الاثنين، 7 ديسمبر 2020

يشكو من لا شيء .


*



خرج وهو يشعر بالبثور على وجهه أكثر. أخبره بأنه على مايرام ولا شيء يشوّه جلده. وصل لمسكنه وبدأ بصعود الدرج حيث لم يتغير رتم طرقات قدمه عليها منذ بدأت حالته هذه تزداد. مشى بدربه الى أن وصل لغرفته ولو أبعدت قليلا لغاصت قدمه وعلقت بالأرضية. هكذا شعر إلى درجة أنه أحس قليلا بالبلل أسفل بنطاله وكأنه آتي من طريق موحل. 


( كان هذا الكائن يعيش داخل دفتر بعدد صفحات قليلة لم تعد فيه مساحة لملء أي شيء، كان مليئا بالأيام والذكريات وكان عنده حسّ مرعب بالانتباه لكلّ نتوء وانحناء للخطوط لدرجة أن انحناءً بسيطا كافيا ليصنع سكينا يمزق دماغه قبل أن يدرك بأن ذلك لم يكن إلا انحناءً بسيطا لأحد الأيام والكلمات )


يستلقي على السرير يحاول الالتواء بالغطاء حتّى يشعر بأن شيئا إلتف عليه بإحكام ليهدئ روحه التي وإن سكن جسده لا تبدو مستقرة. بقي قلبه يرجف تاركا بأثر الإرتجاف فراغا خانقا. شعر بأنه بحاجة لأن يتنهد ذلك الفراغ من قلبه لكن أنفاسه لا تصل إلى قلبه. 


يتنفس وكأنه بذل مجهودا كبيرا قبل وصوله. كان تفكيره يشعره بأنه قطع مسافات طويلة ذهابا وإيابا عبر الوقت.


بدأ يلتوي بشكل عكسي حتّى يتحرر من الغطاء رغم أن روحه بدأت بالاضطراب لكنه شعر بشيء من الراحة وهو جالس على جانب سريره مطأطأ رأسه وتنهداته تتساقط من فمه. "ما كل ذلك يوم عادي، يوم عمل معتاد لا جديد فيه، وجبات معتادة، ما الذي يكوّم التعب فيني أكثر" يسأل نفسه. 


وتذكر يوم أرسل رسالة لأحد أصدقائه كان قد اخبره بأن كل شيء حولنا ليس إلا تصورا ويمكن وفق ذلك أن ينال كل شيء يريده بعد أن يحكم تصور حيازته لما يتمناه بكلّ ما أوتي من قدرة. 

 

كان ذو قدرة عالية على التركيز، كان قادرا على خلق وهم لحظيّ لمدة وجيزة بوجود شيء ما. وكان يوجد فعلا! كان يلعب بهذه الأفكار حتّى أتقن ذلك لكن دماغه فقد السيطرة على نفسه وبدأ يتصوّر ما لا ينتهي من أمور،  ولا يكاد دماغه يكف عن إلقاء كل تلك الأشياء المزعجة على كاهل رأسه.

 

كان شعوره بالألفة ازّاء الجمادات يحزنه، هل من خطأ بأن يشعر لهذه الدرجة بها؟ احساسه بأثر بريق اللون بالفراغ وما يعنيه انعكاسه على سطح خشن مخدوش، يعرف بالضبط هذه الخدوش وكيف ترسم أثرها بالداخل وكأنها صوت واضح أو لمسة لا يمكن توهمها. كل ذلك يشعره بالحسرة؛ كان الأجدى أن يفهم البشر بدلا عن ذلك. فقط لو كان جمادا.

 

كان قد تخلى عن عاداته البدنية والتي تتطلب جهدا كبيرا منه، كان ذلك الاستسلام الأخير لدماغه. 

 

  بعد بضعة أيام:

 خرج بعد أن صُرف له مرهم لعلاج البثور على وجهه وأخبره بأنه سيكون على ما يرام. لكنه لم يشعر اطلاقا بملمس المرهم على جلده.




Alex Eckman-Lawn

الجمعة، 6 نوفمبر 2020

كيف نصنع من الأشكال والأفكار البشعة عملا فنيّا.






 
في حال رسم الرسّام منظرا قبيحا، هل يمكن أن ينجم عن ذلك عملا فنيّا؟ وإن اعتبرناه كذلك، هل سنعتبره شيئا جميلا؟


تاريخ الأعمال الفنية مليء بالمشاهد البشعة والشنيعة والمؤلمة والتي تتناقض مع تصورنا عن الجمال، فنحن على سبيل المثال، نعبّر بعمق عن جمال لوحة "طوف الميدوزا" لثيودور جيريكو، (1791-1824).  يمكننا القول بأنّ الفنّ الأوروبي أبرع فنّ خلق الجمال من خلال مشاهد المآسي والالم، وعند تتبع جذورها، نجدها متأصلة من  سلسلة طويلة من اللوحات والدراسات الفنيّة، هل يمكن أن نعتبر ذلك نجاحا؟ جَعل المأساة عملا فنيّا يوصف بالجمال؟

 

بعيدا عن الفن الأوروبي وعن الألم والمأساة (الألم النابع من تعاطفنا مع الآخرين) إلى الفن الشرقي وتحديدا الياباني، حيث نجد  فنّانا اسمه تاكاشي موراكامي. لنعد السؤال مرة أخرى مع بعض التعديلات:

 هل يمكن أن يرسم الفنان شكلا بشعا ومنفّرا و مثيرا للاشمئزاز ويصبح عملا فنيّا يوصف بالجمال؟

 ذلك أصعب من تحويل المآسي والآلام  إلى عمل فنّي يوصف بالجمال. الواقع أن الأعمال اليابانية تجاوزت ذلك وصنعت أعمالا تصوّر أفكارا منفّرة ومثيرة للاشمئزاز. وواحدة من أكثر المواضيع التي يمكن الشعور بخطوط التماس بين المتناقضات الإيروتيك. عندما تصور الأعمال الغربيّة صورا عارية  تأخذها أحيانا بجانبها الميثيولوجي أو الأسطوري، حتّى تغلف هذا الحضور بشيء من الأبهة؛ لأنّ خلوّها يعرّيها من أي معنى أعمق، وهو ما جعل الكثير ينفر ويعترض على لوحتي ادوار مانيه، (1832-1883)، "غداء على العشب" و "أولمبيا"، رغم أن مثل هذه اللوحات  وجدت كثيرا وتمّ قبولها بفضل قدر لا بأس به من خلفيّة تبعدها ولو تلميحا عن الصراحة وتمنحها سياقا ميثيولوجيا، لكن لوحات مانيه لم تفعل أي شيء من ذلك، لهذا صدمتهم امرأة معاصرة وعارية تتناول الغداء مع رجلين بكامل ملابسهم.  قد يصعب على الفنّ بنمطه الغربيّ  إزالة ذلك الشعور بالذنب أو العار أو الخجل مما يتم تصويره. لوحة جوستاف كوربيه (1817-1877)، "أصل العالم"، تصوّر عضوا تناسليّا  لامرأة، تجاوزها الصريح كان فجّا وقد يكون هدف العمل الفنّي نفسه، الشعور بكسر شيء ما واجتيازه أكثر من الشعور بقبوله وتقبّله؛ والذي سيحتاج إلى قدر أعلى من الدقة في فهم مدى تأثير أدنى ملليمترات تفصيلية باللوحة على حكم الأشخاص. 

 

أكثر ما يدهش احتواء الأعمال الكرتونيّة اليابانيّة على العديد من المشاهد الجريئة والخليعة، وكثيرا ما تؤخذ بإطار فكاهيّ كوميديّ يجعلها مقبولة أكثر، ومحصورة في إطار اللقطة الكرتونيّة كأنّها مزحة ثقيلة أعقبتها ضربة ممازحة على الكتف. جرعة المزاح والفكاهة تلك تجعل المشهد والصورة أو الرسمة أكثر قبولا. وتزيل كل فكرة عن كونها تجاوزا إلى حد القبول بكونها شيء جميل سمحت هذه المزحة بالتعبير عنه بأريحيّة، دون أن يتم التعبير بمتعة التجاوز والتي لا حدود لها. يشبه ذلك تماما قبول بعض المزح والأقوال الخادشة من بعض الأشخاص وفي إطار ساخر. 

 

هل تشعرك لوحات اليابانيين الجريئة بمثل ما تشعرك به لوحات إدجار ديجا (1834-1917) ولوحات إيجون شيلي (1890-1918) من تجاوز؟ لا تلمس بأعمال اليابانيين ذلك، ولنا أن نتخيّل لوحة غربيّة كالتي رسمها كاتسوشيكا هوكوساي (1790-1849) "حلم زوجة الصياد" ؛ بالإضافة الى عنوانها الذي منحها عالما تبتعد به يمكن اعتبارها أقصى حدّ و ما يمكن للفكرة من غرابة و إثارة  تصوير إلايروتيك في إطار عمل فنّي. بذل الرسام فيه جهودا في جعلها أكثر قبولا بكونها مضحكة، منفرة إلى حدّ الاستغراب والضحك أو شيء من ذلك؛ لو رسمت بريشة غربيّة رصينة لتبادر للأذهان أنها ليست إلا أفكار تعبر عن رغبات الفنان نفسه. في الإطار الياباني يسهل افتراض أنها ليست فكرة مبنيّة على رغبة الرسام، بل فكرة مطروحة ومبنيّة على أفكار تدور حولها لا عليها. 

 







 أكثر ما يميّز تاكاشي موراكامي أنه يظهر صورة جامعة لكل الحالات الفريدة التي صورها الفنّ الياباني. تجد عنده أشكال في غاية القبح لكنها صورت بطريقة جميلة يجعل منها عملا فنيّا في غاية الروعة؛ بالأساس يمكنك أن تشاهد ابداع اليابانيين في ذلك من خلال خيالهم في إظهار أشكال المخلوقات الفضائية بعالم الكرتون. وعلى ما يكثر بفنّه من أفكار جريئة ذات ايحاءات جنسيّة أو تعابير ايروتيكيّة غريبة، فإن اطارها الفكاهي يشبه ما نجده في رسومات الانمي. وأشهر هذه الأعمال تمثال الشاب والفتاة وهم يلعبون لعبة القفز بالحبل والذي يتمّ خلقه من افرازاتهم. خلق شكل مضحك أو لمحة مضحكة تمنح الصورة مساحة لقول كلّ ما تريد بأريحيّة. وأكثر ما يصدم سلسلة الأشكال اللطيفة والجميلة في عالمه، تماثيل ورسومات مع مزجها أحيانا بأشكال بشعة أو قبيحة بعمليّة تمازج دقيقة. تظهر احساسه بالخيط الرفيع الذي يفصل القبيح والنفور والإشمئزاز بالأشكال اللطيفة والناعمة. أتذكّر حلقة من المسلسل الكرتوني "الوميض الأزرق" كان المشهد صادما عندما تحوّلت الأرانب إلى مخلوقات شريرة؛ شكل الأرانب إرتبط بدلالات كثيرة وإقحامها بصورة شريرة مثل صدمة غريبة تحفّز الذهن الى إعادة تركيب الأشكال التي يخزنها. إن اللعب على الدلالة النمطيّة لبعض الأشكال وإعادة خلطها قد يخلق شعورا يشبه الدهشة من الأعمال الفنيّة، حادة لكن بينها وبين النفور حدّا فاصلا وفي غاية الدقة والاقتراب من حدوده يحتاج الى انتباه دقيق.   

  


الأشكال المخيفة ليست جديدة في عالم الفنّ ولو أنها عند موراكامي مختلقة أكثر في حين أنها في أعمال فرانسيس بيكون (1909-1992) مشوّهة من الواقع لغاية ما، تعكس ملامسة للجانب النفسيّ للانسان الحديث. إن الجرأة في خلق إطار مقبول وفني للشكل المريع يشبه خلق إطار مقبول للتصوّرات الايروتيكية عند اليابانيين مثل تاكاشي موراكامي. 

الأربعاء، 4 نوفمبر 2020

لا نهائيّة المعاني

 


 

"ألا تسمع هذا الصراخ الرهيب الذي يحيط بك من كلّ جانب؟ هذا الصراخ يسمّيه البشر بالصمت"

جورج بوشنر


توصف اللغة كثيرا بأنها أصوات لها طابع اعتباطي ولكن الانسان (المجتمع) يمنح هذا الصوت دلالة ما. وحتّى ان أصرّوا على أن لا علاقة للدلالة بذلك الصوت (صوت الكلمة) فإنه من الجميل أن نفكر بأن كلمة "أم" صيغت بهذه النبرة الحميمية بحرف الميم الذي يضم الشفاه، وإن كانت فكرة ساذجة وواهمة في نظر اللسانيين بالذات. حيث يرون بأن الناس يفكرون بهذه الطريقة لأنهم يرونها جميلة وخلابة لكنها ليست منطقية. الواقع أن ما قد يجعل هذه الفكرة أقرب الى الحقيقة كونها جميلة، يمكن اعتبار بعض النظريات والفرضيات صحيحة كونها جميلة وخلابة؛ الفكرة تبدو صحيحة لأنها جميلة، لا يعقل للحقيقة أن تتركها فارغة. طوال التاريخ والانسان يحارب هذه الأفكار الجميلة في سبيل الحقيقة وإن كانت مُرّة واعتبرها أهم من كل شيء -كان ذلك صعبا-  بعكس انسان العصور القديمة الذي لم يكن يحمل ذلك التقدير للعلم أو لم يكن يتخيل أن للحقيقة شكل مبسط لهذا أتاح لمختلف التفسيرات وأكثرها تحليقا وجمالا بأنّ تحيك من الحقائق ما تشاء. أتخيل أنه بعد ألف عام لن يرث البشر أساطير وقصص جميلة خرافية من عصرنا بل سيقفز للخلف أكثر.


حين يكون للصوت الاعتباطي دلالة ويصبح بعدها كلام ذو معنى ماذا عن بقية الإشارات على اعتبار أن الصوت إشارة. اللون مثلا، هل هو اعتباطي؟ أعني دلالاته هل منحناها له نحن أم وجدناها باللون نفسه؟ بعضها كذلك وبعضها منحت منّا، فكان اللون بهذه الصورة إشارة اعتباطيّة لكنه لم يكن كذلك عندما عنى اللون الأزرق الهدوء والسكون، حتما هو يعني أكثر من ذلك لكن هذا أسهل مايمكننا أن نجزم به. الشعوب تمنح الدلالات: ذاكرتها وأحداثها وأشياء كثيرة من حولها قد تصل الى حدّ اعتبارها جميلة، مقدسة. ولو خرجنا عن الألوان والأصوات البشرية لوجدنا الأشياء التي تبدو إشارات يمكن أن تكون لغة ذات دلالة: الغروب، الرعد، المطر. أوكلها اعتباطيّة وكذلك الدلالات الممنوحة لها هل جاءت اعتباطيّة؟ كأننا نخزّن فيها بيانات رقميّة وهي المعنى لنجد كل تلك الأشياء أو اللغات من حولنا ذاكرة متنقّلة.

 

هل تمنح بعض الشعوب دلالات لما حولها أكثر من غيرها؟ وهل نحن كأشخاص نمنح الدلالات؟ كل شخص يمنح وفق طريقته؟؟ وهل هنالك أشخاص أكثر من أشخاص؟ ماذا عن الحدّ الأقصى هل لذلك حدّ؟ ماذا لو أن أحدهم منح لكل شيء من محيط حياته دلالة ومعنى، لم يمنح النجوم دلالة ومعاني بل منح كلّ نجمة دلالة ومعني وحيدا وكلّ ذكرى (الذكريات إشارات كذلك) منحها دلالتها ومعانيها أيضا كيف يمكنه العيش وسط هذا الضجيج وسط هذه الغابة المكتظة من المعاني والكلمات (على شكل أشياء) والتي لا نهاية لها، هل يمكن حينها أن يجد لحظة صمت في حياته؟ لو وصل لهذا الحدّ سيبدو انتحارا بعد أن استنفذ كل شيء. والصمت وهو آخر شيء يملكه الانسان، الرمق الأخير للسكون وهو القلب النابض لكل المعاني والذي سيظل ينبض بمعناه الذي يملكه في أعماقه حتّى يطغى بالمعنى المجازي/ الإضافي الملقى على عاتقه. الصمت هو الأساس الي نستند عليه في كل ما نمنحه من دلالات ومعاني.


إننا لا نمنح الأشياء من حولنا دلالات ومعاني بل شيء من روحنا يتمّ قطفه لبثّ المعنى. في مشهد شبيه لما حدث مرة بانمي "ون بيس" حيث الناس يدفعون الضرائب من أرواحهم في جزيرة الـ بيغ ماما نفسها. كذلك الأشياء تطلب منك روحا لتأخذ المعنى منك. ماذا لو منح أحدهم كلّ شيء معنى ووجد نفسه خاليا تماما من أي شيء؟

لازلت أذكر حديث أحدهم الذي قال بأنه يستحيل حذف أي صورة أو أي شيء من ذاكرة "الميموري" حتّى لو حذفت فلا يمكن حذفها فيزيائيّا! كأن الحذف ليس إلا إعادة صياغة لا أكثر. كأنه لا نهاية لها مثل الفراغ تماما.




الثلاثاء، 27 أكتوبر 2020

لا أحد يحكي عن ليلة البارحة .

 



استيقظ ورأسه مُثقل بحمل لا يعرفه. شعر بأنه مدين لاستعداده بالليلة السابقة، حيث قام بتجهيز ملابسه اللازمة لخروجه إلى عمله. لهذا لم يكن عليه إلا أن يسلك دربه باتجاه الباب خارجا وكلّ شيء في طريقه. 


شعر بالفزع قليلا، حال رؤيته وجه جاره. ولا يعلم مالسبب. حتّى جاره بدت من ملامحه عصفة ذهنيّة ارتطمت بسكونه من الداخل. بالكاد أظهرت أثرها لكن ** انتبه إليها لأنّ شعورا مصاحبا ساعده على ذلك. 

"صباح الخير" يحيي جاره الذي يجيب " أهلا صباح الخير" وبعد سكوت طويل وعلى غير العادة أراد جاره الحديث وسأله " كيف كانت ليلتك؟" تنفّس بصوت واضح قليلا قبل أن يردّ "بصراحة كانت صعبة قليلا .. لا أدري لكنّها عدّت" " هذا حسن حسن بالفعل" أجاب جاره وكأنه يتحدث عن شيء مرّ بهم معا. 

افترقا عبر الطريق وشعر كلّ شخص بأنّ كل أحد يخبئ أمرا عن الآخر.

 

بالطريق أحس ** برعشة خوف لا يفهمها، أصبح غير راغب بإكمال طريقه للعمل. شعر بأن عليه أن يقدم على شيء قبل ذلك. أو أن ذلك الحمل الذي يثقل رأسه بدأ يتّضح أكثر ولكن بدرجة لا يزال معها في حاجة إلى التفكير طويلا بمفردة ليتضح أكثر.

 

ذهب إلى مقهى يحبّ كثيرا ترتيب أثاثه ومستوى فخامته الذي يميل الى تقديم أكثر مما يؤدي الغرض، كأن يكون مريحا ويدعو للتأمّل. جلس على مقعد جلديّ قرب الزجاج الخارجي. كان يحب المشاهد المنعكسة من خلاله. ويشعر أن قربه من الزجاج يمنحه القدرة على الهرب خارجا اذا لزم الأمر ولو بنظراته. التواجد في العمق يخنقه. شعر بأن الرعشة تزداد سوءا. المقعد بارد حتى بعد مدة من جلوسه، "لم ظلّ باردا كأن لا أحد يجلس عليه؟" بدأت قبضته ترتعش، شعر برغبته أن يلكم شيئا لكنه أطفأ هذه الرغبة مع كوب القهوة التي حضرت ساخنة لتنقذ الموقف. تنهّد على وجه الكوب قبل أن يشرب. إن عادة النفث في الكوب باتت عادة لتسليته وليست غرضا بالنسبة له. لم يكن بالمقهى إلا القلة، عادة أناس مستعدون لأخذ طلباتهم ليكملوا طريقهم وآخرون لم يجدوا لوقت فراغهم إلا هذا المكان. وكان أحد الجيران جالسا بمكان بعيد نسبيّا عنه. 

 

     شعر بأن بالأمر شيئا. كلّهم أتوا وقطعوا طريقهم الى عملهم بصورة استثنائية وجلسوا في هذا الوقت بالمقهى على غير عادتهم. شيء ما دفعهم للاستراحة قليلا. 

 

لا يتذكّر أي شيء عن ليلة البارحة. بدأ جسده يخبره، كأن جسده أفاق لتوّه. كل ذلك السيل من الشعور والأحاسيس بدأت تندفع الى دماغه عبر مجرى الدماء التي باتت - كما يشعر أيضا فوق ذلك- بأنها مزدحمة بآثار ليلة البارحة. خدش بسيط، سريره أملس بكل جوانبه. كدمة بسيطة بساعده، وخدش داخل لثته للتو شعر به، وأشياء كثيرة بعضها يُرى وبعضها يشعر بها. لكنه شعر جيّدا بنقاطها من خلال السيل المندفع منها الى دماغه.

استيقظ ضميره! الشعور بالذنب حالة تشبه الندم لكنها تختلف لأن بها نقطة وجود في العين تشدّ كلّ تقاسيم الوجه اليها استعدادا للدموع، بعكس الندم الذي تكاد تشعر بلمساته في أصابعك وقبضتك وحنجرتك. كان ** يشعر بذنب لا يعلمه. 

 

لم يدري ** لم شعر بأنه بهذه الأفكار يستجوب جسده بحثا عن الإجابة وكأنه يائس من عصر ذاكرة عن ليلة البارحة.

 

الشعور بالذنب بات يتدفق أكثر، والخوف يرافق هذا الشعور وبدأ يرتعش أكثر ويتلفّت كثيرا؛ شعر بأنه بحاجة الى تحريك عنقه ليدخل الهواء الى رئته. كأنه بدأ يختنق. قام بثني رأسه للأسفل جاعلا من بقايا حرارة الكوب تلامس وجهه بهدوء. ذلك الـ ما تبقّى من حرارة كوبه كان الشيء الوحيد القادر على لمسه. لأن الكرسي ظلّ باردا كأنه مبلل بالبرد. الآن بدأ يشعر بغضب كل من حوله، ذلك الغضب الذي لم يأتي بعد. هل تذكّر ** كلّ شيء قبل الجميع؟ وبعد برهة بدأ الشعور بغضبهم يخف أكثر. شعر بأن حمل ذلك الغضب لن يكن على عاتقه وحده. 

" فقط لو تذكّر الجميع لكنّا سواسية ولكن ماذا لو بقي الجميع لا يتذكّرون إلا ما فعلت أنا ليلة البارحة" بدأ يتمتم كأنه يخاف مما قد يتذكّره 


الساعة تشير إلى أنه لا زال هناك متسعا من الوقت. فهو مدين الى تجهيزات ما قبل النوم لأن رحلة البحث عن لبس ملائم تستغرق منه بعد الاستيقاظ أضعاف ما يحتاجه من وقت قبل نومه. فهو إذا خرج بالهيئة التي رسمت بالأمس. ولأنه صاحب مزاج يسهل اضطرابه يمكنك أن ترى هيئته من الداخل وفق اختياراته؛ شخص يسهل الاطلاع على الإشارات التي تتركها اختياراته وإن بقيت معانيها غامضة. 

 

ومع عودة الشعور بالذنب عاد الخوف أكثر شعر بأنّ أحشاؤه تتحرك. وأن نظرات الجميع انتبهت الى ذلك. حاول رؤية جاره واسترق النظر اليه، بدا مثله يعيش حالة مماثلة. " مالذي فعلناه ليلة البارحة؟" عاد يسأل نفسه. 

 

حشد من أحشائه يحاول الخروج اندفاعا للأعلى. يشعر بألم يضغط رئته على ثنية من ضلعة. "هذا ليس وهما الأحلام لن تحرك جسدي الى هذا الحدّ" بدأ يسأل نفسه عن مافعله لم يكن حلما. وضع رأسه المنحني قليلا بين يديه جامعا أطراف شعره بقبضة يده. وكأنّ لا شيء سيوقفه إلا صوت انتزاع شعرات رأسه من جذورها. لم يخفّف قوة الشدّ بيده؛ شعر بأنّ الصداع بدأ ينساب من خلال مسامات جلد رأسه التي اتسعت قليلا وهو يشدّ شعره بقوّة. 

 

أرخى يده، بدأ شعره يتنفس. وبدأت عينه تدمع. جاره رحل. لم يكن سبب وجوده وقلقه إلا شيئا عابرا. كما بدا من طريقة خروجه. شعر فجأة بوحدة موحشة عندما خرج جاره وأدرك أنه لا علاقة لجاره بما حدث ليلة البارحة. 

 

الشعور بالوحدة كان حادّا كأن كل شيء إلقي عليه فجأة. بدأ وجهه يؤلمه جرّاء اندفاع الدماء الى وجهه. وعينه تؤلمه، خاصة مخارج الدمع. كلّ شيء يندفع للخارج في محاولة للخروج منه، من المأزق وكأنه كان المأزق الذي وقعت فيه أعضاؤه، كما شعر بأنه مأزق لكلّ أحد حوله. 

 

شعور مرير بالذنب. وبعد أن لفت كسر حاجز عزلته انتباه الناس إليه بعد أن ألصق وجهه بفوّهة الكوب أكثر بوضع يدعو للاستغراب. كان يريد من بخار قهوته أن تحاول تهدئة وجهه. 

 

   اعتدل ورفع رأسه وبدأ يتنهد. وأدرك أن من حوله بنظراتهم انتبهوا إليه سأله النادل مع انحناءة مهذبة إليه " هل تحتاج شيئا سيدي أكل شيء على ما يرام؟" أجاب بعد أن تنفس بوضوح وشعر أن مجرى الهواء في داخله بارد بطريقة منعشة بأنه "بخير.. بخير حتما" كان يشعر برغبة بالبكاء كأنه للتوّ خرج من النفق العميق في داخله بمساعدتهم. 

خرج وأكمل طريقه هربا من ليلة البارحة التي اعتادت العودة إليه بعد كل ليلة ككل ليلة بارحة 

 

       


 

الخميس، 15 أكتوبر 2020

هربا من الأوراق الثبوتية .

 





أصبح شابا يعرفه الجميع لكن لا أثر له في الأوراق الرسمية. كان يسمع في صغره دائما من والده أن الإجراءات الحكومية شاقة ومتعبة وكان يرى تقاسيم وجهه في كلّ مرّة وهو يكفهرّ عندما يُسأل عن السبب الذي دعاه للتأخير بتسجيل ابنه منذ ولادته والتي كانت سببا بوفاة والدته. يعيشون في بلدة صغيرة لكنها قريبة من أذهان الدوائر الحكومية جيّدا. كان حديثه وأعذاره تشبه كرة الثلج التي كانت تكبر وتتعاظم مع السنين. أدرك الابن أن كرة الثلج هذه ستبتلعه ولن يكون قادرا على فعل أي شيء إلا الهرب والهرب من الإجراءات الحكومية والتي بات يراها مطاردة خفيّة تتبعه أينما حلّ.


أصبح دون أن يدري أجنبيّا أو متسلّلا أو خارجا عن القانون، أو أي صفة تستدعي القلق من البزّات الرسمية. لا أحد يدري كيف استطاع الشاب ** تدبّر أموره والعيش على هذا المنوال خارج أسوار القانون أكثر من عشرين عام. حتّى عندما مات أبوه ودُفن، شعر بأنّه داخل نطاق صغير هي حدود معارفه، لا يستطيع تجاوزه وكأنه لا يستطيع الابتعاد أكثر من بضعة أمتار عن أقرب شخص يعرفه جيّدا، ويمثّل هوية له. أحس بالغرابة، شعر كليّا أنه غير موجود بالنسبة للأشخاص القابعين خارج دائرة معارفه. ما الذي دفع والده لعدم تسجيله؟ لاشكّ أن أمرا خطيرا منعه من ذلك. فقد اعتاد رؤية جبين والده يتصبّب عرقا عند سؤاله عن السبب وراء إهمال تسجيله وكيف كان يدافع عن نفسه بأنّه لم يستطع ولم يجد الوقت الكافي لذلك. كان يفكّر بأنّ شيئا مهمّا منعه عن ذلك. 

 

أصبح ** ماهرا في الاختباء عن القانون وأعين الأوراق الحكوميّة وإجراءاتها وتكيّف كليّا مع الحياة بمراوغة كلّ ذلك. تلقّى تعليما مبدئيا في بلدته الجبلية وجل اثباتاته وعود والده ومعارفه لهذا كان تعليمه متواضعا. ولكنه عمل في أكثر المجالات الحرّة ، تنقل كثيرا بالأنشطة، زملاء والده كانوا يساعدونه ويملكون محلات تبيع مختلف المستلزمات والأنشطة وكان بارعا في كلّ شيء طالما وجدت التعليمات. حقيقة أن هذا هو أقصى مدى يمكن عمله جعله يتقن كل تلك الأعمال. وأن يصنع لنفسه إسما محببا لدى الجميع.

 

استطاع كسب رزقه ولكنّه يكبر أكثر مما ينبغي. لم يصدق أحد حقيقة عدم امتلاكه أوراقا ثبوتيّة؛ كان ذلك كافيا لإقناع أي مسؤول أو موظف حكومي بأنّ لديه أوراقا ثبوتيّة بالفعل. وعوضا عن الإصرار بطلبها كانوا يمرّرونه وكأنهم يلمسون وجودها بنفيه اللامعقول بوجودها ويتركونه بسلام. 

 

جيرانه وأصحاب والده وأصحابه يدركون أنه يعيش هاربا بهذه الصورة. وأن مسألة الأوراق الثبوتيّة مسألة تافهة يمكن حلّها مقارنة بما هو عليه من هروب، وأنها ستكون موضوعا مثيرا يتسلّى به الموظفون الحكوميون كثيرا. وحتما سيساعدونه تعاطفا معه. لكنهم لم يشاؤوا أن يخبروه بأن والده لم يكمل الإجراءات كسلا أو تسويفا وكان من المحتمل أن يحاول أحد الأصحاب أن يشرح كيف أنه سكت كل هذه السنوات على أمر مهم كهذا. لم يكن في بالهم احتمال التأنيب اللفظي الذي لن يدوم وقعه على قلوبهم طويلا. وفضّلوا عوضا عن ذلك أن يستمرّ ** بالهرب والنجاح بذلك حماية لسكوتهم. كان يرى أنهم يعاملونه بجدّية بالغة لهذا يتخيّل أن الأمر في غاية الصعوبة ومثير للقلق. لم يعمّر طويلا فقد توفّي ** في عام ... جرّاء حادث مؤسف في احدى الأودية ولم يعثر عليه ولم يكن له وجود في التعداد السكاني للبلدة كأنه كان رقما زائدا أو هامشا أزيل ليحافظ الرقم على صورته العشريّة بلا شوائب. ظل موجودا حتّى مات آخر شخص يعرفه واختفى للأبد؛ لأن أحدا لم يصدّق وجود شخص عاش في هذا الزمن وهذه البلدة دون أن يدوّن اسمه في أي ورقة رسميّة، آخر فرصة له كانت بوفاته داخل البلدة لكنه استمرّ بالهروب -حتّى بعد مماته- من تلك الأوراق الرسمية.