السبت، 29 نوفمبر 2025

العنوان كجزء من العمل نفسه

هل تعرف اسم معلقة امرؤ القيس؟ نسميها عرفا "قفا نبكِ". لماذا لا يسمّي الشعراء قصائدهم كما يفعل الروائيين؟ غالبا ما تأخذ القصائد أسماءها من اجماع الناس على مطلعها  أو مقطع وعبارة تمثّل ماريّة بارزة مثل "صبا نجد" لابن الدمينة، وأحيانا وصف يمثّلها مثل "لاميّة العرب" و "اليتيمة". القصائد بذلك تشبه الحكايات الشعبيّة (الفلكلوريّة)، عناوينها مختارة بتلقائية المتلقين بخلاف الروايات التي يمثّل العنوان السطر الأوّل منها، وإن وجدنا العديد من القصائد التي سمّاها أصحابها، وندرك أن العنوان حينها قد يمثل توقيعا للمؤلف  أو الشطر الأوّل و الأخير من الأبيات. هل تفقد القصائد بذلك تلقائيتها وتصبح نظما وغاية مثل "نهج البردة" للبوصيري وندرك إذا الفرق بينها وبين قصيدة "البردة" ؟ لا أميل لذلك ، وإن أخذت القصيدة بذلك منحى مختلفا عن التلقائية المعهودة بالأشعار، شيء ما يختلف بينهما مثل الاختلاف بين قصة قصيرة معنونة لكافكا مثلا، وحكاية شعبيّة نتداولها بعنوانها  المُجمع عليه.   

ما الذي يعنيه أن تعطي عملك الفنيّ اسما وما الذي يعنيه أن يترك العمل بلا اسم ليتلقّف الناس له اسما يمثّله؟ التأويل فضاء لا نهائيّ، لكن يُستدلّ فيه، كما نستدلّ طريقنا من النجوم في الفضاء الـ لانهائي، لكن وجود اسم وعنوان يعني أن أحدهم يشير بإصبعه الى نجمة محدّدة. 

القصائد غالبا عناوينها تلقائيّة سواء من المؤلف أو المتلقّي مثل الحكايات، بخلاف الروايات والقصص الأدبيّة. وفي عالم الرسم نجد هذا الاختلاف، لوحات نعرف أسماءها لأنها تصف مشهدا بعينه، وهي بذلك أسهل عنونة من القصائد، وأخرى اختار لها الرسامين عنوانا مميّزا، يمثّل توقيعا بارزا، وجزء أصيل من العمل نفسه، أكثر أصالة من أجزاءها الماديّة،  بقايا الخربشات والتشققات وشعر الفرشاة. والإطار. 


"ولازالوا يقولون السمك غالي الثمن!" 


لوحة الرسام خواكين سورولا، رسمها عام 1894م. يمكن للوحة أن تحدّثا عن نفسها ببساطة، فلوحة جيريكولد الشهيرة "طوف الميدوزا" تصوّر طوف الناجين من الموت والغرق بوضوح والعنوان أوضح أن اسمها الميدوزا لا أكثر، لكن بعنوانها تحدثنا لوحة سورولا بشيء لا نراه في اللوحة نفسها. ومثل ذلك نجد لوحات يبدع فنانيها عناوين جذّابة، مثل  "الحرية تقود الشعب" لديلاكروا، أو تزيد المشهد عمقا مثل "الوقت"  لفرانشيسكو جويا، وأخرى تستعير مفردة شاعريّة مثل "Saudade" للبرازيلي ألميدا جونيور، وهي مفردة برتغاليّة شهيرة لا مرادف لها باللغات الأخرى كأن اللوحة تحاول فعل ذلك بنفسها، المفردة تعني الشوق والحنين بلذة دافئة وألم لأحد نفتقده، وقد يأتي عنوان بعبارة تمثّل سياقا دقيقا للمشهد، مثل لوحة الفنان وليام ييمس "ومتى رأيت والدك آخر مرة؟" تصوّر صبيّا نبيلا يحقّق معه ضبّاط من الجيش البرلماني ابّان الحرب الأهلية البريطانية، اللوحة بالفعل تشبه مشهدا مسرحيّا وكلّ ما فيها من أشخاص وأوضاع تدور في فلك العنوان نفسه. وقد يطغى العنوان على المشهد مثل لوحة "هذا ليس غليونا" لرينيه ماجريت، فرغم العنوان إلا أن اللوحة تصوّر غليونا بالفعل. 


"الوقت" فرانشيسكو جويا، 1810م



السبت، 18 أكتوبر 2025

إيفانجيليون ونهاية أعمال الميكا


 هل يمكن اعتبار نيون جينيسيس ايفانجيليون (1995)  مسك الختام لسلسلة أعمال الميكا؟



في الذاكرة: مازنجر (1972)، جونكر (1972)، جرندايزر (1975)، البطل خماسي (1976) وغيرهم الكثير، أعمال ميكا كلاسيكية حازت مكانة كبرى  لكن سرعان ما وصلت تلك إلى مرحلة التشبّع وتكرار الأفكار.

رواج هذه الأعمال تزامن مع موجة البحث العلمي المبكر عن الكائنات الفضائية، و القلق من احتمال وقوع غزو خارجي أو نهاية كارثية للعالم، خصوصًا في ظل الحرب الباردة والتجارب النوويّة.



 نيون جينيسيس ايفانجيليون أو " انجيل عصر جديد"

الى حدّ ما، يمكن اعتبار العمل ذروة الميكا في إضافة الأفكار ؛ أكثر من كل ما أضافته الأعمال السابقة. يحظى العمل بتقدير واسع حتى من الذين لا يتابعون الميكا بشغف، وله حظور ملفت بالدراسات والمقالات الجديّة.

ما الذي نجده فيه ولا نجده في غيره؟ مع أن العمل لم يكن محبّبا على غرار سلسلة الأعمال الكلاسيكية ولم يكن شينجي (بطل القصة) مقرّبا الى قلوب المشاهدين، و على ما شاب نهايته بالفيلم من غموض وتداخل مبالغ فيه، للعمل أوجه تميّزه عن غيره. 



بدايات مربكة

لعل أول ما يطرأ على ذاكرة من شاهد العمل، الجمود والكآبة التي تسكنه؛ شعور يبدأ في أولى الحلقات. مشاهد مطوّلة وجامدة، أحيانا يكسرها حدث عابر وذو دلالة مفاجئة. شينجي (بطل العمل) يظهر بلا تمهيد، وقيادته للآلي تتم بلا تحضيرٍ كافٍ. لقاء عابِر مع والده يُثير أسئلة لا إجابات. ظهور “الملائكة” مفاجئ ومقلق. قلق الشخصيات وضجرهم ينساب إليك  فتحسّ بأن ثمة معارك نفسية تنبعث من الداخل ومن ماضي لم يروى وأحمال تثقل أذهانهم. بخلاف الأعمال السابقة، كان القلق ينصبّ من الغزو الخارجي وتهديده. 


عن الرسم 

أحيانا لا توحي صرامة خطوط الرسم بإمكانية حدوث أي حركة تكسر المشهد. التفاصيل المسلية قليلة، ومساحات الفراغ شاسعة، بعض الزوايا والمشاهد الخالية توحي بالإهمال والترك، كأن الجمود مقصود لإبراز خواء العالم. ومع ذلك الرسم ليس مبسطا؛ فالتلاعب بالزوايا والألوان الصارخة يبرز عناصر معينة، تضيف شعورًا قويًا يتناقض مع جمود الرسم. 



 بروز اللون والشكل


ألوان باهتة وضبابية تخلو من الحياة تعكس المشهد



المونتاج واللقطات

اللقطات المطوّلة في العمل تخلق شعورًا بالترقّب والملل، مشابهة لما نراه في الأفلام السينمائيّة. مصمم هذه اللقطات يدرك أن المشاعر التي تنتاب المشاهد تحتاج إلى وقت لتتكوّن، فتوقيت قطع المشهد وطريقة الانتقال تلعب دورًا مهمًا في بناء المعنى. مونتاج هذا العمل يتميز بشيء من الشاعريّة بحثا عن معنى.


الأسماء

 "الملائكة"، اسم يطلق على المخلوقات الغازية! ما يعكس تساؤلا إن كان البشر هم الطرف الشرير بالفعل. وبقدر غموض الاسم يأتي غموض المكان الذي أتوا منه. عنوان العمل "انجيل عصر جديد" يكتسب عمق دلالته من شخصيّة اسمها "آدم"، تتمحور حوله أجزاء مهمة من القصة. "حقل الإرهاب المطلق" وهي طاقة دفاعية وهجوميّة يطلقها الغزاة.  لا يبدو بأن الأسماء اختلقت لجذب الانتباه فحسب؛ بل لتوصيل دلالات دقيقة.


غموض وحذر 

بأعمال الميكا السابقة الغزاة يشبهون بعضهم، وحوش آليّة لها هيئة شبه بشريّة. بهذا العمل يمكن اطلاق عبارة "الشيء" على الغزاة؛ إذ يفتقرون إلى هيكل بشري ثابت أو إطار محدد. ويتطور شكلهم في كل مرة، ليقترب أكثر من هدفه. هذا التطور السريع يثير قلق الشخصيات، وينقل شعورًا مماثلًا إلى المتلقي. على عكس الأعمال القديمة، حيث كان اقتراب العدو متكررًا وروتينيًا، هنا يظهر العدو وكأنه يكسر الحواجز والمسافات، مما يزيد من التوتر والإحساس بالخطر.

ويمكنك الشعور بالقلق الذي انتاب العالم من وجود مدينة مخبّأة أسفل المدينة! في المدينة مطلّ بزاوية الغروب يشبه كثيرا مشاهد الانمي القديمة لشخصين يتأملان الغروب بسكينة بحثا عن السلام. بعض المنشآت يظهر عليها الحذر؛ أنشأت تحسبا لشيء ما. الكثير من الشخصيات عباراتها توحي بالملل من الهرب المستمر من تهديد مقلق لا يصل حدّ الفزع، مما يجعل التبلّد يسيطر على تعابيرهم، بما في ذلك العالم المسؤول عن مواجهة الغزاة (والد شينجي)، الذي بالكاد يظهر عليه القلق بشكل يكسر جموده.

الأسرار في القصة مصممة بعناية؛ فهي تخلق فراغًا يخلق انبعاجا على سلوك الشخصيات وتصرفاتهم.



طوكيو وقت الغروب



بين الواقعيّة والخيال

من يذكر التجارب العلميّة بأعمال الميكا؟ مثل تجربة التحام الأسلحة الطائرة بجرندايزر واليويو الكهرومغناطيسي في البطل خماسي. في ايفنجيليون التجارب أكثر تعقيدا وعلمية. ومعدّلات النجاح ضئيلة للغاية، بما يتماشى مع القلق والغموض المحيط بالأحداث. 

مصطلح الحاسوب الحيوي يتألّق كإضافة فريدة؛ فالمفاجأة في الدمج بين البيولوجيا والتكنولوجيا تقترن بازدواجية تُلقي بظلال مثيرة وريبة على طبيعة الكائنات والآليين وأجهزة الحاسوب. 

وعلى صعيد الواقعيّة، نرى القيود التي تحدّ من استخدامات الآليين وما تمثله من تحديات مقلقة؛ حاجة الآليين لكابلات الطاقة ولا يقاتلون دونها الا  لدقائق معدودة، مثل الرجل الحديدي لا يستطيع القتال إلا فترة محدودة. ولا يطيرون بصورة مطلقة مثل الميكا الكلاسكية. أو أسلحة لا محدودة من أشعات الليزر. الآليون في أعمال الكلاسيكية من ابداع الخيال، وفي هذا العمل أقرب للخيال العلميّ.



لا يحمل الآليون الذين يتصدون للغزاة هيئة محببة


 الخير والأمل

كانت أعمال الميكا الكلاسيكية تتغنى بأعمال الخير البطوليّة وتحثّ على الأمل. نهاية الحلقات مريحة -كأنها تنهيدة-،  وقاعدة الآليين المدافعين عن الأرض تمثّل الخير المطلق بمواجهة الشرّ، كتبت لنحبّ أبطالها المخلصين، وأقوالهم التي تحثّ على فعل الخير بعيدا عن النقاش في قضايا الأخلاق (الإيتيقا). لكن الخير في ايفانجيليون لا يخلو من الريبة، من مسمّى "الملائكة" للغزاة الى  ما يحيط بالقاعدة (نيرف) من غموض يكتنف مشاريعها و أهدافها السريّة. والعمل يحوي كمّا من النقاشات في قضايا الخير والشر. 




بخلاف أبطال الميكا، كان شينجي مكتئبا في أغلب حالاته وأشهر صوره بالعمل 


بالختام: هل من عمل بعده؟

بقدر ما فتح العمل أبعادا وتفاصيلا بهذا المجال مثلا، الآلات الحيويّة، الغزاة وطبيعتهم المبهمة، الأبعاد النفسيّة للأحداث وأثرها على الشخصيّات، إلا أنه أغلق الباب كما يبدو على من بعده! هل نال العمل صفته الختاميّة لتوقيت صدوره أو لما قدّمه من أفكار؟ أم هل تجاوزت اهتمامات المشاهدين عالم الميكا وغزاة الفضاء؟ يبدو أن ايفانجيليون والزمن تقاطعا معا، ليكتبا نهاية حقبة لا تنسى من أعمال الميكا البطوليّة.





الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

القصة الحقيقية وراء كل كتاب بحثت عنه

أخيرا امسكت به،  "العرب على حدود بيزنطة وايران" للروسية نينافيكتورفنا بيغوليفسكيا. لطالما رأيت اسم الكتاب في هوامش الكتب التي تتحدث عن المناذرة ودولة الحيرة، فعرفت بأنّه المرجع الأكثر اعتبارا في المجال. انبهرت لأني وجدته على رفّ احدى المكتبات الإسلاميّة، ثلاث نسخ! بعد سنوات من البحث والتنقيب واقتناء كتاب بديل من منشورات جامعة الملك سعود. ما ظننته عصيّ المنال بات على يديّ. الكتب المعتبرة حول الممالك العربية قبل الإسلام نادرة. الكتاب من منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت،  ونادرا ما تعيد طباعة كتبها النافدة. ومثل هذه الصفة تجعل من الكتاب صيدا ثمينا، بخلاف كتب دور نشر أخرى يمكنك ضمان وفرتها. فهمت الآن قول بعضهم "صيد المعرض.. صيد البارحة"، ما حدث معي كان يشبه مطاردة يائسة لهذا الكتاب. لا تشبه مطاردة القاتل المأجور للكتاب المعار في فيلم مسامير تحريات كلب  D: .

لبعض الكتب قصة ورحلة بحث تطول لسنوات.  


عن ماذا أبحث؟

<يبحث الصيادون عن القمري ويتجاهلون الحمام البلدي. وفي برنامج وثائقي،  شاهدت صياد سمك بالبحر المتوسط يلقي بصيده محبطا لأنه لم يصطد سمكة قاروص > 

رغم نجاحي مؤخرا بالعثور على كتب بحثت طويلا عنها، مثل "الجغرافيا" لسترابو و "سفرنامه" لناصر خسرو وغيرهم الكثير، لاتزال قائمتي طويلة. أحيانا استغرب اختياراتي للقائمة، كأني أبحث عن كائنات نادرة لأحنّطها في مكتبة عائلتي. أهي هواية مستقلة عن حبّ القراءة؟ حتّى محبّي الصيد قد لا يحبّوا أكل لحم صيدهم! لعل السبب وجود مكتبة في بيت العائلة؛ فتبدأ اختياراتي للميل لإكمال ما ينقص المكتبة ويثريها، أو ما يضيف مواضيع مفصلة لعناوين عامة موجودة مسبقا. مثلا، بعد اقتناء كتاب عن الآشوريين والبابليين اقتنيت كتابين عن الفينقيين والحيثيين، وبعد كتاب عن القرطاجيين بحثت عن كتاب عن النوميديين، وكم شعرت بأن شيئا ينقصني بعد اقتنائي كتاب "عصر الإنكا: سلسلة الحياة اليومية عبر التاريخ" من دار كلمة، لهذا اقتنيت كتاب "عصر الأزتيك" من السلسلة نفسها. ما لاحظته أن الكتب التي تحكي عن الشعوب متوفرة لكن اختيار ومعرفة الأفضل كان الأصعب دائما.


أحيانا صدفة

<  في بيت عمي، تحدث أصحابه عن جرّة حبارى شوهدت في المنطقة! تعجّبوا؛ فالحباري لا تمرّ منطقتنا، لا بدّ تائهة.  أحد عشر رجلا أخذ الحكاية على محمل الجدّ وبحثوا عن الحبارى في مكان لا تمرّه الحباري! بالنهاية اصطادوها وأرّخت الحادثة. جرّة مهملة على رمل في برّ واسع تجاهلتها الرياح لفترة حتّى يعثر عليها أحدهم صدفة  >

بعد قراءة "التاريخ الكامل للحرب العالميّة الثانية" لريمون كارتييه، بدأت رحلة البحث عن كتاب "هتلر الغازي" للمؤلف نفسه. وجدته في نيل وفرات -كما وجدت الكثير- لاحظت أن التحدّي يبدأ بعدم العثور على ما أريد في نيل وفرات وجملون -سابقا- ويزداد التحدّي صعوبة بعدم عثوري في مكتبات (التراثية، كنوز المعرفة، المتنبّي) ويصبح أقرب للمستحيل ان فشلت في معرضين للكتاب. وكان مثالا، كتاب "القادة الألمان يتكلمون" لليدل هارت، وجدته صدفة، بعد كتابة اسمه في جوجل الصور، كنت أريد رؤية الغلاف فحسب، تفاجأت بأن أسفل الصورة تسعيرة! دخلت فإذا بمتجر بسيط للكتب طلبته وانتهت حكاية البحث الطويلة عنه.     


انتظار وترقّب 

وأحيانا كل ما تحتاجه انتظار عودة الكتب للترجمة أو الطباعة بعد نفادها، وقد يطول ذلك كثيرا.  مثل "المراقبة والمعاقبة" لفوكو، بعد نفاد نسخة "المركز القومي للإنماء"، جاء الفرج بعد سنوات بنسخة "صفحة سبعة"، وهو أكثر كتاب انتظرت عودته. بقية الكتب تعود سريعا، "الاستطيقا" لهيجل و "نقد ملكة الحكم" لعمانويل كنط. حتى كتب "دار كلمة" لا تتأخر كثيرا، مثل كتاب "موجز تاريخ البذور". وأحيانا تأتيك الكتب المنتظرة تباعا، فتحتار أيهم تترك وتختار. مثل كتب سورين كيركجورد، كانت نادرة جدّا، حتّى جاءت ترجمات قحطان جاسم من "دار الرافدين"، تخيّلوا وكانت عن الدنماركية، لغته الأُم، أي حظّ هذا؟ لكن لسوء الحظّ كتابه الأشهر "إما-أو" لم يكن من ضمنهم بالبداية، اقتنيت كتابا كبديل، وكتابا وكتابين، تكدّست البدائل وأخيرا تُرجم كتاب "إما-أو" ! ما رأيكم، هل اقتنيه أم لا؟؟  




"دودة الكتب" ، كارل شبتزفيج (1850م) 

تخيّلوا، وراء كل كتاب باللوحة قصّة بحث


حدس ودراسة جدوى

 أحيانا استبق البحث باقتناء ما أخمّن أنه قد يكون نادرا أو يصعب العثور عليه في يوم ما. أصيب وأخطئ. وأحيانا أفرح بالعثور على كتاب بحثت طويلا عنه، وأتفاجأ بعد مدة قصيرة بإعادة طباعته، هذا ما كان معي ومع كتاب سعد الصويان "جمع المأثورات الشفاهيّة" من نشر "مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية". أعادت "دار مدارك" طباعته، وكتبها في كل مكان. بعض الكتب ينبغي اقتناؤها حال عثورك عليها وإن لم تبحث عنها، خصوصا منشورات "دار رادوغا" وترجمات ابراهيم وطفي لكافكا.      


ولازال البحث جاريا

<هل يشتهي الصيادون لحم الحباري؟ لا، القمري أطيب طعما منها، ولكن صيد الحباري يجلب صيتا لا يستهان به بمجتمع الصيادين، خصوصا لطيورهم. وأحيانا لا نفهم بدقة السبب وراء البحث والسعي خلف طريدة بعينها> 

إليكم شيئا مما أبحث عنه: 

1. "تاريخ الحرب البيلوبونيزية"، تأليف ثيوسيديديس

أحببت الكتاب لاعتبارات منها عبارته: "القوي يفعل ما يريد والضعيف يعاني كما يجب"

2. "حرب يوغرطه" ، تأليف غايوس كريسبوس سالوستيوس

لأنّي أحبّ الأبطال الذين قاتلوا بشجاعة حتّى النهاية ضدّ الرومان وطغيانهم،  ذكر مونتسيكو عددا منهم في كتابه "تأملات في تاريخ الرومان".

3. "أسرار الانفصال: مصر .. سوريا"،  تأليف سامي عصاصة

4. "العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء" تأليف، روجر بنروز

أحب الربط بين منطق العقل والحواسيب، خصوصا أن الكتاب قديم لهذا يسهل فهم فكرتها.

5. "حرب تقرير المصير في كاراباخ الأرمنية" ، تأليف كارولين كوكس، جون إيبنر

أحب أقرأ عن الحدود المتنازع عليها تاريخيّا ومافيها مع تداخل تاريخي عميق، والعبارة المكتوبة بغلاف الفحة الأخيرة جذبتني " بالنسبة لأذربيجان فإن موضوع كاراباخ مسألة طموح، وبالنسبة لأرمينيا كاراباخ فإنها مسألة حياة أو موت"   

6. "انتصارات ضائعة" ، تأليف الجنرال: إريك فون مانشتاين

أصابني الهوس لقراءة كل شيء عن ألمانيا النازية عسكريّا بعد كتاب ريمون كارتيه، والكتاب أسرني بسبب مؤلفه وعنوانه .

7. "الطعام والشراب في التراث العربي" ، تأليف سهام الدبابي الميساوي 

 8. "قصص وطرائف عن الفلزات" ، تأليف س. فينيتسكي

رادوغا

9. "الميثولوجيا العالميّة" ، تأليف حنّا عبود

10. "رسائل عظماء الملوك في الشرق الأدنى القديم" ، تأليف تريفور برايس

11. "مسرحية: ميثريدات" ، تأليف جان راسين، لا أقرأ المسرحيّات ولكن أريد الكتاب وعلى الأقل صورة من الغلاف.

"لقد ثأرت للعالم ماستطعت الى ذلك سبيلا والموت وحده هو الذي حال دون تحقيق ما أبتغيه" العبارة الأخيرة لميثريدات وحدها تستحق الاقتناء. 

القائمة أحيانا تزيد و تنقص بحسب المزاج والظروف. ومع كلّ كتاب أعثر عليه يطرؤ تغيير في قائمتي، أحيانا أستغني عن كتاب وأضيف آخر، لكن هذه الكتب الأكثر ثباتا وإصرارا في قائمتي. 



ختاما، وخارج الموضوع

حكايات الصيادين ممتعة، بما فيها من ملح ومبالغات. والكتاب الذي كان يبحث عنه القاتل المأجور في فيلم تحريات كلب "المجموعة الكاملة للماغوط" ولا يفوتكم مقطع الفيلم والاقتباس:

"قبورنا معتمة على الرابية 

والليل يتساقط في الوادي

يسير بين الثلوج والخنادق

وأبي يعود قتيلا على جواده الذهبي

ومن صدره الهزيل ينتفض سعال الغابات

وحفيف العجلات المحطمة والأمين التائه بين الصخور

ينشد أغنية جديدة للرجل اضائع .. للأطفال الشقر 

والقطيع الميت على الضفّة الحجريّة"


الثلاثاء، 9 سبتمبر 2025

أهو على نتفليكس ؟ : سلطة الشعبيّة الرقميّة وسهولة الوصول على الذائقة


حينما يسأل شخص ما «موجود على نتفليكس؟»  فهذه العبارة تكشف عن مدى احتمالية مشاهدة الفيلم، أو تجاهله في حال عدم توفره على المنصة. ليس السبب انعدام الثقة بجودة العمل، بل بسهولة الوصول. كأن الاختيار لا يعتمد على الذائقة بقدر اعتماده على ما هو متاح. كيف غيّرت المنصات الرقمية أولوياتنا بمشاهدة الأفلام،  وكيف أصبحت الأرقام والمشاهدات معيارًا جديدًا للجودة، على حساب الانتقائية الفنية والإبداع الأصيل. في بداية نشأتها، واجهت نتفليكس تحديًا في توفير أفلام جيدة على الإنترنت، لكنها ركزت على بناء مكتبة ضخمة بغض النظر عن  جودة المحتوى. راهنت على امكانية جذب المشاهدرين بسهولة الوصول ونجحت فعلا مع الوقت. امتلأت المنصة لاحقا بمحتوى متنوع، وتمكنت من استقطاب قاعدة واسعة من المشاهدين، الذين أصبحوا أكثر تقبلًا لما هو متاح، لملء وقت الفراغ بسهولة.


كيف تؤثر تقنيات سهولة الوصول على خيارات المشاهدين؟

في عالم ما قبل المنصات الرقمية، كان الوصول إلى الأفلام يتطلب جهدًا بحثيًا قد يطول للوصول إلى نسخة بجودة عالية وترجمة دقيقة. لكن اليوم، أصبحت الأفلام المتوفرة على نتفليكس تتصدر قوائم المشاهدات والتقييم على منصات مثل Letterboxd، بما في ذلك أعمال ربما لم تكن لتحظى بالاهتمام لولا توفرها بسهولة. هذا التوجه يقودنا إلى التساؤل حول تأثير هذه السهولة على ذائقة المشاهدين؛ فجهد البحث سابقًا كان يمنح الأفراد سببًا ليكونوا انتقائيين في اختياراتهم.

لا يمكن الاستهانة بتأثير الوصول السهل في تكوين ذائقتنا السينمائية. سهولة المشاهدة وخاصية « متابعة الحلقة التالية» تلقائيًا تجعلنا أكثر عرضة للرضا بالمحتوى المتاح؛ ومنها تنتقل ثقافة الاستهلاك السريع، ونجد أنفسنا منجذبين وموجّهين نحو الهبّات والمحتوى الرائج الذي تروّجه الخوارزميات، وبالتالي  تتشكل ذائقتنا تدريجيّا على أساس تراكم مشاهدات سهلة الوصول. هذه الديناميكية نفسها تُستخدم أيضًا في مجالات أخرى؛ فالمطاعم المتاحة عبر تطبيقات التوصيل الأكثر طلبًا، والأجهزة الأكثر شعبية تنتشر بفضل سهولة الاستخدام وبساطتها. ولزيادة المشاهدات، قامت نتفليكس بتقليل مدة الانتظار في خاصية « متابعة الحلقة التالية» الى خمس ثواني. في كلّ ابتكار تقنيّ تحرز المنصّات الرقميّة تقدّما اكثر.


التقدم التقني في إنتاج الأعمال وعرضها:

كثيرا ما ألقى التقدّم التقنيّ ظلاله على مختلف المجالات الفنيّة. في الصناعات السينمائيّة وعلى مدار عقود، أثرت تقنيات التصوير على أساليب الإخراج، فمع ظهور الصوت، ازداد التركيز على المشاهد الحوارية، بينما عزّز دخول الألوان من جماليات الصورة، وأتاحت المؤثرات الرقمية تصوير مشاهد لم يكن بالإمكان تنفيذها واقعيًا، بل ظلت محصورة في الخيال. هذه الابتكارات لم تكتفِ بإثراء لغة السينما، بل وسّعت آفاق الذائقة الفنية. وعلى الجانب الآخر، لعبت تقنيات العرض دورًا محوريًا في تشكيل تفضيلات المشاهدين، بدءًا من صالات السينما، مرورًا بشاشات التلفزيون التي أدخلت الأفلام إلى المنازل، وصولًا إلى المنصّات الرقمية، التي لا تقتصر على تقديم الخيارات، بل تعيد تشكيل الذائقة وفقًا لمنطقها القائم على لغة الأرقام والخوارزميات اللحظية.




تأثير الأرقام والخوارزميات 

الأرقام الكبيرة تجذب الاهتمام وتخلق ضغطًا اجتماعيًا ضمنيًا، فعبارات مثل «ألم تشاهد هذا العمل بعد؟» تعزز الشعور بضرورة المشاهدة حتى لا يفوّت الشخص تجربة شائعة. وبالتالي، يتطور نوع جديد من الانتقائية الجماعية التي تحكمها الأرقام والمشاهدات بدلًا من الذائقة الفردية. هذا التحول يُعيد طرح التساؤلات حول معنى الجودة في عالم تسيطر عليه معايير المشاهدات والعوائد. وكما كانت أرقام شباك التذاكر تثير فضول الناس وتدفعهم للمشاهدة، فإن أرقام المشاهدات الرقمية تثير فضول الناس ولكن بطريقة أشدّ وأعقد؛ فمع تسهيلات الوصول، أصبحت معايير الانتقاء الجماعيّ أقلّ ارتباطا بجودة الفيلم، كما أنها أصبحت دافعًا لإنتاج أجزاء أخرى من الأعمال أو حتى إعادة استنساخها بأعمال أخرى، تلبية لرغبات المتلقين وردود أفعالهم الحاضرة بأرقام المشاهدات والتعليقات. ولهذا، شهدنا تسارعًا في إنتاج أجزاء جديدة لأعمال ناجحة رقميًا، بفارق زمني أقصر مما كان يحدث سابقًا؛ فبين الأجزاء المتتابعة من أفلام مثل «العراب»  و«المدمّر» ، كانت هناك فترات انتظار طويلة لاتخاذ قرار الإنتاج واستكمال الإعدادات، مما أتاح للأجزاء اللاحقة فرصة لإضافة أبعاد أعمق للأعمال الأصلية. أما في عصر المنصات الرقمية، فيأتي الإنتاج المتتابع غالبًا استجابة لحاجة السوق أو إشباعًا لرغبة المشاهدين المتلهفين، دون أن يمنح العمل الجديد دائمًا المساحة الكافية للنضوج الفني.


سلطة الجوائز والشعبية الرقمية على الذائقة

رغم عفويّة الذائقة، إلا أنها خضعت لمؤثرات مختلفة، مثل الجوائز والألقاب التي تقدم تصنيفا شبه رسميّ لمختلف الأفلام. يمكن فهم معايير النقد والجمال في الجوائز والمهرجانات والسياق التاريخيّ للحدث المرافق. في المقابل، تمثّل الأرقام والمشاهدات سلطة مختلفة، ترتبط معاييرها بالأرباح والتفاعل الجماهيري. ما يجعلنا نشاهد الأثر الذي تحدثه حفلات الاحتفاءات الرقميّة على وسائل التواصل لتصنيف الأفلام . ويظهر النفوذ الرقمي بوضوح عندما تجد استوديوهات عريقة مثل جيبلي أو مخرجين كبارًا مثل مارتن سكورسيزي يقدمون أعمالهم عبر نتفليكس. المقلق في السلطة الرقمية، أنها أكثر ضراوة وأقلّ إنسانية وارتباطا بمعايير النقد الفنّية للجمال؛ وتوظيف الأجندات والأفكار أكثر وضوحا في المنصّات الرقميّة. وعلى عكس النفوذ المؤقت للجوائز والمهرجانات، فإن نفوذ الأرقام بالمنصات الرقمية مستمر ومتجدد وطاغي بقدرته على توجيه تفاعل الجماهير وإقناعهم بخطاب رقمي موجز، بخلاف الخطابات المسهبة للجوائز والمهرجانات. 



الإبداع الأصيل في مواجهة السوق الاستهلاكية للمنصات

مع هيمنة المنصات الرقمية وتأثيرها على تفضيلاتنا، يبقي الإبداع السينمائي الأصيل رهانه على الزمن وعمق الأثر، في مواجهة التأثير اللحظي الذي تخلقه الأعمال الرائجة. وبغض النظر عن الضغوط الرقمية وسهولة الوصول وتغيّر أنماط المشاهدة، سيظل هذا الإبداع كالمعدن النفيس، لا يفقد بريقه وتزداد قيمته مع الزمن الذي سبق واستعاد عبر التاريخ أعمالا  لم تلقى رواجا في زمانها وفشلت في أرقام شبّاك التذاكر. 


الاثنين، 18 أغسطس 2025

-40-

أتذكّر لما كان لعب الكرة في الاستراحة أقصى طموحي في كل ويكيند يمرّ علي. حياتي كانت اعتيادية، هادئة، وحده الويكيند الكروي يمثّل ذروة لهرمونات سعادتي النائمة. حقيبة عمري كانت مليئة مليئة بأحلامي كنت أنتظر فقط لحظة السفر الى المستقبل لكن كاونتر قصّ بطاقة الصعود رفضوا حقيبتي الكبيرة والمليئة وافرغوا ما فيها! فسافرت بحقيبة كبيييرة وخالية. 

"معليه" 

المهم، كنّا فريقين وكنت من أصغر 3 لاعبين، عادة يرمونا بالهجوم كعناصر زائدة. أتذكر كيف كنت أراجع نفسي ومستواي بعد كل مباراة بغبنة وقهر وأحسب كم هدف اهدرت. كنت اصغر من اني استوعب ان هذا المركز معدّ للواثقين من أنفسهم أكثر من مهاراتهم، ثواني الفزع بعد استلام الكرة -كنت سيء فيها- مربكة وكانت طويلة. لحظتها نطاق رؤيتك تشبه "الداش كام"؛  مركّزة وضيّقة، يمكن لأي أحد ان يباغتك من الجانب. خيبة الآخرين كانت تضايقني وتضغطني، أكرر بصيغة أخرى مركز الهجوم معد للي واثق من نفسه ولا يبالي بشأن الآخرين، بهذي الأدوات ممكن يكون مهيّأ نفسيّا ليسدد بدقة، وهي نقطة ضعفي. 

سنة أو أكثر وأنا على هذا الإحباط الى أن غيرت مركزي وتغيرت حياتي! لا أبالغ ان قلت ان حياتي  تغيرت بعد ذلك. كل شيء تغير، نظرة أقاربي اللاعبين وغيرهم وحديثهم بعد المباراة، كأني شخص آخر، لك أن تتخيّل كيف تتغيّر حياة لاعب عالمي بتغيير مركزه! 

"معليه" 

المهم، تركت الهجوم المحبوب من الجميع، لأن الأضواء مسلطة عليهم وعدت للخلف، ليس تماما الى مركز المحور (خلف الدائرة بالملاعب الأصليّة)، بعيدا عن الأضواء فوجدت نفسي. "لكَ الله! ما كان أحد يقدر يمرّ من عندي غالبا لو كان ايش" كنت هزيل الجسم ومع لكن بساقين قويتين وتتحملان الضربات وكنت مرنا وقادرا على أن أكون ظلا لصيقا ومزعجا (صفة أكرهها بحياة الواقع، معليه المهم) كان قطع الكرات تحدّيا أجيده، وقراءة أفكار اللاعبين ونوايا تحركاتهم، الإلتحام بقوة بعيدا عن عنف الأقدام والسيقان بطريقة بربرية. كان كمّ التحدّي الذي أواجهه بعيدا عن الأضواء وتركيز الأصوات المنادية "شوووت، ناول، إلخ" يطلق عناني. وجدت نفسي بهذا المكان وأحببت الانطلاقة للمقدمة واحراز بعض الأهداف التي كانت أسهل بالواقع من الخلف؛ لأنك تقرأ القصة من بدايتها بخلاف وأنت بالمقدمة تأتيك الكرة بلا سياق تفهمه، لهذا التفكير يضيعك. 

متى لعبت آخر مرة؟

مضى زمن طويل. لكني لازلت أتدرب، كيف؟ لازلت أتخيل المواقف و ما الذي علي فعله بالملعب! ومن واقع تجربة أؤكد لكم، بأنّه تدريب ناجح.

سنوات على تلك الأيام، سنوات كانت الدقائق داخل الملعب تنسيني أمر حقيبتي الفارغة.