وهل أنا قادر على اخراج نفسي من ذلك البرزخ والوصول الى أيّ  عالم يمكنني أن أعيش فيه كشخصيّة طبيعيّة.

الأمر يبدو غريبا ولكن الأكثر غرابة هو أن الشخصيّة الكرتونيّة التي يقول الكبار من حولي بأنّي أحببتها كثيرا بطفولتي هي (كاليميرو)! حسنا لا أذكر الأيّام التي شاهدت فيها هذا الكرتون، لأنّي كنت أصغر من أن أذكر أيّ  شيء منه لكن المضحك أن الشخصيّة تشبه كثيرا ما تحدّثت عنه. فرخ يضع قشرة البيض على رأسه، وكأنّه يعيش في برزخ ولم تكتمل ولادته في هذا العالم بعد.           

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

-١٦-

-١٦-




مدينة  كانت تشعرني بالضيق كلّ مرّة أدخلها أقع في مأزق شوارعها وتحويلاتها التي  لاتنتهي فأبحث لاهثا عن أقرب مخرج منها الى مدينتي القريبة. عرفت لها أربعة  مداخل إلا أنّي لم أدري يوما كيف يمكنني الخروج منها. لهذا كنت أتحاشى  الذهاب إليها وأتضايق كثيرا عندما أجد نفسي مضطرّا للذهاب؛ كلّ شيء في  مدينتي لم يكن كافيا. لا أحد يتذمّر من كثرة التحويلات التي كانت تغيّر  مسارها في كلّ مرّة نحفظ الطريق إليها. والطرقات السيئة، لم يكن أحد يتذمّر  كان الوضع سيئا لدرجة أنّ عدم تذمّر الناس كان يبدو طبيعيّا وأمر  اعتياديّ. كنت أستغرب، الكثيرون  كانوا يمدحونها ويقولون كلّ شيء جميل فيها وأنّني لا أعرفها، وأنّني واهم عندما أقول بأنّ مدينتي المرتّبة أفضل منها. وأستغرب من رفيقي الذي كان يجرّني إليها في عطلة نهاية  الأسبوع للتمشية، لا شيء فيها يدعو للبهجة هكذا أقول لكن لا أدري من أين  يأتي رفيقي بكلّ تلك الأماكن الجميلة فيها؛ فالمكان المفضّل لديّ  لم يكن  إلا أقصى طرف فيها أي أبعد شيء منها. عندما أعود وحدي إليها أتوه فأكرّر  كلّ  لعناتي السابقة، كان الشتم بصوت عالي هو الشيء الوحيد الذي يشعرني  بالراحة فيها. لكن الغريب أنّي في كلّ مرّة آتيها وأعود ضائعا كنت أمرّ  بنهاية يومي بالذات -أيّ عندما يهمّ الجميع بإقفال محلاتهم والعودة لأخذ  ماتبقّى من وقتهم ليكملوا سهراتهم كلّ في مأواه- كنت أشاهد طريقا في غاية  الروعة، كانت إنارته بهيجة لأبعد حدّ، تشبه مدنا حلمت بها أو بالسكن فيها.  كان الجلوس على رصيفها والاستماع لصخب الناس والسيّارات فيها كافيا لقضاء  وقت ممتع. أين كنت كلّ هذا الوقت عن هذا الشارع؟ فكنت في كلّ مرّة أقفل  راجعا أعقد العزم على زيارة ذلك الشارع في هذه المدينة البغيضة. أعود وأتوه  كالعادة ولا أجد ذلك الشارع وعندما أعود شاتما هذه المدينة على ضياع عطلتي  أمرّ بنفس الشارع أو لا أدري غيره ولكنّه مثل الأوّل، في غاية البهجة.  المكان يبدو سعيدا لا أدري كيف شعرت بذلك. كنت أغبط نفسي لاأنّي أخيرا  توصّلت الى هذا المكان مع عزم للعودة إليه في أقرب فرصة، كانت تراودني فكرة  المشي فيه والتعرّف على كلّ محلاته عن قرب. ولكن لفرط بهجتي لم أفكّر في  قراءة اسم الشارع. أضحت هذه المدينة لغزا أدخل اليها لا أرى فيها إلا ما  أكره ومايشعرني بحسرتي على وقتي ولكن عندما أهمّ بالرجوع غاضبا أمرّ على  ذلك الشارع الذي يواسيني. لم أكن في كلّ مرّة أفلح بالعثور عليه، وماكان  يغيضني هو أنّي عندما أصف الشارع لرفيقي لم يكن -على معرفته الجيّدة  بالمدينة- قادرا على معرفة هذا الشارع من خلال وصفي، كنت أقول "الشارع الذي  كنت أقول لك لحظة مرورنا فيه: فلنعد إليه في يوم ما" لكنّه لم يذكر! هل  كنت أحلم؟ بدأت أشعر بأنّ الجميع يخبّئ عنّي هذا المكان أو هذه الأماكن  عنّي، كان مدحهم للمدينة التي أجدها بغيضة ينطبق على تلك الشوارع أو الشارع  الذي كنت أمرّه. وكأنّي في غفوة كنت أمرّ به وأستيقظ واصلا إلى مدينتي دون  أن ألتقط إسم ذلك المكان. كان الطريق طويلا الى الحدّ الذي يبدو فيه كافيا  لاستيعاب أوقات فراغي. حديث الإنارة الطويل ذاك كان شيئا لا يُنسى، كان  مثل حكاية مرئيّة تشاهدها عيني بكلّ  سرور وفي كلّ مرّة حكاية جديدة، لأنّ  الشارع كان حيّا الى درجة أنّ المحلات تتجدّد مضيفة بإنارتها بعدا  للحكاية. 
تلك الأضواء لايمكن أن تُنسى. 
دام  الأمر طويلا، بل أكثر من سنة أو سنتين وعندها عرفت ذلك الشارع، كان مدخلا  للمدينة، لم أعد أدخل المدينة تلك الا من خلاله. كان المرور به يكفيني. لا أستطيع أن أصف سعادتي فهي ليست بتلك الدرجة التي تجعلني أهلهل وأعبّر بحماس عنها لكنّي كنت مسرورا بعمق وكأنّي أخيرا وجدت كلّ المدح الذي قيل فيها مختبئا هنا. على  سعادتي بذلك المكان لكنّي كنت أشعر بنقص ما في ذلك المكان، لا أدري هل كنت  أخدع نفسي به أم لأنّه بات مألوفا. 

مضت  سنوات على ذلك حاليّا المدينة الكريهة باتت جميلة، إنّها تفاجئني، ولكن  الناس يغيضوني. فهم لايذكرون كم تحسّنت وباتت أجمل وأكثر مايثير غيضي هو  أنّ عدم انتباههم لذلك بدا أمرا طبيعيّا.

واليوم  بالذات مررت بشارع كان مختبئا، إنّه يذكّرني بذلك الشارع الحلم، بعد كلّ  هذه السنوات عرفت لم بدا ذلك الشارع الذي عرفته ناقصا. الواقع أنّي عثرت  على مكان واحد من تلك الأماكن واكتفيت به على شعوري بنقصه لكن صدفة اليوم  وجهت صفعة عتاب أليمة على وجهي لأرى هذا المكان أو الشارع الذي مررته لهذا  اليوم يعاتبني على وصولي متأخرّا بعد كلّ هذه السنين.   

بقي أن أسأل نفسي: هل أحبّها؟
الواقع أنّي الى حدّ الآن لا أملك شعورا مكتملا