الأحد، 28 فبراير 2021

انتظار مؤبد .

 





مالذي أحمله في يدي؟
في الممر كل النظرات عدوانية، انهم يعرفوني جيدا ولا أعرف أي أحد منهم. عند الاستقبال، تلوح تعابير الغضب في وجهه! أخيرا وجد حوضا فارغا أمامه يصب فيه غضبه. ألتفت لا أحد انما أنا هذا الحوض، التفاتتي تغضبه أكثر.
ما الذي يحملونه؟؟ كلهم يحملون أوراقا مختلفة عني، ولا أحد ينظر اليهم، وحدها النظرات تحدق بي وكأنها تدفعني بعيدا عنهم.
الهواء خانق، وحده الحديث يمكن أن يفتح ثقبا في هذه الأجواء، لكن الأفواه التي أراها ملتصقة بقوة كأنها تحاول كتمان غضب جاثم يكاد تنتفخ منه الوجوه.
الكرسي المعدني فارغ الا منّي، وهو لثلاثة أشخاص يجلسون جوار بعضهم، بارد للغاية. أمنع نفسي من الارتجاف
خلف جدار نصفه زجاجي، مكاتب عدة مليئة بالأوراق ويجلس فيها شخص وحيد لم تتغير منذ ساعات وقع حركاته الروتينية وكأنه آلة وجزء من تجهيزات تلك المكاتب.
شخص يخرج من المكان عبر الممر الذي جئنا منه ولا أحد يلتفت إليه. شعور عميق بالضجر والترقب المزعج. ألتفت الى الممر، فيه حارس مدجج ببزته وتعابيره الرسمية، انتبه الي وكأنه ينهرني من أي تفكير للخروج من هذا المبنى الذي نسيت شكله بالخارج، ولا أذكر إلا أن السماء كانت بلون اسمنتي، والمبنى ملطخ ببقايا اسمنتية سقطت من سقف السماء الاسمنتية مع مواضع حالكة بالسواد.
في الوقت الذي انتبه الى أن حديثا عابرا كان يدور في الجهة التي فيها أشخاص يجلسون بالانتظار، سمعت أحدهم يصب لعناته على مجموعة أشخاص في باله، لا أدري لم شعرت بأنهم يعنون لي شيئا، وآخر يقول "ليتهم يُحرقون"، وآخر بكل برود يتحدث عن العمر وكيف يضيع أغلبه في مثل هذه الانتظارات التي لا تنتهي قائلا "تركت كل أعمالي وأهلي وهذا رابع يوم لي ولا فائدة"، وصوت كان قد ألقي علينا من بعيد، من جهة فيها مجموعة موحدي اللباس والمكاتب، وهم من بيدهم إطلاق سراحنا، بالكاد رأينا وجوههم ولا ندري من أي فم كان قد ألقي منه ذلك الصوت قائلا "فلاااان"، نهض فجأة أحد المنتظرين، كان في حالة إنطفاء كاملة، كان شعورا رهيبا، أن صوتا يحمل اسمه ألقي به من تلك المجموعة بكل برود لكنه كان قادرا على احياء ما خلناه آلة مطفأة لينهض بكل نشاط ملبيا ذلك النداء. كيف سيكون وقع ذلك الصوت بأسمي؟ لايمكنك تخيل من هم هؤلاء الأشخاص وما مدى أهميتهم.
مضت بضع ساعات منذ أن عادت الحياة الى هذا المكان بوقع ذلك الصوت، تفاجأنا بأن الآلة (الشخص الذي لبى النداء) كان مطفأً أمام أحد هؤلاء الموظفين، آلة ملقاة بالكرسي، أمام الموظف الذي أظهر أخيرا أجزاء من بدلته الرسمية بفعل التفاتته الى زميله الذي يحادثه بود.
السقف يهبط والممر يحكم قبضته!
كم سنة وأنا على هذه الحال؟ مررت بكل سنواتي أتذكر. كان الزمان جالسا عندنا، تخيلته أطول قليلا وتخيلته مرة كخط عابر يكاد يكون مستقيما، تخيلته أي شيء يجذب البصر وامتداده بعيدا، لكنه كان جاثما معنا وها أنا أراه وتحيط به عيني، شخص هزيل أكثر مني، شعرت بالشفقة كثيرا عندما تذكرت بأن كل ما فيني جزء منه، كان أهزل من أن يحمل أحلامي "لعنة"  وكان أهزل من أن يخرجني من هذا المكان .. 

الاثنين، 8 فبراير 2021

صانع الآلة .

*



بالبداية كان متلهفا لإنجاز العمل على آلته التي لم يرها أحد. كان قد أمضى سنوات يبني آلته القابعة في قبو البيت من مختلف القطع والبراغي والأفكار. نسي متى بدأت فكرة صنع الآلة، ونسي كذلك تصميمها الأولي. لكنه كان مذهولا من قدرته على إكمال عمله بها واستعادة صورتها الأولى وكأنه بمجرّد لمسها ومسح يده عليها تخبره أين وصل وأين عليه أن يكمل. يعرف يقينا أنها ستعمل ولكن لا يدري كيف ومتى. ما الهدف الأول من صنعها وما الذي تقدر على صنعه؟ لا يذكر بدقّة!  يقف بإعجاب لمظهرها، يدير ظهره يغلق الأنوار والباب منهيا عمله لهذا اليوم.

 

كان يشعر بالرضى كثيرا ويده تشدّ البراغي جيّدا وتختبر ثبات القطع الموصولة بهزّها. يشعر بالارتياح أكثر مع تأكده بأن يده لم تعد قادرة على خلخلة تلك الأجزاء التي باتت مثبتة بإحكام. كأن قلبه من أُحكم إثباته ولم يعد يضطرب بشعوره داخل صدره. كانت تسري في عضلات يده دغدغة تحثّه على شدّ البراغي بكل ما أوتي من قوّة ليحس بثبات الأجزاء أكثر ويشعر بالاحتكاك المريح وهو ويشدّ ويبرم آخر رمق من البراغي التي أكملت الدوران في المجرى بإحكام.


"أكمل غدا" نهض وهو يأخذ كوب الشاي الذي نسي -كعادته- شربه. يشعر بأنّ السكر قد ازداد مع برودته، لكنه يشرب الكوب على آخره بكل رضى. وكالعادة أعطى نظرة فخره واعتزاز بآلته التي باتت أكمل. يغلق الباب خارجا ليكمل يومه كيفما كان فهو قد نال القسط الأوفر من هذا اليوم بإنجازه، وعليه يمكن اعتبار ما تبقى من اليوم وقت فراغ يقضي فيه ما يشاء. 


لكن ودائما مع مضي الوقت وتركه لآلته مدة يبدأ الشك يسري في تفكيره. لم يكن على يقين بما يمكن لهذه الآلة أن تصنعه، لكنه واثق من أنها ستصنع معجزة تسعده. كان يعجبه أن أجزاءها موصولة بإحكام إلى بعضها البعض دون أن يشوّه أي مسمار مطرقة جسدها. كل شيء محكم بسلاسة. كان يعجبه التأمل الى الأجزاء الموصولة بمختلف الأشكال. وكان يرى في بعضها يد تلمّ اليها يد أخرى، هكذا يراها. وبكل ما أوتي من قوة كان يحاول منع الشكوك من دقّ أي مسمار في آلته بقوّة.


كان حريصا على إغلاق الباب لم يكن يحب أبدا أسئلة المتطفلين العقلانيين الذين يسألونه، كيف ستعمل؟ وأين المخطط؟ كيف يفهمهم بأن الآلة ستعمل في يوم موعود ينتظر قدومه. يوم قريب، من الصعب اقناعهم بأنه يبني آلته وخطة العمل في روحه وأن طريقة عملها موجودة لكنها في درج الأيام أو في درج ذاكرته، وكل ما عليه إكمالها لينفتح ذلك الدرج. لم يكن يمنعه من الوصول لليقين بذلك إلا مشاغبة الأسئلة تلك. 

 

مع مرور السنوات بدأ ينقطع عن العمل أحيانا. تمر أيام يفقد شغفه فيها لكنه يعود لاحقا بحماس وثقة متخيلا أنها أوفى ما تدّخره الأيام له ولمستقبله. 

 

 كان شكل الآلة عجيبا، أعين المتطفلين من أقربائه طالتها. بدؤوا يسألونه أكثر لكنه يجيب إجابات متهرّبة. "إنها أقرب الى العمل الفني منه إلى آلة ميكانيكية" مع أنها أعطت أشواطا من النجاح في مراحل التشغيل الأولي " ليتهم يرونها وهي تتحرك وكيف تسري الحركة بين دوائرها بانسياب ودقة" قالها وهو يشعر برعشة فرح في قلبه. 


"منذ متى وأنت تعمل عليها؟ ومتى اكتملت إلى هذا الحد؟" يسأل أحد أقرب أقربائه وهو يرى الآلة أول مرة، يجيب "منذ سنوات عملت عليها وفي بالي خطّة أشعر باكتمالها لكن لا أستطيع الإفصاح عنها"، "جميل، عملك يبدو متقنا لم أتخيل أن غيابك في هذه الغرفة سينجم عنه شيئا بهذا الإتقان" هذا أقصى ما ستطاع قريبه قوله.

 

  أكمل حياته، وكل ما يمر على أقرانه من قرارات ومجالات مرت عليه. لم يكن يختلف عنهم خارج الغرفة. كان في نظرهم انسانا عاديّا. لكنه لم يشعر بالرضى على الإطلاق كانت الأيام تكدّس -خارج الغرفة- أثقالها على صدره. لم يعد يحتمل، بدأت أعراض مضايقته تزداد، روحه بدأت تنفلت من هدوئها، وحدها الآلة كانت القادرة على امتصاص ما يحدث من همّ بالخارج . 


كان يضع آماله عليها، ومع السنوات كبرت آماله بها أكثر.

"حتما ستعمل، حتما ستعمل" 

لم يعد يطيق انسلال أي شكّ بها، كانت أمله الوحيد والتشكيك فيها يعني القضاء عليه، لم يعد يملك إلا أن يؤمن بها.


اكتملت الآلة، الجسد، العمل الفني، الكتلة، ولم تصنع شيئا "وماذا بعد؟" شعر بتوتر. الإلهام الذي كان ينساب قد جفّ وبدأت الشكوك تجفّف خياله أكثر. لم يعد يفهم ولم يعد يتذكر كيف ابتدأت أحلامه، الآلة باتت باهتة ووجهه أصبح باهتا. 

 

بدأت التعليقات تنساب على آلته. جن جنونه -من الداخل لا أكثر-. كأنهم يضعون الديناميت فيه ويطوقون بها روحه التي بدأت تشعر بأنها مكبلة أكثر.

 

بدأت مشاعر الكره 

" آلتي كانت خطأ" قالها لنفسه كثيرا ولم يسمعها أحدا من حوله. "بماذا تصلح؟" لم يدركوا مدى فداحة ما اقترفوه. لم تكن آلة عادية كانت شيئا غرس فيها روحه وخياله وأحلامه أكثر، عمل يقدسه وكرس فيه أمله ملطخا بالتعليقات الساخرة. لم تكن الكلمات ثقيلة لكن لا أحد شعر ببركانه. 

وبقطعة حديدية وحادة دخل على آلته أو كومة الأجزاء لينهي كلّ شيء.



 

   *van gogh

الاثنين، 7 ديسمبر 2020

يشكو من لا شيء .


*



خرج وهو يشعر بالبثور على وجهه أكثر. أخبره بأنه على مايرام ولا شيء يشوّه جلده. وصل لمسكنه وبدأ بصعود الدرج حيث لم يتغير رتم طرقات قدمه عليها منذ بدأت حالته هذه تزداد. مشى بدربه الى أن وصل لغرفته ولو أبعدت قليلا لغاصت قدمه وعلقت بالأرضية. هكذا شعر إلى درجة أنه أحس قليلا بالبلل أسفل بنطاله وكأنه آتي من طريق موحل. 


( كان هذا الكائن يعيش داخل دفتر بعدد صفحات قليلة لم تعد فيه مساحة لملء أي شيء، كان مليئا بالأيام والذكريات وكان عنده حسّ مرعب بالانتباه لكلّ نتوء وانحناء للخطوط لدرجة أن انحناءً بسيطا كافيا ليصنع سكينا يمزق دماغه قبل أن يدرك بأن ذلك لم يكن إلا انحناءً بسيطا لأحد الأيام والكلمات )


يستلقي على السرير يحاول الالتواء بالغطاء حتّى يشعر بأن شيئا إلتف عليه بإحكام ليهدئ روحه التي وإن سكن جسده لا تبدو مستقرة. بقي قلبه يرجف تاركا بأثر الإرتجاف فراغا خانقا. شعر بأنه بحاجة لأن يتنهد ذلك الفراغ من قلبه لكن أنفاسه لا تصل إلى قلبه. 


يتنفس وكأنه بذل مجهودا كبيرا قبل وصوله. كان تفكيره يشعره بأنه قطع مسافات طويلة ذهابا وإيابا عبر الوقت.


بدأ يلتوي بشكل عكسي حتّى يتحرر من الغطاء رغم أن روحه بدأت بالاضطراب لكنه شعر بشيء من الراحة وهو جالس على جانب سريره مطأطأ رأسه وتنهداته تتساقط من فمه. "ما كل ذلك يوم عادي، يوم عمل معتاد لا جديد فيه، وجبات معتادة، ما الذي يكوّم التعب فيني أكثر" يسأل نفسه. 


وتذكر يوم أرسل رسالة لأحد أصدقائه كان قد اخبره بأن كل شيء حولنا ليس إلا تصورا ويمكن وفق ذلك أن ينال كل شيء يريده بعد أن يحكم تصور حيازته لما يتمناه بكلّ ما أوتي من قدرة. 

 

كان ذو قدرة عالية على التركيز، كان قادرا على خلق وهم لحظيّ لمدة وجيزة بوجود شيء ما. وكان يوجد فعلا! كان يلعب بهذه الأفكار حتّى أتقن ذلك لكن دماغه فقد السيطرة على نفسه وبدأ يتصوّر ما لا ينتهي من أمور،  ولا يكاد دماغه يكف عن إلقاء كل تلك الأشياء المزعجة على كاهل رأسه.

 

كان شعوره بالألفة ازّاء الجمادات يحزنه، هل من خطأ بأن يشعر لهذه الدرجة بها؟ احساسه بأثر بريق اللون بالفراغ وما يعنيه انعكاسه على سطح خشن مخدوش، يعرف بالضبط هذه الخدوش وكيف ترسم أثرها بالداخل وكأنها صوت واضح أو لمسة لا يمكن توهمها. كل ذلك يشعره بالحسرة؛ كان الأجدى أن يفهم البشر بدلا عن ذلك. فقط لو كان جمادا.

 

كان قد تخلى عن عاداته البدنية والتي تتطلب جهدا كبيرا منه، كان ذلك الاستسلام الأخير لدماغه. 

 

  بعد بضعة أيام:

 خرج بعد أن صُرف له مرهم لعلاج البثور على وجهه وأخبره بأنه سيكون على ما يرام. لكنه لم يشعر اطلاقا بملمس المرهم على جلده.




Alex Eckman-Lawn

الجمعة، 6 نوفمبر 2020

كيف نصنع من الأشكال والأفكار البشعة عملا فنيّا.






 
في حال رسم الرسّام منظرا قبيحا، هل يمكن أن ينجم عن ذلك عملا فنيّا؟ وإن اعتبرناه كذلك، هل سنعتبره شيئا جميلا؟


تاريخ الأعمال الفنية مليء بالمشاهد البشعة والشنيعة والمؤلمة والتي تتناقض مع تصورنا عن الجمال، فنحن على سبيل المثال، نعبّر بعمق عن جمال لوحة "طوف الميدوزا" لثيودور جيريكو، (1791-1824).  يمكننا القول بأنّ الفنّ الأوروبي أبرع فنّ خلق الجمال من خلال مشاهد المآسي والالم، وعند تتبع جذورها، نجدها متأصلة من  سلسلة طويلة من اللوحات والدراسات الفنيّة، هل يمكن أن نعتبر ذلك نجاحا؟ جَعل المأساة عملا فنيّا يوصف بالجمال؟

 

بعيدا عن الفن الأوروبي وعن الألم والمأساة (الألم النابع من تعاطفنا مع الآخرين) إلى الفن الشرقي وتحديدا الياباني، حيث نجد  فنّانا اسمه تاكاشي موراكامي. لنعد السؤال مرة أخرى مع بعض التعديلات:

 هل يمكن أن يرسم الفنان شكلا بشعا ومنفّرا و مثيرا للاشمئزاز ويصبح عملا فنيّا يوصف بالجمال؟

 ذلك أصعب من تحويل المآسي والآلام  إلى عمل فنّي يوصف بالجمال. الواقع أن الأعمال اليابانية تجاوزت ذلك وصنعت أعمالا تصوّر أفكارا منفّرة ومثيرة للاشمئزاز. وواحدة من أكثر المواضيع التي يمكن الشعور بخطوط التماس بين المتناقضات الإيروتيك. عندما تصور الأعمال الغربيّة صورا عارية  تأخذها أحيانا بجانبها الميثيولوجي أو الأسطوري، حتّى تغلف هذا الحضور بشيء من الأبهة؛ لأنّ خلوّها يعرّيها من أي معنى أعمق، وهو ما جعل الكثير ينفر ويعترض على لوحتي ادوار مانيه، (1832-1883)، "غداء على العشب" و "أولمبيا"، رغم أن مثل هذه اللوحات  وجدت كثيرا وتمّ قبولها بفضل قدر لا بأس به من خلفيّة تبعدها ولو تلميحا عن الصراحة وتمنحها سياقا ميثيولوجيا، لكن لوحات مانيه لم تفعل أي شيء من ذلك، لهذا صدمتهم امرأة معاصرة وعارية تتناول الغداء مع رجلين بكامل ملابسهم.  قد يصعب على الفنّ بنمطه الغربيّ  إزالة ذلك الشعور بالذنب أو العار أو الخجل مما يتم تصويره. لوحة جوستاف كوربيه (1817-1877)، "أصل العالم"، تصوّر عضوا تناسليّا  لامرأة، تجاوزها الصريح كان فجّا وقد يكون هدف العمل الفنّي نفسه، الشعور بكسر شيء ما واجتيازه أكثر من الشعور بقبوله وتقبّله؛ والذي سيحتاج إلى قدر أعلى من الدقة في فهم مدى تأثير أدنى ملليمترات تفصيلية باللوحة على حكم الأشخاص. 

 

أكثر ما يدهش احتواء الأعمال الكرتونيّة اليابانيّة على العديد من المشاهد الجريئة والخليعة، وكثيرا ما تؤخذ بإطار فكاهيّ كوميديّ يجعلها مقبولة أكثر، ومحصورة في إطار اللقطة الكرتونيّة كأنّها مزحة ثقيلة أعقبتها ضربة ممازحة على الكتف. جرعة المزاح والفكاهة تلك تجعل المشهد والصورة أو الرسمة أكثر قبولا. وتزيل كل فكرة عن كونها تجاوزا إلى حد القبول بكونها شيء جميل سمحت هذه المزحة بالتعبير عنه بأريحيّة، دون أن يتم التعبير بمتعة التجاوز والتي لا حدود لها. يشبه ذلك تماما قبول بعض المزح والأقوال الخادشة من بعض الأشخاص وفي إطار ساخر. 

 

هل تشعرك لوحات اليابانيين الجريئة بمثل ما تشعرك به لوحات إدجار ديجا (1834-1917) ولوحات إيجون شيلي (1890-1918) من تجاوز؟ لا تلمس بأعمال اليابانيين ذلك، ولنا أن نتخيّل لوحة غربيّة كالتي رسمها كاتسوشيكا هوكوساي (1790-1849) "حلم زوجة الصياد" ؛ بالإضافة الى عنوانها الذي منحها عالما تبتعد به يمكن اعتبارها أقصى حدّ و ما يمكن للفكرة من غرابة و إثارة  تصوير إلايروتيك في إطار عمل فنّي. بذل الرسام فيه جهودا في جعلها أكثر قبولا بكونها مضحكة، منفرة إلى حدّ الاستغراب والضحك أو شيء من ذلك؛ لو رسمت بريشة غربيّة رصينة لتبادر للأذهان أنها ليست إلا أفكار تعبر عن رغبات الفنان نفسه. في الإطار الياباني يسهل افتراض أنها ليست فكرة مبنيّة على رغبة الرسام، بل فكرة مطروحة ومبنيّة على أفكار تدور حولها لا عليها. 

 







 أكثر ما يميّز تاكاشي موراكامي أنه يظهر صورة جامعة لكل الحالات الفريدة التي صورها الفنّ الياباني. تجد عنده أشكال في غاية القبح لكنها صورت بطريقة جميلة يجعل منها عملا فنيّا في غاية الروعة؛ بالأساس يمكنك أن تشاهد ابداع اليابانيين في ذلك من خلال خيالهم في إظهار أشكال المخلوقات الفضائية بعالم الكرتون. وعلى ما يكثر بفنّه من أفكار جريئة ذات ايحاءات جنسيّة أو تعابير ايروتيكيّة غريبة، فإن اطارها الفكاهي يشبه ما نجده في رسومات الانمي. وأشهر هذه الأعمال تمثال الشاب والفتاة وهم يلعبون لعبة القفز بالحبل والذي يتمّ خلقه من افرازاتهم. خلق شكل مضحك أو لمحة مضحكة تمنح الصورة مساحة لقول كلّ ما تريد بأريحيّة. وأكثر ما يصدم سلسلة الأشكال اللطيفة والجميلة في عالمه، تماثيل ورسومات مع مزجها أحيانا بأشكال بشعة أو قبيحة بعمليّة تمازج دقيقة. تظهر احساسه بالخيط الرفيع الذي يفصل القبيح والنفور والإشمئزاز بالأشكال اللطيفة والناعمة. أتذكّر حلقة من المسلسل الكرتوني "الوميض الأزرق" كان المشهد صادما عندما تحوّلت الأرانب إلى مخلوقات شريرة؛ شكل الأرانب إرتبط بدلالات كثيرة وإقحامها بصورة شريرة مثل صدمة غريبة تحفّز الذهن الى إعادة تركيب الأشكال التي يخزنها. إن اللعب على الدلالة النمطيّة لبعض الأشكال وإعادة خلطها قد يخلق شعورا يشبه الدهشة من الأعمال الفنيّة، حادة لكن بينها وبين النفور حدّا فاصلا وفي غاية الدقة والاقتراب من حدوده يحتاج الى انتباه دقيق.   

  


الأشكال المخيفة ليست جديدة في عالم الفنّ ولو أنها عند موراكامي مختلقة أكثر في حين أنها في أعمال فرانسيس بيكون (1909-1992) مشوّهة من الواقع لغاية ما، تعكس ملامسة للجانب النفسيّ للانسان الحديث. إن الجرأة في خلق إطار مقبول وفني للشكل المريع يشبه خلق إطار مقبول للتصوّرات الايروتيكية عند اليابانيين مثل تاكاشي موراكامي. 

الأربعاء، 4 نوفمبر 2020

لا نهائيّة المعاني

 


 

"ألا تسمع هذا الصراخ الرهيب الذي يحيط بك من كلّ جانب؟ هذا الصراخ يسمّيه البشر بالصمت"

جورج بوشنر


توصف اللغة كثيرا بأنها أصوات لها طابع اعتباطي ولكن الانسان (المجتمع) يمنح هذا الصوت دلالة ما. وحتّى ان أصرّوا على أن لا علاقة للدلالة بذلك الصوت (صوت الكلمة) فإنه من الجميل أن نفكر بأن كلمة "أم" صيغت بهذه النبرة الحميمية بحرف الميم الذي يضم الشفاه، وإن كانت فكرة ساذجة وواهمة في نظر اللسانيين بالذات. حيث يرون بأن الناس يفكرون بهذه الطريقة لأنهم يرونها جميلة وخلابة لكنها ليست منطقية. الواقع أن ما قد يجعل هذه الفكرة أقرب الى الحقيقة كونها جميلة، يمكن اعتبار بعض النظريات والفرضيات صحيحة كونها جميلة وخلابة؛ الفكرة تبدو صحيحة لأنها جميلة، لا يعقل للحقيقة أن تتركها فارغة. طوال التاريخ والانسان يحارب هذه الأفكار الجميلة في سبيل الحقيقة وإن كانت مُرّة واعتبرها أهم من كل شيء -كان ذلك صعبا-  بعكس انسان العصور القديمة الذي لم يكن يحمل ذلك التقدير للعلم أو لم يكن يتخيل أن للحقيقة شكل مبسط لهذا أتاح لمختلف التفسيرات وأكثرها تحليقا وجمالا بأنّ تحيك من الحقائق ما تشاء. أتخيل أنه بعد ألف عام لن يرث البشر أساطير وقصص جميلة خرافية من عصرنا بل سيقفز للخلف أكثر.


حين يكون للصوت الاعتباطي دلالة ويصبح بعدها كلام ذو معنى ماذا عن بقية الإشارات على اعتبار أن الصوت إشارة. اللون مثلا، هل هو اعتباطي؟ أعني دلالاته هل منحناها له نحن أم وجدناها باللون نفسه؟ بعضها كذلك وبعضها منحت منّا، فكان اللون بهذه الصورة إشارة اعتباطيّة لكنه لم يكن كذلك عندما عنى اللون الأزرق الهدوء والسكون، حتما هو يعني أكثر من ذلك لكن هذا أسهل مايمكننا أن نجزم به. الشعوب تمنح الدلالات: ذاكرتها وأحداثها وأشياء كثيرة من حولها قد تصل الى حدّ اعتبارها جميلة، مقدسة. ولو خرجنا عن الألوان والأصوات البشرية لوجدنا الأشياء التي تبدو إشارات يمكن أن تكون لغة ذات دلالة: الغروب، الرعد، المطر. أوكلها اعتباطيّة وكذلك الدلالات الممنوحة لها هل جاءت اعتباطيّة؟ كأننا نخزّن فيها بيانات رقميّة وهي المعنى لنجد كل تلك الأشياء أو اللغات من حولنا ذاكرة متنقّلة.

 

هل تمنح بعض الشعوب دلالات لما حولها أكثر من غيرها؟ وهل نحن كأشخاص نمنح الدلالات؟ كل شخص يمنح وفق طريقته؟؟ وهل هنالك أشخاص أكثر من أشخاص؟ ماذا عن الحدّ الأقصى هل لذلك حدّ؟ ماذا لو أن أحدهم منح لكل شيء من محيط حياته دلالة ومعنى، لم يمنح النجوم دلالة ومعاني بل منح كلّ نجمة دلالة ومعني وحيدا وكلّ ذكرى (الذكريات إشارات كذلك) منحها دلالتها ومعانيها أيضا كيف يمكنه العيش وسط هذا الضجيج وسط هذه الغابة المكتظة من المعاني والكلمات (على شكل أشياء) والتي لا نهاية لها، هل يمكن حينها أن يجد لحظة صمت في حياته؟ لو وصل لهذا الحدّ سيبدو انتحارا بعد أن استنفذ كل شيء. والصمت وهو آخر شيء يملكه الانسان، الرمق الأخير للسكون وهو القلب النابض لكل المعاني والذي سيظل ينبض بمعناه الذي يملكه في أعماقه حتّى يطغى بالمعنى المجازي/ الإضافي الملقى على عاتقه. الصمت هو الأساس الي نستند عليه في كل ما نمنحه من دلالات ومعاني.


إننا لا نمنح الأشياء من حولنا دلالات ومعاني بل شيء من روحنا يتمّ قطفه لبثّ المعنى. في مشهد شبيه لما حدث مرة بانمي "ون بيس" حيث الناس يدفعون الضرائب من أرواحهم في جزيرة الـ بيغ ماما نفسها. كذلك الأشياء تطلب منك روحا لتأخذ المعنى منك. ماذا لو منح أحدهم كلّ شيء معنى ووجد نفسه خاليا تماما من أي شيء؟

لازلت أذكر حديث أحدهم الذي قال بأنه يستحيل حذف أي صورة أو أي شيء من ذاكرة "الميموري" حتّى لو حذفت فلا يمكن حذفها فيزيائيّا! كأن الحذف ليس إلا إعادة صياغة لا أكثر. كأنه لا نهاية لها مثل الفراغ تماما.