الخميس، 30 يونيو 2016

سيلفر كان مثالا جميلا للشرّ.







جون سيلفر "الرجل ذو الساق الخشبيّة". أستطيع القول بأنّها أشهر شخصيّة كرتونيّة في العالم العربيّ. الشرير المحبوب! والذي كان مثالا جميلا للشرّ. من أين أتت قصّة جون سيلفر؟





الشخصيّة أتت من رواية "جزيرة الكنز" للأديب الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون(1850-1894م). عندما يتعلّق الحديث بالمغامرات في ماوراء البحار لا أعتقد بأنّ هنالك أفضل من سكّان الجزر البريطانيّة لروايتها فهم بحقّ "بدو البحار". فقلّما تجد منطقة لاتخلو من بحّار ومغامر منهم، بل إن المؤلّف نفسه ارتحل كثيرا في جزر المحيط الهادي ومات فيها. يكفي أنّ نعلم بأنّ خريطة الكرة الأرضيّة -منتصف القرن الثامن عشر- ظلّت ضبابيّة وشبه عمياء لاتعرف بالتحديد حجم المحيط الهادئ ولاتعرف قارة بحجم استراليا! إلى أن أبحر جيمس كوك برحلاته الثلاث -وهو بالمناسبة أسكتلندي الأصل- هذا المغامر طاف البحار وأكمل رسم الخريطة التي نعرفها الآن للعالم إلى أن مات أخيرا في هاواي. وهو من أتمّ اكتشاف استراليا بعد أن كانت قارة أشبه بالسراب رآها بحّارة ولامسها قلّة وجهلها الكثيرون.
باختصار، لايوجد أفضل من هؤلاء لسماع القصص والمغامرات. 





نعود الى شخصيّتنا. ويكفي أن نتذكّر كيف اشتهر شخص في وسائل التواصل الاجتماعي سريعا فقط لأنّه استطاع تقليد صوت شخصيّة كرتونيّة، ذلك الصوت الواثق الفخم لجون سيلفر، أداء وحيد جلال. لقد بدى سيلفر طيّبا وإن كان بالأساس شريرا أو بدى شريرا لكنه طيب بالأساس. لايعرف على وجه التحديد ماهي شخصيّته باستثناء أنّه انسان جدّا، يمثّل وبشكل قوي النزعات في دواخلنا. يصبح شريرا عندما تتطلّب الظروف ذلك ويعود طيّبا متى استطاع أن يكون كذلك. الإنسان ابن لحظته، ففي المشهد المتمثّل في الصورة أعلاه عندما سأله جيم عن أهمّ شيء عنده في الحياة قال:" في الوقت الحالي أهمّ شيء عندي هذا الكوب من القهوة". أكلّ مايبحث عنه الإنسان يعدّ كنزا؟
 القصّة مثيرة بأحداثها ومايثير أكثر إعجابك بقرصان غدّار مثل سيلفر. هل لصوت "وحيد جلال" علاقة بالأمر؟ ربّما ولكن كلّ تلك الأحداث التي بدأت تبحر بنا وتقلّبنا مع أمواجها إلى أن تنتهي النهاية كشريط للذاكرة ونحن نتذكّر جميع الشخصيّات بما في ذلك الوشم الظاهر على يد بيلي بونز "العمر المديد للقبطان فلنت". 



 
العمل كان رائعا لرواية رائعة كانت قد لاقت اعجابا منقطع النظير لدى الكثير من الأدباء والروائيين.



الجمعة، 17 يونيو 2016

-١-


-١-
 
أكتب لعلّ الكتابة تخرجني من العالم الذي أعود إليه عند أوّل حرفٍ أكتبه. وتستمرّ المحاولة من دون أن يجدي ذلك نفعا. عندما نكتب  ننفض عقولنا بقوّة حتّى تتساقط الأشياء منه أمام القارئ ولكن حذاري فهنالك أشياء قد تسقط من القلب سهوا! لذلك قد تنجد في بعض الكتابات قلبا نابضا وكتابات أخرى جامدة لاحياة فيها رغم روعتها. كنت قد سألت أحدهم عن سبب كونه "نباتيّا" فقال إنّه يعتقد ويحسّ بأنّ ذلك سيجعله في حال أحسن. قلت له: ستكون في حال أحسن، يكفي بأنّك تعتقد بأنّ كونك نباتيّا سيجعلك كذلك. يالله! كثيرا مانعتقد ونحسّ بأنّ الأشياء من حولنا والزمن الذي يتجدّد رغما عنّا سيجعل حالنا أسوأ. وحتما سيكون حالنا أسوأ طالما نشعر بأنّ ذلك سيجعلنا كذلك وإن كانت الحقائق عكس ذلك وهي صارخة أمامنا.

السبت، 11 يونيو 2016

من مطبخ التاريخ


هل تعلمون بأنّ كيسا صغيرا من احدى هذه التوابل -جوزة الطيب على وجه التحديد- كان قادرا على شراء ثلاث بقرات في أوروبا بالقرون الوسطى! وكان الأمراء يتهادون الفلفل الأسود. وفي السابق بعهد الرومان كانت رواتب الجنود تدفع ملحا ولذلك يقال بأنّ كلمة الراتب "salary" مشتقة من "salt" ولو أردنا التوسّع أكثر لعرفنا أن هذه الأشياء المعروضة في الصورة قامت بتشكيل دول وإنهاء دول كلّ ذلك بعد أن استدار فاسكو دي جاما حول رأس الرجاء الصالح.

هذا الغلاء دفع طاهيا فرنسيّا مشهورا إلى تأليف كتاب عن فنّ الطبخ ودعا إلى الإستغناء عن التوابل مقابل استخلاص عصارة المواد الغذائيّة المتاحة من أجل تتبيل الأكل. ولذلك نجد المطبخ الفرنسي بالوقت الحاضر غنيّ بالنكهات المستخلصة من مختلف الأطعمة والدهون من المصادر الحيوانيّة وإستخداماتها. في حين نجد المطابخ الشرق أوسطيّة وبقيّة الأقطار الإسلاميّة غنيّة بالبهارات كونها كانت متوفّرة بالعالم الإسلامي منذ ذلك الحين.

يبدو أنّ كتاب طبخ واحد كان له تأثير كبير مثل كتب الفلسفة ولكن كلّ بجانبه المعيّن. الجانب المتعلّق بتاريخ الطبخ والأطعمة يكاد يكون مبهما أو مهملا في المكتبة العربيّة. رغم أنّ دراسة هذا الجانب قد يشي بالكثير من الأمور ويدعم ويبيّن العديد من الحقائق. أتذكّر طاهية ايطاليّة قالت بأنّ السبب الذي جعل المطبخ الإيطالي غنيّ بالعناصر النباتيّة هو أنّ اللحوم كانت باهضة الثمن في ايطاليا أكثر من البلدان الأخرى لذلك حاول الفقراء إضفاء شيء من النكهات والأصناف على أطباقهم من خلال إضافة المزيد والمزيد من العناصر النباتيّة الوافرة في بيئة البحر المتوسّط. وبالجانب الشماليّ بالدول الاسكندنافيّة وشمال أ وروبا لم تكن تلك العناصر النباتيّة وافرة ولكن العناصر الحيوانيّة والبحريّة كانت أكثر وفرة وهذا ماانعكس على ماكانوا يأكلونه من لحوم محفوظة بطرق بدائيّة وتطوّرت مع تأثّر الجميع بشعب الهون الغازين الذين وجدوا طريقة لجعل اللحم النيء قابلا للأكل! وقد ذكر توني روبنسون في كتابه "أسوأ المهن بالتاريخ" طعاما مكوّنا من لحم سمك القرش يتمّ حفظه بدفنه وعند إخراجه يكون له رائحة سيّئة وهذه احدى الأسباب التي جعلت المؤلّف يعتبر الإبحار في سفن الفايكنج من أسوأ المهن بالتاريخ. 

لعلّك تستطيع أن تعرف طبيعة الشعب الأمريكي بإلقاء نظرة سريعة على أنواع مطاعمهم التي تقدّم الوجبات السريعة التي تؤكل في كلّ وقت ومكان، هذا الشعب الدؤوب يبدو أنّه لم يملك الوقت ليعدّ طعامه بنفسه حتّى،  فتجده يتقبّل الأطعمة من مختلف الثقافات كالبيتزا والنودلز طالما أنّه يلائم طبيعتهم.      

يقال بأنّ شارل ديغول قال: كيف يمكن توحيد شعب يملك كلّ هذه الأنواع من الأجبان. ومن شدّة ولع الحاكم بأمر الله بالملوخيّة (الملوكيّة) منع الشعب من أكلها وخصّها لنفسه! 




foie gras

أو كبد الإوز. وهو صنف يعبّر على مدى الشراهة التي وصل بها الإنسان في سبيل إشباع رغباته. هذا الطبق مكوّن من كبد الإوز الغير طبيعي، ذلك لأنّ وزن الكبد الطبيعي ٥٠ غراما ولكنّ بعد عمليّة -أقلّ مايقال عنها أنّها تدعو للإشمئزاز- يصبح وزن الكبد ٣٠٠ غرام! نظرة بسيطة على طريقة الحصول عليها باليوتيوب كافية لجعلك تتألّم وهذا الصنف ممنوع في العديد من الدول. 

يبدو أنّ تاريخ الكائنات المسكينة خاضع لسلطة رغباتنا! فالعديد من الكائنات المهدّدة بالإنقراض أصبحت كذلك بسبب أنّها -ولسوء حظّها- مقوّية جنسيّا! لذلك الكافيار مهدّد وأسماك القرش يتم قطع زعانفها ومن ثمّ تلقى حيّة في البحر والنمر محاصر بالخرافات التي تعتقد بأنّ مسحوقا منه يقويّ جنسيّا ولعلّ ذلك صحيح فموطنه الهند والصين يشهدان على ذلك.

تاريخ الطعام والطبخ يمنحنا زاوية فريدة تمكّننا من رؤية العالم بطريقة مختلفة وفريدة.  وهنالك كتب مثل "التوابل: التاريخ الكوني" لفريد كزارا وكتاب "الطعام والمجتمع في العصر الكلاسيكي" لبيتر غرانسي وكلّها من إصدارات "كلمة".

للأطعمة حكايات وحكايات. مرتبطة بأشخاص خلّدهم التاريخ مثل الأميرال سندويتش أو ببقرة ثارت وأسقطت عجينة على زيتٍ مغليّ فكانت الدونات. أو مارغريتا لاأعني بيتزا مارجريتا بل ملكة ايطاليا مارجريتا وبها سمّيت هذه البيتزا. 

وبالختام تذكّر بأنّ طبقا عاديّا يُقدّم إليك قد يحوي في جعبته العديد من الحكايات التاريخيّة المنسيّة. 

السبت، 12 مارس 2016

كندا تريد أن تضع امرأة ناجحة على عملتها



في خبر رسميّ أعلنت كندا بأنّها تريد أن تكرّم نساءها الناجحات بوضع صورهنّ على العملة الكنديّة. ولاتوجد صورة لإمرأة في العملة الكنديّة إلا الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا ولكونها أيضا ملكة على البلاد. عند صدور الخبر أوّل ماتبادر إلى أذهان الناس سيلين ديون ونيللي فرتادو إلا أنّ البنك الكندي أشار إلى أنّ المرشّحة يجب أن تكون متوفية قبل ٢٥ عاما وهذا ماإستبعدهنّ وماجعل بعض عناوين المواقع تعنون الخبر بـ منع ظهور صورة سيلين ديون على العملة الكنديّة. 

أكثر الأسماء المرشحة هي: نيللي ماكلونغ المتوفاة ١٩٥١م وكانت قد دافعت عن حقّ المرأة في التصويت.  على كلّ حال لن تكون هنالك صعوبة كبيرة في البحث عن ناجحات في عدّة مجالات في ذلك الزمان. لكن الغريب لماذا عندما ذكر الخبر تبادر إلى الأذهان اسم لمغنيتين؟ هل تغيّر الزمن والمجتمع أم تغيّرت المرأة؟. ألم يعد هنالك نساء ناجحات أم أنّنا لم نعد نكترث إلا لنجاح المغنيات والممثلات؟ لو لم يكن هنالك شرط الوفاة قبل ٢٥ سنة وكان هنالك تصويت لوجدنا القائمة -ربّما- تعجّ بالمغنيات والممثلات. دائما عندما تصل الحضارات الى مراحل متقدّمة ومتأخّرة من الإزدهار تجنح الى اللهو والترف بعد تاريخ طويل من البناء والإزدهار. فناجحات الأمس لسن مثل ناجحات اليوم. وبالأمس لن يقفز إلى ذهن أيّ أحد اسم مغنية أو ممثلة لو صدر مثل هذا القرار. حتّى على صعيد الرجال فشكسبير الذي كان يمثّل لم يكن إلا الكاتب المسرحيّ ولو كان في زمننا هذا لما عرف إلا شكسبير الممثل. 

من الظلم أن نلوم الناس على عدم معرفة ناجحات إلا المغنيات والممثلات فشاشات التلفاز تضجّ بأخبارهنّ ومناسباتهنّ ولاندري ذنب من أن ترسخ في الأذهان فكرة أن النجاح هي "الشهرة". وقد يأتي يوم حيث لم تعد أعيننا تفارق هواتفنا الذكيّة ولا نجد من نضع صورهم في عملاتنا إلا نجوم مواقع التواصل الاجتماعي.







الأحد، 6 مارس 2016

كيف نختار كتبنا؟

عند الكاشير قد يشعر المرء بوخز طفيف من الندم. خاصة عندما يشعر بأنّه أخذ أكثر من حاجته -بشهيّة مفتوحة- ولأنّ الكتب لاتؤكل فلا تخمة و سعرات توقفه، ذلك الوخز لا غير بلحظات تكون فيها شهيّة القارئ مفتوحة للاقتناء أكثر من القراءة. لكن نظرة واحدة الى تلك الكتب التي كانت عند الكاشير وهي بالأرفف لاحقا تزيل كلّ ماتبقّى من ندم.


كيف نشتري كتبنا؟

بالنسبة لي:

أحيانا أشعر برغبة في الاقتناء بنهم. وأحيانا أشعر بالملل من النظر الى أرفف العناوين في المكتبات، مع شعور بالإحباط بأنّه لاشيء يستحقّ الاقتناء في الوقت الحالي. لكن عند النهم أكثر مايتعبني اختيار الكتب التي (لا يجب) أن آخذها! لأعيدها الى رفّها بانتظار فرصة أخرى.
  
موضوع ما، مرّ علي عابرا أكثر من مرّة بكتب تاريخية أخرى، والمطلوب البحث عن كتاب يتحدّث عن ذلك الموضوع بتركيز وإسهاب. ذلك أصعب شيء ممكن أن تبحث عنه في كتب التاريخ. فمثلا من يقرأ التاريخ الاوروبي لابدّ وأن يمرّ عليه ويليام الفاتح. النورماندي الذي أتى من فرنسا واستولى على عرشها وحكمتها سلالته من بعده. بسببه تحدث ملوك الانجليز الفرنسيّة عوضا عن الانجليزيّة وإحدى تبعات غزوه اللاحقة "حرب المئة عام"  ماأريده ليست تلك الحقائق فحسب بل وصف حال الانجليز حينها. هل كان ويليام ملكا متوّجا أم غازيا؟
بعد أن حلّ الأنجلو سكسون محلّ البريتون (السيلت) أتى ويليام ليحكم هذا الشعب. ومعه جيش من الأسر الارستقراطيّة - تقريبا أغلب الأسر النبيلة الانجليزيّة تعود الى تلك الأسر!- وكذلك أتى بقوانينه  ومن ضمنها تحريم الصيد في غابات البلاد التي باتت ملكا له. ترى ماكان موقف الشعب الانجليزي؟ هل كانوا في داخلهم مثل روبن هود؟
كتب التاريخ المتوفّرة تذكر ماحدث باستعجال. تذكر موقعة "هاستنغز" عام 1066م والمطالب بالعرش هارولد ولاشيء آخر. في حين نظرة بسيطة الى كلمات مؤلفين انجليز معاصرين توحي بأنّه حدثت أشياء كثيرة في ذلك الوقت:
فكولن ولسون  المعروف يقول بأنّ الانجليز عاشوا بعد تتويج ويليام الفاتح لمئة عام  كما عاشت الشعوب تحت حكم النازيين. ويقول توني روبنسون صاحب الكتاب "أسوأ المهن في التاريخ" بأنّه بعد قدوم ويليام تمّت عمليّة احلال عرقيّ كاملة لطبقة النبلاء في البلاد!. وفي ظلّ فقر المكتبات ليس أمامك إلا الاستقراء من عدّة مصادر لتنظم قطعة متماسكة من ذلك التاريخ. وهو عمل سيكون مجهدا ولكنّ نتائجه إن تمّت بجديّة ستكون رائعة تماما مثل الكتاب الذي ذكرناه "أسوأ المهن في التاريخ".


تمرّ عليّ أوقات أكون مهتمّا بمواضيع معيّنة. فأقتنص مايعجبني من الكتب التي تتحدّث عن نفس تلك المواضيع. أحاول أحيانا التنبؤ بالمواضيع التي قد أهتمّ بها لاحقا، لذلك قد أشتري كتبا لاتهمّني مواضيعها بنفس اللحظة. أكثر شيء قد يعكّر مزاجك هو أن تكون تلك المواضيع قليلة الحضور في مكتباتنا أو لم تحضى بالقدر الكافي من الترجمة والاهتمام. فمثلا موضوع اللغات -وهي DNA  الثقافات- : أصولها وتفرعاتها وتاريخها وتأثيرها نادرة جدّا في مكاتبنا، لعلّ أفضل كتاب موجود "امبراطوريّة الكلمة" لنيكولاس اوستلر. لم أجد كتبا تتحدّث عن الموضوع نفسه بإسهاب. عربيّا يوجد كتاب "كيمياء اللغة" لعلي الشوك، لابأس به.   


وعندما كنت مهتمّا بكتب التراث أعلمني من كنت أثق بنظرته بأنّ أكثر شيء يستحقّ الإقتناء من كتب التراث من تجد عليها إسم: عبدالسلام هارون و محمود شاكر -أبوفهر. وجود اسمهم كافي ليضعك أمام الإختيار الجيّد للكتب. التحقيق مهمّ في كتب التراث ومحبّي هذه الكتب يدركون ذلك جيّدا. ومن ناحية الشعر الجاهلي كنت أحرص على إقتناء دواوين الشعراء التي مرّت حياتهم بأحداث كثيرة ومهمّة مما يجعل شعرهم مصدرا مهمّا. وعلى كلّ حال لايجدر بأحد الحديث عن اقتناء كتب التراث الأدبيّة مالم يقتني "العقد الفريد" لابن عبدربه  أو "الأغاني" للأصفهاني.
الأغاني! انّه أهمّ كتاب بالتراث الأدبي، والغريب أنّ هذا الكتاب عبارة عن لملمة لشتات كلمات الأغاني المغنّاة في ذلك العصر. لكنّ من هذه الأغاني يقودك الأصفهاني إلى قائلها: نسبه،قصصه،أشعاره،وفاته. أخبار تطربك أكثر من الأغاني نفسها. ليصل الكتاب الى أكثر من 20 جزءا أرأيتم كيف تتحوّل المواضيع الصغيرة الى كبيرة وشاسعة بالبحث والتفصيل؟


وبالعامي: على طاري التفاصيل والمواضيع الصغيرة. كتاب "الأنقليس: التاريخ الطبيعي والثقافي" لريتشارد شفيد. لمشروع كلمة سلسلة من هذه الكتب الجميلة والمصوّرة. ومايجعل الأنقليس -وهو نوع من أنواع الأسماك-  عنوان صغير قادر على الاتّساع أكثر وأكثر هو ارتباطاته الوثيقة بالتاريخ البشريّ وهو مابدى كثيرا في هذا الكتاب الجميل. وعندما أبحث عن مثل هذه الكتب التي تتحدّث عن الطبيعة وما إلى ذلك أدرك بأنّني أحاول الهرب من المواضيع الجادة التي تعبت من قراءتها، مثل المواضيع السياسيّة.


المواضيع السياسيّة حسّاسة والبحث عن الكتب التي تتحدّث عنها أمر يتطلّب الجديّة أوّلا في معرفة أفضل ماكتب حول هذا وذاك. عندما كنت أريد كتبا عن العراق وتاريخها السياسيّ كنت أعود إلى اللقاءات التلفزيونيّة لأتعرّف على من دوّن ووثّق المواقف السياسيّة المختلفة ومن عايش من كانت بيدهم أهمّ القرارات السياسيّة. ففي أزمة الجزائر مثلا. لعلّ أفضل الكتب التي تحّثت عنها هي "من قتل في بن طلحة" لنصرالله يوس وهو ناجي من المذبحة المسمّاة. و "الحرب القذرة" لحبيب سويديّة وهو ضابط بالقوّات الخاصة هرب من الجزائر بعد أن رأى الكثير، الجدير بالذكر أنّ في الكتاب مقدّمة لقاضي ايطالي اسمه أمبوزيماتو لعلّها أفضل مقدّمة قرأتها وأكثر مقدّمة أجد قراءتها ظرورية بعكس غيرها. وهناك كتاب "وقائع سنوات الدم" لعميد جزائري مطّلع هرب من الجزائر كذلك وقال الكثير. ومن بين تلك الكتب الثلاث لم أجد الأخير مع الأسف. وأهمّ كتاب تحدّث بشكل تفصيلي وتحليلي بارع وموسّع كان كتاب ألفه مجموعة من الجزائريين والدوليين "تحقيق حول المذابح في الجزائر" وهو عبارة عن موسوعة دقيقة لكن مع الأسف ألّف باللغة الفرنسيّة ولاأظنّه سيترجم في يوم ما.
لكلّ قضيّة سياسيّة كتب معيّنة ينبغي تواجدها في رفّ الموضوع.


كتب لاأستطيع مقاومة عناوينها. مثل كتاب "وقائع ومشاهير" لجون كاري وهو عبارة عن ذكر للوقائع المشهورة بالتاريخ -قبل الميلاد وبعده- برواية شهود عيان ولاشكّ للأحداث نكهة أخرى بلسان شهودها. ومثل هذه الكتب تلقي بالضوء على مرويّات تاريخيّة تمّ تلقّيها بوجهها المعتاد دون تدقيق. أحرص على الكتب التي تحاول إلقاء نظرة عن كثب لبعض الأحداث. فمثلا الأدميرال فيلنوف قائد الاسطول الفرنسي الذي هزم بالطرف الأغرّ على يد نيلسون. تذكر كتب التاريخ أنّه انتحر بعد عودته من الأسر 1806م. لكن مالاتذكره غالبيّة هذه الكتب أنّ المسكين وجد ميّتا وعلى جسده العديد من الطعنات ممّا يجعل مسألة انتحاره اختلاق فاضح، لاتقف عابرة عندها الكتب التي تعرف ماترويه.


وكتب تتحدّث عن أمور تسلّي الروح وتمرّن التفكير مثل "موسوعة الألغاز المستعصية" لكولن ولسون. ما أجمل الحديث عن الخرافات خاصة عندما يكون الحديث من قبل شخص لايؤمن كثيرا بالخرافات وقريب من الإلحاد.

وهنالك كتاب لا أكفّ عن الحسرة على من لم يقرؤه ممن أحبّ. وهو "تكيّف" لتيم هارفورد. 


الحديث عن اختيار الكتب لايكاد ينتهي فمابالنا بالحديث عن الكتب نفسها. إنّ مجموعة الكتب التي يملكها كلّ شخص تمثّل سيرة ذاتيّة غير مكتوبة للقارئ. تسجّل تاريخ اهتماماتك ومزاجك وعقليّتك وفهمك. النظر الى سلسلة من الكتب تعيدنا الى فترات معيّنة قبل وبعد اقتنائها وقبل وبعد قراءتها.
باختصار إنّنا نكتب سيرتنا الذاتيّة عن طريق اقتناء كتبنا.