الأحد، 15 أكتوبر 2017

متى بدأ الإنسان يشعر بالوحدة؟








هل الإنسان قديما كان يشعر بالوحدة أو العزلة وهو بين الناس أمّ أنّها حالة من صنع العصر الحديث؟ 
حاليّا يمكنك أن ترى حالات الوحدة التي يعاني منها أصحابها بمواقع التواصل الاجتماعي. وبما أنّ السبيل الوحيد للوصول إلى مشاعر الأقدمين هي من خلال أشعارهم وآدابهم التي كتبوها. ففي الشعر الجاهليّ مثلا لانجد الكثير من ذلك، رغم وجود آلام ومشاعر مألوفة لدينا، مثل ألم الفراق والغربة. بل إن الوحدة والعزلة ارتبطت أحيانا بعزّة النفس والفخر بها أو بالتنسّك والتعبّد وعند الصعاليك مثل الشنفرى وغيره كانت مناسبة للفخر 

وانّي كفاني فَقد من ليس جازيا
بحسنى ولافي قربه متعلّل
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيّع
وأبيض إصليت وصفراء عيطل

هل يمكننا القول بأنّ الإنسان قديما لم يملك وقتا كافيا للفراغ ليشعر بالوحدة؟ بسبب سبل العيش والتي تأكل أوقاته وتحثّه على الاحتكاك بالناس. الى القرن التاسع عشر كانت ظروف العمل وساعاتها الطوال ومع ماتسبّبه من أضرار على الصعيد الجسدي والنفسي إلا أنّها على مايبدو كانت تبعدهم عن ذلك الشعور الأشبه بالعزلة المختارة، أو باختيار مفروض. كثيرا ماتزخر القصص والأفلام التي تحكي عن الرجال الذين يعودون من يوم عمل شاق وكيف أنّهم يفرغون كلّ ذلك بساعات قليلة من اللهو والشراب مع قليل من التذمّر وذلك يتمّ بأماكن عامة حيث يجتمع الكثير منهم، مايجعل التذمّر وقصص الشكاوي تأخذ طابعا مرحا. يمكننا أن نرصد طريقة الإنسان في الوقاية من الكآبة وغيرها من خلال النظر إلى طريقة مرحه. 


للأحيمر السعدي هذا البيت يصف الشعور بالوحشة وحيدا :

عوى الذئب فاستأنست بالذئب اذا عوى
وصـــــوّت انـســان فــكــدت أطـيــر


لاتختلف الأفكاره على مرّ العصور فحسب بل المشاعره كذلك. ومثلما الإنسان يدشّن باكتشافاته وانجازاته عصورا جديدة كذلك مشاكله التي تبرز تدشّن عصرها معه. بالنسبة للمشاكل النفسيّة ومايرتبط بالشعور، يشبه مايعانيه الإنسان منها بما يعانيه من أمراض. فكما أنّ الطاعون كان مرض القرون الوسطى وكذلك الكوليرا والجدري كانت أمراض القرن التاسع عشر وعندما انتهت بالقرن العشرين تقريبا بدأ عصر السرطان. ومع كلّ كانت هنالك مشاكل الإنسان النفسيّة، وعلى نفس الرتم، مشاكل نفسيّة كانت تندثر وأخرى تظهر، ويبدو أنّ زخم هذه المشاكل أصبح بارزا بعد أن حقّق الانسان تقدّما ملحوظا بمكافحته الأمراض العضويّة الفتّاكة. في عصر بات يحدّثنا العلماء عن الحبّ والكره والكآبة والحزن والميول الجنسيّ وفق دراسات وأبحاث مجهريّة، باتت هذه الأشياء المعنويّة أو المكنونة في داخل الإنسان عضويّة! ولعلّ ذلك سيجعلنا نحصر رؤيتنا لمشاكلنا في إطار مجهر العلماء والباحثين. بات تقدّم الإنسان محصورا بنجاحه في جعل أيّ مشكلة لها أساس عضويّ. 

الى أن يستطيع الانسان فعل ذلك تناولت مشاكلنا النفسيّة الأعمال الأدبيّة والأعمال السينمائّية بطريقة مختلفة وجذّابة، خارج الإطار العلميّ المحصور وكأنّ الإنسان بخياله قادر على رؤية حقائق لاتراها الأعين المجهريّة. 






بالفيلم الفرنسيّ The Fire Within 1963 تناول قصّة ألان ومعاناته النفسيّة التي أفرغت شيئا ما من داخله حتى شعر بفقدان معناه بالحياة يتحدّث الفيلم عن باريس الساحرة والتي كانت تغرق محبّيها بحكاياتها الرومنسيّة  ولذّة العيش بها. عندما يشعر الإنسان أنّه يكرّس حياته لذلك سيفقد لذّة تلك الأشياء - إمّا لإدراكه بأنّ العمر محدود أو أنّ روحه باتت تجد تلك المتعة مملة- وكم هي مرعبة فكرة أنّك لم تعد قادرا على الاستمتاع في مدينة هي رمز لمتعة الحياة، كما قال ألان: أنه لا يستطيع أن يلمس شيئا. باتت الأشياء لاتعترف بوجوده. هذا الشعور أو قبل الوصول لتلك الحالة نجدها بروايات اونوريه بلزاك التي تحكي عن مجتمعات باريس اللاهية.








  ومن أشياء تشعرك بفراغ روحك إلى الملايين من الناس التي تشعرك بذلك! في فيلم Taxi Driver 1976 كانت شخصيّة البطل التي قام بها روبرتو دي نيرو تعيش وحيدة في مدينة يسكنها الملايين، روتينه اليوميّ يفقده الشعور بوجود من حوله، حتّى بات يبحث عن شيء يمنحه معنى أو وجود ملموس. أشياء أو حماقات لا نألفها بالروايات القديمة ولا بالقصص القديمة، أعراض يبدو أنّنا نفهمها لأنّنا أبناء هذا العصر. إن مشهد دي نيرو وهو يشاهد التلفاز ومعه مسدّسه كان تعبيرا صادقا لسلوك قلّما يظهر أو يتحدّث عنه الناس عندما يفعلون شيئا مثل ذلك إمّا لأنّهم يخجلون من ذكر ذلك أو لأنّ ذلك شأنا يعني وحدتهم. 


الأفلام التي تحدّثت عن الوحدة والفراغ الروحي وسط جمع من الناس كثيرة، حيث يبحث الشخص عن وجوده أو يهرب من ذلك الشعور بالوحدة بينهم عبر الانعزال والبقاء وحيدا. نقول "الوحدة" ونعني بها أشياء كثيرة لانملك إسما لها إلا "الوحدة" وليست مثل أيّ مرض عضوي يمكننا معرفته عبر فحصه ورؤية الميكروب المسؤول عنه. 


  اخترقت الوحدة حاجز الجماعة فباتت تشعر الشخص بها وهو بينهم. بات الشعور بها منبعا للكثير التصرّفات وهو ما جعل منّا أناسا مختلفون عن ماكانوا عليه من قبلنا.






 لعلّ من أوائل الذين تحدّثوا عن ذلك فرانز كافكا في روايته (المسخ) لحظة استيقاظ جريجوري سامسا التي لاتُنسى. الجميل أنّه تناول ذلك بشكل غريب يرسخ بالأذهان وهو تحوّل الإنسان، كأنّه أدرك تحوّله من الداخل ولكنّه بالرواية أخذ شكلا خارجيّا وكأنّه شاهد رسومات أوديلون ريدون.  ألهذا أعجب الناس حاليّا بكافكا؟ يقول المخرج لويس بونويل عن فيلم 1971 A Clockwork Orange  "هو المفضّل حاليّا بالنسبة لي، كنت متهيّأ جدّا ضد هذا الفيلم. بعد مشاهدته أدركت أنّه الفيلم الوحيد حول المعنى الحقيقي للعالم الحديث" حيث يحاول هذا العالم بالفيلم صناعة سلوك الإنسان وتصرّفاته وإن بدا ذلك غريبا ولكن هذا مايحدث بالفعل. بالسابق كانت الظروف والأحداث التاريخيّة والتي فعلها الإنسان هي من تصنع تصرّفات الإنسان وسلوكيّاته ولكن حاليّا باتت أشياء وليست أفعالا صنعها الإنسان وبناها هي من تتحكّم في تصرّفاته. لننظر إلى "كاروشي" وهي حالة مميتة أحيانا تحدث باليابان تصيب الشخص بسبب الإفراط بالعمل. أهذا ما صنعه إنسان العصر الحديث؟




------------------

اللوحة الأولى لرينيه ماغريت 1937م Not To Be Reproduced
اللوحة الثانية لأوديلون ريدون 1883م The Crying Spider

الجمعة، 18 أغسطس 2017

فيلم Arrival ومسألة الآخر



الفيلم الأمريكي arrival والذي اختصر عنوانه كلّ شيء، فهو يتحدّث عن الوافدون الذين لانعلم عنهم شيئا حتّى أنّنا لم نسمّهم إلا بأوّل صفة عرّفتنا عليهم. إضافة إلى الشكل الغريب -الموجود بالبوستر-  غرابته توحي لنا بأنه شيء لابدّ من الحذر منه. الفيلم يدور حول قضيّة تناستها أو تجاهلتها أغلب الأفلام التي تحدّثت عن المخلوقات الفضائية والتي كانت شرّيرة غالبا. إذ أنّ أوّل شيء يدور في أذهانهم كيف نقاتلهم؟ أمّا فيلم Arrival فقد دار الموضوع أغلبه حول السؤال الأوّلي: كيف نتواصل معهم؟ مسألة قد نحتاج لعدة أفلام لخلق تصوّر وافي عنها في حين أنّها أختزلت في أفلام عديدة مثل فيلم Independence Day -1996 أختصر التواصل في مشهد واحد حيث قام الوافد بطريقته بالحديث مع البشر بلسان أحد الضحايا وعندما سئل: ماذا تريدون؟ أجاب: بـ Die ! حسنا ومن بعدها يبدأ القتال، وكذلك هي أفلام الفضاء. قبل التساؤل مع الفيلم، كيف يمكن أن نتفاهم مع هؤلاء المخلوقات وهل يتحدّثون مثلنا؟ وكيف لنا نحن البشر الذين لم نتحدّث يوما مع الحيوانات شركاؤنا بالكوكب أن نتحدّث عن مخلوقات من كوكب آخر؟. يبدو أنّنا ندرك بعقلنا الباطن أنّ اللغة هي أهم صفة لمخلوق يمكنه صنع تلك السفن الفضائية. في هذه الفترة موضوع اللغات والتواصل يمتاز بالجاذبيّة، ذكرت بطلة الفيلم قصّة رويت عن جيمس كوك عندما أتى الى استراليا وشاهدوا الكنغر وهي تقفز وابنها في جيب بطنها سأل السكّان الأصليين ماهذه؟ فقالوا: كنغر، وصار اسمها الكنغر في حين أنّ كنغر باللغة الأصلية تعني: "لا أفهمك"! هذه القصّة تبيّن صعوبة الأمر ورغم أنّها استدركت وقالت بأنّ القصّة غير حقيقيّة -وهذه القصّة تكرّرت على كلّ حال في الكتب التي تحدّثت عن هنود المكسيك عندما سألهم الاسبان عن اسم هذه الأرض فقالوا لهم: "يوكاتان" فأسموا الاسبان هذه المنطقة من المكسيك "يوكاتان" أي لاأفهمك!- لكن الاستدراك الأبلغ هو ما أجاب به أحدهم: " ونعرف ماذا حدث للسكّان الأصليين". فعلا ونحن نعرف ماذا حدث للسكّان الأصليين في الأمريكيتين. هل يعقل أن تفعل تلك المخلوقات مافعلناه بنا؟ إذا كان الأمر كذلك لعلّ احدى الطرق الجيّدة لمعرفة ماسيقوم به هؤلاء هو بقراءة الكتب التي تحدّثت عن فتح أمريكا مثل كتاب تزفيتان تودوروف "فتح أمريكا: مسألة الآخر" حيث روى الكثير مما قام به المكتشفون أو الـ Arriaval في أمريكا! حيث شحن كولومبس احدى السفن بالعديد من المخلوقات الغريبة، مثل الببغاوات وغيرها ودوّن كلّ شيء حتّى أنّه ذكر "دزّينة من الهنود" يبدو أنّنا لانستطيع الخروج من أنفسنا عندما نحاول وصف الآخرين. فنحن لم نكسر بعد قشرة البيضة التي نعيش في داخلها حتّى نصف من يأتون خارج القشرة (سكان فضاء). إنّنا نخاف من الغرباء عموما ونجده شيئا مخيفا حتّى أنّ أحد القصص روت أنّ آخر رسالة أرسلها أحد ضحايا مثلّث برمودا كانت "ماهذا..  شيء غريب" هذه القصّة قد لاتختلف كثيرا عن قصّة الكنغر ويوكاتان ولكنّنا بهذه الطريقة نتعرّف على الأمور. في هذا الفيلم ألمح الى أنّ هؤلاء الآخرين كانوا في الحقيقة نحن! ومثل ذلك ولكن بشكل أوضح ذكر في فيلم Interstellar - 2014 حيث كان الآخرين نحن في زمن آخر وذلك  بالإضافة للشكل الغريب بالبوستر يعيد للأذهان الفيلم المشهور لكوبريك 2001: A Sace Odyssey عام 1968م حيث كانت تلك الأشكال الغريبة أحد أبرز معالم الفيلم بالإضافة الى محاولة الإجابة على سؤال: من نحن؟ فنحن عندما نحاول أن نصف الأشياء الغريبة نقوم بوصف أنفسنا أحيانا دون أن نعلم وكأنّ كلّ شيء موجود ليس إلا مرآة لتصورنا.

السبت، 12 أغسطس 2017

بورتريه لسيرة ذاتيّة


*


( الإسم: لايهم

جميع السير صنائع أصحابها إنّهم يعرفون بأنّ هناك من سيقرأ لهم. الإنسان صادق بشكل لايصدّق، فهو يصنّف كتب السير الذاتيّة أحيانا من ضمن الأعمال الأدبيّة لعلّ ما سأكتبه هي أوّل سيرة ذاتيّة، سأكون صادقا بقدر ما أتوقّع عدم قراءتها

بالبداية الإسم: قلنا لايهم

ثانيا الصورة الشخصيّة: 
إنّها غير صادقة أبدا فأنا بالكاد تحمّلت وظعيّة وجهي التي قام بضبطها عامل الأستديو على طاولة الفراغ، تماما مثلما تضبط المزهريّة على طاولة منزل لن يعلم أحد عن حقيقة وجودها إلا حينما تُكسر.

بإمكانك أن تختصر سيرتك الذاتيّة بوضع قائمة مرتّبة بالأغاني والأفلام والصور التي أعجبتك. على الأقل أنت لن تحاصر القارئ - الذي أفترض أنّه ليس موجودا- حتّى يرغم على الأخذ بحدود حروفك، ففي الأشياء التي تحبّها متّسع لفهمك أكثر. لهذه الأشياء عين ثاقبة: إسأل الشخص:
عن أوّل أغنية أحبّها؟
عن أوّل شيء ندم على عدم فعله لا على فعله؟
عن أوّل شيء .. أيّا يكن
 إن لم يجبك فاعلم أنّه لم يشعر بالوحدة بما يكفي للإجابة على هذه الأسئلة
حسنا وإن سألت، فكلّ هذه الأسئلة أستطيع الإجابة عليها وكم يؤسفني قول ذلك..


وماذا بعد؟
إنّني عبارة عن: ما أفكّر به
حسنا ولأكون صادقا لن أكتب ماينبغي قوله بل ما لاينبغي قوله. لو قدّر للأيّام أن تكتبنا لوجدناها تقول الكثير من الأشياء التي لاينبغي قولها والقليل مما ينبغي قوله. لن أرتّب كلامي لأنّنا لانكون مرتّبين إلا في المناسبات التي نتملّق فيها الآخرين ونلبس تلك الابتسامة على وجوهنا. من أين أبدأ؟  من المنتديات النتّيّة التي هجرت، كنت أحبّ اصطياد الأسماء الوهميّة. كان الأمر ممتعا أن أتتبّع أقنعة الاخرين، لم أحب الأقنعة التي تقوم بالردّ على نفسها بالجهة المقابلة  باليوزر. كانت تلك الأقنعة رديئة بالعادة بخلاف الأقنعة التي لاتردّ على أنفسها، وتكون صادقة إلى درجة يصعب الإمساك بها. كنت أخلط بين التعامل مع البشر والتعامل مع أقوالهم إنّهم يكرهون الأغنياء ولكنّهم  يحبّون أن يصبحوا أغنياء. يتصرّفون وفق طبيعتهم ويقولون أشياء تتحدّى طبيعتهم وأكبر عيب فيني أنّني حاولت أن أتصرّف وفق مايقال غالبا لا وفق طبيعتي. كان الأمر أشبه بمحاولة وجه من قطعة نقديّة أن تنقلب للجهة الأخرى. إنّهم يقولون بأنّ الكذب هو أسوأ مافي الإنسان، والواقع أنه بسبب ذلك يطول الكلام ويكثر الناس من الحديث أملا في محاولة اختراع تلك الكذبة الصادقة والذي يتحمّل الكثير عبء البوح بها غالبا. لذلك قد يكذب الإنسان لأنّه قد يكون أصدق من أن يطيل الكلام ويكون الكذب أعذب من الصدق عندما ينتهي باعتراف، وكأنه قال الصدق مرّتين. أنا لم أكذب إلى حدّ الآن ولكنّي أطيل الكلام من غير أن أبوح بكلّ شيء. للأسف لم يعد الناس بدوا يقولون كلّ شيء دون مبالاة، حيث تعلّموا من الصحراء أن كلّ شيء ستذروه الرياح وتدفنه رمال الأيّام، فكانوا يقولون كلّ شيء وأيّ شيء حتّي، ولكنّهم لم يعودوا بدوا. أتعلمون كانت هنالك أسطورة تقول بأنّ في إفريقيا مقبرة للفيلة! وأنّ الفيلة قبل موتها كانت تودّع أصحابها وتذهب الى هناك لكن في الحقيقة أنّ كلّ ذلك لم يكن إلا وهما لذيذا من أجل حكاياتنا فالفيلة مع تقدّم السنّ تفقد قوة أسنانها فتبدأ بالاقتراب نحو الأماكن التي تحوي على نباتات ليّنة وتقترب أكثر حتّى يلتقي ذلك الجمع من الفيلة في مقبرتهم. أفهمتم فكرتي؟ كذلك أهل القرى! والذين كانوا بدوا ولكنّهم ابتعدوا عن الحياة شيئا فشيئا واقتربوا أكثر وأكثر نحو المقبرة والتي تسمّى القرية. هناك حيث يموت الإنسان ويبدأ بالسكوت أكثر، فيكون متحفّظا حتّى بمعرّفاته الوهميّة. ولو أنّه حينها يكون صادقا أكثر لأنّه لايتحدّث كثيرا. على كلّ حال هذا العصر قد بنا قريته وأصبحنا من سكّانها. أريد أن أستيقظ ولا أعتقد أنّ ذلك سيحدث ضجّة في هذا العالم الذي لايريد ايقاظي. تذكّرت جريجوري سامسا وكيف أنّه أحدث ضجّة كبيرة في هذا العالم، الكثير من البشر يحتقرون الحشرات ولكنّم رؤوا في أنفسهم جريجوري سامسا الذي استيقظ فجأة كحشرة عملاقة! اللعين كافكا لقد حوّل العديد من البشر إلى حشرات! أبهذه الطريقة يرانا العالم، أمّ أنّنا نحسبه لأنّنا نرى الأشياء الصغيرة كذلك. 
قبل أن أنهي حديثي أريدك أن تعلم جيّدا بأنّنا نقول مالانودّ قوله لتعلم مانودّ قوله، إنّنا نقوم برسم مانودّ قوله بالكلمات التي لانريد قولها، ألا ترى أنّ النور ترسمه الظلمة؟ فانظر في ظلال الكلمات ما أودّ قوله. لست يائسا فحتّى لو لم يكن لوجودي قيمة فإنّ ذلك يمنح قيمة إضافيّة لمن لهم قيمة. كذلك الأشياء الجميلة هي تبدو كذلك بفضل الأشياء القبيحة. إنّنا صادقون رغما عنّا. واعذرني ان بدوت غاضبا فعادة ماأقوم بتوبيخ أيّامي حينما أتذكّرها. آه لوكانت لكلماتي هذه شكلا واحدا لأعفيتك من عناء التفكير بالقراءة لي
 .....................................   ) **



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


* : Edward Honaker
** :  ليست إلا صرخة تحاول أن تملأ ماأبقاه الصمت من فراغ.


ع



الثلاثاء، 4 يوليو 2017

عندما يصدفك الفيلم بأشياء جميلة Cinema Paradiso



الفيلم الايطالي Cinema Paradiso
نظرة بسيطة الى بوستر الفيلم وستدرك بأنّ القصّة تدور حول طفل شغوف بالأفلام السينمائيّة، تستطيع أت تشعر بفرحة قلبه من بريق عينيه. وكان لهذا الصبيّ من جعله يحبّ هذه الأفلام الأمر الذي جعله يعيش وهو غير قادر على الخروج من إطارها، فقد بات يعيش كما لو أنّه في فيلم والأجمل أن الفيلم لم يوضّح ذلك مباشرة على الإطلاق. أمّا النهاية فهي كنهايات أجمل الأفلام. 
لاأدري إن كانت الصدفة جعلت من هذا الفيلم أكثر جمالا بنظري مما هو عليه، لكنّ حتما أجمل الصدف لاتأتي إلا في أماكن تشبهها، وكذلك كانت مشاهدة هذا الفيلم. 

أول صدفة وقد كان خطأ من النسخة الموجودة عندي إذ أن الرقم كان يشير إلى أنّ مدّة الفيلم ٤ساعات! استغربت إذ أنّ أطول فيلم أعرفه ٣ ساعات وهذا الفيلم لم أسمع عنه أنّه كذلك. لكن كفيلم أوروبّي وخاصة ايطالي تصوّر بأنّني لن أجد صعوبة ولن أشعر بالملل بمشاهدته. فالأفلام الأمريكيّة تصبح كئيبة ومملة عندما تقلّ الأحداث والإثارة ولكن بالأفلام الإيطاليّة، حتّى عندما يكون المشهد فارغا من الأحداث فلن يعجز الايطاليّون عن ملئه بأجمل الحوارات والأحاديث، أتصوّر بأنّه لايوجد أفضل منهم لملء الفيلم بسيناريو وحوار مطوّل وشيّق. كيف لا، وايطاليا مشهورة كثيرا بمقاهيها -حقل مثمر بالأحاديث الشيّقة-) والكثير من أصناف القهوة لها أسماؤها الايطاليّة المميّزة (كابتشينو، موكاتشينو، امريكانو) وكذلك التيرامسيو والتي كثيرا ماتوسّطت طاولة بين اثنين. لعلّ الايطاليّون وحدهم من نستطيع تقليد نبرة حديثهم وحواراتهم، بفضل لغتهم المميّزة ولأنّها مألوفة، حتّى في برامجهم الرياضيّة ومهاتراتهم والكثير من برامجهم وإن على صوتها لاتشعر بأنّها مزعجة، لاأتصوّر ايطاليّا لايتحدّث كثيرا، بل إنّه من فرط مايشعر بعجز لسانه على الكلام يحرّك يديه أثناء الحديث!، لك أن تشاهد لاعبوا الكالتشيو وهم يحرّكون أياديهم كثيرا أثناء كلامهم. هم شعب يحبّ الحديث كثيرا وله أسلوبه المميّز، لن تشعر بالملل أبدا عند سماعك تعليقات رئيسهم السابق بيرلسكوني حول كلّ المواضيع. هم كذلك في الكثير من أفلامهم.
على كلّ حال الفيلم تفاجأت بنهاية الفيلم بعد ساعتين! وتمنّيت لو كان الفيلم أطول قليلا. 


بمناسبة الحديث عن المقاهي والثرثرة، أعتقد أنّ من بين أكثر الأشياء التي نستطيع من خلالها فهم طريقة تفكير شعب ما هي بالنظر الى الأماكن التي يتحدّثون عنها كثيرا، هل هي مقاهي يقضون فيها ساعات طوال، أم كافيهات يأخذ المرء قهوته بعد أن ينادوا بإسمه وهو بالكاد يسمعه بسبب السمّاعات التي يضعها على أذنه، ويتناولها واقفا، حيث الحديث حتما سيكون عابرا. أم في مجالس بروتوكوليّة، يسمع فيها المرء حديث كبار السنّ كثيرا وغالبا ماتكون نصائح جيل لجيل آخر. 


ثاني صدفة كانت هذه القصّة القصيرة والمؤثّرة بالفيلم
بالطبع لايمكنني أن أنزع المقطوعة الموسيقيّة التي رافقت المشهد عن بالي كلّما نظرت الى الصورة




















.. أتعرفون ماهو الجميل في في آخر مشهد؟ أن الصندوق الذي وضع الصبي فيها صورة والده كان مليئا بأقصوصات أفلام مجمعها، وقد تكون مليئة "بالقُـبَـل"

الصدفة الثانية كانت في قصّة هذا الأب، الذي مات في روسيا بالحرب العالميّة الثانية -حتما في جبهة ستالينغراد- وأذكر أنّني قد كتبت قبلها بسنوات قصّة قصيرة حول بنت فقدت أباها بنفس الجبهة وكانت تسأل أمّها بنفس الطريقة.
وهذه هي القصّة 

عندما تتفتّح الزهور

عندما قرّر هتلر إعادة اقتحام روسيا من الجنوب وخطّط لحملته لعام ١٩٤٢ لم يستطع إكمال الفراغات التي خلّفتها الخسائر الجسيمة التي لاقتها جيوشه، عندما قذف بها بكلّ جنون في شتاء روسيا ١٩٤١ فاستعان بحلفائه، كانت هنالك وحدات هنغاريّة ورومانيّة وايطاليّة لسدّ الثغرات، كان المساكين عبارة عن وحدات على الخريطة لاتملك أيّ شيء يؤهلها من معدّات، لقد تمّ قذف أضعف الجنود وأتعسهم حظّا في هذه الجبهة الموحشة، إن كان جيش الألمان الذي لايقهر إلا بقيادة مجنون مثل هتلر، فكيف بحال هؤلاء الطليان. العديد منهم ماتوا متجمّدين منسيين. وبالرغم من أنّك عندما تقرأ عن الجنود الايطاليين بالحرب العالميّة الثانية وانكساراتهم المعتادة فيها لاتكفّ الكتب عن الإشارة إلى شجاعتهم واستبسالهم في القتال الذي حدّد مصيره بفضل ميزان القوى من معدّات. 


عودة للفيلم فالفيلم جميل ولم يكن هذا المشهد إلا في البداية. وطوال أحداثه تحسّ بحميميّة القصّة، كان الفيلم بالنسبة لي جميلا لدرجة أنّه ترك فرصة للحديث عن العديد من الأشياء التي وددت الحديث عنها.

وهذا المقطع باليوتيوب، ويبدأ بالدقيقة ٢:١٠
من أجمل المشاهد التي شاهدتها على الإطلاق. إن هذه الدقائق المصوّرة بين هذا الصبي المحبّ للأفلام وبين أمّه يمكن أن تدور حولها العديد من القصص والحكايات. ونظرة الأمّ للطفل وهو منسجم مع تخيّلاته كانت جميلة 






 




مشاهدة ممتعة ،


الجمعة، 12 مايو 2017

أناشيد وطنيّة تذكّرنا بشيء من تاريخ بلدانها

مبدئيّا قد تبدو الأناشيد الوطنيّة مملة واعتياديّة مثل الطابور الصباحي بالمدارس وفقرة ثقيلة كترديد النشيد الوطني للمنتخبات المتنافسة بكرة القدم. لكن الكثير من هذه الأناشيد لها قصص وتعتبر نصوص تاريخيّة أصيلة لبلدانها. أتذكّر مقال تحدّث عن أفضل عشرة أناشيد وطنيّة -ولا أعرف بأي معايير كانت- كان النشيد الهولندي بالمرتبة الأولى. وهو أقدم نشيد وطنيّ معروف. إنّ إلقاء نظرة على كلمات هذا النشيد والذي يذكر "وليام أورانج" يعطيك نبذة مختصرة عن هولندا. ذلك البلد الصغير الذي استطاع انتزاع استقلاله بقوّة من أعظم امبراطوريّة موجودة وقتها، اسبانيا الهابسبورغ بالنصف الثاني من القرن السادس عشر، وعند نموّها اصطدمت بامبراطوريّة عظمى يحكمها أعظم ملك لها فرنسا لويس الرابع عشر، وقد دخلت معها في حروب مرهقة وطويلة وكثيرا ماعانت من منافسة الانجليز بنفس الفترة. لم تكن هولندا ندّا لفرنسا التي كان لملكها أطماع وشهيّة لالتهام الأمجاد ولو بحجم بلد مثل هولندا. لم ينسى الهولنديون مافعله الفرنسيون وعندما اعتلى وليام الثالث الأمير الهولندي عرش انجلترا لم يمت إلا بعد أن قرّت عينه بتحالف أوروبيّ حطّم الأطماع الفرنسيّة وكسرت غرور ملكها الذي اكتفى بنصر رمزيّ كبير وهو وراثة حفيده عرش اسبانيا حيث لازالت نفس الأسرة تحكم، ولكنّ بلده انهت الحرب وقد خسرت الكثير وباتت على اعتاب خسارة كلّ شيء تقريبا. 

في النشيد نبرة الإصرار والتحدّي لملك اسبانيا واعلان لولادة هولندا كبلد مستقل.





بالنسبة لي أعتقد أنّ أجمل نشيد بالنسبة لي هو نشيد بولندا، ذلك البلد الذي التهم كثيرا من قبل ثلاثة امبراطوريّات تآمرت عليه بقسوة، حتّى كاد أن يضيع من الخريطة إلى أن خطّ نابليون حدودا "لدوقيّة فرصوفيا" وهو ماذكره النشيد الوطنيّ وفي النشيد دعوة بعد مجيء نابليون لديبرووسكي أحد نبلاء بولندا للقدوم الى الوطن الأم من أجل القتال لها. الاستهلال كان في غاية الروعة. 

"بولدنا لم تمت بعد .." 



في النشيد حيث يكثر الترديد : march march Dabrowski  لاأجد كلمات عربيّة تصفها، لكن بإمكانك حين قراءتها تخيّل شعور مردّديها.
لبولندا تاريخ مرير ومليء بالحسرة وتستطيع أن تجد الحماس واضحا عندما يردّد البولنديون هذا النشيد في مناسبات مختلفة. 



أمّا النشيد الفرنسي "المارساييز" وهو أشهر نشيد على الإطلاق. كتب هذا النشيد عندما تحالفت ملكيّات أوروبا ضد الجمهوريّة الفرنسيّة، كان الوضع يبعث على اليأس كلّ جيوش أوروبا على الحدود  إلا أنّ الجمهوريّة قد نجت بأعجوبة وبعد إصرارها. عند قراءتك لتاريخ تلك الفترة ستشعر بأنّ الوضع فعلا كان ميؤوسا منه، فكيف بمن عاش تلك الأيّام.



أيضا هنا يكثر ترديد "marchons marchons" ولها نفس وقع مافي النشيد البولندي.


على الرغم من أن النشيد الفرنسي يدعو للنهوض ضد الظلم إلا أنّ هذه الجمهوريّة أذاقت العديد من البلدان ماكانت تدعو لقتاله في نشيدها. قد توجد العديد من القصص التي تستحقّ الاعجاب في العديد من البلدان الأخرى (غير الأوروبيّة) ولكن الكثير من الأحداث طمستها أو همّشتها لعدم ادراكهم لقيمة رموزهم الحقيقيّة.

هنالك أناشيد كثيرة تخبرك عن بلدانها مثل "المانيا فوق الجميع" وغيرها. وللأناشيد رمزيّة يتمسّك الكثير بها، فقد طرد مدرب المنتخب الصربي السابق ميهالوفيتش اللاعب الصربي المسلم آدم لياليتش لعدم ترديده النشيد الصربي وقد نسيت السبب الذي دفع اللاعب الى ذلك وكان قد عبّر عن حبه لبلده رغم ذلك.  

الملاحظ أن أغلب الأناشيد تذكر الرب وتدعوه ليحفظ بلدانها والكثير منها تأتي على ذكر الدماء التي سالت في سبيلها، ويندر أن يولد بلد بلا دماد، كما يندر أو يستحيل أن يلد الإنسان بلا دماء.    


بالمناسبة وهذا هو النشيد الوطنيّ السعودي القديم والذي كتبه الشاعر اللبناني سعيد فيّاض، قبل النشيد الحالي كلمات الشاعر ابراهيم خفاجي.