الاثنين، 13 مايو 2019

آلة الزمن .





*
 Wayne Thiebaud 



تحاشيا للإحراج كنت أذهب مشيا إلى الصلاة في المسجد البعيد. لا أحد من الجيران يمكن أن يراني باللباس الذي يريحني، عدا قلة من أمثالي.

مع الأيام والسنوات أدركت أن اللباس لم يكن السبب في تفضيلي الذهاب إلى المسجد البعيد. حتّى مع صلوات الظهر كنت أفضّل الذهاب إليه. كان الطريق منه وإليه نفس الطريق الذي كان يؤدي إلى مدرستي، أيامي الأجمل والتي ظننت حينها أن أجمل أيامي لم تأتي بعد، رغم أني كنت أعيشها بالفعل ودفاتري الحالمة تدل على ذلك.

أتذكر بالكلية قال لي أحدهم بأن في "السراة" باب يقود إلى العالم الآخر. ليس لعالم الجن فحسب بل إلى حياة أخرى وعالم مختلف. كان حديثه يسليني، لم أقاطع حديثه بشربي ما كان في يدي، كما كنت أفعل غالبا، محاولا دسّ رأسي في الكوب بعيدا عن ضجيج أي حديث لا يهمني.

لم يعني ذلك شيئا لطريقي الطويل نحو المسجد. من عادتي أحب سماع مثل هذه القصص التي لا أؤمن بها ولو أني أجد متعة في تصديقها من يوم لآخر.

اعتدت إمالة كتفي نحو الظل المنحسر صوب الجدار. يكاد رأسي يحك في الجدار في كل مرة أحاول نيل قدر أكبر من الظلال. مالم تستطعه الخلوة واللحظات في إعادتي لأيامي بالمدرسة استطاعت الشمس اللاهبة والجدار والظل المنحسر فعله. لم يتغير شيء، طلاء الجدار على لون النادي (الأزرق والأخضر) على حاله، كان يلمع وكأنهم يجددونه، كما كان لونه يبعث على "البراد" والبيوت القديمة بالجهة المقابلة لم تتغير، وصالون الحلاقة ذاك الذي ترك في نفسي ندبا لا يُنسى. هل حكيت لأحد ما حدث؟ لا أدري لكني واجهت مالم استطع تجاوزه كنت أخشى الذهاب الى نفس الطريق في نفس الوقت الذي حدث فيه ذاك -خارج وقت الدراسة تماما-. عندما حملت أخي راكضا فكرت بالصراخ لألفت الانتباه إلا أن خوفا ما كان يسد فمي. هل كان أحدهم سيكترث؟ الصراخ ملفت لكن مشهد صبي يحمل أخاه على كتفه راكضا أكثر الفاتا ومع ذلك لم ينتبه أحد.
 هذه الأيام في كل مرة أمر بالكاد يشكل المكان بما حدث فيه عائقا بسيطا على طريقي، كحجر عثرة يمكن ركلها والتسلي بها. ما كنت أظنه سيشكل عائقا على نفسيتي طوال عمري لم يعد شيئا. أصبح كندب موس الحلاقة على الوجه، يزعج كثيرا ويصعب نسيانه حتى يختفي أثره.

لم يتغير حذري وأنا أقطع الشارع عائدا. أصل للبيت وأنسى كل شيء. أعود في وقت آخر -صلاة أخرى- نفس الطريق ويعود كل شيء إلا أيامي الجميلة لا تعود.

لهيب الشمس بات لطيفا.
يمكنني أن أصف الطريق عائدا كما كان. نفس الفتحة النافذة من الجدار والتي يمكنني رؤية الناس يلعبون داخل النادي. ومحول الكهرباء الضخم والذي يعترض الطريق لازال عدا عن الأعمدة التي كانت تحيط به، تحطم بعضها وبعضها مال لكن المحول على حاله. الغريب أن الطلاء كان جديدا طوال طريقي وباردا على العين كعادته أيام المدرسة، عدى المساحة الضيقة بين المحول والجدار. الطلاء كان مقشّرا! وقديم كأنه المكان الوحيد الذي مضت عليه السنين. باب المحول ذكرني بالباب الموجود في "السراة" والذي حكى صاحبي عنه. محول بطاقة هائلة وباب وزمن مختل (آلة زمن) ؟! جعلت كل شيء على حاله حتى الزرع المطل من جدران البيوت والطلاء والنخيل على حالها. الزمن كان متوقفا. والمكان كأنه صورة فوتوغرافية لزمن متوقف وكنت الوحيد الذي يتجول داخل الصورة بزمانه. كأن باب "السراة" الذي حكى صاحبي عنه يقود إلى هنا كأني جئت منه دون أن أذكر وإلا لم صدقت كلامه أو كأن أحدهم صنع آلة الزمن تلك وألقاها على الشارع ودون أن أدرك كأني كنت أعرف شيئا من ذلك في الحقيقة أو في حلمي.   

الثلاثاء، 7 مايو 2019

ماسحة الأرضية .


 *


بعد قطع مسافتي الطويلة و المرهقة عائدا من العمل إلى بيتي 

فتحت الباب، المشهد كان صادما، الأرضية لامعة والطاولة متألقة بلونها الذي طال غيابه تحت الغبار. الأحذية صفّت بعناية واتقان احتاجت الى أن يثني أحدهم ظهره ليضعها برفق.

رائحة البيت مليئة بالعطور؛ معطرات ورائحة بخور كانت آخر أثر للشخص المتعب الذي كان هنا. 

كل شيء يلمع، قطع الزينة بالأثاث مرتبة للغاية. كما لو أنّها ثبّتت بقوّة وصرامة ولا شيء يجرؤ على تحريكها انشا واحدا ويقينا لن تجرؤ القطع لو استطاعت.

حصان بوضعيّة الجري لا شكّ  وأنه متعب لوقوفه بهذه الوضعية، قبل ذلك كان يبدو بأنه يجري بالفعل. 

بشكل مزعج كل شيء كان مرتّبا. رغم المساحات التي اتاحها الترتيب يبدو المكان خانقا وفي غاية الضيق "لا أشعر بارتياح" هكذا شعرت. أشعر بغضب الشخص الذي كان هنا. على أنّه بيتنا إلا أنه يبدو مخيفا وغريبا. لطالما كان بيتنا مرتبا لكن هذه المرة الغضب يعمّ المكان، التعب والكدح والعرق الذي جفّ داخل الأعماق خلق فوضى بيني وبين هذا المكان.

أشعر برغبة المكان بدفعي خارجا قبل أن يراني ذلك الشخص الغاضب، والحصان أكثر من أي وقت أحسست برغبته الجامحة للاندفاع باتجاه الباب خارجا، كان عليه أن يدهسني وهذا ما أخافني فعلا. دفعت بنفسي خارج البيت هاربا، كأنّي أحدثت كسرا في هذا المكان.


-------------
*Susan Rothenberg 

الجمعة، 26 أبريل 2019

برج.


*

الساعة تشير الى الرابعة مساء، الجميع يهمّ بالخروج للعودة الى بيوتهم. كنت لا أزال أحاول إنهاء عملي قبل خروجي، لكن التعب دفعني لترك الأوراق بحثا عن بيتي. كالعادة أتوجّه الى المصعد. انتظر، الناس يدخلون ويخرجون، قبل الاصطفاف أحدهم يشير إليّ:" عفوا لايمكنك الوقوف هنا فهذا مكاني" يحدق الجميع بي وكأنهم يوافقون على كلامه. كنت قد سكبت كل  مالدي  من تعابير على اوراق عملي فلم أعد قادرا على ابداء أيّ  شيء كردة فعل حيال ذلك. كنت منهكا. اترك المكان المليء بالصفوف.

أعمل في هذا المبنى (البرج) منذ سنين وبحكم عملي لدي غرفة فيه، أو بالأحرى توجد غرفة خصصت لي كافية لإمضاء ما يبقيه العمل من يومي. وكعادتي وبعد كل سبب -وفي كل يوم- يقصيني من صفوف المصعد أدخل غرفتي الخاصة حيث كل شيء يسير كالمعتاد. ينغلق الباب ويقفل كأنّ ذلك يحدث من تلقاء نفسه. لا أملك -على ما أذكر- صورة في ذهنيّ وأنا أقوم بتلك الأشياء بنفسي. آخر شيء  يمكنني فعله ألقي بنظرة من على النافذة وكأني أوشك على القاء نفسي من الطابق الـ .. لم أعد أتذكر الرقم، كان عاليا لدرجة أنه ألقاني بعيدا بالأعلى. يصعب تمييز الأشخاص، يبدون متساوون من الأعلى لكن يمكنني أن أميز كلّ شخص بخطواته، أكاد أسمع ما يقولون في أنفسهم، كأنهم يكتبون ذلك بخطواتهم. كيف هي الحياة بالأسفل؟ لا أحد يمكنه اخباري. للأسف لست قادرا على شتم كل شخص يمنعني من أخذ المصعد ولم  أجد شيئا يدفعني لاعتبار ما يحدث سببا جديرا باختلاق المشاكل. بالأمس الجميع ينظرون الي بعد انتهاء العمل "لا يعقل بأنك تود الخروج معنا" هكذا كانوا يقولون، لم أعد أرغب بالكلام يمكنني سماع الكلمات من أعينهم. الاقتراب من تلك الصفوف يشعرني بالضيق. كيف يبدو البرج؟ نسيت شكله لكن من خطوات الناس الذين قد ينظرون اليه قليلا من الأسفل يبدو كوحش أليف، بشع ومهاب المنظر لكنه مسالم. يبدو وأنّه يستمر بالنموّ في كلّ مرة يغيّر الناس طريقة تحديقهم به. أتخيل لو أمكنني رسم البرج من خلال ذلك. 

قبل اغلاق الستارة أشدّ على قبضة يدي كأنّي أحاول إبقاء الستارة في يدي بقوّة أمام رغبة هادئة. هذا أشد ما استطعت فعله. أغلق الستارة تاركا ندبة بسيطة على القماش

كانت غرفتي بسيطة الأثاث تلبّي حاجتي والتي لا تلحّ كثيرا على أي حال. الستارة التي ذكرتها وبلونها المائل للون الجدار والذي يمكنك أن تعتبر لونه أبيضا دون الأخذ بعين الاعتبار إضاءة الغرفة. طاولة بلون قاتم أحبّه يترك الحفر فيها أثرا واضحا. كرسي حرصت على أن يكون مريحا أكثر من سريري لأنّي أقضي فيه أكثر وقتي. من حسن الحظ كان كذلك وإلا ماكنت أدري رغم حرصي ان كنت قادرا على تبديله لو لم يكن كذلك. بضع لوحات صغيرة أتيت بها من عالمي بالأسفل. اللون الأزرق يغلب عليها يمكن للون الأزرق أن يقول ما يحلو له بالأشكال ليبدو جميلا بنظري. الغرفة صغيرة ومناسبة وأنيقة كما قلت بشكل جميل. لا أذكر كيف ولكن لاشكّ وأنها صممت من أجلي كانت تلبي طلباتي كما أنها ألمحت كثيرا إلى أشياء لم تكتمل كنت أودّها لكني قبلت بما دونها عن طيب خاطر  هكذا بدت الغرفة تحدثني. 

قبل اكمال ملابس نومي استلقي على السرير، واحدة من طقوسي التي تجعلني أسهر وحيدا قدر المستطاع، لأن اكمال ملابس نومي يعني تلميحا صريحا لحثّ أفكاري على مغادرة رأسي وتركي وحيدا لأنام. الكتب تتراكم أكثر وأكثر، أحبّ الاقتناء انتظارا لأيام لم تأتي بعد. أدنى سبب كافي لجعلي ألهو بعيدا عن كتبي. سمعت أغنية I 'v Been Working on the Railroad ذلك جرّني بعيدا وأعادني لكتبي لأبحث عن أي شيء له صلة بها، لا أجد شيئا فأبحث عن أي شيء يقترب منها ولأوّل مرّة فكّرت بشيء جدير بالجديّة: أود أن أتعلّم العزف على القيثار. قبل النوم أفتح الستارة، ومن النافذة أمسك بشعور بأنّ أحدا ما يراني وإن لم أره لأعود إلى السرير وأنام

استيقظ وكعادتي ألقي بنفسي من على النافذة -أو هكذا أبدو- لأرى العالم بالأسفل لاشك وأن البرج شاهق الارتفاع لا أدري كيف للمضخات أن تدفع بالماء للأعلى بعيدا بالأنابيب وكيف لها أن تصل. كانت هذه أكثر فكرة تراودني كل يوم. أي قوة يمكنها ذلك؟ المكان عالي. هل من شأن ذلك أن يمنع جسدي من دفع الدماء عاليا نحو دماغي؟ الدماء وباقي الهرمونات والانزيمات هل يمكن لجسدي الدفع بكل ذلك للأعلى حتّى أستفيق؟

أتناول الوجبات كلّها في جوف هذا البرج. الطعام يأتي من الخارج، أعرف ذلك من مذاقه.

كالعادة انهكتني الأوراق والحديث مع الأشخاص بالهاتف بات يرهقني لم أرهم لكن يمكن أن أحدثك عن لقائي بأحدهم وحديثي معه بمجرّد أن تكون هناك مكالمة معه. بعد نهاية يوم عمل آخر نظرات زملائي الذين يخرجون كانت تودعني وكأنها تقول "تريد شيئا من الخارج؟" وأخرى تقول "نراك قريبا بعد العودة من الأسفل" وأخرى تقول "ابقى مكانك" كلهم لا يريدون خروجي، هكذا يبدو. وكلهم أشعروني بأنهم يعرفون طريق الخروج ويملكون تصريحا لذلك.

نسيت أن أخبركم بأن في جوف البرج نادي للرياضة في كلّ مرّة أهم باليأس أتذكره ليبدو كبصيص أمل يبقيني بخير في الأعلى. بسبب التكييف لا أعرق كثيرا. وبسبب فخامة المعدات والمرافق لا أشعر حتّى بالإرهاق، كل شيء مريح حتّى للعين أيمكن القول: وهذا أكثر مما ينبغي؟!

كجزء من عادتي لما كنت أعيش مع الناس بالأسفل كنت استحم بعد قضاء الوقت في النادي رغم أني أعيش في غرفة قريبة لكن الاستحمام بالنادي يمنحني شعورا أفضل من غرفتي.

في البرج يتحدّث العديد من الناس مختلف اللغات و لا تحتاج لمعرفة الكثير عنها، فقط القاء التحيّة والسلام أكثر من كافي لملء الحديث بينكم. الكل في مساره وجريانه في عالمه الخاص. كل شيء يسير كما ينبغي مثل جريان الدم داخل شرايين البرج. كذلك يبدو الناس في باطن البرج. لكن رغم كل هذا السريان والمسافات التي نقطعها سيرا على الأقدام لم نكن نحدث أيّ ضجّة أو حياة بمشينا كما يمشي الناس بالأسفل حيث يمكنك أن تسمع كلماتهم من نبرة أقدامهم. الناس بالأسفل يعيشون مستمتعين في ضجيجهم ولا أدري هل من أحد يمكن أن يحدق بنا، نحن الذين لا نحدث أي ضجيج. بالكاد تسمع نداء جرس المصعد وكلمة "أهلا بك" تائهة في الممرات ولا شيء أكثر حتى بالعمل لم يعد هناك حديث يكسر جدار تلك الأصوات التي اعتدنا عليها ونسينا وجودها.هل تعرفون؟ عقولنا تتجاهل وجود أنف يعيق الرؤية.

لا أذكر متى قدمت الى هنا. كنت في مقابلة رسميّة، نظر أحدهم الى الأوراق التي كانت بحوزتي وتقرّر بعد ذلك قبولي داخل البرج. ما من قرار -كما يبدو- يمكنه أن يدفعني للخارج، خارج هذا البرج. لمن أقدّم أوراقي بالأسفل؟ بل من أين آتي بأوراق تخصني أنا من الخارج، حيث لا أستطيع الوصول.  لا أجرؤ على مفاتحة مديري بالموضوع، موضوع خروجي. في كل مرة أجده يبتسم لي ويشيد بوجودي ويعلق آمالا -لست جديرا بها- علي. ما أقسى طيبة قلبه ذلك يمنعني من فتح الحديث معه. الوصول اليه بعيد، أبعد من أن أصله بقفزة واحدة. بعد كل قفزة أعود أدراجي، أشعر بأن وجودي يتلاشى مع أول ابتسامة يقدمها لي. لا يمكن للحديث أن يطول معه أكثر من التحيّة وسماع بعض الاطراء منه ومن ثمّ تختفي من عينه وينشغل بعيدا عنك.
"صباح الخير سيدي"
يرد مبتسما "أهلا عزيزي صباح الخير، كم هو جيد رؤيتك بصحة جيّدا" ويكمل قائلا "اليوم تحدثت بالاجتماع عنك وأنك واحد من أفضل موظفينا وقد تقرّر أن نعينك بوظيفة أخرى تليق بك" لم يتح قدرا كافيا من السكوت لشكره لهذا شكرته بابتسامة صامتة وأكمل " اليوم لدينا مشاكل اتصل بي مدير أحد المؤسسات التي نتعامل معها لأمر مهمّ وهو ما سيدفعني للخروج بعد أن أنهي ما تراكم من عمل" يطلب أحد الموظفين على الهاتف ويناديه ويستدرك وجودي قائلا " أوه هل من شيء أتيت من أجله لأساعدك فيه؟"،  " كلا على الإطلاق" أردّ منسحبا، ولأني اعتدت على سماع حديث الناس في صمتهم بدى وكأنّه يعتذر ويعرف أشياء عني لا يود افصاحها، لم تكن المرة الأولى التي يبشرني بوظيفته تلك، في كل مرة أصعد أزداد بعدا داخل البرج بعيدا عن الأرض. لاشك وأنّه سيفتح نار حديثه علي لو ألححت في طلبي. عن ذلك اليوم والذي أخجل من مجرد التفكير بوقوعه يوما.
في اليوم التالي لا أتذكّر أن حديثا تمّ بيننا إلا بعد أن يقول لي في نهاية حديثه "..هل من شيء أتيت من أجله؟" أرد كالعادة وقد تذكّرت جيّدا "كلا على الإطلاق"

(لا شيء يخفى على المدير) عشت طويلا على هذا القول، استطيع القول بأن هذا بات يسير اغلب تصرفاتي في العمل. لم أكن قادرا على كرهه على ذلك. 




أعين الناس باتت أشد حدة لم أعد أطيل الحديث مع المدير، ولم أعد أصل الى عتبة سؤاله (ان كنت أريد شيئا) وبهذا أغلق آخر باب للخروج.

 لم أعد قادرا على النظر للمصعد، آخر مرة كان عامل النظافة ينظر الى بأسى. بأحد الأيام وأنا أسير للمصعد مررت به، وهو متكئ على عصى مكنسته، لوى جذعه لينظر إلى بعد أن جئت خلفه ، حتّى اني شعرت بوخز ذلك على ظهري. عندما اقتربت بدأ الناس بالمصعد يحدقون بي، نظرت خلفي اذا بالعامل يحدق بي! أكان ينتظر شيئا يحل بي بينهم؟ ناديت زميلي بالعمل ".." أتاني وقال "أهلا .. هل من شيء؟" قلت له "نسيت أن أخبرك شيئا مهما" لم يخفى على أحد أن كلامي لم يكن إلا وسيلة لسحبه بعيدا عنهم وسألته " ما لذي يحدث هل من شيء أرجوك أخبرني؟"، "لا يمكن قول شيء حاليّا عد إلى غرفتك وغدا أخبرك" بهذا أجاب. (عد الى غرفتك) لأول مرة أسمع هذه الكلمة من لسان أحدهم. سماعها من أعين الناس طويلا كاد يقتلني وبسماعها أخيرا منه شعرت بأنّها فعلت شيئا حسنا لي. تظاهرت بأني عدت طواعية، لم أسرع خطاي حتى لا ألفت أعينهم. إلا أن ذلك لم يمنع شعوري من الإحساس بأن أحدهم كان يطاردني ليهمس في أذني شيئا لن أود سماعه.

عدت الى غرفتي، على يقين تام بأن المدير والجميع يعرفون كل شيء، كلهم يعلمون. سحبت الكرسي قرب النافذة فتحت الستارة جاعلا من المنظر طاولة لي والسماء سقفا لغرفتي والشمس التي مالت للغروب مصباحي المعهود، المصباح بدأ يخفت كعادته. مددت يدي لأهزه كي يفيق. بهذا فقط شعرت بأنّي قد خرجت من غرفتي بعد سنوات طويلة. 



*Georgia O'Keeffe

الأربعاء، 10 أبريل 2019

شاهد قبر

*



قبل فترة قرأت قصّة لم يوقظني فيها إلا حكاية الرجل الذي دس رأسه في التراب هاربا. الحكاية أخرجت رأسها من تلك الحفرة وأكملت سيرها في حين ظلّ  رأسي عالقا. رائحة الطين تبعث على الراحة. أشعر بطيب أنفاس الأرض وهي تملأ جوفي. الأصوات من حولي تختنق كأنّ شيئا يخنق العالم دون أن ينتبه إليّ. أدس رأسي أكثر وبكل طمأنينة بدا وكأنّي تركت كلّ مايرعبني وراء ظهري. أتذكّر كيف كنت أحبّ أن أغطس برأسي في الماء عميقا كان الصمت يمنحني شعورا وكأن أحدهم يحاول أن يخنق العالم بالوسادة من خلفي. كنت راضيا! وأطيل البقاء قدر الإمكان أي بقدر ماكنت قادرا على الاختناق بالماء لأشفي غليلي

كانت يداي ترفرفان بعيدا، ومع الوقت لم تعد تبتعد كثيرا. كان دبيب الحشرات فيها يحك رأسي!. فكّرت أيهما رأسي. لم تكن يدان تفكران وتتذكران لتختلف كثيرا عن ماكان يحدث عادة في تفكيري. كانتا تذهبان بعيدا -أي أبعد من جسدي-  كذلك كانت تفكّر. ولؤأكد لنفسي بأنّ يدي ليست رأسي كنت أضرب بها على الأرض؛ ماكان ليضرب بنفسه على التراب. والجرح الذي على يدي لم أشعر به في رأسي، كان عليّ أن أجد وهما أكتفي به ماكنت لأهرب لتضايقني فكرة كهذه، لكن الحيرة عاودتني عندما بدأ الهواء يلعق جرحي
 
 أيام ولم يعد مكان رأسي يهمّني ولم تعد يداي تذهبان بعيدا ولم أعد أشعر بدبيب الحشرات كثيرا عدا عن بعض أرجلها وهي تحك  رأسي بيدي. آخر تربة قبضتها يدي كانت آخر فكرة تذكّرني بها.



نسيت حتّى بدأت أشياء تنمو خلال أظافري، وكأنّ يدي تستيقظ، كانت تحكّني من جديد وانتابتني تلك الفكرة الميؤوس منها، أين رأسي؟ بدأت أشعر بشيء يدبّ داخل يدي، داخل عروقي أصبحت أشعر باللمس وبدأت تنمو هذه المرة لم تعد أرجل الحشرات تزعجني


نسيت أن أتذكّر عيني -وكأنّي دسست برأسي عميقا بالقصّة- كانت الأحلام تطرق جفني وكنت أستيقظ منها سريعا لكنها باتت أعمق من السابق كانت تطرق من الداخل أكثر كأنّها كانت تنمو داخل عيني. لم يعد باب الجفن يفصل بين ما أراه وأحلامي. لم يعد من باب يغلق عيني

الأصوات التي كانت تختنق اختفت لم أعد أسمع إلا وقع أقدام. كانت الأشجار تقترب، هكذا شعرت لوهلة كانت تلقي نظرة بثمارها إليّ. بقدر ماكنت أشعر بأنّي مختفي عن عالمي شعرت بأنّ الأشجار باتت تراني.
 الأشجار تتحدّث عنّي!

بدأت أتذكّر الشعور بالعطش عندما بدأ الماء يصعد في داخلي، الشعور بأنّ كل شيء له دبيب يدبّ من حولي أفقدني نفسي. لا أذكر متى نسيت حاجتي إلى شرب الماء. لا شك وأن شيئا باغتني لأنسي. 

كم لبثت دون أن أحرّك جسدي؟ لايهم كنت حيا بما يكفي وكان الشعور بحركة من حولي يكفيني. إلى أن بدأ ذاك النسيم يهب ولأول مرة شعرت بقلبي كنت أميل! حيث يذهب النسيم وان ذهب بعيدا كنت أميل أكثر وذلك كان يؤلمني. تذكّرت كيف سيبدو شكلي بهلوانيّا ومضحكا وأنا أميل بجسدي بتلك الهيئة. إلا أن ذلك لم يوقفني عن الميلان، أحاول إيقاف نفسي مع أنّ التماهي مع ذاك النسيم يريح قلبي ويسعدني. كأنّ حفلة تدور بالأعلى. الكل  كان يلعب الأشجار كانت تلعب لست بهلوانيّا هكذا بدوت في نفسي. أكاد أنكسر! ذاك النسيم لم يعد نسيما. شيء كان يلويني إليه ليكسرني أكثر.
 استيقظ تفكيري أكثر وبدأت أفكر:
 ليته يكسرني إليه أكثر ليحررني

ما إن دب قلبي إلا وعاودت بي الحياة. قدماي! وكأنها كانت تطأ الهواء بالأعلى. الشعور بالرعب بدأ يدفعني للأعلى، أحدهم أنا أو غيري دس رأسي بعيدا في التراب ومع أوّل حركة من جسدي ولأول مرة منذ وقت لا أذكره تنفس جسدي أخيرا. أحاول سحب نفسي للأعلى وعيني بدأت تؤلمني، بدأت أحرك كل ما أمكنني بدأت أتفقد أعضاء جسدي بألمي. بالبداية أحاول سحب رأسي إلا أن ألما فظيعا يندفع داخل عيني ليصل أعمق الى الداخل كانت الأرض تتشبّث بعيني أحرك وجهي لتندفع أملاح التربة الى الداخل، كان ذلك يشعل وجهي. إلى أي حد تشوهت خلقتي؟ أعاود سحب وجهي أكثر لأسمع أصوات تقطع العروق في الداخل كان نزيفها يدفع بالملح أكثر وكانت الأرض تسحبني. إلى هذا الحد لم تعد قصتي تتحرك

نمت العروق وتلاشى آخر أمل بالخروج. كل شيء يدب من حولي والحياة مليئة بالداخل وهناك بالخارج في الأعلى كانت الأشجار والتي بدأت أفهمها أكثر تحدثني عن أناس يمشون من حولي لا أحد يطأ الأرض التي أنا عليها كما أن لا أحد حاول انتزاع تلك الأقدام للأعلى. ومع الأيام بدأت أرى حديث الأشجار بعيني: كنت شيئا يشبه شاهد قبر. على كل حال ماكانت الأشجار لتعرف ما أكون بالضبط      




*Andres Marti

الاثنين، 25 مارس 2019

كرسيّ

كرسي وطبيب أو طبيبة نفسية ولكيّ لا أكثر الكلام أذكر أني قلت لأصحابي بأني أحلم بالجلوس على كنب جلديّ  فخم لونه بنّي غامق أغوص فيه. 

أدخل على الطبيب ولا أطيل في التحديق في وجهه لأنّ ذلك سيكون كافيا ليكون شخصا معروفا بالنسبة لي وكافيا كي أخشى أن أقول أي شيء حقيقي عنّي. إن ماسيجعلني أندفع لقول كلّ  شيء هو رهاني على بلادة مشاعره وكثرة القصص التي رويت له لاشيء مميّز يمكنني قوله ولو كان ما سأقوله واقعيّا وصادقا ذلك سيجعله شيئا تافها وعابرا أمام قصص الدراما التي قيلت له في هذا الكرسيّ على كلّ  مالذي كنت سأقوله:

  


(bla bla bla ..)

سأخبرك بسرّ أنا أعرف تماما تلك الأحداث التي أثّرت على طفولتي. تماما مثلما يقال كثيرا وبشكل مبتذل أنّ أحداث الطفولة لها تأثير عميق على حياة الإنسان.  لن أقول لك الأشياء التي أثّرت فيني وكانت سببا في فشلي إذ أنّ ولادتي كانت أكبر سبب لفشلي على حدّ علمي. لا تسخر منّي أعرف أكثر من كلمة كنت ألثغها دون أن أشعر وكان الجميع بما في ذلك من هم أصغر منّي يحدقون استغرابا بي. ليس العجز هو من جعلني أقلب حرف الـ "ر" الى "غ" بل إنني وبكلّ صدق كنت أسمع الـ "ر" "غ" حتّى عندما يخرج من فمي هذا الحرف كنت أستغرب مالذي يجعلهم لا يقبلون هذا الحرف اللعين كان المعلّم -بالمرحلة الابتدائيّة بعد أكثر من سنة وهذه المرّة مع حرف "ط" الذي يتحوّل الى "ق" معي- يشير الى لساني والمشكلة تشير إلى أذني. تجاوزت علّة النطق كلّ مافي الأمر أنّ سماع الجملة أمام تحديق الجميع كان مفزعا وأنا على استعداد بأنّ لا أسمح للظروف بأنّ تجعل من الجميع يحدّق بي لأي سبب كان.

هل أقول لك بأنّي أذكر المرة الأولى التي مشيت بها؟ لاشكّ أنّي كنت أحلم أحيانا تختلط علي الأحلام والذكريات مثلما يختلط على الشخص الكاذب الكذبة التي رواها فيصعب عليه أن يميّز في أقواله السابقة بين صدقه وكذبه. أو هل أقول لك بأنّي أذكر جيدّا الصورة الجماعيّة والتي كنت فيها بعين كانت تبكي بعمر الثلاث سنوات وماسبب بكائي حينها؟ كان سببا تافها، لأقل لك بأنّي أعرف جيّدا مالذي دفعني للبكاء لسبب تافه في حينها.





 (طبيبي العزيز أنت كلّ  من يسمع لي)


سأكون كاذبا لو قلت بأنّي استطعت قول كلّ ذلك لطبيب نفسي، ماكان ليسمح لي بقول كلّ ذلك وكأنّه في محاضرة، هذا سيجعل مني طبيبا شعبيّا يحاضر على رأس طبيب متعلمّ.    

عزيزي القارئ إن كنت قد وصلت الى هذه الأسطر وأنت عزيز عليّ أكثر من أي طبيب نفسي لن أطيل عليك وأقتلك مللا.



عزيزي القارئ، وعند كلّ  كلمة "عزيزي" محاولة للقفز خارجا منّي أشعر بأنّي أحشاء داخل جسد صنعه أهلي وذكرياتي ومواقفي التي عشتها وهو الجسد الذي تراه أمامك. إن حدود ذلك الجسد هي حدود أخلاقي وعاداتي وتصرّفاتي الممكنة وأفكاري التي أقولها وهي في رأس ذلك الجسد وليست في رأسي المسكين. لايمكنني الخروج منه هو بالضبط ما سأكون عليه إلى أنّ أموت.  إن محاولة الخروج من ذلك الجسد تشبه محاولة إخراج عضو حيّ من جسدي ذلك سيكون مؤلما بعد حادثة شنيعة تخرجني أحشاءا من جسدي. استعنت بأسماء\أشباح مستعارة لمحاولة تخليصي من ذلك الجسد، كلها كانت من الخارج تحاول عبثا إخراجي. 

دعك من الذين يتحدّثون عن تغيير الذات ،الانتصار على العادات والتقاليد أو القيم وما إلى ذلك. نجدهم يكثرون هذه الأيام الطريقة الوحيدة للخروج -وتوجد أكثر من طريقة وحيدة- هو الخروج بالقوّة من هذا الجسد الأمر الذي سيردي الجسد قتيلا، مالذي تتوقّع من جسد خرج قلبه، عقله لاشكّ أنّه سيموت وسيدفنه أهلي، ديني، وكلّ شيء ساهم في بناء ذلك الجسد لي. عندها سأعتبر ميّتا وسأكون روحا تائهة بالنسبة لهم. الانتحار -وهو ذا- خيار صعب وبحاجة الى قرار أحمق لايحسب حساب أي خسارة ممكنة.

إنّني أعرف تماما حدود نفسي، وأعرف كثيرا عن أشياء أرغم في قولها ولا أستطيع قولها كما أعرف أو لنقل أشعر -والشعور أعمق من المعرفة في هذه الأحوال- أحدا ترك من يحبّ لأنّ فكرة فوزه بمن يحبّ كانت أكبر من أن يحتمله، فكّر بأنّ من يحبّ سيكون أجمل وأسمى لو كان مستحيلا ولهذا ابتعد عن محاولة الامساك به وحدّث الجميع بأنّ السبب كان خوفه من أن يُرفض فيترك ذلك فيه شعورا بالرفض الى الأبد. الى الآن الجميع يصدّقه وهو كذلك يصدّق نفسه. لا تسألوني كيف، لست أدري أي جسد أحمق قال هذا وأي عقل ساذج فكّر بذلك. 

عزيزي القارئ





  

لم يعد لدي شيء أقوله إلا أنّ أحدّثك عل ذلك الكرسيّ الذي حلمت به، في حال لم أجد عند الطبيب النفسيّ نفس الكرسيّ الذي أرغب به. أحلم بكوخ هادئ في كارامبو، نيو مكسيكو أدخّن الغليون بكرسيّ هزّاز بعد الغروب وعلى ضوء شمعة أقرأ شيئا لا يشبه حديثي هذا على الإطلاق. 

لماذا كارامبو؟ 
لماذا نيو مكسيكو؟
لماذا غليون وكرسيّ هزّاز؟
راجع حلقة (مخلص صديق الحيوان) عن "روبو زعيم الذئاب" وستعرف إلى أيّ  حدّ يمكن لأحداث الطفولة أن تترك أثرها بالغا. 





(عزيزتي نفسي)


لا أحد غيرنا هنا لم يصل الجميع بعد.