السبت، 25 نوفمبر 2017

الذي جمع مشاعر الضحيّة والجلاد في فيلم Salo


Sul Ponte Di Perati

هذه هي الأغنية الرثائيّة لإحدى الوحدات الايطاليّة "جوليا" والتي غنّاها الممثل باولو بونشيلي بشكل جميل في فيلم Salo , or 140 Days of Sodom (1970) للمخرج بازوليني. في مشهد اجتمعت فيه مشاعر الضحيّة والجلاد بالفيلم وغنّوا معا! وكأنّ بازوليني أراد أن يكون المشهد الغنائيّ البسيط فاصلا مستقطعا من الفيلم، لإحياء ذكرى خيرة الشباب الذين قضوا بالحرب من نفس الوحدة وغيرها.







يبدو أنّ بازوليني قد أتى بالأغنية لأنّه يحبّها أكثر من كونها تعبّر عن شيء يريد ايصاله بالفيلم. عنايته بالمشهد كانت واضحة من خلال تركيز الكاميرا على هذا الشاب وكلمات الأغنية تقول "خيرة الشباب الذين ذهبوا للحرب، رحلوا معها" ويمكن أن يكون لميول بازوليني أثرا في ذلك. 

على كلّ حال الحسرة على من قضوا بالحرب من الايطاليين تختلف عن الحسرة على غيرهم. لاشكّ وأنّ بازوليني مثل العديد من الايطاليين كانت عندهم مثل تلك الحسرة. 




من أين جاءت تلك الحسرة؟ 
ايطاليا في الحرب:

بالحرب العالميّة الأولى والثانية بالذات، لم يكن للجيش الايطاليّ شيئ يفخر به! اعتاد الطليان على تلقّي الخسائر المُخجلة وكانوا فرصة لإظهار بطولات أعدائهم. بالكاد يمكن إظهار تاريخ الجيش الايطالي بالحرب خارج إطار كوميديّ مرير مع صور لطاووسيّة الدوتشي موسوليني. يبدو وكأنّ لعنة حلّت عليهم، قاوم موسوليني بكلّ قوّته اصرار الألمان على دخول الحرب تلبية لتحالفهم، كان موسوليني يعرف مقدار ضعفه. في الوقت الذي كانت الجيوش الألمانيّة تنزل أشدّ الخسائر إذلالا بالجيش الفرنسي وقبل انهيار البلد دفع موسيليني بجيوشه لغزو جنوب فرنسا ولكن الفرنسيين -الذين كانوا يظهرون استهانتهم بالطليان- لم يبقوا إلا أضعف وأقل الوحدات لصدّهم والتي كانت كافية لصدّ الهجوم الايطالي التعيس! حتّى أسطول ايطاليا الجميل هزم بمعركة "رأس ماتابان" بسبب حظّه العاثر والنتيجة أكثر من 2000 قتيل مقابل ثلاثة قتلى انجليز!. وهزائم أخرى أشدّ مرارة من اليونانين والانجليز في اليونان ومصر وليبيا.

إنّ حسرة الايطاليين بكلّ ذلك لاعلاقة لها بالنتائج التي ترتّبت عليها تلك الهزائم بقدر ما هي حسرة على رجال شجعان قاتلوا بشراسة وبكلّ شجاعة -بشهادة الانجليز- ولكنّهم قضوا بالحرب بكلّ بساطة لأنّهم كانوا في الجيش الأضعف. بدا وكأنّهم كانوا وقودا لعربة دخلت في سباق خاسر. لم يموتوا دفاعا بكلّ يأس عن وطنهم، بل ماتوا في سبيل مشروع جنونيّ. حيث ألحق التاريخ العار بهذا المشروع  وقام بتدوين كلّ تلك الخسائر بالأرقام، وبدت تلك الأرقام وكأنّها تضحك رغما عن شجاعة الذين ماتوا، فكيف السبيل إلى رثاء هؤلاء؟  




وبلغت القصّة أوجها عندما اضطرّ موسوليني للاستجابة لطلبات هتلر وأرسل العديد من الجنود الايطاليين للمشاركة بمعركة "ستالينغراد". حيث لايذكر التاريخ -بالغالب- شيئا عن هؤلاء إلا كوحدات مسحها الجيش الأحمر بكلّ بساطة، وكيف أنّها بدت وكأنّها موجودة فقط على الخريطة. بالواقع لا أحد أنكر شجاعة هؤلاء وبسالتهم ولكن التاريخ اعتاد على ذكرهم بهذه الصورة من أجل سياق القصّة الكبرى لستالينغراد، ولم يكن هؤلاء مع الأسف إلا جزءا بسيطا منها. والسؤال المؤلم: من أجل من ماتوا؟
بالنهاية تمّ احتلال ايطاليا مرّتين: عندما سقطت موسوليني احتلّها الحليف الألماني وعندما دخلها الحلفاء أخيرا. 
 
 




 في الفيلم الايطالي Cinema Paradiso (1988)  وبهذا المقطع من الدقيقة 2:10 وبينما كان الطفل يلعب سأل أمّه عن أباه الذي ذهب إلى روسيا ولم يرجع رغم انتهاء الحرب.  





وفي هذا الفيلم الايطالي Lamerica (1994)  توجد حكاية لواحد من هؤلاء المنسيين ولكن في ألبانيا. 



وعودة للأغنية. بازوليني لم يسهب في الرثاء، والواقع أنّ الإشارة قد تكون أبلغ من الكلام بفضل توقيتها. 

وأخيرا 






أداء جميل للأغنية

الثلاثاء، 31 أكتوبر 2017

في محاولة لكتابة نفسي لاشكّ وأنّها محاولة لكتابة شخص آخر لا تعرفه





ممنوع من الحديث عن نفسي

 لكن أحدّثك 

في محاولة لكتابة نفسي، لاشكّ وأنّها محاولة لكتابة شخص آخر لا تعرفه

لو سألتني عن حياتي هي مثل يوم ولادتي  لم تكن بإرادتي. كلّ الأشياء التي اخترتها لاتبدو كذلك مع الأيّام. رغم هدوئي مالذي يجعلني أشعر برغبة عارمة بدفع هذا العالم وإلقاء أخطائي عليه ومن ثمّ أطلق رصاصة الصرخة في وجيههم. مرغم على الصمت، ليقيني أنّ أكثر مايجعلني حزينا هو شيء تافه في نظرهم، كيف أقنعوني بأنها كذلك في نظرهم دون أن أحكي شيئا. 

لاشيء أبسط من أغلى الأشياء التي أتذكّرها.

 وحده النظر بعيدا هو أكثر مايبعدني، وأكثر الأشياء التي لاأستطيع قولها هي أكثر ما أودّ قوله في حياتي.

ليست الكلمات إلا أيادي تحفر في سبيل كلمة في قلبي. كلمة قد لا أعثر عليها يوما، إلا أنّي أترك الأيادي تحدّث الناس عنها. ولازلت أحفر حتّى تآكلت أصابعي لاشيء لامس الكلمة التي في قلبي أكثر من قطرة دم سالت وجفّت قبل أن تصل في التربة.

تعوّدت أن لا أشير إلى من أريد. تعلّمت أن ما أريده ليس لي وكأنّ أحدهم نسي أن يضع كلمة "كلّ ما أريده" في ذهني. 

الأماني ليست إلا أشياء لاتتحقّق، مثل الزمن لايعود. مثل أشخاص تخيّلتهم لو أنّ الزمن .. لو أنّ المكان ..  لو أنّ الأسماء .. ولو أنّي .. لكانوا ولكن ما أكثر "لو" في حياتي.       

 أصدق مانقول هو مانقوله همسا، لك أن تتخيّل مقدار صدق مالم نقله بعد و كيف لي أن أقول أمنية في قاع روح حيث لاتستطيع الكلمات أن تراها.

 حتّى يجيء من يجعلني قادرا على قولها. 

أعذرني عزيزي وإن كان لدي ما أقوله لازلت ممنوعا من الحديث عن نفسي، ولو كان الحديث يمحى مثل الكتابة، لسرّني فعلها مرارا وتكرارا حتّى أشوّه بياض صمتي الذي يرهقني 

الأحد، 15 أكتوبر 2017

متى بدأ الإنسان يشعر بالوحدة؟








هل الإنسان قديما كان يشعر بالوحدة أو العزلة وهو بين الناس أمّ أنّها حالة من صنع العصر الحديث؟ 
حاليّا يمكنك أن ترى حالات الوحدة التي يعاني منها أصحابها بمواقع التواصل الاجتماعي. وبما أنّ السبيل الوحيد للوصول إلى مشاعر الأقدمين هي من خلال أشعارهم وآدابهم التي كتبوها. ففي الشعر الجاهليّ مثلا لانجد الكثير من ذلك، رغم وجود آلام ومشاعر مألوفة لدينا، مثل ألم الفراق والغربة. بل إن الوحدة والعزلة ارتبطت أحيانا بعزّة النفس والفخر بها أو بالتنسّك والتعبّد وعند الصعاليك مثل الشنفرى وغيره كانت مناسبة للفخر 

وانّي كفاني فَقد من ليس جازيا
بحسنى ولافي قربه متعلّل
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيّع
وأبيض إصليت وصفراء عيطل

هل يمكننا القول بأنّ الإنسان قديما لم يملك وقتا كافيا للفراغ ليشعر بالوحدة؟ بسبب سبل العيش والتي تأكل أوقاته وتحثّه على الاحتكاك بالناس. الى القرن التاسع عشر كانت ظروف العمل وساعاتها الطوال ومع ماتسبّبه من أضرار على الصعيد الجسدي والنفسي إلا أنّها على مايبدو كانت تبعدهم عن ذلك الشعور الأشبه بالعزلة المختارة، أو باختيار مفروض. كثيرا ماتزخر القصص والأفلام التي تحكي عن الرجال الذين يعودون من يوم عمل شاق وكيف أنّهم يفرغون كلّ ذلك بساعات قليلة من اللهو والشراب مع قليل من التذمّر وذلك يتمّ بأماكن عامة حيث يجتمع الكثير منهم، مايجعل التذمّر وقصص الشكاوي تأخذ طابعا مرحا. يمكننا أن نرصد طريقة الإنسان في الوقاية من الكآبة وغيرها من خلال النظر إلى طريقة مرحه. 


للأحيمر السعدي هذا البيت يصف الشعور بالوحشة وحيدا :

عوى الذئب فاستأنست بالذئب اذا عوى
وصـــــوّت انـســان فــكــدت أطـيــر


لاتختلف الأفكاره على مرّ العصور فحسب بل المشاعره كذلك. ومثلما الإنسان يدشّن باكتشافاته وانجازاته عصورا جديدة كذلك مشاكله التي تبرز تدشّن عصرها معه. بالنسبة للمشاكل النفسيّة ومايرتبط بالشعور، يشبه مايعانيه الإنسان منها بما يعانيه من أمراض. فكما أنّ الطاعون كان مرض القرون الوسطى وكذلك الكوليرا والجدري كانت أمراض القرن التاسع عشر وعندما انتهت بالقرن العشرين تقريبا بدأ عصر السرطان. ومع كلّ كانت هنالك مشاكل الإنسان النفسيّة، وعلى نفس الرتم، مشاكل نفسيّة كانت تندثر وأخرى تظهر، ويبدو أنّ زخم هذه المشاكل أصبح بارزا بعد أن حقّق الانسان تقدّما ملحوظا بمكافحته الأمراض العضويّة الفتّاكة. في عصر بات يحدّثنا العلماء عن الحبّ والكره والكآبة والحزن والميول الجنسيّ وفق دراسات وأبحاث مجهريّة، باتت هذه الأشياء المعنويّة أو المكنونة في داخل الإنسان عضويّة! ولعلّ ذلك سيجعلنا نحصر رؤيتنا لمشاكلنا في إطار مجهر العلماء والباحثين. بات تقدّم الإنسان محصورا بنجاحه في جعل أيّ مشكلة لها أساس عضويّ. 

الى أن يستطيع الانسان فعل ذلك تناولت مشاكلنا النفسيّة الأعمال الأدبيّة والأعمال السينمائّية بطريقة مختلفة وجذّابة، خارج الإطار العلميّ المحصور وكأنّ الإنسان بخياله قادر على رؤية حقائق لاتراها الأعين المجهريّة. 






بالفيلم الفرنسيّ The Fire Within 1963 تناول قصّة ألان ومعاناته النفسيّة التي أفرغت شيئا ما من داخله حتى شعر بفقدان معناه بالحياة يتحدّث الفيلم عن باريس الساحرة والتي كانت تغرق محبّيها بحكاياتها الرومنسيّة  ولذّة العيش بها. عندما يشعر الإنسان أنّه يكرّس حياته لذلك سيفقد لذّة تلك الأشياء - إمّا لإدراكه بأنّ العمر محدود أو أنّ روحه باتت تجد تلك المتعة مملة- وكم هي مرعبة فكرة أنّك لم تعد قادرا على الاستمتاع في مدينة هي رمز لمتعة الحياة، كما قال ألان: أنه لا يستطيع أن يلمس شيئا. باتت الأشياء لاتعترف بوجوده. هذا الشعور أو قبل الوصول لتلك الحالة نجدها بروايات اونوريه بلزاك التي تحكي عن مجتمعات باريس اللاهية.








  ومن أشياء تشعرك بفراغ روحك إلى الملايين من الناس التي تشعرك بذلك! في فيلم Taxi Driver 1976 كانت شخصيّة البطل التي قام بها روبرتو دي نيرو تعيش وحيدة في مدينة يسكنها الملايين، روتينه اليوميّ يفقده الشعور بوجود من حوله، حتّى بات يبحث عن شيء يمنحه معنى أو وجود ملموس. أشياء أو حماقات لا نألفها بالروايات القديمة ولا بالقصص القديمة، أعراض يبدو أنّنا نفهمها لأنّنا أبناء هذا العصر. إن مشهد دي نيرو وهو يشاهد التلفاز ومعه مسدّسه كان تعبيرا صادقا لسلوك قلّما يظهر أو يتحدّث عنه الناس عندما يفعلون شيئا مثل ذلك إمّا لأنّهم يخجلون من ذكر ذلك أو لأنّ ذلك شأنا يعني وحدتهم. 


الأفلام التي تحدّثت عن الوحدة والفراغ الروحي وسط جمع من الناس كثيرة، حيث يبحث الشخص عن وجوده أو يهرب من ذلك الشعور بالوحدة بينهم عبر الانعزال والبقاء وحيدا. نقول "الوحدة" ونعني بها أشياء كثيرة لانملك إسما لها إلا "الوحدة" وليست مثل أيّ مرض عضوي يمكننا معرفته عبر فحصه ورؤية الميكروب المسؤول عنه. 


  اخترقت الوحدة حاجز الجماعة فباتت تشعر الشخص بها وهو بينهم. بات الشعور بها منبعا للكثير التصرّفات وهو ما جعل منّا أناسا مختلفون عن ماكانوا عليه من قبلنا.






 لعلّ من أوائل الذين تحدّثوا عن ذلك فرانز كافكا في روايته (المسخ) لحظة استيقاظ جريجوري سامسا التي لاتُنسى. الجميل أنّه تناول ذلك بشكل غريب يرسخ بالأذهان وهو تحوّل الإنسان، كأنّه أدرك تحوّله من الداخل ولكنّه بالرواية أخذ شكلا خارجيّا وكأنّه شاهد رسومات أوديلون ريدون.  ألهذا أعجب الناس حاليّا بكافكا؟ يقول المخرج لويس بونويل عن فيلم 1971 A Clockwork Orange  "هو المفضّل حاليّا بالنسبة لي، كنت متهيّأ جدّا ضد هذا الفيلم. بعد مشاهدته أدركت أنّه الفيلم الوحيد حول المعنى الحقيقي للعالم الحديث" حيث يحاول هذا العالم بالفيلم صناعة سلوك الإنسان وتصرّفاته وإن بدا ذلك غريبا ولكن هذا مايحدث بالفعل. بالسابق كانت الظروف والأحداث التاريخيّة والتي فعلها الإنسان هي من تصنع تصرّفات الإنسان وسلوكيّاته ولكن حاليّا باتت أشياء وليست أفعالا صنعها الإنسان وبناها هي من تتحكّم في تصرّفاته. لننظر إلى "كاروشي" وهي حالة مميتة أحيانا تحدث باليابان تصيب الشخص بسبب الإفراط بالعمل. أهذا ما صنعه إنسان العصر الحديث؟




------------------

اللوحة الأولى لرينيه ماغريت 1937م Not To Be Reproduced
اللوحة الثانية لأوديلون ريدون 1883م The Crying Spider

الجمعة، 18 أغسطس 2017

فيلم Arrival ومسألة الآخر



الفيلم الأمريكي arrival والذي اختصر عنوانه كلّ شيء، فهو يتحدّث عن الوافدون الذين لانعلم عنهم شيئا حتّى أنّنا لم نسمّهم إلا بأوّل صفة عرّفتنا عليهم. إضافة إلى الشكل الغريب -الموجود بالبوستر-  غرابته توحي لنا بأنه شيء لابدّ من الحذر منه. الفيلم يدور حول قضيّة تناستها أو تجاهلتها أغلب الأفلام التي تحدّثت عن المخلوقات الفضائية والتي كانت شرّيرة غالبا. إذ أنّ أوّل شيء يدور في أذهانهم كيف نقاتلهم؟ أمّا فيلم Arrival فقد دار الموضوع أغلبه حول السؤال الأوّلي: كيف نتواصل معهم؟ مسألة قد نحتاج لعدة أفلام لخلق تصوّر وافي عنها في حين أنّها أختزلت في أفلام عديدة مثل فيلم Independence Day -1996 أختصر التواصل في مشهد واحد حيث قام الوافد بطريقته بالحديث مع البشر بلسان أحد الضحايا وعندما سئل: ماذا تريدون؟ أجاب: بـ Die ! حسنا ومن بعدها يبدأ القتال، وكذلك هي أفلام الفضاء. قبل التساؤل مع الفيلم، كيف يمكن أن نتفاهم مع هؤلاء المخلوقات وهل يتحدّثون مثلنا؟ وكيف لنا نحن البشر الذين لم نتحدّث يوما مع الحيوانات شركاؤنا بالكوكب أن نتحدّث عن مخلوقات من كوكب آخر؟. يبدو أنّنا ندرك بعقلنا الباطن أنّ اللغة هي أهم صفة لمخلوق يمكنه صنع تلك السفن الفضائية. في هذه الفترة موضوع اللغات والتواصل يمتاز بالجاذبيّة، ذكرت بطلة الفيلم قصّة رويت عن جيمس كوك عندما أتى الى استراليا وشاهدوا الكنغر وهي تقفز وابنها في جيب بطنها سأل السكّان الأصليين ماهذه؟ فقالوا: كنغر، وصار اسمها الكنغر في حين أنّ كنغر باللغة الأصلية تعني: "لا أفهمك"! هذه القصّة تبيّن صعوبة الأمر ورغم أنّها استدركت وقالت بأنّ القصّة غير حقيقيّة -وهذه القصّة تكرّرت على كلّ حال في الكتب التي تحدّثت عن هنود المكسيك عندما سألهم الاسبان عن اسم هذه الأرض فقالوا لهم: "يوكاتان" فأسموا الاسبان هذه المنطقة من المكسيك "يوكاتان" أي لاأفهمك!- لكن الاستدراك الأبلغ هو ما أجاب به أحدهم: " ونعرف ماذا حدث للسكّان الأصليين". فعلا ونحن نعرف ماذا حدث للسكّان الأصليين في الأمريكيتين. هل يعقل أن تفعل تلك المخلوقات مافعلناه بنا؟ إذا كان الأمر كذلك لعلّ احدى الطرق الجيّدة لمعرفة ماسيقوم به هؤلاء هو بقراءة الكتب التي تحدّثت عن فتح أمريكا مثل كتاب تزفيتان تودوروف "فتح أمريكا: مسألة الآخر" حيث روى الكثير مما قام به المكتشفون أو الـ Arriaval في أمريكا! حيث شحن كولومبس احدى السفن بالعديد من المخلوقات الغريبة، مثل الببغاوات وغيرها ودوّن كلّ شيء حتّى أنّه ذكر "دزّينة من الهنود" يبدو أنّنا لانستطيع الخروج من أنفسنا عندما نحاول وصف الآخرين. فنحن لم نكسر بعد قشرة البيضة التي نعيش في داخلها حتّى نصف من يأتون خارج القشرة (سكان فضاء). إنّنا نخاف من الغرباء عموما ونجده شيئا مخيفا حتّى أنّ أحد القصص روت أنّ آخر رسالة أرسلها أحد ضحايا مثلّث برمودا كانت "ماهذا..  شيء غريب" هذه القصّة قد لاتختلف كثيرا عن قصّة الكنغر ويوكاتان ولكنّنا بهذه الطريقة نتعرّف على الأمور. في هذا الفيلم ألمح الى أنّ هؤلاء الآخرين كانوا في الحقيقة نحن! ومثل ذلك ولكن بشكل أوضح ذكر في فيلم Interstellar - 2014 حيث كان الآخرين نحن في زمن آخر وذلك  بالإضافة للشكل الغريب بالبوستر يعيد للأذهان الفيلم المشهور لكوبريك 2001: A Sace Odyssey عام 1968م حيث كانت تلك الأشكال الغريبة أحد أبرز معالم الفيلم بالإضافة الى محاولة الإجابة على سؤال: من نحن؟ فنحن عندما نحاول أن نصف الأشياء الغريبة نقوم بوصف أنفسنا أحيانا دون أن نعلم وكأنّ كلّ شيء موجود ليس إلا مرآة لتصورنا.

السبت، 12 أغسطس 2017

بورتريه لسيرة ذاتيّة


*


( الإسم: لايهم

جميع السير صنائع أصحابها إنّهم يعرفون بأنّ هناك من سيقرأ لهم. الإنسان صادق بشكل لايصدّق، فهو يصنّف كتب السير الذاتيّة أحيانا من ضمن الأعمال الأدبيّة لعلّ ما سأكتبه هي أوّل سيرة ذاتيّة، سأكون صادقا بقدر ما أتوقّع عدم قراءتها

بالبداية الإسم: قلنا لايهم

ثانيا الصورة الشخصيّة: 
إنّها غير صادقة أبدا فأنا بالكاد تحمّلت وظعيّة وجهي التي قام بضبطها عامل الأستديو على طاولة الفراغ، تماما مثلما تضبط المزهريّة على طاولة منزل لن يعلم أحد عن حقيقة وجودها إلا حينما تُكسر.

بإمكانك أن تختصر سيرتك الذاتيّة بوضع قائمة مرتّبة بالأغاني والأفلام والصور التي أعجبتك. على الأقل أنت لن تحاصر القارئ - الذي أفترض أنّه ليس موجودا- حتّى يرغم على الأخذ بحدود حروفك، ففي الأشياء التي تحبّها متّسع لفهمك أكثر. لهذه الأشياء عين ثاقبة: إسأل الشخص:
عن أوّل أغنية أحبّها؟
عن أوّل شيء ندم على عدم فعله لا على فعله؟
عن أوّل شيء .. أيّا يكن
 إن لم يجبك فاعلم أنّه لم يشعر بالوحدة بما يكفي للإجابة على هذه الأسئلة
حسنا وإن سألت، فكلّ هذه الأسئلة أستطيع الإجابة عليها وكم يؤسفني قول ذلك..


وماذا بعد؟
إنّني عبارة عن: ما أفكّر به
حسنا ولأكون صادقا لن أكتب ماينبغي قوله بل ما لاينبغي قوله. لو قدّر للأيّام أن تكتبنا لوجدناها تقول الكثير من الأشياء التي لاينبغي قولها والقليل مما ينبغي قوله. لن أرتّب كلامي لأنّنا لانكون مرتّبين إلا في المناسبات التي نتملّق فيها الآخرين ونلبس تلك الابتسامة على وجوهنا. من أين أبدأ؟  من المنتديات النتّيّة التي هجرت، كنت أحبّ اصطياد الأسماء الوهميّة. كان الأمر ممتعا أن أتتبّع أقنعة الاخرين، لم أحب الأقنعة التي تقوم بالردّ على نفسها بالجهة المقابلة  باليوزر. كانت تلك الأقنعة رديئة بالعادة بخلاف الأقنعة التي لاتردّ على أنفسها، وتكون صادقة إلى درجة يصعب الإمساك بها. كنت أخلط بين التعامل مع البشر والتعامل مع أقوالهم إنّهم يكرهون الأغنياء ولكنّهم  يحبّون أن يصبحوا أغنياء. يتصرّفون وفق طبيعتهم ويقولون أشياء تتحدّى طبيعتهم وأكبر عيب فيني أنّني حاولت أن أتصرّف وفق مايقال غالبا لا وفق طبيعتي. كان الأمر أشبه بمحاولة وجه من قطعة نقديّة أن تنقلب للجهة الأخرى. إنّهم يقولون بأنّ الكذب هو أسوأ مافي الإنسان، والواقع أنه بسبب ذلك يطول الكلام ويكثر الناس من الحديث أملا في محاولة اختراع تلك الكذبة الصادقة والذي يتحمّل الكثير عبء البوح بها غالبا. لذلك قد يكذب الإنسان لأنّه قد يكون أصدق من أن يطيل الكلام ويكون الكذب أعذب من الصدق عندما ينتهي باعتراف، وكأنه قال الصدق مرّتين. أنا لم أكذب إلى حدّ الآن ولكنّي أطيل الكلام من غير أن أبوح بكلّ شيء. للأسف لم يعد الناس بدوا يقولون كلّ شيء دون مبالاة، حيث تعلّموا من الصحراء أن كلّ شيء ستذروه الرياح وتدفنه رمال الأيّام، فكانوا يقولون كلّ شيء وأيّ شيء حتّي، ولكنّهم لم يعودوا بدوا. أتعلمون كانت هنالك أسطورة تقول بأنّ في إفريقيا مقبرة للفيلة! وأنّ الفيلة قبل موتها كانت تودّع أصحابها وتذهب الى هناك لكن في الحقيقة أنّ كلّ ذلك لم يكن إلا وهما لذيذا من أجل حكاياتنا فالفيلة مع تقدّم السنّ تفقد قوة أسنانها فتبدأ بالاقتراب نحو الأماكن التي تحوي على نباتات ليّنة وتقترب أكثر حتّى يلتقي ذلك الجمع من الفيلة في مقبرتهم. أفهمتم فكرتي؟ كذلك أهل القرى! والذين كانوا بدوا ولكنّهم ابتعدوا عن الحياة شيئا فشيئا واقتربوا أكثر وأكثر نحو المقبرة والتي تسمّى القرية. هناك حيث يموت الإنسان ويبدأ بالسكوت أكثر، فيكون متحفّظا حتّى بمعرّفاته الوهميّة. ولو أنّه حينها يكون صادقا أكثر لأنّه لايتحدّث كثيرا. على كلّ حال هذا العصر قد بنا قريته وأصبحنا من سكّانها. أريد أن أستيقظ ولا أعتقد أنّ ذلك سيحدث ضجّة في هذا العالم الذي لايريد ايقاظي. تذكّرت جريجوري سامسا وكيف أنّه أحدث ضجّة كبيرة في هذا العالم، الكثير من البشر يحتقرون الحشرات ولكنّم رؤوا في أنفسهم جريجوري سامسا الذي استيقظ فجأة كحشرة عملاقة! اللعين كافكا لقد حوّل العديد من البشر إلى حشرات! أبهذه الطريقة يرانا العالم، أمّ أنّنا نحسبه لأنّنا نرى الأشياء الصغيرة كذلك. 
قبل أن أنهي حديثي أريدك أن تعلم جيّدا بأنّنا نقول مالانودّ قوله لتعلم مانودّ قوله، إنّنا نقوم برسم مانودّ قوله بالكلمات التي لانريد قولها، ألا ترى أنّ النور ترسمه الظلمة؟ فانظر في ظلال الكلمات ما أودّ قوله. لست يائسا فحتّى لو لم يكن لوجودي قيمة فإنّ ذلك يمنح قيمة إضافيّة لمن لهم قيمة. كذلك الأشياء الجميلة هي تبدو كذلك بفضل الأشياء القبيحة. إنّنا صادقون رغما عنّا. واعذرني ان بدوت غاضبا فعادة ماأقوم بتوبيخ أيّامي حينما أتذكّرها. آه لوكانت لكلماتي هذه شكلا واحدا لأعفيتك من عناء التفكير بالقراءة لي
 .....................................   ) **



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


* : Edward Honaker
** :  ليست إلا صرخة تحاول أن تملأ ماأبقاه الصمت من فراغ.


ع