الأربعاء، 27 ديسمبر 2017

-١٠-

-١٠-

التوقّف عن التفكير هو أكثر شيء يقلقني، أفضّل أن أفكّر بالأشياء السخيفة على أن لا أجد شيئا أفكّر به. نعم أشياء سخيفة لايضرّ التفكير بها ولها مفعول جيّد لنسيان أمور نحتاج لأن نستريح منها قليلا. قد يبدو ذلك غريبا أن نواجه تلك الأمور بالتفكير بأشياء سخيفة. اليوم كان جلوسي طويلا في المقهى مع فيلم تسجيليّ لطيف. نظرت إلى الساعة وبدأت على عجل ألملم أغراضي: شاحن، مودم، سمّاعة، إلخ وكلّها تقول: كمّ لبثنا؟. فتحت الباب لأخرج لأجد أنّ اليوم قد فاتني.

السبت، 23 ديسمبر 2017

-٩-

-٩-

لا أدري كيف فكّرت بأنّه يمكن أن نكتب شيئا يشبه مانفعله برغبة مختبئين عن عيون الآخرين. لعلّ أوّل متعة اكتشفناها بطفولتنا هي تلك الحماقات التي نفعلها خفية ليس الى حدّ كأنّ لم تكن بل الى حدّ يبقينا آمنين. لا أدري هل الفكرة صعبة التعبير أم أنه لايوجد شيء مثل ذلك يمكن أن يكون. لبرهة تصوّرت أنّنا نكتشف هذا العالم بأفكارنا، طالما يمكن أن يكون فكرة فهو موجود ومالايمكن التفكير به فهو حتما غير موجود، ليس لأنّه يصعب تعبيره بل لأنّه يصعب تفكيره. يوم آخر كسابقة، عدى عن قصص مختلفة قرأتها من كتاب الأمس نفسه.  

الأربعاء، 20 ديسمبر 2017

-٨-

-٨-

البحث عن شغف جديد يلازمني، لا أحتمل البقاء وحيدا دون اهتمامات لأنّ ذلك كفيل بإفراغ روحي. إنّني أحدّث نفسي وأسلّيها عبر الأشياء التي أهتمّ فيها. حيث أجد شكلا من روحي. اليوم قرأت د.إتش. لورانس وكم كان اكتشافا مثيرا، فهو يوقظك من خلال التفاصيل التي يكشف عن ساقها بالقصص، ويمثّلك عندما يعبّر عن غضبه أو نفوره من شيء ما كأنّه يمنحك فرصة لتنفّس عن شيء ما في داخلك. كتب القصص القصيرة والتي تجمع شمل المبدعين فرصة جميلة لرؤيتهم من بعد للتعرّف على ميزة كلّ واحد منهم.

الثلاثاء، 19 ديسمبر 2017

-٧-

-٧-

لاشيء يذكر قبل أنّ أبدأ بالتفكير بالكتابة. ولاموضوع يحدث فيني انفعالا يدفعني لأنهي ماأودّ قوله. كلّ مافي الأمر أنّ الصمت بات يغمرني أكثر وأنّ سطح الكلام بات أبعد من أيّ وقت مضى، وقبل فوات الأوان أحببت أن أتنفّس في عمق هذه الأيام والتي باتت تشبه الغرق.    

الأربعاء، 13 ديسمبر 2017

الصورة تتحرّك! : مالذي أحدثته الصورة عندما تحرّكت






  عند ظهور أول صورة فوتوغرافيّة 1826م كان يوجد سباق نحو تطوير آلة التصوير والتوسّع باستخدامها. ومثل المصباح الكهربائي هذا الاختراع لم يظهر فجأة. بدأ مبكّرا مع الفرنسي نيبيس وجاءآخرون بعده وكلّها كانت صورا ساكنة. لكنها لاحقا حرّكت بطرق مختلفة منها ماجرى باختراع المصوّر مايبريدج بتحريك الصور المرسومة  1879م وكذلك بتحريك الصور الفوتوغرافيّة -مثل صورة راكب الخيل- ومن بعدها ظهرت مشاهد متحرّكة بالربع الأخير من القرن التاسع عشر.

 كلّ ذلك حدث بتتابع وتسارع يصعب معها اعطاء نبذة أو حكاية دقيقة عن ماحدث. إنّ ماحدث عندما تحرّكت الصورة لأوّل مرّة كان يجب أن يخلق صدمة هائلة تشبه قيام تمثال "داوود" لمايكل آنجلو بتحريك يده ليحكّ أنفه، ولكن يبدو أنّ تمثال داوود قام بذلك في غفلة منّا ، حيث كان التصوير يأخذ مجراه واكتماله بكلّ ذلك الزخم مع الوقت قبل الحركة كيف كنّا ننظر للصورة؟ أغلب التماثيل الجامدة واللوحات هي بالأصل ثانية ساكنة من حدث متحرّك أو صامت. حيث كان خيال المشاهد هو من يقوم بتحريك ماتبقّى من ثواني وذلك كان يجعلنا نستغرق بالتفكير والتأمّل ونقوم بتحريك هذه الصور مرارا وتكرارا عبر خيالنا. أو بكلّ بساطة بتركها ساكنة مع استشعار أثر الحدث الساكن حال حراكه. إن تحرّك الصورة سيفقدنا الكثير من ذلك حتما. 



في لوحة إدغار ديجا "الدخلة" أو كما تعرف أحيانا "الاغتصاب" 1869م يقوم العنوان تلقائيّا بتحريك المشهد. وكعادة ديجا -وهو برأيي رسام لايمكن الحديث عن تاريخ فنّ الصور الفوتوغرافيّة والفيديو دون التطرّق له- وكمعجب بآلة التصوير الحديثة كثيرا ماقام برسم اللوحات آخذا في الاعتبار الحركة التي ستجري في ذهن المشاهد. نستطيع القول بأنّ ديجا كان بذلك يرسم كمخرج سينمائيّ. أيعني أنّ حركة الصورة سوف تفقد المشاهد جزءا كبيرا من التأمّل. إذا كيف يستطيع المخرج إظهار عمل يدعو المشاهد للتأمّل؟ ولكون الاختراع ظهر  والسينما كانت في بدايتها لم تكن تلك الصور المتحرّكة إلا أشياء مسلية وتوثيقيّة في الغالب. إذ أنّ الإنسان شيئا فشيئا بدأ يكتشف قدرة السينما (الصورة المتحركة) على إظهار عمق تعبيريّ من خلالها. الفكرة ليست بتصوير حدث كما هُوَ، حيث سيكون خيالك عاطلا عن العمل. بل في إظهار تفاصيل وتعابير الوجه والديكور والموسيقى تجعلك هذه المرّة تعيش الحدث بنفسك بدلا من أن تتخيّل حدوثه، ولاشكّ أن الصورة المتحرّكة ستجعلك قادرا على تخيّل ذلك أكثر من الصورة الساكنة. لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إنّ السينما إستطاعت أن تخلق مجالا للتأمّل يشبه ماتقوم به الصورة الساكنة، عبر الأحداث المقطوعة، واللامفهومة، والنتائج التي لم تعرض كامل تفاصيلها، كلّ ذلك عندما يتمّ بحرفيّة عاليّة سيجعل خيالك لايكفّ عن الاستغراق في إعادة وتحليل كلّ تلك المشاهد التي لم تروى. 



الأمثلة كثيرة جدّا ولكلّ مخرج أسلوبه في ذلك.قرأت مرّة أن المخرج فيديريكو فيلليني تحدّث عن مشهد بمقهى روساتّي كان يودّ اخراجه لرجل وامرأة كانا يأتيان كثيرا للمقهى ويتخاصمان كلّ مرّة، وبعد مدّة بات الرجل يأتي وحدة ليجلس وحيدا بالمقهى، كان الحزن باديا عليه وكان ينظر للفراغ. كانت المرأة قد ماتت. أراد فيلليني تصوير ذلك بالطبع فيلليني لم يعجبه طلب المنتج أن يروي بالتفصيل مالذي حدث لهما وأن يسهب في ذكر التفاصيل، إذ أنّه أراد أن يترك التفاصيل لاستنتاجات المشاهدين وحدهم. 


في فيلم Jeanne Dielman 1975 للمخرجة شانتال اكرمان في مشهد اعداد القهوة، لايوجد أيّ فراغ متاح للتخيّل. فقد كان المشهد طويلا وكاملا لاعداد قهوة كاملة من-إلى. التعبير الذي يوصله الفيلم عبر ذلك كان بليغا، إذ أنّه فعلا سيخلق لك ذلك الشعور المرير وحالة الضجر التي تعيشها بطلة الفيلم بكلّ بساطة. على صعيد المخرجين، كان هنالك فنّانين أكثر من كونهم مخرجين تقنيين أوكلت لهم مهمّة تصوير مشهد أو قصّة بمؤثّرات رائعة. حيث أنّهم لم يكونوا تقنيين بقدر ماكانوا فنّانين. استطاعوا خلق صورا سينمائيّة رائعة بأساليبهم التعبيريّة. 

ببساطة قام الانسان باكتشاف الكثير من أساليب التعبير عندما تحرّكت الصورة، لم يكن أثرها مقتصرا فقط على السينما، بل على الشعر والكتابة وكلّ شيء. بل إنّ الصورة عندما تحرّكت قامت بنحت خيال الناس كافة. ومن يدري لعلّ الصورة عندما تحرّكت وفرّت على الروائيين عناء سرد العديد من المشاهد المتحرّكة ووصفها وحثّتهم على الالتفات أكثر إلى مايحدث في عمق الإنسان بدلا عن ذلك . كم من البشر أتيح لهم مشاهدة صورة لموج هائج يصطدم بالصخور قبل تحرّك الصورة؟ الآن حتّى الذي لم يشاهد بحرا في حياته يمكنه مشاهدة ذلك عبر التلفاز. ليس لهذا المشهد فحسب بل وغيره الكثير.

ولاشكّ وأنّ أهوال الحرب اكتسبت معنى أشدّ عمقا بالعصر الحديث وبالحرب العالميّة الثانية بفضل الصورة المتحرّكة بالذات. أهوال حروب أخرى كانت مخيفة مثلها لكنها لاتبدو كذلك لأنّها جاءت قبل أن تتحرّك الصورة. بعد تحرّك الصورة أصبح الإنسان أجرأ على الخيال. حتّى تمثال داوود يمكنه  أن يحكّ أنفه الآن بمشهد كرتوني، في حين لايمكن تصوّر أن تلك الفكرة كانت يمكن تخيّلها قبل أن تتحرّك الصورة.





  بالصورة لوحة رينيه ماغريت عنوانها La perspectiva amorosa - 1935 ماغريت لم يكن يحرّك فرشاته على لوحاته وحسب بل وعلى عناوينه. وفي هذه اللوحة وبالشكل المنظور يمكنك أن ترى حركة سالفة لجسم ساكن.    
بالنهاية قد نقول بأنّ الحياة دبّت بالصور عندما تحرّكت أو عندما بدأت الأفكار تتحرّك داخل الإنسان عوضا عن جمودها، ليكتشف معاني جديدة فبات شاعرا في تصويره المرئيّ كما هو شاعر في كلماته.

السبت، 25 نوفمبر 2017

الذي جمع مشاعر الضحيّة والجلاد في فيلم Salo


Sul Ponte Di Perati

هذه هي الأغنية الرثائيّة لإحدى الوحدات الايطاليّة "جوليا" والتي غنّاها الممثل باولو بونشيلي بشكل جميل في فيلم Salo , or 140 Days of Sodom (1970) للمخرج بازوليني. في مشهد اجتمعت فيه مشاعر الضحيّة والجلاد بالفيلم وغنّوا معا! وكأنّ بازوليني أراد أن يكون المشهد الغنائيّ البسيط فاصلا مستقطعا من الفيلم، لإحياء ذكرى خيرة الشباب الذين قضوا بالحرب من نفس الوحدة وغيرها.







يبدو أنّ بازوليني قد أتى بالأغنية لأنّه يحبّها أكثر من كونها تعبّر عن شيء يريد ايصاله بالفيلم. عنايته بالمشهد كانت واضحة من خلال تركيز الكاميرا على هذا الشاب وكلمات الأغنية تقول "خيرة الشباب الذين ذهبوا للحرب، رحلوا معها" ويمكن أن يكون لميول بازوليني أثرا في ذلك. 

على كلّ حال الحسرة على من قضوا بالحرب من الايطاليين تختلف عن الحسرة على غيرهم. لاشكّ وأنّ بازوليني مثل العديد من الايطاليين كانت عندهم مثل تلك الحسرة. 




من أين جاءت تلك الحسرة؟ 
ايطاليا في الحرب:

بالحرب العالميّة الأولى والثانية بالذات، لم يكن للجيش الايطاليّ شيئ يفخر به! اعتاد الطليان على تلقّي الخسائر المُخجلة وكانوا فرصة لإظهار بطولات أعدائهم. بالكاد يمكن إظهار تاريخ الجيش الايطالي بالحرب خارج إطار كوميديّ مرير مع صور لطاووسيّة الدوتشي موسوليني. يبدو وكأنّ لعنة حلّت عليهم، قاوم موسوليني بكلّ قوّته اصرار الألمان على دخول الحرب تلبية لتحالفهم، كان موسوليني يعرف مقدار ضعفه. في الوقت الذي كانت الجيوش الألمانيّة تنزل أشدّ الخسائر إذلالا بالجيش الفرنسي وقبل انهيار البلد دفع موسيليني بجيوشه لغزو جنوب فرنسا ولكن الفرنسيين -الذين كانوا يظهرون استهانتهم بالطليان- لم يبقوا إلا أضعف وأقل الوحدات لصدّهم والتي كانت كافية لصدّ الهجوم الايطالي التعيس! حتّى أسطول ايطاليا الجميل هزم بمعركة "رأس ماتابان" بسبب حظّه العاثر والنتيجة أكثر من 2000 قتيل مقابل ثلاثة قتلى انجليز!. وهزائم أخرى أشدّ مرارة من اليونانين والانجليز في اليونان ومصر وليبيا.

إنّ حسرة الايطاليين بكلّ ذلك لاعلاقة لها بالنتائج التي ترتّبت عليها تلك الهزائم بقدر ما هي حسرة على رجال شجعان قاتلوا بشراسة وبكلّ شجاعة -بشهادة الانجليز- ولكنّهم قضوا بالحرب بكلّ بساطة لأنّهم كانوا في الجيش الأضعف. بدا وكأنّهم كانوا وقودا لعربة دخلت في سباق خاسر. لم يموتوا دفاعا بكلّ يأس عن وطنهم، بل ماتوا في سبيل مشروع جنونيّ. حيث ألحق التاريخ العار بهذا المشروع  وقام بتدوين كلّ تلك الخسائر بالأرقام، وبدت تلك الأرقام وكأنّها تضحك رغما عن شجاعة الذين ماتوا، فكيف السبيل إلى رثاء هؤلاء؟  




وبلغت القصّة أوجها عندما اضطرّ موسوليني للاستجابة لطلبات هتلر وأرسل العديد من الجنود الايطاليين للمشاركة بمعركة "ستالينغراد". حيث لايذكر التاريخ -بالغالب- شيئا عن هؤلاء إلا كوحدات مسحها الجيش الأحمر بكلّ بساطة، وكيف أنّها بدت وكأنّها موجودة فقط على الخريطة. بالواقع لا أحد أنكر شجاعة هؤلاء وبسالتهم ولكن التاريخ اعتاد على ذكرهم بهذه الصورة من أجل سياق القصّة الكبرى لستالينغراد، ولم يكن هؤلاء مع الأسف إلا جزءا بسيطا منها. والسؤال المؤلم: من أجل من ماتوا؟
بالنهاية تمّ احتلال ايطاليا مرّتين: عندما سقطت موسوليني احتلّها الحليف الألماني وعندما دخلها الحلفاء أخيرا. 
 
 




 في الفيلم الايطالي Cinema Paradiso (1988)  وبهذا المقطع من الدقيقة 2:10 وبينما كان الطفل يلعب سأل أمّه عن أباه الذي ذهب إلى روسيا ولم يرجع رغم انتهاء الحرب.  





وفي هذا الفيلم الايطالي Lamerica (1994)  توجد حكاية لواحد من هؤلاء المنسيين ولكن في ألبانيا. 



وعودة للأغنية. بازوليني لم يسهب في الرثاء، والواقع أنّ الإشارة قد تكون أبلغ من الكلام بفضل توقيتها. 

وأخيرا 






أداء جميل للأغنية

الثلاثاء، 31 أكتوبر 2017

في محاولة لكتابة نفسي لاشكّ وأنّها محاولة لكتابة شخص آخر لا تعرفه





ممنوع من الحديث عن نفسي

 لكن أحدّثك 

في محاولة لكتابة نفسي، لاشكّ وأنّها محاولة لكتابة شخص آخر لا تعرفه

لو سألتني عن حياتي هي مثل يوم ولادتي  لم تكن بإرادتي. كلّ الأشياء التي اخترتها لاتبدو كذلك مع الأيّام. رغم هدوئي مالذي يجعلني أشعر برغبة عارمة بدفع هذا العالم وإلقاء أخطائي عليه ومن ثمّ أطلق رصاصة الصرخة في وجيههم. مرغم على الصمت، ليقيني أنّ أكثر مايجعلني حزينا هو شيء تافه في نظرهم، كيف أقنعوني بأنها كذلك في نظرهم دون أن أحكي شيئا. 

لاشيء أبسط من أغلى الأشياء التي أتذكّرها.

 وحده النظر بعيدا هو أكثر مايبعدني، وأكثر الأشياء التي لاأستطيع قولها هي أكثر ما أودّ قوله في حياتي.

ليست الكلمات إلا أيادي تحفر في سبيل كلمة في قلبي. كلمة قد لا أعثر عليها يوما، إلا أنّي أترك الأيادي تحدّث الناس عنها. ولازلت أحفر حتّى تآكلت أصابعي لاشيء لامس الكلمة التي في قلبي أكثر من قطرة دم سالت وجفّت قبل أن تصل في التربة.

تعوّدت أن لا أشير إلى من أريد. تعلّمت أن ما أريده ليس لي وكأنّ أحدهم نسي أن يضع كلمة "كلّ ما أريده" في ذهني. 

الأماني ليست إلا أشياء لاتتحقّق، مثل الزمن لايعود. مثل أشخاص تخيّلتهم لو أنّ الزمن .. لو أنّ المكان ..  لو أنّ الأسماء .. ولو أنّي .. لكانوا ولكن ما أكثر "لو" في حياتي.       

 أصدق مانقول هو مانقوله همسا، لك أن تتخيّل مقدار صدق مالم نقله بعد و كيف لي أن أقول أمنية في قاع روح حيث لاتستطيع الكلمات أن تراها.

 حتّى يجيء من يجعلني قادرا على قولها. 

أعذرني عزيزي وإن كان لدي ما أقوله لازلت ممنوعا من الحديث عن نفسي، ولو كان الحديث يمحى مثل الكتابة، لسرّني فعلها مرارا وتكرارا حتّى أشوّه بياض صمتي الذي يرهقني 

الأحد، 15 أكتوبر 2017

متى بدأ الإنسان يشعر بالوحدة؟








هل الإنسان قديما كان يشعر بالوحدة أو العزلة وهو بين الناس أمّ أنّها حالة من صنع العصر الحديث؟ 
حاليّا يمكنك أن ترى حالات الوحدة التي يعاني منها أصحابها بمواقع التواصل الاجتماعي. وبما أنّ السبيل الوحيد للوصول إلى مشاعر الأقدمين هي من خلال أشعارهم وآدابهم التي كتبوها. ففي الشعر الجاهليّ مثلا لانجد الكثير من ذلك، رغم وجود آلام ومشاعر مألوفة لدينا، مثل ألم الفراق والغربة. بل إن الوحدة والعزلة ارتبطت أحيانا بعزّة النفس والفخر بها أو بالتنسّك والتعبّد وعند الصعاليك مثل الشنفرى وغيره كانت مناسبة للفخر 

وانّي كفاني فَقد من ليس جازيا
بحسنى ولافي قربه متعلّل
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيّع
وأبيض إصليت وصفراء عيطل

هل يمكننا القول بأنّ الإنسان قديما لم يملك وقتا كافيا للفراغ ليشعر بالوحدة؟ بسبب سبل العيش والتي تأكل أوقاته وتحثّه على الاحتكاك بالناس. الى القرن التاسع عشر كانت ظروف العمل وساعاتها الطوال ومع ماتسبّبه من أضرار على الصعيد الجسدي والنفسي إلا أنّها على مايبدو كانت تبعدهم عن ذلك الشعور الأشبه بالعزلة المختارة، أو باختيار مفروض. كثيرا ماتزخر القصص والأفلام التي تحكي عن الرجال الذين يعودون من يوم عمل شاق وكيف أنّهم يفرغون كلّ ذلك بساعات قليلة من اللهو والشراب مع قليل من التذمّر وذلك يتمّ بأماكن عامة حيث يجتمع الكثير منهم، مايجعل التذمّر وقصص الشكاوي تأخذ طابعا مرحا. يمكننا أن نرصد طريقة الإنسان في الوقاية من الكآبة وغيرها من خلال النظر إلى طريقة مرحه. 


للأحيمر السعدي هذا البيت يصف الشعور بالوحشة وحيدا :

عوى الذئب فاستأنست بالذئب اذا عوى
وصـــــوّت انـســان فــكــدت أطـيــر


لاتختلف الأفكاره على مرّ العصور فحسب بل المشاعره كذلك. ومثلما الإنسان يدشّن باكتشافاته وانجازاته عصورا جديدة كذلك مشاكله التي تبرز تدشّن عصرها معه. بالنسبة للمشاكل النفسيّة ومايرتبط بالشعور، يشبه مايعانيه الإنسان منها بما يعانيه من أمراض. فكما أنّ الطاعون كان مرض القرون الوسطى وكذلك الكوليرا والجدري كانت أمراض القرن التاسع عشر وعندما انتهت بالقرن العشرين تقريبا بدأ عصر السرطان. ومع كلّ كانت هنالك مشاكل الإنسان النفسيّة، وعلى نفس الرتم، مشاكل نفسيّة كانت تندثر وأخرى تظهر، ويبدو أنّ زخم هذه المشاكل أصبح بارزا بعد أن حقّق الانسان تقدّما ملحوظا بمكافحته الأمراض العضويّة الفتّاكة. في عصر بات يحدّثنا العلماء عن الحبّ والكره والكآبة والحزن والميول الجنسيّ وفق دراسات وأبحاث مجهريّة، باتت هذه الأشياء المعنويّة أو المكنونة في داخل الإنسان عضويّة! ولعلّ ذلك سيجعلنا نحصر رؤيتنا لمشاكلنا في إطار مجهر العلماء والباحثين. بات تقدّم الإنسان محصورا بنجاحه في جعل أيّ مشكلة لها أساس عضويّ. 

الى أن يستطيع الانسان فعل ذلك تناولت مشاكلنا النفسيّة الأعمال الأدبيّة والأعمال السينمائّية بطريقة مختلفة وجذّابة، خارج الإطار العلميّ المحصور وكأنّ الإنسان بخياله قادر على رؤية حقائق لاتراها الأعين المجهريّة. 






بالفيلم الفرنسيّ The Fire Within 1963 تناول قصّة ألان ومعاناته النفسيّة التي أفرغت شيئا ما من داخله حتى شعر بفقدان معناه بالحياة يتحدّث الفيلم عن باريس الساحرة والتي كانت تغرق محبّيها بحكاياتها الرومنسيّة  ولذّة العيش بها. عندما يشعر الإنسان أنّه يكرّس حياته لذلك سيفقد لذّة تلك الأشياء - إمّا لإدراكه بأنّ العمر محدود أو أنّ روحه باتت تجد تلك المتعة مملة- وكم هي مرعبة فكرة أنّك لم تعد قادرا على الاستمتاع في مدينة هي رمز لمتعة الحياة، كما قال ألان: أنه لا يستطيع أن يلمس شيئا. باتت الأشياء لاتعترف بوجوده. هذا الشعور أو قبل الوصول لتلك الحالة نجدها بروايات اونوريه بلزاك التي تحكي عن مجتمعات باريس اللاهية.








  ومن أشياء تشعرك بفراغ روحك إلى الملايين من الناس التي تشعرك بذلك! في فيلم Taxi Driver 1976 كانت شخصيّة البطل التي قام بها روبرتو دي نيرو تعيش وحيدة في مدينة يسكنها الملايين، روتينه اليوميّ يفقده الشعور بوجود من حوله، حتّى بات يبحث عن شيء يمنحه معنى أو وجود ملموس. أشياء أو حماقات لا نألفها بالروايات القديمة ولا بالقصص القديمة، أعراض يبدو أنّنا نفهمها لأنّنا أبناء هذا العصر. إن مشهد دي نيرو وهو يشاهد التلفاز ومعه مسدّسه كان تعبيرا صادقا لسلوك قلّما يظهر أو يتحدّث عنه الناس عندما يفعلون شيئا مثل ذلك إمّا لأنّهم يخجلون من ذكر ذلك أو لأنّ ذلك شأنا يعني وحدتهم. 


الأفلام التي تحدّثت عن الوحدة والفراغ الروحي وسط جمع من الناس كثيرة، حيث يبحث الشخص عن وجوده أو يهرب من ذلك الشعور بالوحدة بينهم عبر الانعزال والبقاء وحيدا. نقول "الوحدة" ونعني بها أشياء كثيرة لانملك إسما لها إلا "الوحدة" وليست مثل أيّ مرض عضوي يمكننا معرفته عبر فحصه ورؤية الميكروب المسؤول عنه. 


  اخترقت الوحدة حاجز الجماعة فباتت تشعر الشخص بها وهو بينهم. بات الشعور بها منبعا للكثير التصرّفات وهو ما جعل منّا أناسا مختلفون عن ماكانوا عليه من قبلنا.






 لعلّ من أوائل الذين تحدّثوا عن ذلك فرانز كافكا في روايته (المسخ) لحظة استيقاظ جريجوري سامسا التي لاتُنسى. الجميل أنّه تناول ذلك بشكل غريب يرسخ بالأذهان وهو تحوّل الإنسان، كأنّه أدرك تحوّله من الداخل ولكنّه بالرواية أخذ شكلا خارجيّا وكأنّه شاهد رسومات أوديلون ريدون.  ألهذا أعجب الناس حاليّا بكافكا؟ يقول المخرج لويس بونويل عن فيلم 1971 A Clockwork Orange  "هو المفضّل حاليّا بالنسبة لي، كنت متهيّأ جدّا ضد هذا الفيلم. بعد مشاهدته أدركت أنّه الفيلم الوحيد حول المعنى الحقيقي للعالم الحديث" حيث يحاول هذا العالم بالفيلم صناعة سلوك الإنسان وتصرّفاته وإن بدا ذلك غريبا ولكن هذا مايحدث بالفعل. بالسابق كانت الظروف والأحداث التاريخيّة والتي فعلها الإنسان هي من تصنع تصرّفات الإنسان وسلوكيّاته ولكن حاليّا باتت أشياء وليست أفعالا صنعها الإنسان وبناها هي من تتحكّم في تصرّفاته. لننظر إلى "كاروشي" وهي حالة مميتة أحيانا تحدث باليابان تصيب الشخص بسبب الإفراط بالعمل. أهذا ما صنعه إنسان العصر الحديث؟




------------------

اللوحة الأولى لرينيه ماغريت 1937م Not To Be Reproduced
اللوحة الثانية لأوديلون ريدون 1883م The Crying Spider

الجمعة، 18 أغسطس 2017

فيلم Arrival ومسألة الآخر



الفيلم الأمريكي arrival والذي اختصر عنوانه كلّ شيء، فهو يتحدّث عن الوافدون الذين لانعلم عنهم شيئا حتّى أنّنا لم نسمّهم إلا بأوّل صفة عرّفتنا عليهم. إضافة إلى الشكل الغريب -الموجود بالبوستر-  غرابته توحي لنا بأنه شيء لابدّ من الحذر منه. الفيلم يدور حول قضيّة تناستها أو تجاهلتها أغلب الأفلام التي تحدّثت عن المخلوقات الفضائية والتي كانت شرّيرة غالبا. إذ أنّ أوّل شيء يدور في أذهانهم كيف نقاتلهم؟ أمّا فيلم Arrival فقد دار الموضوع أغلبه حول السؤال الأوّلي: كيف نتواصل معهم؟ مسألة قد نحتاج لعدة أفلام لخلق تصوّر وافي عنها في حين أنّها أختزلت في أفلام عديدة مثل فيلم Independence Day -1996 أختصر التواصل في مشهد واحد حيث قام الوافد بطريقته بالحديث مع البشر بلسان أحد الضحايا وعندما سئل: ماذا تريدون؟ أجاب: بـ Die ! حسنا ومن بعدها يبدأ القتال، وكذلك هي أفلام الفضاء. قبل التساؤل مع الفيلم، كيف يمكن أن نتفاهم مع هؤلاء المخلوقات وهل يتحدّثون مثلنا؟ وكيف لنا نحن البشر الذين لم نتحدّث يوما مع الحيوانات شركاؤنا بالكوكب أن نتحدّث عن مخلوقات من كوكب آخر؟. يبدو أنّنا ندرك بعقلنا الباطن أنّ اللغة هي أهم صفة لمخلوق يمكنه صنع تلك السفن الفضائية. في هذه الفترة موضوع اللغات والتواصل يمتاز بالجاذبيّة، ذكرت بطلة الفيلم قصّة رويت عن جيمس كوك عندما أتى الى استراليا وشاهدوا الكنغر وهي تقفز وابنها في جيب بطنها سأل السكّان الأصليين ماهذه؟ فقالوا: كنغر، وصار اسمها الكنغر في حين أنّ كنغر باللغة الأصلية تعني: "لا أفهمك"! هذه القصّة تبيّن صعوبة الأمر ورغم أنّها استدركت وقالت بأنّ القصّة غير حقيقيّة -وهذه القصّة تكرّرت على كلّ حال في الكتب التي تحدّثت عن هنود المكسيك عندما سألهم الاسبان عن اسم هذه الأرض فقالوا لهم: "يوكاتان" فأسموا الاسبان هذه المنطقة من المكسيك "يوكاتان" أي لاأفهمك!- لكن الاستدراك الأبلغ هو ما أجاب به أحدهم: " ونعرف ماذا حدث للسكّان الأصليين". فعلا ونحن نعرف ماذا حدث للسكّان الأصليين في الأمريكيتين. هل يعقل أن تفعل تلك المخلوقات مافعلناه بنا؟ إذا كان الأمر كذلك لعلّ احدى الطرق الجيّدة لمعرفة ماسيقوم به هؤلاء هو بقراءة الكتب التي تحدّثت عن فتح أمريكا مثل كتاب تزفيتان تودوروف "فتح أمريكا: مسألة الآخر" حيث روى الكثير مما قام به المكتشفون أو الـ Arriaval في أمريكا! حيث شحن كولومبس احدى السفن بالعديد من المخلوقات الغريبة، مثل الببغاوات وغيرها ودوّن كلّ شيء حتّى أنّه ذكر "دزّينة من الهنود" يبدو أنّنا لانستطيع الخروج من أنفسنا عندما نحاول وصف الآخرين. فنحن لم نكسر بعد قشرة البيضة التي نعيش في داخلها حتّى نصف من يأتون خارج القشرة (سكان فضاء). إنّنا نخاف من الغرباء عموما ونجده شيئا مخيفا حتّى أنّ أحد القصص روت أنّ آخر رسالة أرسلها أحد ضحايا مثلّث برمودا كانت "ماهذا..  شيء غريب" هذه القصّة قد لاتختلف كثيرا عن قصّة الكنغر ويوكاتان ولكنّنا بهذه الطريقة نتعرّف على الأمور. في هذا الفيلم ألمح الى أنّ هؤلاء الآخرين كانوا في الحقيقة نحن! ومثل ذلك ولكن بشكل أوضح ذكر في فيلم Interstellar - 2014 حيث كان الآخرين نحن في زمن آخر وذلك  بالإضافة للشكل الغريب بالبوستر يعيد للأذهان الفيلم المشهور لكوبريك 2001: A Sace Odyssey عام 1968م حيث كانت تلك الأشكال الغريبة أحد أبرز معالم الفيلم بالإضافة الى محاولة الإجابة على سؤال: من نحن؟ فنحن عندما نحاول أن نصف الأشياء الغريبة نقوم بوصف أنفسنا أحيانا دون أن نعلم وكأنّ كلّ شيء موجود ليس إلا مرآة لتصورنا.

السبت، 12 أغسطس 2017

بورتريه لسيرة ذاتيّة


*


( الإسم: لايهم

جميع السير صنائع أصحابها إنّهم يعرفون بأنّ هناك من سيقرأ لهم. الإنسان صادق بشكل لايصدّق، فهو يصنّف كتب السير الذاتيّة أحيانا من ضمن الأعمال الأدبيّة لعلّ ما سأكتبه هي أوّل سيرة ذاتيّة، سأكون صادقا بقدر ما أتوقّع عدم قراءتها

بالبداية الإسم: قلنا لايهم

ثانيا الصورة الشخصيّة: 
إنّها غير صادقة أبدا فأنا بالكاد تحمّلت وظعيّة وجهي التي قام بضبطها عامل الأستديو على طاولة الفراغ، تماما مثلما تضبط المزهريّة على طاولة منزل لن يعلم أحد عن حقيقة وجودها إلا حينما تُكسر.

بإمكانك أن تختصر سيرتك الذاتيّة بوضع قائمة مرتّبة بالأغاني والأفلام والصور التي أعجبتك. على الأقل أنت لن تحاصر القارئ - الذي أفترض أنّه ليس موجودا- حتّى يرغم على الأخذ بحدود حروفك، ففي الأشياء التي تحبّها متّسع لفهمك أكثر. لهذه الأشياء عين ثاقبة: إسأل الشخص:
عن أوّل أغنية أحبّها؟
عن أوّل شيء ندم على عدم فعله لا على فعله؟
عن أوّل شيء .. أيّا يكن
 إن لم يجبك فاعلم أنّه لم يشعر بالوحدة بما يكفي للإجابة على هذه الأسئلة
حسنا وإن سألت، فكلّ هذه الأسئلة أستطيع الإجابة عليها وكم يؤسفني قول ذلك..


وماذا بعد؟
إنّني عبارة عن: ما أفكّر به
حسنا ولأكون صادقا لن أكتب ماينبغي قوله بل ما لاينبغي قوله. لو قدّر للأيّام أن تكتبنا لوجدناها تقول الكثير من الأشياء التي لاينبغي قولها والقليل مما ينبغي قوله. لن أرتّب كلامي لأنّنا لانكون مرتّبين إلا في المناسبات التي نتملّق فيها الآخرين ونلبس تلك الابتسامة على وجوهنا. من أين أبدأ؟  من المنتديات النتّيّة التي هجرت، كنت أحبّ اصطياد الأسماء الوهميّة. كان الأمر ممتعا أن أتتبّع أقنعة الاخرين، لم أحب الأقنعة التي تقوم بالردّ على نفسها بالجهة المقابلة  باليوزر. كانت تلك الأقنعة رديئة بالعادة بخلاف الأقنعة التي لاتردّ على أنفسها، وتكون صادقة إلى درجة يصعب الإمساك بها. كنت أخلط بين التعامل مع البشر والتعامل مع أقوالهم إنّهم يكرهون الأغنياء ولكنّهم  يحبّون أن يصبحوا أغنياء. يتصرّفون وفق طبيعتهم ويقولون أشياء تتحدّى طبيعتهم وأكبر عيب فيني أنّني حاولت أن أتصرّف وفق مايقال غالبا لا وفق طبيعتي. كان الأمر أشبه بمحاولة وجه من قطعة نقديّة أن تنقلب للجهة الأخرى. إنّهم يقولون بأنّ الكذب هو أسوأ مافي الإنسان، والواقع أنه بسبب ذلك يطول الكلام ويكثر الناس من الحديث أملا في محاولة اختراع تلك الكذبة الصادقة والذي يتحمّل الكثير عبء البوح بها غالبا. لذلك قد يكذب الإنسان لأنّه قد يكون أصدق من أن يطيل الكلام ويكون الكذب أعذب من الصدق عندما ينتهي باعتراف، وكأنه قال الصدق مرّتين. أنا لم أكذب إلى حدّ الآن ولكنّي أطيل الكلام من غير أن أبوح بكلّ شيء. للأسف لم يعد الناس بدوا يقولون كلّ شيء دون مبالاة، حيث تعلّموا من الصحراء أن كلّ شيء ستذروه الرياح وتدفنه رمال الأيّام، فكانوا يقولون كلّ شيء وأيّ شيء حتّي، ولكنّهم لم يعودوا بدوا. أتعلمون كانت هنالك أسطورة تقول بأنّ في إفريقيا مقبرة للفيلة! وأنّ الفيلة قبل موتها كانت تودّع أصحابها وتذهب الى هناك لكن في الحقيقة أنّ كلّ ذلك لم يكن إلا وهما لذيذا من أجل حكاياتنا فالفيلة مع تقدّم السنّ تفقد قوة أسنانها فتبدأ بالاقتراب نحو الأماكن التي تحوي على نباتات ليّنة وتقترب أكثر حتّى يلتقي ذلك الجمع من الفيلة في مقبرتهم. أفهمتم فكرتي؟ كذلك أهل القرى! والذين كانوا بدوا ولكنّهم ابتعدوا عن الحياة شيئا فشيئا واقتربوا أكثر وأكثر نحو المقبرة والتي تسمّى القرية. هناك حيث يموت الإنسان ويبدأ بالسكوت أكثر، فيكون متحفّظا حتّى بمعرّفاته الوهميّة. ولو أنّه حينها يكون صادقا أكثر لأنّه لايتحدّث كثيرا. على كلّ حال هذا العصر قد بنا قريته وأصبحنا من سكّانها. أريد أن أستيقظ ولا أعتقد أنّ ذلك سيحدث ضجّة في هذا العالم الذي لايريد ايقاظي. تذكّرت جريجوري سامسا وكيف أنّه أحدث ضجّة كبيرة في هذا العالم، الكثير من البشر يحتقرون الحشرات ولكنّم رؤوا في أنفسهم جريجوري سامسا الذي استيقظ فجأة كحشرة عملاقة! اللعين كافكا لقد حوّل العديد من البشر إلى حشرات! أبهذه الطريقة يرانا العالم، أمّ أنّنا نحسبه لأنّنا نرى الأشياء الصغيرة كذلك. 
قبل أن أنهي حديثي أريدك أن تعلم جيّدا بأنّنا نقول مالانودّ قوله لتعلم مانودّ قوله، إنّنا نقوم برسم مانودّ قوله بالكلمات التي لانريد قولها، ألا ترى أنّ النور ترسمه الظلمة؟ فانظر في ظلال الكلمات ما أودّ قوله. لست يائسا فحتّى لو لم يكن لوجودي قيمة فإنّ ذلك يمنح قيمة إضافيّة لمن لهم قيمة. كذلك الأشياء الجميلة هي تبدو كذلك بفضل الأشياء القبيحة. إنّنا صادقون رغما عنّا. واعذرني ان بدوت غاضبا فعادة ماأقوم بتوبيخ أيّامي حينما أتذكّرها. آه لوكانت لكلماتي هذه شكلا واحدا لأعفيتك من عناء التفكير بالقراءة لي
 .....................................   ) **



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


* : Edward Honaker
** :  ليست إلا صرخة تحاول أن تملأ ماأبقاه الصمت من فراغ.


ع



الثلاثاء، 4 يوليو 2017

عندما يصدفك الفيلم بأشياء جميلة Cinema Paradiso



الفيلم الايطالي Cinema Paradiso
نظرة بسيطة الى بوستر الفيلم وستدرك بأنّ القصّة تدور حول طفل شغوف بالأفلام السينمائيّة، تستطيع أت تشعر بفرحة قلبه من بريق عينيه. وكان لهذا الصبيّ من جعله يحبّ هذه الأفلام الأمر الذي جعله يعيش وهو غير قادر على الخروج من إطارها، فقد بات يعيش كما لو أنّه في فيلم والأجمل أن الفيلم لم يوضّح ذلك مباشرة على الإطلاق. أمّا النهاية فهي كنهايات أجمل الأفلام. 
لاأدري إن كانت الصدفة جعلت من هذا الفيلم أكثر جمالا بنظري مما هو عليه، لكنّ حتما أجمل الصدف لاتأتي إلا في أماكن تشبهها، وكذلك كانت مشاهدة هذا الفيلم. 

أول صدفة وقد كان خطأ من النسخة الموجودة عندي إذ أن الرقم كان يشير إلى أنّ مدّة الفيلم ٤ساعات! استغربت إذ أنّ أطول فيلم أعرفه ٣ ساعات وهذا الفيلم لم أسمع عنه أنّه كذلك. لكن كفيلم أوروبّي وخاصة ايطالي تصوّر بأنّني لن أجد صعوبة ولن أشعر بالملل بمشاهدته. فالأفلام الأمريكيّة تصبح كئيبة ومملة عندما تقلّ الأحداث والإثارة ولكن بالأفلام الإيطاليّة، حتّى عندما يكون المشهد فارغا من الأحداث فلن يعجز الايطاليّون عن ملئه بأجمل الحوارات والأحاديث، أتصوّر بأنّه لايوجد أفضل منهم لملء الفيلم بسيناريو وحوار مطوّل وشيّق. كيف لا، وايطاليا مشهورة كثيرا بمقاهيها -حقل مثمر بالأحاديث الشيّقة-) والكثير من أصناف القهوة لها أسماؤها الايطاليّة المميّزة (كابتشينو، موكاتشينو، امريكانو) وكذلك التيرامسيو والتي كثيرا ماتوسّطت طاولة بين اثنين. لعلّ الايطاليّون وحدهم من نستطيع تقليد نبرة حديثهم وحواراتهم، بفضل لغتهم المميّزة ولأنّها مألوفة، حتّى في برامجهم الرياضيّة ومهاتراتهم والكثير من برامجهم وإن على صوتها لاتشعر بأنّها مزعجة، لاأتصوّر ايطاليّا لايتحدّث كثيرا، بل إنّه من فرط مايشعر بعجز لسانه على الكلام يحرّك يديه أثناء الحديث!، لك أن تشاهد لاعبوا الكالتشيو وهم يحرّكون أياديهم كثيرا أثناء كلامهم. هم شعب يحبّ الحديث كثيرا وله أسلوبه المميّز، لن تشعر بالملل أبدا عند سماعك تعليقات رئيسهم السابق بيرلسكوني حول كلّ المواضيع. هم كذلك في الكثير من أفلامهم.
على كلّ حال الفيلم تفاجأت بنهاية الفيلم بعد ساعتين! وتمنّيت لو كان الفيلم أطول قليلا. 


بمناسبة الحديث عن المقاهي والثرثرة، أعتقد أنّ من بين أكثر الأشياء التي نستطيع من خلالها فهم طريقة تفكير شعب ما هي بالنظر الى الأماكن التي يتحدّثون عنها كثيرا، هل هي مقاهي يقضون فيها ساعات طوال، أم كافيهات يأخذ المرء قهوته بعد أن ينادوا بإسمه وهو بالكاد يسمعه بسبب السمّاعات التي يضعها على أذنه، ويتناولها واقفا، حيث الحديث حتما سيكون عابرا. أم في مجالس بروتوكوليّة، يسمع فيها المرء حديث كبار السنّ كثيرا وغالبا ماتكون نصائح جيل لجيل آخر. 


ثاني صدفة كانت هذه القصّة القصيرة والمؤثّرة بالفيلم
بالطبع لايمكنني أن أنزع المقطوعة الموسيقيّة التي رافقت المشهد عن بالي كلّما نظرت الى الصورة




















.. أتعرفون ماهو الجميل في في آخر مشهد؟ أن الصندوق الذي وضع الصبي فيها صورة والده كان مليئا بأقصوصات أفلام مجمعها، وقد تكون مليئة "بالقُـبَـل"

الصدفة الثانية كانت في قصّة هذا الأب، الذي مات في روسيا بالحرب العالميّة الثانية -حتما في جبهة ستالينغراد- وأذكر أنّني قد كتبت قبلها بسنوات قصّة قصيرة حول بنت فقدت أباها بنفس الجبهة وكانت تسأل أمّها بنفس الطريقة.
وهذه هي القصّة 

عندما تتفتّح الزهور

عندما قرّر هتلر إعادة اقتحام روسيا من الجنوب وخطّط لحملته لعام ١٩٤٢ لم يستطع إكمال الفراغات التي خلّفتها الخسائر الجسيمة التي لاقتها جيوشه، عندما قذف بها بكلّ جنون في شتاء روسيا ١٩٤١ فاستعان بحلفائه، كانت هنالك وحدات هنغاريّة ورومانيّة وايطاليّة لسدّ الثغرات، كان المساكين عبارة عن وحدات على الخريطة لاتملك أيّ شيء يؤهلها من معدّات، لقد تمّ قذف أضعف الجنود وأتعسهم حظّا في هذه الجبهة الموحشة، إن كان جيش الألمان الذي لايقهر إلا بقيادة مجنون مثل هتلر، فكيف بحال هؤلاء الطليان. العديد منهم ماتوا متجمّدين منسيين. وبالرغم من أنّك عندما تقرأ عن الجنود الايطاليين بالحرب العالميّة الثانية وانكساراتهم المعتادة فيها لاتكفّ الكتب عن الإشارة إلى شجاعتهم واستبسالهم في القتال الذي حدّد مصيره بفضل ميزان القوى من معدّات. 


عودة للفيلم فالفيلم جميل ولم يكن هذا المشهد إلا في البداية. وطوال أحداثه تحسّ بحميميّة القصّة، كان الفيلم بالنسبة لي جميلا لدرجة أنّه ترك فرصة للحديث عن العديد من الأشياء التي وددت الحديث عنها.

وهذا المقطع باليوتيوب، ويبدأ بالدقيقة ٢:١٠
من أجمل المشاهد التي شاهدتها على الإطلاق. إن هذه الدقائق المصوّرة بين هذا الصبي المحبّ للأفلام وبين أمّه يمكن أن تدور حولها العديد من القصص والحكايات. ونظرة الأمّ للطفل وهو منسجم مع تخيّلاته كانت جميلة 






 




مشاهدة ممتعة ،


الجمعة، 12 مايو 2017

أناشيد وطنيّة تذكّرنا بشيء من تاريخ بلدانها

مبدئيّا قد تبدو الأناشيد الوطنيّة مملة واعتياديّة مثل الطابور الصباحي بالمدارس وفقرة ثقيلة كترديد النشيد الوطني للمنتخبات المتنافسة بكرة القدم. لكن الكثير من هذه الأناشيد لها قصص وتعتبر نصوص تاريخيّة أصيلة لبلدانها. أتذكّر مقال تحدّث عن أفضل عشرة أناشيد وطنيّة -ولا أعرف بأي معايير كانت- كان النشيد الهولندي بالمرتبة الأولى. وهو أقدم نشيد وطنيّ معروف. إنّ إلقاء نظرة على كلمات هذا النشيد والذي يذكر "وليام أورانج" يعطيك نبذة مختصرة عن هولندا. ذلك البلد الصغير الذي استطاع انتزاع استقلاله بقوّة من أعظم امبراطوريّة موجودة وقتها، اسبانيا الهابسبورغ بالنصف الثاني من القرن السادس عشر، وعند نموّها اصطدمت بامبراطوريّة عظمى يحكمها أعظم ملك لها فرنسا لويس الرابع عشر، وقد دخلت معها في حروب مرهقة وطويلة وكثيرا ماعانت من منافسة الانجليز بنفس الفترة. لم تكن هولندا ندّا لفرنسا التي كان لملكها أطماع وشهيّة لالتهام الأمجاد ولو بحجم بلد مثل هولندا. لم ينسى الهولنديون مافعله الفرنسيون وعندما اعتلى وليام الثالث الأمير الهولندي عرش انجلترا لم يمت إلا بعد أن قرّت عينه بتحالف أوروبيّ حطّم الأطماع الفرنسيّة وكسرت غرور ملكها الذي اكتفى بنصر رمزيّ كبير وهو وراثة حفيده عرش اسبانيا حيث لازالت نفس الأسرة تحكم، ولكنّ بلده انهت الحرب وقد خسرت الكثير وباتت على اعتاب خسارة كلّ شيء تقريبا. 

في النشيد نبرة الإصرار والتحدّي لملك اسبانيا واعلان لولادة هولندا كبلد مستقل.





بالنسبة لي أعتقد أنّ أجمل نشيد بالنسبة لي هو نشيد بولندا، ذلك البلد الذي التهم كثيرا من قبل ثلاثة امبراطوريّات تآمرت عليه بقسوة، حتّى كاد أن يضيع من الخريطة إلى أن خطّ نابليون حدودا "لدوقيّة فرصوفيا" وهو ماذكره النشيد الوطنيّ وفي النشيد دعوة بعد مجيء نابليون لديبرووسكي أحد نبلاء بولندا للقدوم الى الوطن الأم من أجل القتال لها. الاستهلال كان في غاية الروعة. 

"بولدنا لم تمت بعد .." 



في النشيد حيث يكثر الترديد : march march Dabrowski  لاأجد كلمات عربيّة تصفها، لكن بإمكانك حين قراءتها تخيّل شعور مردّديها.
لبولندا تاريخ مرير ومليء بالحسرة وتستطيع أن تجد الحماس واضحا عندما يردّد البولنديون هذا النشيد في مناسبات مختلفة. 



أمّا النشيد الفرنسي "المارساييز" وهو أشهر نشيد على الإطلاق. كتب هذا النشيد عندما تحالفت ملكيّات أوروبا ضد الجمهوريّة الفرنسيّة، كان الوضع يبعث على اليأس كلّ جيوش أوروبا على الحدود  إلا أنّ الجمهوريّة قد نجت بأعجوبة وبعد إصرارها. عند قراءتك لتاريخ تلك الفترة ستشعر بأنّ الوضع فعلا كان ميؤوسا منه، فكيف بمن عاش تلك الأيّام.



أيضا هنا يكثر ترديد "marchons marchons" ولها نفس وقع مافي النشيد البولندي.


على الرغم من أن النشيد الفرنسي يدعو للنهوض ضد الظلم إلا أنّ هذه الجمهوريّة أذاقت العديد من البلدان ماكانت تدعو لقتاله في نشيدها. قد توجد العديد من القصص التي تستحقّ الاعجاب في العديد من البلدان الأخرى (غير الأوروبيّة) ولكن الكثير من الأحداث طمستها أو همّشتها لعدم ادراكهم لقيمة رموزهم الحقيقيّة.

هنالك أناشيد كثيرة تخبرك عن بلدانها مثل "المانيا فوق الجميع" وغيرها. وللأناشيد رمزيّة يتمسّك الكثير بها، فقد طرد مدرب المنتخب الصربي السابق ميهالوفيتش اللاعب الصربي المسلم آدم لياليتش لعدم ترديده النشيد الصربي وقد نسيت السبب الذي دفع اللاعب الى ذلك وكان قد عبّر عن حبه لبلده رغم ذلك.  

الملاحظ أن أغلب الأناشيد تذكر الرب وتدعوه ليحفظ بلدانها والكثير منها تأتي على ذكر الدماء التي سالت في سبيلها، ويندر أن يولد بلد بلا دماد، كما يندر أو يستحيل أن يلد الإنسان بلا دماء.    


بالمناسبة وهذا هو النشيد الوطنيّ السعودي القديم والذي كتبه الشاعر اللبناني سعيد فيّاض، قبل النشيد الحالي كلمات الشاعر ابراهيم خفاجي. 



الثلاثاء، 11 أبريل 2017

الشعر و كم هو مستحيل على الترجمة.

أكثر من مرّة حاولت قراءة الشعر الأجنبي المترجم ولكن دون جدوى. الكثير من كتب الشعراء الآجانب كانت تجذبني عناوينها وبعض اقتباساتها وألاحظ تعلّق الكثيرين بها. كانت هنالك أسماء كنت أتضايق لعدم قدرتي على تذوّق أشعارها: آليجري، لوركا، ريلكه، رامبو، إليوت، طاغور. وشعرت بالأسف بعد أن عرفت بأنّ فيكتور هوغو قد يكون أعظم كشاعر أكثر من كونه روائي! ومايؤسفني أكثر أنّه وبعد زمن وصلت لقناعة تامة أنّ ترجمة الشعر مستحيلة. وأنّ الأمر يبدو كمن يصف لوحة جميلة بالكلام، مهما كان الوصف موفّقا ستظلّ تشعر بأنّك تفتقد لرؤية اللوحة الأصل. 

الكثير من الكتب تحدّثت عن الترجمة وهنالك مترجمون تحدّثوا كثيرا عن ذلك مثل أمبرتو ايكو وهو أديب ترجم وتُرجم له. ولاتوجد ترجمة أثارت الجدل مثل ترجمة الشعر ولا أذكر أن أحدا قال وبكلّ جرأة بأنّه يمكن ترجمة الشعر مئة بالمئة، بل إنّ شاتوبريان الأديب الفرنسي المعروف ومترجم (الفردوس المفقود) لجون ميلتون إلى الفرنسيّة إعترف بأنّ الطريقة الوحيدة لترجمة شعر ميلتون هي بالنثر. أيّ أنّ الشعر وبكلّ بساطة سيفقد أهمّ دعائمه بعد الترجمة.

كيف نقول بأنّ الترجمة مستحيلة وليست صعبة للشعر؟ 
لك أن تتخيّل شخصا يترجم معلقة أمرؤ القيس هل تتصوّر بأنّ شخصا انجليزيّا بعد أنّ يقرأها مترجمة قادر على إعادة كتابتها إلى أصلها العربي؟ لا بالطبع. لعلّ أقرب وسيلة ممكنة هو أن يترجم شخص يحسن كتابة الشعر بالعربيّة والانجليزيّة ترجمة القصيدة، ومع ذلك ستظلّ القصيدة المكتوبة قصيدة المترجم نفسه.


لا يُستغرب أبدا أن يسمّي الكثير الأعمال المترجمة بالخائنات الجميلات وأن توصف الترجمة بالخيانة الوفيّة مثلا. مشكلة الشعر أنه يستمدّ جزءا كبيرا من جماله باللفظ صوتا ونطقا (وقعه على الأذن واللسان) وهو شيء لا يصاغ بالمعنى. 

لنضرب أمثلة أخرى على استحالة الترجمة ، وبالنسبة للروايات الأمر مختلف ولكن بدلا من أن نقول مستحيلة سنقول بأنّها صعبه ولكنّها ممكنة بمقدار. 

 مثلا لو أن شخصيّة روائيّة  استشهدت بهذه الأشعار"تجري الرياح بما لاتشتهي السفن" أو "اللي يبينا عيّت النفس تبغيه" كيف سأترجم ذلك؟ حسنا سأترجم ماهو موجود كلمة\كلمة ولكن المقطع الأوّل يوحيّ بأنّ الشخصيّة قد تكون مهتمّة بالشعر الفصيح والثانية توحي بأنّها شخصيّة تهتمّ بالأبيات الشعبيّة ولكن هل يستطيع الأجنبي الذي سيقرأ الترجمة معرفة ذلك؟ أنّ الشخصيّة استشهدت ببيت شعبيّ أو ببيت فصيح؟ الأمر الذي قد يوحي بعدّة أمور حول الشخصيّة نفسها أو جزء من مكمّلات الشخصيّة نفسها.  يمكن تفادي ذلك بوضع علامة وتوضيح بالهامش زو بجلب مثل شعبيّ باللغة المُترجم إليها -وهي طريقة مستخدمة- يوازي المثل الشعبيّ المترجم. ولكن حتما المثل الشعبي سيكون مختلفا لفظا وتاريخا ومايمثّله معنويّا قصّة وخلفيّة. أيضا نعرف بأنّ لكلّ مثل عربيّ أو شعبيّ وقعه النفسيّ والوجداني وأيضا الكثير من الشخصيّات المعروفة بثقافاتنا عندما تُذكر لها وقعها فينا والوقع لايمكن ترجمته. 

ليس ذلك وحده مالايمكن ترجمته بدقّة، إذ أنّ اللهجات لايمكن ترجمتها و لك أن تتخيّل نفسك وأن تشرح لأحد معاني قصيدة جميلة أعجبتك لشاعر عربيّ وأنت مع الأسف لاتحفظ أي بيت منها ولذلك تحاول عبثا شرح معانيها وإيضاح جمالها وأنت متأسّف لأنّك لم تستطع قول بيت واحد فيها. كذلك ترجمة الشعر بالضبط بالنسبة لي. وأتفهّم كيف أنّ مترجما بحكم معرفته باللغة الأصل يشعر بالأسف لأنّه لايستطيع أن يبيّن لنا جمال القصيدة إلا بشرحها. 


إنّه لمن المؤسف فعلا أن لايمكن ترجمة الشعر. فهنالك مقاطع جميلة جدّا، بل أحسب تشعّ روعةً؛ إذ أنّها وبلغة أخرى استطاعت أن تحافظ على جمالها، وكأنّ للبشر صيغ لغويّة معيّنة أو كلمة سرّ\سحر قادرة على تكون بمعناها الأتمّ وبأيّ لغة. 


"حيث يستعصي الأمل، الذي لايستعصي على أحد"
جون ميلتون

"سيجيء الموت وستكون له عيناك"
تشيزاري بافيزي

هذه من أكثر المقاطع التي تمنّيت أن أشعر بقراءتها بلغتها الأصليّة كمتحدّث بها. هل هي جميلة مثلما تبدو بلغتنا؟.  

حتى بحال تعلّمك لغة الشعر نفسه أحيانا لايتذوّق الشعر من هو يتحدّث باللغة نفسها كلغة أم فكيف بشخص يتحدّثها كمتعلّم لها؟! الكثير منّا يعرف قدرا من الانجليزيّة وله مخزون لابأس به من كلماتها ومع ذلك قد يصعب علينا كثيرا تذوّق الشعر الانجليزي. فنحن لانملك ذلك المخزون الذي يحيلنا إلى ماتعني الكثير من كلمات من معاني واعتبارات وتاريخ استخداميّ لها. أيضا لاننسى بأنّ الكثير من الروايات تحمل جملا كتبت بطريقة شاعريّة وقريبة من الشعر، أيضا ذلك زمر ماكلّ مترجم يستطيع ترجمته، كلّ ذلك يبيّن لنا أن الترجمة والمترجمين فيهم أشخاص عظام كما يوجد كتب ومؤلفين عظام.

وقبل أن أختم أحبّ أشارككم بمقطع أعجبني كثيييرا باللغة الانجليزيّة، ولا أدري لماذا هو بالذات ولا أدري كيف يمكن أن يترجم بأجمل العبارات.

Hail, ye small sweet courtesies of life, for smooth do ye make the road of it.
لورانس ستيرن




الشعر كنز الشعوب الفريد، فهو لم يكن مستحيلا على الترجمة عبثا. إنّه لصيق بالأمم الناطقة به ويفهمها أكثر من غيره لدرجة أنّ لا أحد يستطيع تذوّقه كما هو إلا بلغة وفهم أهله. فهو الإنتاج الإبداعيّ البشريّ الوحيد -إلى حدّ ما- القادر على الصمود والبقاء داخل الصدور. الشعر هو الابداع  الوحيد -ربّما- الذي استطاع الانسان الأميّ أن ينافس الانسان المتعلّم به، فلايستطيع أيّ متعلّم أن يدّعي أفضليّته على الأمّي بالشعر. تماما مثل اللغة. 

الثلاثاء، 28 مارس 2017

جميل بشهادة الفنّان لا بشهادة الجميع.



لو كنت أنت من رسم لوحة ماليفيتش هذه هل تتوقّع أن يعرفها أحد؟ في الواقع إنّ هذه اللوحة بيعت بمبلغ عالي، أكثر من عشرة ملايين دولار. ولا داعي للسؤال بكم كانت ستباع لو كنت أنت من رسمها.







هل في اللوحة شيء يدعو للتأمّل؟ أم أنّنا نتأمّل ماليفيتش باللوحة؟


مجموعة من أعمال ماليفيتش الرائعة. بصراحة كازيمير ماليفيتش من الفنّانين الذين أحبّ التأمّل في لوحاتهم والنظر إليها، وبالنسبة لي هذا الجدار مبهج وبديع. الجواب على السؤال هو أنّ الرسم بالذات لاينفصل إطلاقا عن إسم صاحبه. بإمكانك أن تشعر بجمال وروعة أبيات شعر لشاعر لاتحبّ قصائده في العادة ولكنّه في هذه الأبيات بدا مختلفا. توجد الكثير من القصائد المجهولة المشهورة والتي احتفى الكثيرون بها في حين لايوجد مثل ذلك كثيرا في عالم اللوحات، لأنّ إسم الفنّان مهمّ للغاية لكلّ لوحة أكثر مما يعنيه إسم الشاعر والكاتب في القصيدة والرواية. 


لا أعتقد أن شهرة ماليفيتش كانت عبثيّة وأنّ الأشكال في لوحاته كان يمكن لأيّ واحد منّا ابتكارها. إنّنا نولد ونحن نعرف -بطريقة ما- أن هذا الشيء جميل وهذا غير جميل. لا إثبات علميّ لديّ، ليس إلا حدسا، فعندما تقرأ عن إمرأة توصف بأنّها جميلة في كتاب ما عمره ٥٠٠ سنة فإنّ احتمال أن تكون هذه الإمرأة قبيحة في نظرك  قليل جدّا. الأوصاف التي تتصف بها الجميلات بالمجمل نفسها منذ آلاف الأعوام باختلاف بعض التفاصيل القليلة. وهنالك حالات أخرى خارج نطاق هذا الحكم، ولا أتكلّم عن الحبّ، أن يحبّ رجلا إمرأة ليست جميلة في نظرنا ولكنّها بالضرورة جميلة في نظره، فالحبّ شيء مختلف. وبعيدا عن المرأة أو الرجل حتّى. هل الأمر ينطبق كذلك على الأشياء والأشكال من حولنا؟ 







(الموجة العظيمة) لهوكوساي
ترى كم واحدا من ١٠٠ سيقول عن هذه اللوحة جميلة وكم واحدا سيقول العكس؟
إنّنا نعرف بالغالب ماهي المرأة الجميلة ونتّفق حول ذلك في الغالب ولكن عند الحديث عن: متى تكون المرأة جميلة أو الرجل جميل وكيف يكون شكلهما فإنّنا عندئذ سنختلف كثيرا وستبرز مسألة التفضيلات بيننا. أيضا ينطبق ذلك ربّما على الأشكال والأشياء، شيء ما يجعلنا نقرّ بأنّ هذا الشيء جميل وليس ضروريّا أن نصف كيف بالغالب، لذلك الكثير من اللوحات التي قد لانفهم كيف أشتهرت وكيف أصبح رسّاموها عظاما إلا عن طريق معرفة رأي الكثيرين من الناس حولها أو رأي المهتمّين بالفنّ. قد نعرّف أو نَعرف الجمال بأنّه شيء نحبّ أن نراه مرة ومرّتين وأن نفكّر ونحن نحدّق فيه ونتأمّله. متى يكون ذلك؟ هذا مالانعلمه أو مالم نتمكّن من معرفته بالضبط، ولو أنّي أميل الى كون ذلك موجود من فطرتنا لذلك لايمكن حصره. 

يوجد أشخاص قادرون على معرفة الأشياء الجميلة أكثر من غيرهم. وكلّ ماعليهم فعله أو أن يجعلونا ننتبه لتلك الأشياء أكثر ومن بين هؤلاء الرسّامون. وبطبيعة الحال وذلك مبنيّ على قدرتهم على رؤية الجمال ووصفه قدر الإمكان بالرسم، وتختلف إمكاناتهم وأدواتهم بطبيعة الحال. فخطوط رفاييل وبوتشيللي الأنيقة والناعمة تساعدهم على رسم الجمال وجعله واضحا لنا أكثر وكذلك الحال مع إضاءات رامبرانت والخطوط المتعرّجة والتي تبدو متحرّكة لروبنز.



(مقبرة اليهود) لرويسدال
في هذه اللوحة الكثير من التفاصيل والتي لم تخفي وتطمس معالم الجمال، فكثرة التفاصيل سلاح ذوحدّين قد تجعل الرسّام يذهب بتلك الزخارف بعيدا فيضيع الجمال في كومة التفاصيل. إلا أنّ رويسدال عنده قدرة عجيبة على جعل الجمال شاخصا رغم التفاصيل الكثيرة. يوجد رسّامون غيره كثر يرسمون مثله ولكنّهم لم يشتهروا مثله. فهو استطاع أن يصف الجمال بإسهاب وتوصيف دون أن يشعرنا بالملل والضياع.



وفي لوحة ويستلر هذه. يبدو الجمال في التفاصيل المرتّبة والأنيقة، كأنّها قطعة قماش حيكت برفق. الرسّام الأمريكي من  أكثر الرسّامين الغربيين الذين تأثّروا بشكل واضح بالفنّ الياباني المعتمد على تنسيق الأشكال البسيطة بطريقة أنيقة ومرّتبة مريحة للعين، ورغم أنّه قد تنقص الأدوات والأشياء لإبراز الجمال لكنّ قدرة الرسّام هي ما تجعله قادرا على إبرازه بأبسط التفاصيل. فهو استطاع أن يصف الجمال بإيجاز دون أن نشعر بأنّ شيئا ينقص وصفه. 



أحب هذا الاسكيتش لمونيه وبالنسبة لي هو أجمل اسكيتش لرسّام مشهور. ليست صدفة أن توجد هذه الرسمة في الكثير من الكتب التي تتحدّث عن مونيه رغم أنّه رسم الكثيييير من الاسكيتشات غيرها ولكن لهذه بالذات حضورها المميّز. إنّ الجمال فيها عفويّ وكأنّها كلمة خرجت من فم قائلها بشكل عفويّ. فهو استطاع أن يصف الجمال بشكل غير كافي ولكنه كافي بالنسبة الى كلمة عفويّة أو وصف جزئيّ.


الكثير يستطيع أنّ يعبّر عن الجمال بطريقته، من وجيه مودلياني القوطيّة إلى خربشات جاكسون بولوك وصولا للوحات فونتانا الممزقة بالمشرط. إن الفنّ لازال نفسه يبحث عن الجمال ولكن العالم الآن بات يعترف بوجوده بطرق شتّى. صحيح توجد الكثير من الأعمال القبيحة والمثيرة للإشمئزاز والتي تسمّى عند البعض فنّا ولا ندري كيف يحدث ذلك إلا أنّ الفارق بينها وبين الأعمال الأخرى الفنّان نفسه، فمثلا يستاء الكثير من أعمال داميان هيرست التي أخذت طابعا تجاريّا ولاتزال قائمة جائزة تيرنر للفائزين تثير السخرية مثل سرير تريسي إمين  لذلك حتما لايمكننا فصل الأعمال عن الفنّان نفسه، فبقد ما نحن بحاجة للحكم على هذا العمل هل هو جميل أم لا، نحتاج للحكم على الفنآن هل هو فنّان حقّا أم لا.    


بناءًا على ثقتنا بالرسّامين نحن نستطيع أنّ نخمّن بأنّ هذا الشكل الذي رسمه جميل، وهو ذاته الذي قد لانقول عنه كذلك لو رسمه غيره. لاننسى أنّ قيمة اللوحة تدخل فيها عدّة أمور: سيرة الفنّان، سيرة اللوحة، موضوعها، سعرها -وهو أمر يخصّ عالم الأعمال بعيدا عن الفنّ-. لاشكّ أنّ العالم سينظر بإعجاب إلى لوحة أصرّ رسّامها على مواجهة العالم الرافض بها. وقد يكون من باب ردّ الجميل منح قيمة إضافيّة للوحات جميلة لم تنل نصيبها من الإعجاب بل نالت الكثير من الإنكار.

أتذكّر قولا اعتياديّا أُطلق كثيرا وهو: أن أعظم الفنّانين ماتوا فقراء! وهذا القول إطلاقا غير صحيح. الكثير منهم ماتوا عظاما وأغنياء ولكنّ للفنّان الفقير قيمته الخاصة، فهو ضحّى بالكثير من الأمور في سبيل أن يري العالم الجمال بطريقته رغم كلّ الصعاب. ولعلّ أشهر من مات بالفقر وهو رسّام فان غوخ وصديقه بول غوغان . على الأقل أدرك بول سيزان شيئا من اعجاب الناس أواخر عمره. لكن فان غوخ وغوغان بالكاد نالوا أيّ شيء يذكر إلا الإعجاب الذي يبديانه لبعضهما.

كم واحدا مثل فان غوخ مات فقيرا؟
الكثير ولكن لماذا اتّفق العالم على جمال فان غوخ، هل الأمر جاء مصادفةً؟ بالطبع لا. بالنسبة لي فان غوخ يمتلك ميزة لايمتلكها إلا غوغان صديقه. وهو جعل الأشكال مدموجة في قالب هندسيّ فريد بحيث يخلق فراغا متناسقا وبشكل أنيق. حتّى الفراغ في لوحات فان غوخ يبدو جميلا.










بورتريهات لأرماند رولين. وهي من النماذج المثاليّة لفنّ فان غوخ. لاحظوا شكل الفراغ خلف الجسد، لو افترضنا أن اللوحة عبارة عن لونين: أسود للفراغ وأبيض للجسد أتخيّل أنّ الشكل العام سيكون جميلا. يوجد الكثير من الرسّامين اللذين قلّدوا فان غوخ ولكن لايوجد ذكر بارز لهم. الخطوط السوداء العريضة التي تحدّد الجسد منحته بروزا ونتوءا بديعا. أتذكّر في المراحل المتوسّطة كيف أن الأشكال التي رسمتها تبدو أجمل عندما أحدّدها باللون الأسود لتبدو أكثر بروزا -مع فارق التشبيه طبعا-


ماهذه إلا أداة من أدوات فان غوخ الكثيرة جدّا  والتي عن طريقها كأيّ رسّام يحاول أن يبرز أو يرسم الجمال. وله جانب آخر ملفت بنظري بالإضافة إلى هندسة الفراغ فلايوجد من هو مثله في رسم الأشكال الهندسيّة كالمباني والغرف والأثاث بشكل لطيف.





المعالم العمرانيّة والأشكال الهندسيّة في لوحان فان غوخ رائعة، يبدو أنّه كان مؤهلا ليكون مهندسا معماريّا!

هل نعود إلى أوّل كلامنا، حيث أنّه لو قرأنا عن إمرأة جميلة في كتاب عمره ٥٠٠ سنة فإنّها بالغالب تعتبر جميلة بنظرنا كون الجمال لم يختلف في عين البشر منذ القدم؟ مالذي جعل لوحات فان غوخ التي كانت غير جميلة في زمنه جميلة في زمننا؟ أليس مفترضا أن نكون قادرين على معرفة الجمال بحكم فطرتنا؟ مالذي اختلف؟ بتصوّري أنّ الجمال الطبيعي كوجه الإنسان والمناظر الطبيعيّة نكون قادرين أكثر على تحديده وفهمه. في حين الجمال الإبداعيّ من قبل البشر غير ذلك، لأنّ البشر لايمتلكون وصفا دقيقا عن الجمال بشكل كامل، لهذا قد يبدو الأمر أكثر تعقيدا من هذه الناحية.


في عالم الرسم بفضل أدوات الفنّانين نستطيع رؤية الجمال، كلّ بحسب أدواته وقدرته، الأمر أشبه بكاميرا قادرة على منحنا صورة واضحة لمنظر جميل وكاميرا قدراتها أفضل قادره على منحنا صورة أوضح وأخرى قادرة على إبراز لون معيّن وأخرى قادرة على التقريب أكثر وهكذا.

علينا أن ندرك بأنّ شهرة وعظمة اللوحات لا تبنى على الجمال وحده، بل على كلّ شيء يتعلّق بها. ومنها أمور لايمكن أن نفهمها إلا كونها أشياء حدثت هكذا بشكل اعتباطيّ في زمننا ولانفهم السبب مثل شهرة الكثير من نجوم السوشيال ميديا. وكذلك قد يكون الأمر غير ذلك. فأعمال أندي وارهول الجميلة نالت أكثر من نصيبها بفضل رجال الأعمال الأمريكيين. كان أحدهم بشتري لوحة وارهول بالملايين مرة ومرّتين وهو يمتلك العشرات منها، على زمل أن ذلك سيجعل سعرها يرتفع تباعا خاصة وأنّ المشتري مجهول الهويّة!

لكن على مرّ التاريخ والسؤال الذي لا إجابة له: من هو أعظم فنّان؟
كلّ ما أستطيع قوله أنّني في هذه الفترة أشعر بأنّ أكثر من فنّان استطاع أن يقترب من الكمال والمثاليّة لوصف الجمال ولأنّ النفس البشريّة متقلّبة لا يمكن أن تجزم بحكم مطلق حول أفضليّة عمل انسان ما. لكنّ يبدو أنّ رافاييل وفيرمير قد وصلا إلى مستوى عالي من التطلّعات. 











إن أكثر لوحات رافاييل شهرة هي لوحاته الدينيّة وبالذات التي تصوّر العذراء، لو للطف لوحة  لكانت لوحة لرافاييل. لايمكن أن يصوّر أحدهم حنان الأمّ كما يفعل رافاييل، حتّى لوحاته التي تصوّر سانت جورج وهو يقتل التنّين تبدو في غاية اللطف! لوحاته تبعث على السكينة مما يساعد على التأمّل فلاعجب إن أحبّوا لوحاته الدينيّة. في لوحته كلّ الخطوط ناعمة ولايكاد يوجد خطّ يخدش أناقة لوحاته. في لوحاته شيء حيّ لا أجده في لوحات الآخرين. 
كلّ ماعليك هو أن تبحث عن لوحاته التي في عناوينها Madonna


 



يوهانس فيرمير، هذا الفنّان رغم قلّة لوحاته إلا أنّها نالت إعجابا منقطع النظير. لعلّه أكثر فنّان يعرف هواة الفنّ لوحاته بالتفصيل لا لقلّتها بل لأنّها من أكثر اللوحات التي تدعوك للتأمّل. إن لوحاته غريبة التفاصيل! كيف؟ لايوجد جزء باللوحة تحسّ بأنّه بلامعنى. قد تحبطك لوحة بحثت في تفاصيلها لأنّك وجدت أو شعرت بأنّ هنالك سنتمرات بلا معنى، الأمر الذي لايمكن أن يكون مع فيرمير. اللوحة الأولى بالصورة توصف بأنّها أروع أعماله والثانية قيل بأنّها أجمل لوحة طبيعيّة وله لوحة رسم فيها وجه فتاة شابة يعتبرونها موناليزا هولندا. بلوحاته القليلة حاز فيرمير كلّ ذلك.


مع ذلك إن مافعله رافاييل وفيرميير ماهي إلا محاولة أو طريقة أو لغة في وصف الجمال. ذلك لأنّ الجمال أوسع من أن يوصف أو يصوّر كاملا بإبداع بشريّ، لذلك يعتبر الفنّانون الذين يمتلكون مراحل مختلفة ورائعة في مسيرتهم الفنيّة  عظماء، مثل فان غوخ وبيكاسو. 

على كلّ حال، سيظلّ الجمال لغزا، لانعرفه أهو شكل أم علامة أم شعور داخليّ فينا؟ إنّنا نحاول الإجابة عن طريق اقتفاء أثره والذي يبدو واضحا في أعمال وأكثر وضوحا في أعمال أخرى أو أنّه غير واضح ولكنّنا نكون واثقين وقتها من الفنّان الذي يشهد على ذلك.
 

الجمعة، 17 مارس 2017

سينماء عظيمة وفقيرة وسينما رائعة وغنيّة .



أحيانا يخيّل إلي إنّ أرقام بيع التذاكر السينيمائيّة لاتعكس مدى حبّ الأمريكيين للأفلام بقدر ماتعكس هوسهم بتناول "البوب كورن" والمشروبات الغازيّة. الأرقام كبيرة للغاية، تماما مثل كلّ الأرقام الأمريكيّة والتي تتعلّق بالمال التي لولا الأمريكان ربّما ماسمعناها. فحتّى الكلمة الأمريكيّة الأشهر على مستوى العالم  Google تشير الى رقم خرافيّ. 
 






لو اطّلعت لوجدت أن ميزانيّة الفيلم الأمريكي -رغما عن مخرجه الكندي- (Avatar) تساوي ربّما ميزانيّة آخر عشرة أفلام أوروبيّة فازت بجائزة "السعفة الذهبيّة" بل ربّما آخر عشرة أفلام أوروبيّة وغيرها فائزة بجائزة: الدبّ الذهبي، الأسد الذهبي، والسعفة الذهبيّة! أمّا على صعيد المبيعات فقد نقول آخر خمسين فيلما فائزا.

أعلى الأفلام دخلا والأكثر بيعا والأعلى ميزانيّة كلّها تصنيفات رقميّة اللغة المفضلة للأمريكيين. يتكلّمون عنها كثيرا ويتباهون بأفلامهم من خلالها بخلاف غيرهم. وإن الإخذ بهذا التصنيف سيجعل الأفلام الأمريكيّة بالمقدّمة لمئة سنة أخرى.

وعندما تشاهد الأرقام الخاصة بالأفلام الأوروبيّة الرائعة ستتفاجأ بمكانة الأفلام الكبيرة مقارنة بأرقامها الصغيرة. وستتساءل عن مدى الشغف الذي يجعل الأوربيّون يواصلون انتاج أفلامهم رغم هذه الأرقام التي لاتسمن ولاتغني من جوع. وهذا هو الفرق بين أن يكون عملك (مصدر رزقك) هو هوايتك المفضلة وبين أن يكون عملك (مصدر ثرائك) هو هوايتك المفضّلة. الأفلام الأمريكيّة رائعة والأفلام الأوروبيّة عظيمة. بالنسبة لي أجد أن "رائعة" تناسب الأفلام الأمريكيّة الممتعة والمدهشة والمبهرة وكلمة "عظيمة" تناسب الأفلام الأوروبيّة التي تستحقّ الإعجاب والتقدير والإشادة معا. الكثير من الأفلام الأوروبيّة أو لنقل المليئة بالأوروبيين أنتجت أو لنقل جعلت أمريكيّة وناطقة بلغتها، الأمر الذي  أكسبها أرقاما أمريكيّة. إنّها جنّة السينما فعلا، وأربابها يقومون بعملهم بجنون وشغف ولكنّه حتما لايشبه الشغف الهادئ المثابر التي تنتجه أفلام مثل الفيلم الروماني الجميل 









 4Months, 3 Weeks and 2 Days  وهو فيلم ميزانيّة لاتعادل -ربّما- ميزانيّة فيلم أمريكي قد لاتساوي عدد مشاهداته عدد المرّات التي عرض فيها! 

  لكن هل لنا أن ننتقد كلّ ذلك؟ كثيرا مايكون انتقاد الأمريكيين نابع من غبطة أو حسد. إنّنا ننتقد بشدّة المشروبات الغازيّة الأمريكيّة الغازِيَة. وننتقد الوجبات السريعة التي تنتجها لنا ونتّهمها مستندين -رغم كلّ ذلك- إلى دراسات أمريكيّــة أيضا حول خطرها! أعتقد أنّ المسألة ليست مسألة خطأ وصواب بقدر ماهي طريقة وأسلوب، قد تكون كريهة وقد تكون محبّبة. بل إنها هي، هذه هي أمريكا منذ بدأت. فقد كان رجال الأعمال الأمريكيين بعد الاستقلال يملكون أراضي واسعة تعادل مساحتها مساحة دول أوروبيّة! ومع الأيّام بدأت الأرقام تكبر أكثر وأكثر وبدأت جيوب رجال أعمالهم تبدو أكبر بكثير من جيوب رجال أعمال أوروبيين أسرهم أرباب مهن عريقة. ذلك البلد الذي كان ولازال حلمه "الحلم الأمريكي" حلما للكثيرين قد فتح عالما آخر جديدا للعالم. حدث ذلك بعد أن تمّ إبادة ٤٠ مليون هندي تقريبا، لم ينتبه الكثيرين لهم إلى الآن حتّى أنّهم عندما أرادوا أن ينتخبوا رئيسا ليكون تتويجه لحظة تاريخيّة بحكم لونه وعرقه اختاروا أمريكيّا أسمرا ولم يختاروا هنديّا! بالرغم من كثرة الأسماء الهنديّة بهذا البلد وبالرغم من أن الحديث عن الأدب الأمريكي وتاريخه عادة مايقود إلى خطب هنود مثل : لوغان وسياتل. لكن على كلّ حال أمريكا تشبه كثيرا "جون سيلفر" الكثير معجب به بالرغم من أنّه شرّير وقرصان. 

 




من فيلم Chinatown هكذا قام بالتعريف بنفسه.

 للمال معنى آخر هناك، فحتّى الفقير قد لايعتبر فقيرا لسوء حظّه بنظرهم بقدر مايعتبر فاشلا أو كسولا. هذا البلد مليء بقصص النجاح الرائعة. وعلى صعيد السينما، إن افترضنا بأنّ الأرقام هي ماتعني النجاح بالنسبة لها فلا يمكن أن تكون "هوليوود" خارج أمريكا مثلما لايمكن أن يكون "وادي السيليكون" خارجها.