الثلاثاء، 4 يوليو 2017

عندما يصدفك الفيلم بأشياء جميلة Cinema Paradiso



الفيلم الايطالي Cinema Paradiso
نظرة بسيطة الى بوستر الفيلم وستدرك بأنّ القصّة تدور حول طفل شغوف بالأفلام السينمائيّة، تستطيع أت تشعر بفرحة قلبه من بريق عينيه. وكان لهذا الصبيّ من جعله يحبّ هذه الأفلام الأمر الذي جعله يعيش وهو غير قادر على الخروج من إطارها، فقد بات يعيش كما لو أنّه في فيلم والأجمل أن الفيلم لم يوضّح ذلك مباشرة على الإطلاق. أمّا النهاية فهي كنهايات أجمل الأفلام. 
لاأدري إن كانت الصدفة جعلت من هذا الفيلم أكثر جمالا بنظري مما هو عليه، لكنّ حتما أجمل الصدف لاتأتي إلا في أماكن تشبهها، وكذلك كانت مشاهدة هذا الفيلم. 

أول صدفة وقد كان خطأ من النسخة الموجودة عندي إذ أن الرقم كان يشير إلى أنّ مدّة الفيلم ٤ساعات! استغربت إذ أنّ أطول فيلم أعرفه ٣ ساعات وهذا الفيلم لم أسمع عنه أنّه كذلك. لكن كفيلم أوروبّي وخاصة ايطالي تصوّر بأنّني لن أجد صعوبة ولن أشعر بالملل بمشاهدته. فالأفلام الأمريكيّة تصبح كئيبة ومملة عندما تقلّ الأحداث والإثارة ولكن بالأفلام الإيطاليّة، حتّى عندما يكون المشهد فارغا من الأحداث فلن يعجز الايطاليّون عن ملئه بأجمل الحوارات والأحاديث، أتصوّر بأنّه لايوجد أفضل منهم لملء الفيلم بسيناريو وحوار مطوّل وشيّق. كيف لا، وايطاليا مشهورة كثيرا بمقاهيها -حقل مثمر بالأحاديث الشيّقة-) والكثير من أصناف القهوة لها أسماؤها الايطاليّة المميّزة (كابتشينو، موكاتشينو، امريكانو) وكذلك التيرامسيو والتي كثيرا ماتوسّطت طاولة بين اثنين. لعلّ الايطاليّون وحدهم من نستطيع تقليد نبرة حديثهم وحواراتهم، بفضل لغتهم المميّزة ولأنّها مألوفة، حتّى في برامجهم الرياضيّة ومهاتراتهم والكثير من برامجهم وإن على صوتها لاتشعر بأنّها مزعجة، لاأتصوّر ايطاليّا لايتحدّث كثيرا، بل إنّه من فرط مايشعر بعجز لسانه على الكلام يحرّك يديه أثناء الحديث!، لك أن تشاهد لاعبوا الكالتشيو وهم يحرّكون أياديهم كثيرا أثناء كلامهم. هم شعب يحبّ الحديث كثيرا وله أسلوبه المميّز، لن تشعر بالملل أبدا عند سماعك تعليقات رئيسهم السابق بيرلسكوني حول كلّ المواضيع. هم كذلك في الكثير من أفلامهم.
على كلّ حال الفيلم تفاجأت بنهاية الفيلم بعد ساعتين! وتمنّيت لو كان الفيلم أطول قليلا. 


بمناسبة الحديث عن المقاهي والثرثرة، أعتقد أنّ من بين أكثر الأشياء التي نستطيع من خلالها فهم طريقة تفكير شعب ما هي بالنظر الى الأماكن التي يتحدّثون عنها كثيرا، هل هي مقاهي يقضون فيها ساعات طوال، أم كافيهات يأخذ المرء قهوته بعد أن ينادوا بإسمه وهو بالكاد يسمعه بسبب السمّاعات التي يضعها على أذنه، ويتناولها واقفا، حيث الحديث حتما سيكون عابرا. أم في مجالس بروتوكوليّة، يسمع فيها المرء حديث كبار السنّ كثيرا وغالبا ماتكون نصائح جيل لجيل آخر. 


ثاني صدفة كانت هذه القصّة القصيرة والمؤثّرة بالفيلم
بالطبع لايمكنني أن أنزع المقطوعة الموسيقيّة التي رافقت المشهد عن بالي كلّما نظرت الى الصورة




















.. أتعرفون ماهو الجميل في في آخر مشهد؟ أن الصندوق الذي وضع الصبي فيها صورة والده كان مليئا بأقصوصات أفلام مجمعها، وقد تكون مليئة "بالقُـبَـل"

الصدفة الثانية كانت في قصّة هذا الأب، الذي مات في روسيا بالحرب العالميّة الثانية -حتما في جبهة ستالينغراد- وأذكر أنّني قد كتبت قبلها بسنوات قصّة قصيرة حول بنت فقدت أباها بنفس الجبهة وكانت تسأل أمّها بنفس الطريقة.
وهذه هي القصّة 

عندما تتفتّح الزهور

عندما قرّر هتلر إعادة اقتحام روسيا من الجنوب وخطّط لحملته لعام ١٩٤٢ لم يستطع إكمال الفراغات التي خلّفتها الخسائر الجسيمة التي لاقتها جيوشه، عندما قذف بها بكلّ جنون في شتاء روسيا ١٩٤١ فاستعان بحلفائه، كانت هنالك وحدات هنغاريّة ورومانيّة وايطاليّة لسدّ الثغرات، كان المساكين عبارة عن وحدات على الخريطة لاتملك أيّ شيء يؤهلها من معدّات، لقد تمّ قذف أضعف الجنود وأتعسهم حظّا في هذه الجبهة الموحشة، إن كان جيش الألمان الذي لايقهر إلا بقيادة مجنون مثل هتلر، فكيف بحال هؤلاء الطليان. العديد منهم ماتوا متجمّدين منسيين. وبالرغم من أنّك عندما تقرأ عن الجنود الايطاليين بالحرب العالميّة الثانية وانكساراتهم المعتادة فيها لاتكفّ الكتب عن الإشارة إلى شجاعتهم واستبسالهم في القتال الذي حدّد مصيره بفضل ميزان القوى من معدّات. 


عودة للفيلم فالفيلم جميل ولم يكن هذا المشهد إلا في البداية. وطوال أحداثه تحسّ بحميميّة القصّة، كان الفيلم بالنسبة لي جميلا لدرجة أنّه ترك فرصة للحديث عن العديد من الأشياء التي وددت الحديث عنها.

وهذا المقطع باليوتيوب، ويبدأ بالدقيقة ٢:١٠
من أجمل المشاهد التي شاهدتها على الإطلاق. إن هذه الدقائق المصوّرة بين هذا الصبي المحبّ للأفلام وبين أمّه يمكن أن تدور حولها العديد من القصص والحكايات. ونظرة الأمّ للطفل وهو منسجم مع تخيّلاته كانت جميلة 






 




مشاهدة ممتعة ،


الجمعة، 12 مايو 2017

أناشيد وطنيّة تذكّرنا بشيء من تاريخ بلدانها

مبدئيّا قد تبدو الأناشيد الوطنيّة مملة واعتياديّة مثل الطابور الصباحي بالمدارس وفقرة ثقيلة كترديد النشيد الوطني للمنتخبات المتنافسة بكرة القدم. لكن الكثير من هذه الأناشيد لها قصص وتعتبر نصوص تاريخيّة أصيلة لبلدانها. أتذكّر مقال تحدّث عن أفضل عشرة أناشيد وطنيّة -ولا أعرف بأي معايير كانت- كان النشيد الهولندي بالمرتبة الأولى. وهو أقدم نشيد وطنيّ معروف. إنّ إلقاء نظرة على كلمات هذا النشيد والذي يذكر "وليام أورانج" يعطيك نبذة مختصرة عن هولندا. ذلك البلد الصغير الذي استطاع انتزاع استقلاله بقوّة من أعظم امبراطوريّة موجودة وقتها، اسبانيا الهابسبورغ بالنصف الثاني من القرن السادس عشر، وعند نموّها اصطدمت بامبراطوريّة عظمى يحكمها أعظم ملك لها فرنسا لويس الرابع عشر، وقد دخلت معها في حروب مرهقة وطويلة وكثيرا ماعانت من منافسة الانجليز بنفس الفترة. لم تكن هولندا ندّا لفرنسا التي كان لملكها أطماع وشهيّة لالتهام الأمجاد ولو بحجم بلد مثل هولندا. لم ينسى الهولنديون مافعله الفرنسيون وعندما اعتلى وليام الثالث الأمير الهولندي عرش انجلترا لم يمت إلا بعد أن قرّت عينه بتحالف أوروبيّ حطّم الأطماع الفرنسيّة وكسرت غرور ملكها الذي اكتفى بنصر رمزيّ كبير وهو وراثة حفيده عرش اسبانيا حيث لازالت نفس الأسرة تحكم، ولكنّ بلده انهت الحرب وقد خسرت الكثير وباتت على اعتاب خسارة كلّ شيء تقريبا. 

في النشيد نبرة الإصرار والتحدّي لملك اسبانيا واعلان لولادة هولندا كبلد مستقل.





بالنسبة لي أعتقد أنّ أجمل نشيد بالنسبة لي هو نشيد بولندا، ذلك البلد الذي التهم كثيرا من قبل ثلاثة امبراطوريّات تآمرت عليه بقسوة، حتّى كاد أن يضيع من الخريطة إلى أن خطّ نابليون حدودا "لدوقيّة فرصوفيا" وهو ماذكره النشيد الوطنيّ وفي النشيد دعوة بعد مجيء نابليون لديبرووسكي أحد نبلاء بولندا للقدوم الى الوطن الأم من أجل القتال لها. الاستهلال كان في غاية الروعة. 

"بولدنا لم تمت بعد .." 



في النشيد حيث يكثر الترديد : march march Dabrowski  لاأجد كلمات عربيّة تصفها، لكن بإمكانك حين قراءتها تخيّل شعور مردّديها.
لبولندا تاريخ مرير ومليء بالحسرة وتستطيع أن تجد الحماس واضحا عندما يردّد البولنديون هذا النشيد في مناسبات مختلفة. 



أمّا النشيد الفرنسي "المارساييز" وهو أشهر نشيد على الإطلاق. كتب هذا النشيد عندما تحالفت ملكيّات أوروبا ضد الجمهوريّة الفرنسيّة، كان الوضع يبعث على اليأس كلّ جيوش أوروبا على الحدود  إلا أنّ الجمهوريّة قد نجت بأعجوبة وبعد إصرارها. عند قراءتك لتاريخ تلك الفترة ستشعر بأنّ الوضع فعلا كان ميؤوسا منه، فكيف بمن عاش تلك الأيّام.



أيضا هنا يكثر ترديد "marchons marchons" ولها نفس وقع مافي النشيد البولندي.


على الرغم من أن النشيد الفرنسي يدعو للنهوض ضد الظلم إلا أنّ هذه الجمهوريّة أذاقت العديد من البلدان ماكانت تدعو لقتاله في نشيدها. قد توجد العديد من القصص التي تستحقّ الاعجاب في العديد من البلدان الأخرى (غير الأوروبيّة) ولكن الكثير من الأحداث طمستها أو همّشتها لعدم ادراكهم لقيمة رموزهم الحقيقيّة.

هنالك أناشيد كثيرة تخبرك عن بلدانها مثل "المانيا فوق الجميع" وغيرها. وللأناشيد رمزيّة يتمسّك الكثير بها، فقد طرد مدرب المنتخب الصربي السابق ميهالوفيتش اللاعب الصربي المسلم آدم لياليتش لعدم ترديده النشيد الصربي وقد نسيت السبب الذي دفع اللاعب الى ذلك وكان قد عبّر عن حبه لبلده رغم ذلك.  

الملاحظ أن أغلب الأناشيد تذكر الرب وتدعوه ليحفظ بلدانها والكثير منها تأتي على ذكر الدماء التي سالت في سبيلها، ويندر أن يولد بلد بلا دماد، كما يندر أو يستحيل أن يلد الإنسان بلا دماء.    


بالمناسبة وهذا هو النشيد الوطنيّ السعودي القديم والذي كتبه الشاعر اللبناني سعيد فيّاض، قبل النشيد الحالي كلمات الشاعر ابراهيم خفاجي. 



الثلاثاء، 11 أبريل 2017

الشعر و كم هو مستحيل على الترجمة.

أكثر من مرّة حاولت قراءة الشعر الأجنبي المترجم ولكن دون جدوى. الكثير من كتب الشعراء الآجانب كانت تجذبني عناوينها وبعض اقتباساتها وألاحظ تعلّق الكثيرين بها. كانت هنالك أسماء كنت أتضايق لعدم قدرتي على تذوّق أشعارها: آليجري، لوركا، ريلكه، رامبو، إليوت، طاغور. وشعرت بالأسف بعد أن عرفت بأنّ فيكتور هوغو قد يكون أعظم كشاعر أكثر من كونه روائي! ومايؤسفني أكثر أنّه وبعد زمن وصلت لقناعة تامة أنّ ترجمة الشعر مستحيلة. وأنّ الأمر يبدو كمن يصف لوحة جميلة بالكلام، مهما كان الوصف موفّقا ستظلّ تشعر بأنّك تفتقد لرؤية اللوحة الأصل. 

الكثير من الكتب تحدّثت عن الترجمة وهنالك مترجمون تحدّثوا كثيرا عن ذلك مثل أمبرتو ايكو وهو أديب ترجم وتُرجم له. ولاتوجد ترجمة أثارت الجدل مثل ترجمة الشعر ولا أذكر أن أحدا قال وبكلّ جرأة بأنّه يمكن ترجمة الشعر مئة بالمئة، بل إنّ شاتوبريان الأديب الفرنسي المعروف ومترجم (الفردوس المفقود) لجون ميلتون إلى الفرنسيّة إعترف بأنّ الطريقة الوحيدة لترجمة شعر ميلتون هي بالنثر. أيّ أنّ الشعر وبكلّ بساطة سيفقد أهمّ دعائمه بعد الترجمة.

كيف نقول بأنّ الترجمة مستحيلة وليست صعبة للشعر؟ 
لك أن تتخيّل شخصا يترجم معلقة أمرؤ القيس هل تتصوّر بأنّ شخصا انجليزيّا بعد أنّ يقرأها مترجمة قادر على إعادة كتابتها إلى أصلها العربي؟ لا بالطبع. لعلّ أقرب وسيلة ممكنة هو أن يترجم شخص يحسن كتابة الشعر بالعربيّة والانجليزيّة ترجمة القصيدة، ومع ذلك ستظلّ القصيدة المكتوبة قصيدة المترجم نفسه.


لا يُستغرب أبدا أن يسمّي الكثير الأعمال المترجمة بالخائنات الجميلات وأن توصف الترجمة بالخيانة الوفيّة مثلا. مشكلة الشعر أنه يستمدّ جزءا كبيرا من جماله باللفظ صوتا ونطقا (وقعه على الأذن واللسان) وهو شيء لا يصاغ بالمعنى. 

لنضرب أمثلة أخرى على استحالة الترجمة ، وبالنسبة للروايات الأمر مختلف ولكن بدلا من أن نقول مستحيلة سنقول بأنّها صعبه ولكنّها ممكنة بمقدار. 

 مثلا لو أن شخصيّة روائيّة  استشهدت بهذه الأشعار"تجري الرياح بما لاتشتهي السفن" أو "اللي يبينا عيّت النفس تبغيه" كيف سأترجم ذلك؟ حسنا سأترجم ماهو موجود كلمة\كلمة ولكن المقطع الأوّل يوحيّ بأنّ الشخصيّة قد تكون مهتمّة بالشعر الفصيح والثانية توحي بأنّها شخصيّة تهتمّ بالأبيات الشعبيّة ولكن هل يستطيع الأجنبي الذي سيقرأ الترجمة معرفة ذلك؟ أنّ الشخصيّة استشهدت ببيت شعبيّ أو ببيت فصيح؟ الأمر الذي قد يوحي بعدّة أمور حول الشخصيّة نفسها أو جزء من مكمّلات الشخصيّة نفسها.  يمكن تفادي ذلك بوضع علامة وتوضيح بالهامش زو بجلب مثل شعبيّ باللغة المُترجم إليها -وهي طريقة مستخدمة- يوازي المثل الشعبيّ المترجم. ولكن حتما المثل الشعبي سيكون مختلفا لفظا وتاريخا ومايمثّله معنويّا قصّة وخلفيّة. أيضا نعرف بأنّ لكلّ مثل عربيّ أو شعبيّ وقعه النفسيّ والوجداني وأيضا الكثير من الشخصيّات المعروفة بثقافاتنا عندما تُذكر لها وقعها فينا والوقع لايمكن ترجمته. 

ليس ذلك وحده مالايمكن ترجمته بدقّة، إذ أنّ اللهجات لايمكن ترجمتها و لك أن تتخيّل نفسك وأن تشرح لأحد معاني قصيدة جميلة أعجبتك لشاعر عربيّ وأنت مع الأسف لاتحفظ أي بيت منها ولذلك تحاول عبثا شرح معانيها وإيضاح جمالها وأنت متأسّف لأنّك لم تستطع قول بيت واحد فيها. كذلك ترجمة الشعر بالضبط بالنسبة لي. وأتفهّم كيف أنّ مترجما بحكم معرفته باللغة الأصل يشعر بالأسف لأنّه لايستطيع أن يبيّن لنا جمال القصيدة إلا بشرحها. 


إنّه لمن المؤسف فعلا أن لايمكن ترجمة الشعر. فهنالك مقاطع جميلة جدّا، بل أحسب تشعّ روعةً؛ إذ أنّها وبلغة أخرى استطاعت أن تحافظ على جمالها، وكأنّ للبشر صيغ لغويّة معيّنة أو كلمة سرّ\سحر قادرة على تكون بمعناها الأتمّ وبأيّ لغة. 


"حيث يستعصي الأمل، الذي لايستعصي على أحد"
جون ميلتون

"سيجيء الموت وستكون له عيناك"
تشيزاري بافيزي

هذه من أكثر المقاطع التي تمنّيت أن أشعر بقراءتها بلغتها الأصليّة كمتحدّث بها. هل هي جميلة مثلما تبدو بلغتنا؟.  

حتى بحال تعلّمك لغة الشعر نفسه أحيانا لايتذوّق الشعر من هو يتحدّث باللغة نفسها كلغة أم فكيف بشخص يتحدّثها كمتعلّم لها؟! الكثير منّا يعرف قدرا من الانجليزيّة وله مخزون لابأس به من كلماتها ومع ذلك قد يصعب علينا كثيرا تذوّق الشعر الانجليزي. فنحن لانملك ذلك المخزون الذي يحيلنا إلى ماتعني الكثير من كلمات من معاني واعتبارات وتاريخ استخداميّ لها. أيضا لاننسى بأنّ الكثير من الروايات تحمل جملا كتبت بطريقة شاعريّة وقريبة من الشعر، أيضا ذلك زمر ماكلّ مترجم يستطيع ترجمته، كلّ ذلك يبيّن لنا أن الترجمة والمترجمين فيهم أشخاص عظام كما يوجد كتب ومؤلفين عظام.

وقبل أن أختم أحبّ أشارككم بمقطع أعجبني كثيييرا باللغة الانجليزيّة، ولا أدري لماذا هو بالذات ولا أدري كيف يمكن أن يترجم بأجمل العبارات.

Hail, ye small sweet courtesies of life, for smooth do ye make the road of it.
لورانس ستيرن




الشعر كنز الشعوب الفريد، فهو لم يكن مستحيلا على الترجمة عبثا. إنّه لصيق بالأمم الناطقة به ويفهمها أكثر من غيره لدرجة أنّ لا أحد يستطيع تذوّقه كما هو إلا بلغة وفهم أهله. فهو الإنتاج الإبداعيّ البشريّ الوحيد -إلى حدّ ما- القادر على الصمود والبقاء داخل الصدور. الشعر هو الابداع  الوحيد -ربّما- الذي استطاع الانسان الأميّ أن ينافس الانسان المتعلّم به، فلايستطيع أيّ متعلّم أن يدّعي أفضليّته على الأمّي بالشعر. تماما مثل اللغة. 

الثلاثاء، 28 مارس 2017

جميل بشهادة الفنّان لا بشهادة الجميع.



لو كنت أنت من رسم لوحة ماليفيتش هذه هل تتوقّع أن يعرفها أحد؟ في الواقع إنّ هذه اللوحة بيعت بمبلغ عالي، أكثر من عشرة ملايين دولار. ولا داعي للسؤال بكم كانت ستباع لو كنت أنت من رسمها.







هل في اللوحة شيء يدعو للتأمّل؟ أم أنّنا نتأمّل ماليفيتش باللوحة؟


مجموعة من أعمال ماليفيتش الرائعة. بصراحة كازيمير ماليفيتش من الفنّانين الذين أحبّ التأمّل في لوحاتهم والنظر إليها، وبالنسبة لي هذا الجدار مبهج وبديع. الجواب على السؤال هو أنّ الرسم بالذات لاينفصل إطلاقا عن إسم صاحبه. بإمكانك أن تشعر بجمال وروعة أبيات شعر لشاعر لاتحبّ قصائده في العادة ولكنّه في هذه الأبيات بدا مختلفا. توجد الكثير من القصائد المجهولة المشهورة والتي احتفى الكثيرون بها في حين لايوجد مثل ذلك كثيرا في عالم اللوحات، لأنّ إسم الفنّان مهمّ للغاية لكلّ لوحة أكثر مما يعنيه إسم الشاعر والكاتب في القصيدة والرواية. 


لا أعتقد أن شهرة ماليفيتش كانت عبثيّة وأنّ الأشكال في لوحاته كان يمكن لأيّ واحد منّا ابتكارها. إنّنا نولد ونحن نعرف -بطريقة ما- أن هذا الشيء جميل وهذا غير جميل. لا إثبات علميّ لديّ، ليس إلا حدسا، فعندما تقرأ عن إمرأة توصف بأنّها جميلة في كتاب ما عمره ٥٠٠ سنة فإنّ احتمال أن تكون هذه الإمرأة قبيحة في نظرك  قليل جدّا. الأوصاف التي تتصف بها الجميلات بالمجمل نفسها منذ آلاف الأعوام باختلاف بعض التفاصيل القليلة. وهنالك حالات أخرى خارج نطاق هذا الحكم، ولا أتكلّم عن الحبّ، أن يحبّ رجلا إمرأة ليست جميلة في نظرنا ولكنّها بالضرورة جميلة في نظره، فالحبّ شيء مختلف. وبعيدا عن المرأة أو الرجل حتّى. هل الأمر ينطبق كذلك على الأشياء والأشكال من حولنا؟ 







(الموجة العظيمة) لهوكوساي
ترى كم واحدا من ١٠٠ سيقول عن هذه اللوحة جميلة وكم واحدا سيقول العكس؟
إنّنا نعرف بالغالب ماهي المرأة الجميلة ونتّفق حول ذلك في الغالب ولكن عند الحديث عن: متى تكون المرأة جميلة أو الرجل جميل وكيف يكون شكلهما فإنّنا عندئذ سنختلف كثيرا وستبرز مسألة التفضيلات بيننا. أيضا ينطبق ذلك ربّما على الأشكال والأشياء، شيء ما يجعلنا نقرّ بأنّ هذا الشيء جميل وليس ضروريّا أن نصف كيف بالغالب، لذلك الكثير من اللوحات التي قد لانفهم كيف أشتهرت وكيف أصبح رسّاموها عظاما إلا عن طريق معرفة رأي الكثيرين من الناس حولها أو رأي المهتمّين بالفنّ. قد نعرّف أو نَعرف الجمال بأنّه شيء نحبّ أن نراه مرة ومرّتين وأن نفكّر ونحن نحدّق فيه ونتأمّله. متى يكون ذلك؟ هذا مالانعلمه أو مالم نتمكّن من معرفته بالضبط، ولو أنّي أميل الى كون ذلك موجود من فطرتنا لذلك لايمكن حصره. 

يوجد أشخاص قادرون على معرفة الأشياء الجميلة أكثر من غيرهم. وكلّ ماعليهم فعله أو أن يجعلونا ننتبه لتلك الأشياء أكثر ومن بين هؤلاء الرسّامون. وبطبيعة الحال وذلك مبنيّ على قدرتهم على رؤية الجمال ووصفه قدر الإمكان بالرسم، وتختلف إمكاناتهم وأدواتهم بطبيعة الحال. فخطوط رفاييل وبوتشيللي الأنيقة والناعمة تساعدهم على رسم الجمال وجعله واضحا لنا أكثر وكذلك الحال مع إضاءات رامبرانت والخطوط المتعرّجة والتي تبدو متحرّكة لروبنز.



(مقبرة اليهود) لرويسدال
في هذه اللوحة الكثير من التفاصيل والتي لم تخفي وتطمس معالم الجمال، فكثرة التفاصيل سلاح ذوحدّين قد تجعل الرسّام يذهب بتلك الزخارف بعيدا فيضيع الجمال في كومة التفاصيل. إلا أنّ رويسدال عنده قدرة عجيبة على جعل الجمال شاخصا رغم التفاصيل الكثيرة. يوجد رسّامون غيره كثر يرسمون مثله ولكنّهم لم يشتهروا مثله. فهو استطاع أن يصف الجمال بإسهاب وتوصيف دون أن يشعرنا بالملل والضياع.



وفي لوحة ويستلر هذه. يبدو الجمال في التفاصيل المرتّبة والأنيقة، كأنّها قطعة قماش حيكت برفق. الرسّام الأمريكي من  أكثر الرسّامين الغربيين الذين تأثّروا بشكل واضح بالفنّ الياباني المعتمد على تنسيق الأشكال البسيطة بطريقة أنيقة ومرّتبة مريحة للعين، ورغم أنّه قد تنقص الأدوات والأشياء لإبراز الجمال لكنّ قدرة الرسّام هي ما تجعله قادرا على إبرازه بأبسط التفاصيل. فهو استطاع أن يصف الجمال بإيجاز دون أن نشعر بأنّ شيئا ينقص وصفه. 



أحب هذا الاسكيتش لمونيه وبالنسبة لي هو أجمل اسكيتش لرسّام مشهور. ليست صدفة أن توجد هذه الرسمة في الكثير من الكتب التي تتحدّث عن مونيه رغم أنّه رسم الكثيييير من الاسكيتشات غيرها ولكن لهذه بالذات حضورها المميّز. إنّ الجمال فيها عفويّ وكأنّها كلمة خرجت من فم قائلها بشكل عفويّ. فهو استطاع أن يصف الجمال بشكل غير كافي ولكنه كافي بالنسبة الى كلمة عفويّة أو وصف جزئيّ.


الكثير يستطيع أنّ يعبّر عن الجمال بطريقته، من وجيه مودلياني القوطيّة إلى خربشات جاكسون بولوك وصولا للوحات فونتانا الممزقة بالمشرط. إن الفنّ لازال نفسه يبحث عن الجمال ولكن العالم الآن بات يعترف بوجوده بطرق شتّى. صحيح توجد الكثير من الأعمال القبيحة والمثيرة للإشمئزاز والتي تسمّى عند البعض فنّا ولا ندري كيف يحدث ذلك إلا أنّ الفارق بينها وبين الأعمال الأخرى الفنّان نفسه، فمثلا يستاء الكثير من أعمال داميان هيرست التي أخذت طابعا تجاريّا ولاتزال قائمة جائزة تيرنر للفائزين تثير السخرية مثل سرير تريسي إمين  لذلك حتما لايمكننا فصل الأعمال عن الفنّان نفسه، فبقد ما نحن بحاجة للحكم على هذا العمل هل هو جميل أم لا، نحتاج للحكم على الفنآن هل هو فنّان حقّا أم لا.    


بناءًا على ثقتنا بالرسّامين نحن نستطيع أنّ نخمّن بأنّ هذا الشكل الذي رسمه جميل، وهو ذاته الذي قد لانقول عنه كذلك لو رسمه غيره. لاننسى أنّ قيمة اللوحة تدخل فيها عدّة أمور: سيرة الفنّان، سيرة اللوحة، موضوعها، سعرها -وهو أمر يخصّ عالم الأعمال بعيدا عن الفنّ-. لاشكّ أنّ العالم سينظر بإعجاب إلى لوحة أصرّ رسّامها على مواجهة العالم الرافض بها. وقد يكون من باب ردّ الجميل منح قيمة إضافيّة للوحات جميلة لم تنل نصيبها من الإعجاب بل نالت الكثير من الإنكار.

أتذكّر قولا اعتياديّا أُطلق كثيرا وهو: أن أعظم الفنّانين ماتوا فقراء! وهذا القول إطلاقا غير صحيح. الكثير منهم ماتوا عظاما وأغنياء ولكنّ للفنّان الفقير قيمته الخاصة، فهو ضحّى بالكثير من الأمور في سبيل أن يري العالم الجمال بطريقته رغم كلّ الصعاب. ولعلّ أشهر من مات بالفقر وهو رسّام فان غوخ وصديقه بول غوغان . على الأقل أدرك بول سيزان شيئا من اعجاب الناس أواخر عمره. لكن فان غوخ وغوغان بالكاد نالوا أيّ شيء يذكر إلا الإعجاب الذي يبديانه لبعضهما.

كم واحدا مثل فان غوخ مات فقيرا؟
الكثير ولكن لماذا اتّفق العالم على جمال فان غوخ، هل الأمر جاء مصادفةً؟ بالطبع لا. بالنسبة لي فان غوخ يمتلك ميزة لايمتلكها إلا غوغان صديقه. وهو جعل الأشكال مدموجة في قالب هندسيّ فريد بحيث يخلق فراغا متناسقا وبشكل أنيق. حتّى الفراغ في لوحات فان غوخ يبدو جميلا.










بورتريهات لأرماند رولين. وهي من النماذج المثاليّة لفنّ فان غوخ. لاحظوا شكل الفراغ خلف الجسد، لو افترضنا أن اللوحة عبارة عن لونين: أسود للفراغ وأبيض للجسد أتخيّل أنّ الشكل العام سيكون جميلا. يوجد الكثير من الرسّامين اللذين قلّدوا فان غوخ ولكن لايوجد ذكر بارز لهم. الخطوط السوداء العريضة التي تحدّد الجسد منحته بروزا ونتوءا بديعا. أتذكّر في المراحل المتوسّطة كيف أن الأشكال التي رسمتها تبدو أجمل عندما أحدّدها باللون الأسود لتبدو أكثر بروزا -مع فارق التشبيه طبعا-


ماهذه إلا أداة من أدوات فان غوخ الكثيرة جدّا  والتي عن طريقها كأيّ رسّام يحاول أن يبرز أو يرسم الجمال. وله جانب آخر ملفت بنظري بالإضافة إلى هندسة الفراغ فلايوجد من هو مثله في رسم الأشكال الهندسيّة كالمباني والغرف والأثاث بشكل لطيف.





المعالم العمرانيّة والأشكال الهندسيّة في لوحان فان غوخ رائعة، يبدو أنّه كان مؤهلا ليكون مهندسا معماريّا!

هل نعود إلى أوّل كلامنا، حيث أنّه لو قرأنا عن إمرأة جميلة في كتاب عمره ٥٠٠ سنة فإنّها بالغالب تعتبر جميلة بنظرنا كون الجمال لم يختلف في عين البشر منذ القدم؟ مالذي جعل لوحات فان غوخ التي كانت غير جميلة في زمنه جميلة في زمننا؟ أليس مفترضا أن نكون قادرين على معرفة الجمال بحكم فطرتنا؟ مالذي اختلف؟ بتصوّري أنّ الجمال الطبيعي كوجه الإنسان والمناظر الطبيعيّة نكون قادرين أكثر على تحديده وفهمه. في حين الجمال الإبداعيّ من قبل البشر غير ذلك، لأنّ البشر لايمتلكون وصفا دقيقا عن الجمال بشكل كامل، لهذا قد يبدو الأمر أكثر تعقيدا من هذه الناحية.


في عالم الرسم بفضل أدوات الفنّانين نستطيع رؤية الجمال، كلّ بحسب أدواته وقدرته، الأمر أشبه بكاميرا قادرة على منحنا صورة واضحة لمنظر جميل وكاميرا قدراتها أفضل قادره على منحنا صورة أوضح وأخرى قادرة على إبراز لون معيّن وأخرى قادرة على التقريب أكثر وهكذا.

علينا أن ندرك بأنّ شهرة وعظمة اللوحات لا تبنى على الجمال وحده، بل على كلّ شيء يتعلّق بها. ومنها أمور لايمكن أن نفهمها إلا كونها أشياء حدثت هكذا بشكل اعتباطيّ في زمننا ولانفهم السبب مثل شهرة الكثير من نجوم السوشيال ميديا. وكذلك قد يكون الأمر غير ذلك. فأعمال أندي وارهول الجميلة نالت أكثر من نصيبها بفضل رجال الأعمال الأمريكيين. كان أحدهم بشتري لوحة وارهول بالملايين مرة ومرّتين وهو يمتلك العشرات منها، على زمل أن ذلك سيجعل سعرها يرتفع تباعا خاصة وأنّ المشتري مجهول الهويّة!

لكن على مرّ التاريخ والسؤال الذي لا إجابة له: من هو أعظم فنّان؟
كلّ ما أستطيع قوله أنّني في هذه الفترة أشعر بأنّ أكثر من فنّان استطاع أن يقترب من الكمال والمثاليّة لوصف الجمال ولأنّ النفس البشريّة متقلّبة لا يمكن أن تجزم بحكم مطلق حول أفضليّة عمل انسان ما. لكنّ يبدو أنّ رافاييل وفيرمير قد وصلا إلى مستوى عالي من التطلّعات. 











إن أكثر لوحات رافاييل شهرة هي لوحاته الدينيّة وبالذات التي تصوّر العذراء، لو للطف لوحة  لكانت لوحة لرافاييل. لايمكن أن يصوّر أحدهم حنان الأمّ كما يفعل رافاييل، حتّى لوحاته التي تصوّر سانت جورج وهو يقتل التنّين تبدو في غاية اللطف! لوحاته تبعث على السكينة مما يساعد على التأمّل فلاعجب إن أحبّوا لوحاته الدينيّة. في لوحته كلّ الخطوط ناعمة ولايكاد يوجد خطّ يخدش أناقة لوحاته. في لوحاته شيء حيّ لا أجده في لوحات الآخرين. 
كلّ ماعليك هو أن تبحث عن لوحاته التي في عناوينها Madonna


 



يوهانس فيرمير، هذا الفنّان رغم قلّة لوحاته إلا أنّها نالت إعجابا منقطع النظير. لعلّه أكثر فنّان يعرف هواة الفنّ لوحاته بالتفصيل لا لقلّتها بل لأنّها من أكثر اللوحات التي تدعوك للتأمّل. إن لوحاته غريبة التفاصيل! كيف؟ لايوجد جزء باللوحة تحسّ بأنّه بلامعنى. قد تحبطك لوحة بحثت في تفاصيلها لأنّك وجدت أو شعرت بأنّ هنالك سنتمرات بلا معنى، الأمر الذي لايمكن أن يكون مع فيرمير. اللوحة الأولى بالصورة توصف بأنّها أروع أعماله والثانية قيل بأنّها أجمل لوحة طبيعيّة وله لوحة رسم فيها وجه فتاة شابة يعتبرونها موناليزا هولندا. بلوحاته القليلة حاز فيرمير كلّ ذلك.


مع ذلك إن مافعله رافاييل وفيرميير ماهي إلا محاولة أو طريقة أو لغة في وصف الجمال. ذلك لأنّ الجمال أوسع من أن يوصف أو يصوّر كاملا بإبداع بشريّ، لذلك يعتبر الفنّانون الذين يمتلكون مراحل مختلفة ورائعة في مسيرتهم الفنيّة  عظماء، مثل فان غوخ وبيكاسو. 

على كلّ حال، سيظلّ الجمال لغزا، لانعرفه أهو شكل أم علامة أم شعور داخليّ فينا؟ إنّنا نحاول الإجابة عن طريق اقتفاء أثره والذي يبدو واضحا في أعمال وأكثر وضوحا في أعمال أخرى أو أنّه غير واضح ولكنّنا نكون واثقين وقتها من الفنّان الذي يشهد على ذلك.
 

الجمعة، 17 مارس 2017

سينماء عظيمة وفقيرة وسينما رائعة وغنيّة .



أحيانا يخيّل إلي إنّ أرقام بيع التذاكر السينيمائيّة لاتعكس مدى حبّ الأمريكيين للأفلام بقدر ماتعكس هوسهم بتناول "البوب كورن" والمشروبات الغازيّة. الأرقام كبيرة للغاية، تماما مثل كلّ الأرقام الأمريكيّة والتي تتعلّق بالمال التي لولا الأمريكان ربّما ماسمعناها. فحتّى الكلمة الأمريكيّة الأشهر على مستوى العالم  Google تشير الى رقم خرافيّ. 
 






لو اطّلعت لوجدت أن ميزانيّة الفيلم الأمريكي -رغما عن مخرجه الكندي- (Avatar) تساوي ربّما ميزانيّة آخر عشرة أفلام أوروبيّة فازت بجائزة "السعفة الذهبيّة" بل ربّما آخر عشرة أفلام أوروبيّة وغيرها فائزة بجائزة: الدبّ الذهبي، الأسد الذهبي، والسعفة الذهبيّة! أمّا على صعيد المبيعات فقد نقول آخر خمسين فيلما فائزا.

أعلى الأفلام دخلا والأكثر بيعا والأعلى ميزانيّة كلّها تصنيفات رقميّة اللغة المفضلة للأمريكيين. يتكلّمون عنها كثيرا ويتباهون بأفلامهم من خلالها بخلاف غيرهم. وإن الإخذ بهذا التصنيف سيجعل الأفلام الأمريكيّة بالمقدّمة لمئة سنة أخرى.

وعندما تشاهد الأرقام الخاصة بالأفلام الأوروبيّة الرائعة ستتفاجأ بمكانة الأفلام الكبيرة مقارنة بأرقامها الصغيرة. وستتساءل عن مدى الشغف الذي يجعل الأوربيّون يواصلون انتاج أفلامهم رغم هذه الأرقام التي لاتسمن ولاتغني من جوع. وهذا هو الفرق بين أن يكون عملك (مصدر رزقك) هو هوايتك المفضلة وبين أن يكون عملك (مصدر ثرائك) هو هوايتك المفضّلة. الأفلام الأمريكيّة رائعة والأفلام الأوروبيّة عظيمة. بالنسبة لي أجد أن "رائعة" تناسب الأفلام الأمريكيّة الممتعة والمدهشة والمبهرة وكلمة "عظيمة" تناسب الأفلام الأوروبيّة التي تستحقّ الإعجاب والتقدير والإشادة معا. الكثير من الأفلام الأوروبيّة أو لنقل المليئة بالأوروبيين أنتجت أو لنقل جعلت أمريكيّة وناطقة بلغتها، الأمر الذي  أكسبها أرقاما أمريكيّة. إنّها جنّة السينما فعلا، وأربابها يقومون بعملهم بجنون وشغف ولكنّه حتما لايشبه الشغف الهادئ المثابر التي تنتجه أفلام مثل الفيلم الروماني الجميل 









 4Months, 3 Weeks and 2 Days  وهو فيلم ميزانيّة لاتعادل -ربّما- ميزانيّة فيلم أمريكي قد لاتساوي عدد مشاهداته عدد المرّات التي عرض فيها! 

  لكن هل لنا أن ننتقد كلّ ذلك؟ كثيرا مايكون انتقاد الأمريكيين نابع من غبطة أو حسد. إنّنا ننتقد بشدّة المشروبات الغازيّة الأمريكيّة الغازِيَة. وننتقد الوجبات السريعة التي تنتجها لنا ونتّهمها مستندين -رغم كلّ ذلك- إلى دراسات أمريكيّــة أيضا حول خطرها! أعتقد أنّ المسألة ليست مسألة خطأ وصواب بقدر ماهي طريقة وأسلوب، قد تكون كريهة وقد تكون محبّبة. بل إنها هي، هذه هي أمريكا منذ بدأت. فقد كان رجال الأعمال الأمريكيين بعد الاستقلال يملكون أراضي واسعة تعادل مساحتها مساحة دول أوروبيّة! ومع الأيّام بدأت الأرقام تكبر أكثر وأكثر وبدأت جيوب رجال أعمالهم تبدو أكبر بكثير من جيوب رجال أعمال أوروبيين أسرهم أرباب مهن عريقة. ذلك البلد الذي كان ولازال حلمه "الحلم الأمريكي" حلما للكثيرين قد فتح عالما آخر جديدا للعالم. حدث ذلك بعد أن تمّ إبادة ٤٠ مليون هندي تقريبا، لم ينتبه الكثيرين لهم إلى الآن حتّى أنّهم عندما أرادوا أن ينتخبوا رئيسا ليكون تتويجه لحظة تاريخيّة بحكم لونه وعرقه اختاروا أمريكيّا أسمرا ولم يختاروا هنديّا! بالرغم من كثرة الأسماء الهنديّة بهذا البلد وبالرغم من أن الحديث عن الأدب الأمريكي وتاريخه عادة مايقود إلى خطب هنود مثل : لوغان وسياتل. لكن على كلّ حال أمريكا تشبه كثيرا "جون سيلفر" الكثير معجب به بالرغم من أنّه شرّير وقرصان. 

 




من فيلم Chinatown هكذا قام بالتعريف بنفسه.

 للمال معنى آخر هناك، فحتّى الفقير قد لايعتبر فقيرا لسوء حظّه بنظرهم بقدر مايعتبر فاشلا أو كسولا. هذا البلد مليء بقصص النجاح الرائعة. وعلى صعيد السينما، إن افترضنا بأنّ الأرقام هي ماتعني النجاح بالنسبة لها فلا يمكن أن تكون "هوليوود" خارج أمريكا مثلما لايمكن أن يكون "وادي السيليكون" خارجها.