السبت، 26 يوليو 2025

تدوينة منتصف الليل


Midnight Diner: Tokyo Stories


للأمانة لا أعرف وقت منتصف الليل! أهي التاسعة أم الثانية عشرة. يعجبني المسلسل الياباني "مطعم منتصف الليل" وفكرته، مطعم بتصميم حميميّ وبسيط، له روّاد اعتياديون يعرفون بعضهم، ولا يفتح إلا في منتصف الليل. في كلّ حلقة طبق بحكايته العاطفيّة والتي تخصّ شخصا ما، غالبا ضيف جديد في المطعم. 




هذا الجانب العاطفي مع الأكل، نتناوله كثيرا بأعمال الانمي اليابانيّة. جبنة هايدي التي يصنعها جدها وخبز جدتها الأبيض، وشومن كابامار وحلوى الملبّس وكلها تذكره بأخيه هيات. وفي احدى حلقات "أبطال الروضة الخضراء" تعافى شقيق الملك بعد أن تناول طماطم تذكره بأمه. ولا ننسى شاي أم أمان في "وادي الأمان".  للطعم أثر عميق، نراه جليّا في أحسن صورة في فيلم "طعم الكرز" (1997) للمخرج الايراني عباس كيارستمي، وما أحسن توظيف الطعم في مشهد القنّاص وقطع السكّر في انمي "الوحش" لناووكي اوراساوا. لهذا لا عجب إن ارتبط الطعم عاطفيّا بأعماقنا، خصوصا إن كان طعما للذكريات. كم طعما يذكرك بطفولتك أو بلحظاتك التي تحبّ؟ 


أتذكّر أول مطعم شركات أيام الطفولة، كان التكييف البارد مميّز وغير مألوف. الأجهزة والكاشير والمنيو والكتابات الانجليزية والطاولات جاية من المستقبل. الأكل مثل اللي أشوفه بأفلام الكرتون. الطعم والنكهات قويّة، حادة، صارخة، لساني كان خام وما تعوّد على هذي النكهات. وبمكان آخر أتذكّر آيسكريم التوفي، أول واحد أذوقه، صدمة لذيذة؛ فيها توفي ومكسرات؟! أول مره أحبّ شعور تكسّرها مع طعم التوفي البااارد والمتجمد من برد الآيسكريم. يمكن للطعم أن يكسب مذاقه من المعنى! كيف؟ بعض الأطعمة و المشروبات وبنفس المقادير، طعمها مختلف إن كانت من يدك أو من يد شخص آخر، لهذا نحبّ طعم بعض الأشياء من يدنا أومن يد غيرنا. قائمة طويلة في البال، منيو الذكريات يمكن تكون في صفحة أو ثلاث صفحات. 

الاثنين، 14 يوليو 2025

-39- لقطات

 كم لي من كتبت آخر مرة، مدة طويلة؟؟  الواقع أن الحاجة للكتابة جعلتني أشعر بذلك لم تكن بتلك المدّة. تذكرت نظرية تقول بأنك ستتخيل تلقائيّا أي شيء يوصف لك عندما تسمع الوصف "حصان ذهبي" هل تخيّلت حصانا ذهبيّا في ذهنك الآن أصدقني القول؟ لا يهم. بعض الصور من استديو مخي تقفز في ذهني تلقائيّا، لا لأني سمعت أحدا يذكرها أو يصفها، بل غالبا تأتي عشوائيّا أو أثناء شعور غامض يشبهها، كأن الشعور يستدعيها كما يستدعي النطق بالشيء تخيّله بالأذهان -كما تقول النظرية ان صدقت-. ما هي تلك الصور؟ كثيرة كثيرة للغاية، لكن بعضها يتكرر أكثر من غيرها، كأن عليها Like أو أنها محفوظة باستديو خاص. صور ولحظات، غالبا أحببتها، أحببت كاميرا تركيزي لحظة التقاطها وإطار الظروف والخلفية التي تقف خلفها وخلفي وإن كانت "مركى أو جدار". تماما كما أن لي قاموس للأسماء، لي قاموس للقطات والمشاهد، هل اكتب تدوينة مستقلة عنها مثل الأسماء؟ .. قبل ذلك ماهي تلك اللحظات وبشكل سريع "بروح اجيبها" قبل هروبها من ذهني:

وقفة كروجر في "هجوم العمالقة"، الى الأبد ذلك المشهد والاستدراك لامس فيني ما لا يُلمس. جلسة .. (نسيت اسم الفتى)  وهو يقرأ في حديقة مرتفعة قرب درج عالي يطلّ على المدينة كاملة، كان يرتدي زي مدرسة رسمي، وكان رامي وأمين في "الهدّاف" يتمرنون، وصلت الكرة اليه، قطع قراءته وسدّد الكرة بكلّ قوّتة ونزع سترته ليعب معهم. قبضة هاني الغاضبة من نفس المسلسل أثناء تحمله خشونة فريق البرق. أيضا من نفس المسلسل رامي وهو يخرج لالتقاط الكرة المتسخة في يوم ممطر، هشام يمشي ناكسا رأسه، بكاء رامي الأخير. من فيلم Connection اللقطة البطيئة بالخلفية الموسيقية. ومن كرة القدم الكثير، رونالدينهو يحمل ميسي، أشعر بالرضى لتركيبي المقطع، مقطع فرينكي دي يونغ مع أغنية أحبها، اكزافي وبتصوير بطيء بطيييء جدّا يسدد وتعابير وجهه تراقب لحظة دخول الهدف، كانت بخلفية موسيقية أحبها، احتفالية هادئة لديكو. هانزو وهو يقول "ثلاثة أيام" من مسلسل "ساسوكي". وقفة إد هارس في فيلم "العدو على الأبواب". عودة  "لهجوم العمالقة" وأول قبضة متصلبة بالعمل، ومشهد الابرة، نعم الابرة وتداخلها مع قذيفة المدفع، صحيان ايرين وصوت الاجراس. ومن فيلم Godfather سيجارة صاحب محل الحلويات ويده ترتجف بشهيقه العميييق، خروج من المطعم والقاء المسدس بيد ترتجف، مشهد اغلاق الباب (الفضل لمقطع يوتيوب جمع مشاهد بخلفية موسيقية جميلة). كدت انسى "سانشيرو" جوماروا المنهك بعد قتاله لبيغ بورن، "الوداع سنيور الوداع" "الوداع سنيوريتا" كان حوار لمشهد وداع. النمر المقنع، تامر، وجه تامر على جنب يفكّر وخصوصا مع بييب وكلامه، وحديثه لعزام "كنت احاول مساعدة شخص". وجه كريسبو وانزاغي يحتفلون. الانقاذيّة الاسطورة لمدافع فريق هشام في "الهدّاف". "جزيرة الكنز" كل اللقطات الجنائزيّة، وجه جيم يفكّر بالوان العصفة الرعدية في غرفته.  


الكثير الكثييير لكن هذه أكثرها. عشوائيّة؟! ظهورها في الذهن هو الأكثر عشوائيّة. هل هي تواقيع؟ أو شيء يمكن قراءة طالعه أو تحليله؟ لا أدري لكن عناء تفسير كلّ شيء "مبهذل للغاية" وكل ما أستطيع قوله أنها كانت  " فوضاهم العالقة بي" *. بعيدا عن خرافة الحياة الأخرى وتناسخ الأرواح أحيانا أشعر بأني حياة شخص آخر يحاول فهمي وكل ما أستطيع قوله ما لذي تريد أن تفهمه بالضبط؟ هل أنا في المختبر، يشبه مختبر مدرستي المتوسطة؟ لا أدري و (لا أدري لو كانت لقطة لكانت فوق). 

فتّكم بعافية

أو 


سي يا 


------

*في ذكرى موضوع يحمل نفس العنوان        

الجمعة، 30 مايو 2025

-38-

 هل علي أن أستسلم؟

لم تعد أحلامي واقعيّة؛ استمرت كتلة تثقل ذهني وتفكيري ولم تخرج بين يدي. وصلت الى مرحلة فاتني فيها الكثير. أشعر بالتعب، بالخلا، بالإحباط، وبالهزيمة فوق كل شيء. أحسّ بانّ الزمن يشدّني بقوّة من يدي وينتزعني من عالم نسجته بأحلامي، كنت أقف بقدم هنا وهناك، لكن انتهى الوقت. شعور محبط، حتما أشدّ مرارة من اعلان مشغّل ألعاب الملاهي بانتهاء وقت اللعبة، او اعلان الشاشة الالكترونية بانتهاء وقت لعبك (GAME OVER). 

ما لذي بقي لأفعله؟   بقيت "الحلقة الأخيرة" أن أستلسم وينتهي كلّ شيء، او أن أسير بجمود في الفراغ، كما تفعل الألعاب الالكترونية بعد خسارتها بالاستمرار بحركة تكرارية بلا هدف وستظل الى الأبد الى أن يعاد اطفاؤها! كيف تفضّل نهايتك؟ استسلام معلن أم سير وإكمال بلا فائدة؟


لطالما كان الاستسلام شاعريّ وباسلا بكل جدراة! لم أنسى المعلومة التي لا أذكر من أين أتت، تقول المعلومة: بأن المحارب في عهد الرومان عندما يشعر بالهزيمة ويرغب في انهاء كل ذلك الصراع بعد طفق من صرخات جماهير "الكوليسيوم"، يجثو على احدى ركبتيه وينزل رأسه ويرفع يده اليسرا معلنا استسلامه، عندها يأتي الخصم لينهي كلّ شيء سريعا ويموت. "أديت ما عليك"، ربما كان أسيرا، فلاحا أو شخصا لا يرغب بالقتال، تمنّيت لو أربت على كتف كلّ المستسلمين في ذلك الزمان. منذها وجدت في الاستسلام لحظة شاعريّة ورثاء يستحق التأمل. " I am tiered boss" بهذه العبارة طلب كورفي من الشرطي إدجيكامب السماح له بالاستسلام بسلام، في فيلم، The Green Mile (1999) . بل من منّا لا يعرف رثائية مالك بن الريب لنفسه؟ وهل تعرف رثائية الصمة القشيري؟ لحظات الاستسلام الأخيرة مهيبة. وبخلاف ما تبدو، لطالما وجدت فيها الكثير من الشجاعة، هكذا ظهرت في ذاكرتي الطفولية -ولا أدري إن كان ذلك هو السبب- إصرار بلاكي على الاصطدام بدوق فليد لينقذ سيده قاندال، وبعدها بحلقات طوال، محاولة جاندال نفسه للاصطدام بدوق فليد لينقض فيجا الكبير، في مسلسل الأنمي الشهير "جرندايزر"، استسلام ينمّ عن تضحيات، تشبه المحاولات اليائسة للجنود اليابانيين في الحرب العالمية الثانية (الكاميكازي مثال)، لعلّ تلك الروح شعر بها مؤلفي  الانمي دون وعي منهم. تلك الروح تتلبّس صنّاع الأعمال كثيرا، في بداية رواية "لعبة العروش" لجورج مارتن، بيأس اندفع السير وايمار رويس صارخا في وجه قاتليه "لأجل روبرت" ومات في غابة يلفّها البرد والثلج أمام قاتلين مجهولين، دون أن يعرف عنه أحد بما فيهم روبرت نفسه، لحظات استسلام لا تُسمع صيحاتها الأخيرة، من سمع وايمار وهو يصرخ  سوى المؤلف؟ و روبو، الملقّب بالذئب البشري، في أنمي "مخلص صديق الحيوان" من سمع عبارته بعد أن  استسلم  للصياد الذي أوقعه بالفخاخ ووضع جذعا على فمه وقيده! من سمعه يقول :" لقد هزمتني فافعل بي ما تشاء" باستثناء المؤلف؟. كانت لتكون نهاية عادية لو لم يخبرنا المؤلف.  في مشهد وثائقيّ شاهدته، لا يمكن نسيان النظرات الوادعة لقرد صغير يطوّق فكّه نمر يحمله وعلى وشك أن يأكله! كان القرد ينتظر مصيره بسلام واستسلام. لعلّ لحظات السلام تلك، اللذة الأخيرة التي يذوقها المستسلمون، بعد كل تلك لمعارك، آن لكل ذلك أن يستريح. وللمهزومين والمستسلمين بطولاتهم التي تستحقّ الاحتفاء. كم واحدا رحل دون أن يُذكر وكانت في جعبته أحلام تفوق عالمه، ما هو شعوره يوم يجد أن كل ذلك ينتهي، ويزول، كأن لم يحلم، كأن تلك الأحلام ليست له، ليست من عالمه، مثل الكلمات الأخيرة، لروي باتي، الانسان الآلي في فيلم Blade Runner (1982) " كل تلك اللحظات ستضيع في الزمن، مثل دموع في المطر"، لا أحد سينصت لدمعة وسط كلّ هذا الزخم.


 شعور مرير، أن تذبل قبل أن تزهر أحلامك.


وبعد كل ذلك، هل من خيار غير الاستسلام؟ هل ألقي ما في يدي وأسير بلا هوادة الى النهاية أم استسلم وأقرّ بنهاية كلّ الأحلام؟ على أن عبارة "قاتل حتى النهاية"، أكثر شيء سمعته في ذاكرتي، في مشاهداتي للأعمال الطفوليّة منها بالذات، بدت وكأنّها عبارات تشجيعيّة، تنطلي على أطفال بعمري حينها وآمنت باكرا، باكرا أكثر من اللازم بأنها خديعة مع الأسف، لكنها عادت ومن باب أنمي ، كان السبب في اعادتي لمشاهدة الأنمي بعد سنوااات الانقطاع، "هجوم العمالقة" وصوت ايرين الذي جاء إليه من الأعماق يقول "قاتل .. قاتل .." أحببتها بصوتها الياباني "تاتا كاهيه .. تاتا كاهيه..". بمثل تلك المشاهد والعبارات أعاد "هجوم العمالقة" حماسي للأعمال التي أحببتها، وإن لم تحقّق شيئا، دع روحك لاحقا تشدّ على كتفك وهي تقول "فعلت ما في وسعك".


عبثا لا أدري ما لذي أحاول قوله وترتيبه في كلماتي العبثيّة تلك، الأمر ببساطة، أني شعرت بأني أقف في لحظة جرّدت فيها من كلّ أمل في أحلامي وأفكّر في الاستسلام والتخلي عنها بطريقة تليق بما كنت أحاول فعله أو أن امضي بسير لعبة عليها عبارة GAME OVER   

بين الاستسلام، والمضيّ قدما، كلها لحظات شاعريّة تمرّ في حياة الانسان. يحاصر المرء تفكيره "ما من جدوى" إلا أن ايمانا داخليا يشعرك بأن شيئا ما يستحقّ أن تسلّ  جهدك وتندفع صارخا في وجه حياتك على غرار السير وايمار قائلا " لأجلك يا .. " وإن لم يسمعك أحد، أو مؤلف أنت في حكايته، على الأقل يقينا ربّك يسمعك كلماتك تلك.    




 

الجمعة، 23 مايو 2025

-37-

 وجهي مفكّك، هكذا أشعر فعليّا. لم تعدّ أعضاؤه مشدودة وأصوات الصرير مزعجة. هل ركل أحدهم  وجهي؟ أذكر أني قلت لو رأيت نفسي في عمر معيّن لركلت وجهي! لازلت ناقما على نفسي ولو أن الوتيرة خفّت قليلا، يا لتهوري! بعد العناء الذي أعيشه أدركت حماقتي. كيف اعتبرت الملاكمة يوما رياضة مفضلّة؟ أحببت فيها "فارس الفتى الشجاع" وشخصية كارلوس ريفيرا في "جو  البطل". استهنت كثيرا بالعناء الذي يمكن أن يسببه تحطيم وجهي. حتّى التكنيك الذي تخيّلت أتقانه ينمّ عن تهوّر، كنت سأدخل الحلبة وأمتصّ حماس الخصم بالسماح له بتوجيه لكماته المتسرعة نحوي من حين الى آخر، الى حين يملؤ الغيض قلبي وأشعر برغبة عارمة بالانتقام، المشكلة أني لا أغضب سريعا وقد لا أغضب إلى حين تحطيم وجهي، وماكنت متأكدا منه أني كنت سأنهي الخصم بلكمة واحدة، تماما كما فعل كارلوس ريفيرا في احدى النزالات، عندما وعد بالفوز من الجولة الأولى، ترك كارلوس النزال لخصمه وبعد اندفاع الخصم والقاء نفسه بحماسه تفاداه كارلوس بنزول مفاجئ ليجد الخصم نفسه مكشوفا، ويحدّق في عينيّ كارلوس بالأسفل والرعب يملؤ قلبه وهو يشاهد قبضة كارلوس تدفع بسرعة على فكّه! النصر وحده يكفي لتضميد جراحي وعلاج كدماتي، وهتافات الجمهور كافية لإنعاش قلبي وإعادة تنفسي. كل ذلك بالحلبة وبعدها يعود الملاكم الى غرفته وتبدأ العظام والعضلات والمفاصل المفككة في وجهه بالصراخ في وجه وتأنيبه. صراخ لا يسمعه أحد غيره. 


لا أدري لكن، أحدهم ركل وجهي ووجه لكماته نحوي، ولازلت واقفا أملؤ غيضيّ وأشدّ قبضتي لكن لا خصم أمامي .. ولا جمهور ينتظر ضربتي .. لا أحد  إلا أنا. أتلقّى الضربات وصرخات عظامي ومفاصلي وحيدا في غرفة تملؤها الفوضى وملابس الأيام الفائتة ونافذة تتثاءب ستارتها على كسل. وعلى طاولتها بضعة أدوية مرميّة بإهمال لعلاج الكدمات.   

الأحد، 13 أبريل 2025

قصّة الفنّ كما رواها غومبرتش : سيرة الأساليب وشيء من المفاهيم

 




كتاب "قصة الفن" ، تأليف إرنست غومبرتش، ترجمة عارف حديفة، منشورات هيئة البحرين للثقافة والآثار



الفنّ، تاريخا وقصّة

رغم كثرة الكتب التي تناولت تاريخ الفنّ، يبقى كتاب "قصة الفن" لغومبرتش الأشهر على الإطلاق. فالفنّ ليس حكاية تُروى، ولا مجرّد تسلسل زمني لأسماء الفنانين وأعمالهم؛ بل هو سلسلة من المفاهيم والأساليب التي تشكّلت على امتداد الأزمنة والأمكنة. لا يمكن فهم هذا التاريخ إلا بتحليل الأعمال نفسها، عبر تتبّع خيوط دقيقة جاءت في سياقات هامشية لا في متون السرد. فالمصريون القدماء لم يشرحوا دلالة بعض الألوان والأشكال في رسومهم، ورجال الكهوف لم يتركوا أثرًا يُفسّر ولعهم برسم قطعان الحيوانات قبل أكثر من ثلاثة عشر ألف عام. نتحدّث إذا عن سيرة الأساليب والمفاهيم التي جسّدت في  أعمال الفنانين، وكيف كان سبيل وصولها الى عقل الفنّان وانتهائها بفرشاة الرسام و مطرقة النحّات وتخطيطات المعماريّ، كلّ ذلك بسياقه التاريخي والاجتماعي، نجده في هذا الكتاب.

 

عن الكتاب

ما يثير الدهشة في هذا الكتاب هو تتبّعه الدقيق لتطوّر أساليب الفن ومفاهيمه؛ بدءًا من الرسم على جدران الكهوف وعلاقته بالسحر والشعوذة، مرورًا بالرسومات الفرعونية التي صوّرت الأجساد بمقاطع جانبية رمزية، دون مراعاة للاختلاف في الأبعاد، وصولًا إلى منحوتات الآشوريين التي لم تكن ملامحها دقيقة بما يكفي لتمييز هوية الشخص المصوَّر. لم يكن التجسيد يهدف لإبراز الفروق الفردية، بل للتعبير عن فكرة أو دور.

ثم تطوّر هذا التوجّه تدريجيًا، فبدأ الإغريق بتجسيد انفعالات الجسد، وأدخلوا مفهوم العمق والزوايا في الرسم. يتتبع المؤلف هذه التحوّلات بدقة حتى عصر النهضة، حيث بدأ الفنانون يُعامَلون كفنانين لا كحرفيين، وظهرت مفاهيم مثل المنظور، وتوزيع التناسق في التكوين، والتبخير. يعرض المؤلف أبرز المحطات الفنية والأسماء التي تركت بصمة حاسمة، مثل مايكل أنجلو، دافينشي، رافائيل، ورامبرانت، دون أن يغفل تحوّلات الفن في العصر الحديث.

يبيّن كيف انتقل الفن من الواقعية والاتقان البصري في أعمال فان آيك وألبريخت دورر، إلى التجريد والتفكيك مع كاندينسكي وبول كلي، وكيف عادت الأشكال البدائية الوثنية التي سبقت التاريخ لتظهر من جديد على يد فنانين معاصرين يستعيدون طفولة الفن الأولى. كما يشير إلى تغيّر موقع الفن الطليعي، من كونه مرفوضًا ومطارَدًا إلى تسيّده صالات العرض.

وإن كان قد أغفل ذكر بعض الأسماء المؤثرة في تطوّر الفن، مثل جيريكولت، وكليمنت، وموديلياني، وماليفيتش، فإن قراءته للأعمال والمدارس الفنية جاءت مدهشة في عمقها، وبخاصة في ربطه بين كل أسلوب وسياقه التاريخي والاجتماعي. كما أنّه يوفّق في الموازنة بين الحديث عن الرسم والنحت والمعمار.


ما لذي ينقص الكتاب ليكمل قصته؟

رغم اتساع الكتاب وشموليته، إلا أن غياب الحديث المفصّل عن الفنون خارج الإطار الغربي يُعدّ من أبرز النواقص فيه. يكاد يكون مختزلا بالعصور القديمة أو في سبيل ربطه بسياق الفنّ الغربي وهذا ما يجعل عنوان "قصة الفن" يبدو أحيانًا أوسع من محتواه، إذ أنّ 600 صفحة لا تكفي لاحتواء قصة الفنّ بجميع أبعادها الثقافية والجغرافية. كذلك، لم يُسلّط الكتاب الضوء الكافي على مساهمة الفلاسفة والمنظرين في علم الجمال، أمثال بومغارتن الذي وضع أسس الاستطيقا كمجال فلسفي مستقل. كما لم يُناقش بعمق أثر السياسات الكبرى كالمعسكر الشيوعي على الفن، خاصة في أوروبا الشرقية. ويمكن هنا الاستشهاد بفيلم Never Look Away (2018)، الذي يقدم لمحة درامية مؤثرة عن تجربة الفنان الألماني المعاصر غيرهارد ريختر، وتأثير النظام السياسي على مساره الفني. لكن، ورغم ما يمكن أن يُقال عن نواقصه، يصعب إنكار الإحاطة المدهشة التي حققها غومبرتش في تأريخ أساليب ومفاهيم الفنّ عامة والغربي خاصة، ومن زواياه التقنية والتاريخية والجمالية.


وربما ما ينقصنا لا ما ينقص الكتاب، كتابة قصّة الفنّ من وجهات نظر أخرى، عربيّة، إسلامية، شرقية وغيرها. سرديات بديلة تنبع من سياقاتها الخاصة، وتسلّط الضوء على تجارب فنية لم تمر بالضرورة عبر عدسة الفنّ الأوروبي.