بعد منتصف الليل لا أدري في أي ساعة تكون لكنها هكذا تبدو بهذه المشاعر بالكتب والأفلام. هذا الاسبوع وعلى غير العادة لم أذهب للمقهى في كل ليل. مالذي تغير؟ كأي شخص ينتهي من عمله يعود إلى البيت كنت في كل مرة أنهي نهاري أعود للمقهى. لأول مرة أخرج من كل ذلك، كأنني أغادر بيتي لأول مرة توقعت أن أجد نفسي خارجا من نفسي التي اعتدتها ومللت منها لكن جرحا أحدثه حدث تافه أعادني إلى حيث كنت، ذلك الجرح فتح عيني على الأشياء التي نامت في داخلي وهاهي تنزف أمامي كشريط يروي كل شيء. كعادتي أحاول أن أكتب ما أشعر به وكشخص مهزوم أحدثكم كتابة وأنا أتخيل صوت شخصية أحبها تملي علي ما أكتبه. لا شيء يمكنني فعله، أشبه شخصا كتب وقال كل ما يستطيع بكل أسمائه المستعارة وبكل حساباته، بدا كعدة أشخاص لكنه بالنهاية ورغم ذلك لم يستطع قول أي شيء كان يود قوله. لا شيء يمكنه قولي عدا عن أشياء أتذكرها كصور تمر في البال سأبدو معها سخيفا لو حكيتها لكم لأنها لن تعني شيئا كما ترونها لكنها عندي ستعني كل شيء. لم أكن لأنام دون أن أضمد جرحي بما أمكنني قوله حتى هذه اللحظة.
الخميس، 13 يونيو 2019
الاثنين، 20 مايو 2019
هل يمكن لأحد أن يخبرنا مالذي يجعل الموناليزا أعظم لوحة في التاريخ؟
مالذي يجعلها أفضل لوحة في العالم؟ على اعتبار أنها فعلا كذلك والدليل أن لا أحد بحاجة الى كتابة عنوانها والتعريف بصاحب اللوحة الجميع يعرف ذلك لكن الجميع لا يعرف مالسبب الذي جعلها الأعظم في العالم.
قرار بشري كان وراء ذلك، وعلينا نحن والتاريخ منح اللوحة كافة التبريرات والأسباب للإبقاء على عرشها. فمن بين الآلاف من اللوحات نحتاج أن نقرّ بوجود لوحة تعتبر الأعظم في العالم. لا يمكن لنا أن نبقي العرش خاليا كما أن لا أحد اطلاقا يفكّر في معارضة وجودها خوفا من الفراغ الذي ستخلفه. رغما عن كل من حاول تشويهها وسرقتها أو رسم نسخة ساخرة منها.
اختيارها لم يكن صدفة منذ رسمها ودافينشي يظهر اهتمامه بها وعندما حل ضيفا على فرانسوا الأول ملك فرنسا والذي لطالما حلم بضم ايطاليا -بلد والدته- لبلاده. كان الملك قد أنشأ مدرسة فنية تعنى بالرسم على طريقة عصر النهضة "مدرسة فونتينبلو" ولو أنّها لم تنتنج الا نسخا مقلدة لا أصالة فيها. اقتنى الملك الذي يفهم الفن على ما يبدو اللوحة من دافينشي -بعد إلحاح- كما يود بعض المؤرخين قوله. منذ البداية واللوحة تثير الاهتمام والأهم أن رسامها الموسوعي أحب اللوحة، أي أن له أسباب عديدة وقد تكون أمور خارج مجال الفن. وبعد أن ظلت اللوحة مدة في قصر فونتينبلو جلبها لويس الرابع عشر لقصر فرساي ومن ثم وضعتها الثورة الفرنسية في متحف اللوفر لكن اللوحة خرجت من اللوفر ليضعها نابليون في غرفة نومه بقصر التويلري. لا يخفى على أحد مدى اهتمام نابليون بالفن. بل لا أحد يمكن أن يتخيل الفن من دونه، أي من دون اللوحات التي تصوره ولوحات الرسامين الذين رسموا بتشجيع في عهده. نابليون ذو الأصول الايطالية أظهر اهتماما خاصة بالموناليزا!. وقبل 100 عام تقريبا عندما سرقت من اللوفر من بين مئات اللوحات الايطالية العظيمة لكنه لم يختر السارق الايطالي إلا الموناليزا كنزا يعيده الى وطنه. تاريخ اللوحة يوحي بأنّ لها مكانا كبيرا في ذهن الجميع.
فرانسوا رغم أنه رُسم من قبل واحد من أعظم الفنانين الايطاليين (تيتيان) لكن اللوحة لم تشتهر كثيرا مقارنة بلوحة رسمها رسام فرنسي اسمه "جان كلويه" في وقت لم يكن في فرنسا رسامين معروفين.
لوحة الرسام "آنجرز" أحد تلاميذ جاك لويس دافيدز تصور موت دافينشي بين يدي الملك فرانسوا
من أشهر ماشتهرت به اللوحة الابتسامة، هل يمكنك أن تجزم فعلا بأن الموناليزا تبتسم؟ في كل مرة تشعر بذلك تحس بأنّها تنظر اليك بجمود فتقول في نفسك انها أبدا لا تبتسم لتتفاجأ بأنها تبتسم لردة فعلك. يوجد اندماج غريب بين المنظر الطبيعي خلف اللوحة وموناليزا هو ليس مكانا معينا بطبيعة الحال ولكنه كعادة كل الخلفيات صورة طبيعية قد توحي بمكان أو زمان ما لكنها هنا توحي بموناليزا نفسها. يوجد انسجام بين لون ملابسها ولون الصخور بالخلف، أما الجبال البيضاء فهي تشبه كثيرا الجبال التي رسمها بلوحته "القديسة آن" بل إن وجه مريم العذراء في اللوحة وآن لايختلف كثيرا عن وجه موناليزا نفسها، ونفس الوجه والملامح يتكرر في لوحة "عذراء الصخور" بطبيعة الحال لكل فنان وجه معين يعتبر أساسا للوجوه التي يرسمها لكن الوجه المعين هذا يكون خفيا عادة لكنه ظاهر بقوة مع دافينشي بأعظم لوحاته، اذ أن لوحاته المبكرة لاتحوي هذه الملامح المميزة. يبدو أن الوجه المعين كلما كان متقنا في ذهن الرسام كان أروع شكلا في كل وجه يرسمه وهو مكتمل للغاية في لوحة الموناليزا. لعل دافينشي رسم وجهين: وجه مبتسم ووجه متجهم ومن ثم قام بدمج كل ذلك بالختام.
أبعاد اللوحة تبدو مثالية، أي حجم الشكل وتوزيع الفراغ من شأن ذلك أن يكون لوحة مريحة للعين وأرسخ للذهن. مثل لوحة "وستلر" التي رسم فيها والدته، المثير أنه رسم والده لكنها أبدا لم تنل مانالته لوحته لأمه. كيف يمكن توزيع الفراغ والأبعاد حتى تكون اللوحة كذلك؟ لا أحد يعرف ذلك لكن يمكن للموهوبين انتاج ذلك بشكل تلقائي.
لعل من أكثر الأشياء التي يبرع فيها البشر قدرتهم على انتخاب نموذج يعينهم ويساعدهم على منحهم الاستقرار في أفكارهم، تصوراتهم، اختياراتهم، أحكامهم. كأن الموناليزا اختيرت لتكون كذلك (أيقونة). العجيب أنه لا توجد قصيدة لها مكانة تشبه الموناليزا، أو رواية أو كتاب.
يبدو أنه من الأسهل محاولة فهم روعة اللوحة من خلال دراسة مواقف وآراء الناس حولها أكثر من دراسة اللوحة نفسها. لا شيء سينتهي بنا لو حاولنا شرح جمال اللوحة نفسها. الجمال ليس إلا الشعور المنعكس فينا.
هل للجمال سياق؟
قد يكون ذلك ولو أن النفس تميل الى القول بأن الجمال شيء مطلق، لكننا ندرك جيدا أن لوحات شاغال وفان غوخ ستعتبر قبيحة ومضحكة لو رسمت في عصر النهضة مثلا. كأن الجمال يتغير وفق سياقه. إذا متى وكيف ولماذا اعتبر الناس لوحات فان غوخ وشاغال جميلة بالقرن العشرين؟ بل لماذا رسموا بهذه الطريقة؟ هذا ما سيجعلنا نفهم الجمال كصورة مطلقة. لكن دراسة الشكل نفسه قد يجعلنا نفسهم جمال اللوحة لكن وفق سياق معين.
تصورنا عن الجمال بالفن يتغير مع الزمن كثيرا لكنه لم يتغير مع وملامح وجه الانسان، يمكننا الجزم بأن الأشخاص الذين نعتبرهم في غاية الجمال اليوم هم جميلون للغاية في أعين الناس قبل 100 او 200 سنة بخلاف الفن. لذلك يمكن القول أن الجمال أعمق من أن يكون رأيا.
وعلى كل حال هنالك فنانون بيعت لوحاتهم في حياتهم بمبالغ جيدة وبعد مماتهم لم يعد أحد يكترث كثيرا بهم ومن ثم عاد الناس واستعادوا اعمالهم الى أن نسوها أو لنقل اعطوها مكانتها الثابتة أخيرا كفنانين عظام لكن أقل من غيرهم وخير مثال على ذلك، رسامي "الروكوكو" الفرنسيين الذين اشتهروا في عصرهم ومن ثم نبذوا ونسيوا قسرا وتم استعادتهم نهاية القرن التاسع عشر وفي هذا العصر استقرت مكانتهم.
ومع ذلك وبعيدا عن كل هذا الموناليزا ظلت رقما ثابتا.
من بين النسخ المقلدة للموناليزا هذه أشهر نسخة وهي الموجودة بمتحف البرادو في مدريد.
الاثنين، 13 مايو 2019
آلة الزمن .
*
Wayne Thiebaud
تحاشيا للإحراج كنت أذهب مشيا إلى الصلاة في المسجد البعيد. لا أحد من الجيران يمكن أن يراني باللباس الذي يريحني، عدا قلة من أمثالي.
مع الأيام والسنوات أدركت أن اللباس لم يكن السبب في تفضيلي الذهاب إلى المسجد البعيد. حتّى مع صلوات الظهر كنت أفضّل الذهاب إليه. كان الطريق منه وإليه نفس الطريق الذي كان يؤدي إلى مدرستي، أيامي الأجمل والتي ظننت حينها أن أجمل أيامي لم تأتي بعد، رغم أني كنت أعيشها بالفعل ودفاتري الحالمة تدل على ذلك.
أتذكر بالكلية قال لي أحدهم بأن في "السراة" باب يقود إلى العالم الآخر. ليس لعالم الجن فحسب بل إلى حياة أخرى وعالم مختلف. كان حديثه يسليني، لم أقاطع حديثه بشربي ما كان في يدي، كما كنت أفعل غالبا، محاولا دسّ رأسي في الكوب بعيدا عن ضجيج أي حديث لا يهمني.
لم يعني ذلك شيئا لطريقي الطويل نحو المسجد. من عادتي أحب سماع مثل هذه القصص التي لا أؤمن بها ولو أني أجد متعة في تصديقها من يوم لآخر.
اعتدت إمالة كتفي نحو الظل المنحسر صوب الجدار. يكاد رأسي يحك في الجدار في كل مرة أحاول نيل قدر أكبر من الظلال. مالم تستطعه الخلوة واللحظات في إعادتي لأيامي بالمدرسة استطاعت الشمس اللاهبة والجدار والظل المنحسر فعله. لم يتغير شيء، طلاء الجدار على لون النادي (الأزرق والأخضر) على حاله، كان يلمع وكأنهم يجددونه، كما كان لونه يبعث على "البراد" والبيوت القديمة بالجهة المقابلة لم تتغير، وصالون الحلاقة ذاك الذي ترك في نفسي ندبا لا يُنسى. هل حكيت لأحد ما حدث؟ لا أدري لكني واجهت مالم استطع تجاوزه كنت أخشى الذهاب الى نفس الطريق في نفس الوقت الذي حدث فيه ذاك -خارج وقت الدراسة تماما-. عندما حملت أخي راكضا فكرت بالصراخ لألفت الانتباه إلا أن خوفا ما كان يسد فمي. هل كان أحدهم سيكترث؟ الصراخ ملفت لكن مشهد صبي يحمل أخاه على كتفه راكضا أكثر الفاتا ومع ذلك لم ينتبه أحد.
هذه الأيام في كل مرة أمر بالكاد يشكل المكان بما حدث فيه عائقا بسيطا على طريقي، كحجر عثرة يمكن ركلها والتسلي بها. ما كنت أظنه سيشكل عائقا على نفسيتي طوال عمري لم يعد شيئا. أصبح كندب موس الحلاقة على الوجه، يزعج كثيرا ويصعب نسيانه حتى يختفي أثره.
لم يتغير حذري وأنا أقطع الشارع عائدا. أصل للبيت وأنسى كل شيء. أعود في وقت آخر -صلاة أخرى- نفس الطريق ويعود كل شيء إلا أيامي الجميلة لا تعود.
لهيب الشمس بات لطيفا.
يمكنني أن أصف الطريق عائدا كما كان. نفس الفتحة النافذة من الجدار والتي يمكنني رؤية الناس يلعبون داخل النادي. ومحول الكهرباء الضخم والذي يعترض الطريق لازال عدا عن الأعمدة التي كانت تحيط به، تحطم بعضها وبعضها مال لكن المحول على حاله. الغريب أن الطلاء كان جديدا طوال طريقي وباردا على العين كعادته أيام المدرسة، عدى المساحة الضيقة بين المحول والجدار. الطلاء كان مقشّرا! وقديم كأنه المكان الوحيد الذي مضت عليه السنين. باب المحول ذكرني بالباب الموجود في "السراة" والذي حكى صاحبي عنه. محول بطاقة هائلة وباب وزمن مختل (آلة زمن) ؟! جعلت كل شيء على حاله حتى الزرع المطل من جدران البيوت والطلاء والنخيل على حالها. الزمن كان متوقفا. والمكان كأنه صورة فوتوغرافية لزمن متوقف وكنت الوحيد الذي يتجول داخل الصورة بزمانه. كأن باب "السراة" الذي حكى صاحبي عنه يقود إلى هنا كأني جئت منه دون أن أذكر وإلا لم صدقت كلامه أو كأن أحدهم صنع آلة الزمن تلك وألقاها على الشارع ودون أن أدرك كأني كنت أعرف شيئا من ذلك في الحقيقة أو في حلمي.
الثلاثاء، 7 مايو 2019
ماسحة الأرضية .
*
بعد قطع مسافتي الطويلة و المرهقة عائدا من العمل إلى بيتي
فتحت الباب، المشهد كان صادما، الأرضية لامعة والطاولة متألقة بلونها الذي طال غيابه تحت الغبار. الأحذية صفّت بعناية واتقان احتاجت الى أن يثني أحدهم ظهره ليضعها برفق.
رائحة البيت مليئة بالعطور؛ معطرات ورائحة بخور كانت آخر أثر للشخص المتعب الذي كان هنا.
كل شيء يلمع، قطع الزينة بالأثاث مرتبة للغاية. كما لو أنّها ثبّتت بقوّة وصرامة ولا شيء يجرؤ على تحريكها انشا واحدا ويقينا لن تجرؤ القطع لو استطاعت.
حصان بوضعيّة الجري لا شكّ وأنه متعب لوقوفه بهذه الوضعية، قبل ذلك كان يبدو بأنه يجري بالفعل.
بشكل مزعج كل شيء كان مرتّبا. رغم المساحات التي اتاحها الترتيب يبدو المكان خانقا وفي غاية الضيق "لا أشعر بارتياح" هكذا شعرت. أشعر بغضب الشخص الذي كان هنا. على أنّه بيتنا إلا أنه يبدو مخيفا وغريبا. لطالما كان بيتنا مرتبا لكن هذه المرة الغضب يعمّ المكان، التعب والكدح والعرق الذي جفّ داخل الأعماق خلق فوضى بيني وبين هذا المكان.
أشعر برغبة المكان بدفعي خارجا قبل أن يراني ذلك الشخص الغاضب، والحصان أكثر من أي وقت أحسست برغبته الجامحة للاندفاع باتجاه الباب خارجا، كان عليه أن يدهسني وهذا ما أخافني فعلا. دفعت بنفسي خارج البيت هاربا، كأنّي أحدثت كسرا في هذا المكان.
-------------
*Susan Rothenberg
الجمعة، 26 أبريل 2019
برج.
*
الساعة تشير الى الرابعة مساء، الجميع يهمّ بالخروج للعودة الى بيوتهم. كنت لا أزال أحاول إنهاء عملي قبل خروجي، لكن التعب دفعني لترك الأوراق بحثا عن بيتي. كالعادة أتوجّه الى المصعد. انتظر، الناس يدخلون ويخرجون، قبل الاصطفاف أحدهم يشير إليّ:" عفوا لايمكنك الوقوف هنا فهذا مكاني" يحدق الجميع بي وكأنهم يوافقون على كلامه. كنت قد سكبت كل مالدي من تعابير على اوراق عملي فلم أعد قادرا على ابداء أيّ شيء كردة فعل حيال ذلك. كنت منهكا. اترك المكان المليء بالصفوف.
أعمل في هذا المبنى (البرج) منذ سنين وبحكم عملي لدي غرفة فيه، أو بالأحرى توجد غرفة خصصت لي كافية لإمضاء ما يبقيه العمل من يومي. وكعادتي وبعد كل سبب -وفي كل يوم- يقصيني من صفوف المصعد أدخل غرفتي الخاصة حيث كل شيء يسير كالمعتاد. ينغلق الباب ويقفل كأنّ ذلك يحدث من تلقاء نفسه. لا أملك -على ما أذكر- صورة في ذهنيّ وأنا أقوم بتلك الأشياء بنفسي. آخر شيء يمكنني فعله ألقي بنظرة من على النافذة وكأني أوشك على القاء نفسي من الطابق الـ .. لم أعد أتذكر الرقم، كان عاليا لدرجة أنه ألقاني بعيدا بالأعلى. يصعب تمييز الأشخاص، يبدون متساوون من الأعلى لكن يمكنني أن أميز كلّ شخص بخطواته، أكاد أسمع ما يقولون في أنفسهم، كأنهم يكتبون ذلك بخطواتهم. كيف هي الحياة بالأسفل؟ لا أحد يمكنه اخباري. للأسف لست قادرا على شتم كل شخص يمنعني من أخذ المصعد ولم أجد شيئا يدفعني لاعتبار ما يحدث سببا جديرا باختلاق المشاكل. بالأمس الجميع ينظرون الي بعد انتهاء العمل "لا يعقل بأنك تود الخروج معنا" هكذا كانوا يقولون، لم أعد أرغب بالكلام يمكنني سماع الكلمات من أعينهم. الاقتراب من تلك الصفوف يشعرني بالضيق. كيف يبدو البرج؟ نسيت شكله لكن من خطوات الناس الذين قد ينظرون اليه قليلا من الأسفل يبدو كوحش أليف، بشع ومهاب المنظر لكنه مسالم. يبدو وأنّه يستمر بالنموّ في كلّ مرة يغيّر الناس طريقة تحديقهم به. أتخيل لو أمكنني رسم البرج من خلال ذلك.
قبل اغلاق الستارة أشدّ على قبضة يدي كأنّي أحاول إبقاء الستارة في يدي بقوّة أمام رغبة هادئة. هذا أشد ما استطعت فعله. أغلق الستارة تاركا ندبة بسيطة على القماش
كانت غرفتي بسيطة الأثاث تلبّي حاجتي والتي لا تلحّ كثيرا على أي حال. الستارة التي ذكرتها وبلونها المائل للون الجدار والذي يمكنك أن تعتبر لونه أبيضا دون الأخذ بعين الاعتبار إضاءة الغرفة. طاولة بلون قاتم أحبّه يترك الحفر فيها أثرا واضحا. كرسي حرصت على أن يكون مريحا أكثر من سريري لأنّي أقضي فيه أكثر وقتي. من حسن الحظ كان كذلك وإلا ماكنت أدري رغم حرصي ان كنت قادرا على تبديله لو لم يكن كذلك. بضع لوحات صغيرة أتيت بها من عالمي بالأسفل. اللون الأزرق يغلب عليها يمكن للون الأزرق أن يقول ما يحلو له بالأشكال ليبدو جميلا بنظري. الغرفة صغيرة ومناسبة وأنيقة كما قلت بشكل جميل. لا أذكر كيف ولكن لاشكّ وأنها صممت من أجلي كانت تلبي طلباتي كما أنها ألمحت كثيرا إلى أشياء لم تكتمل كنت أودّها لكني قبلت بما دونها عن طيب خاطر هكذا بدت الغرفة تحدثني.
قبل اكمال ملابس نومي استلقي على السرير، واحدة من طقوسي التي تجعلني أسهر وحيدا قدر المستطاع، لأن اكمال ملابس نومي يعني تلميحا صريحا لحثّ أفكاري على مغادرة رأسي وتركي وحيدا لأنام. الكتب تتراكم أكثر وأكثر، أحبّ الاقتناء انتظارا لأيام لم تأتي بعد. أدنى سبب كافي لجعلي ألهو بعيدا عن كتبي. سمعت أغنية I 'v Been Working on the Railroad ذلك جرّني بعيدا وأعادني لكتبي لأبحث عن أي شيء له صلة بها، لا أجد شيئا فأبحث عن أي شيء يقترب منها ولأوّل مرّة فكّرت بشيء جدير بالجديّة: أود أن أتعلّم العزف على القيثار. قبل النوم أفتح الستارة، ومن النافذة أمسك بشعور بأنّ أحدا ما يراني وإن لم أره لأعود إلى السرير وأنام
استيقظ وكعادتي ألقي بنفسي من على النافذة -أو هكذا أبدو- لأرى العالم بالأسفل لاشك وأن البرج شاهق الارتفاع لا أدري كيف للمضخات أن تدفع بالماء للأعلى بعيدا بالأنابيب وكيف لها أن تصل. كانت هذه أكثر فكرة تراودني كل يوم. أي قوة يمكنها ذلك؟ المكان عالي. هل من شأن ذلك أن يمنع جسدي من دفع الدماء عاليا نحو دماغي؟ الدماء وباقي الهرمونات والانزيمات هل يمكن لجسدي الدفع بكل ذلك للأعلى حتّى أستفيق؟
أتناول الوجبات كلّها في جوف هذا البرج. الطعام يأتي من الخارج، أعرف ذلك من مذاقه.
كالعادة انهكتني الأوراق والحديث مع الأشخاص بالهاتف بات يرهقني لم أرهم لكن يمكن أن أحدثك عن لقائي بأحدهم وحديثي معه بمجرّد أن تكون هناك مكالمة معه. بعد نهاية يوم عمل آخر نظرات زملائي الذين يخرجون كانت تودعني وكأنها تقول "تريد شيئا من الخارج؟" وأخرى تقول "نراك قريبا بعد العودة من الأسفل" وأخرى تقول "ابقى مكانك" كلهم لا يريدون خروجي، هكذا يبدو. وكلهم أشعروني بأنهم يعرفون طريق الخروج ويملكون تصريحا لذلك.
نسيت أن أخبركم بأن في جوف البرج نادي للرياضة في كلّ مرّة أهم باليأس أتذكره ليبدو كبصيص أمل يبقيني بخير في الأعلى. بسبب التكييف لا أعرق كثيرا. وبسبب فخامة المعدات والمرافق لا أشعر حتّى بالإرهاق، كل شيء مريح حتّى للعين أيمكن القول: وهذا أكثر مما ينبغي؟!
كجزء من عادتي لما كنت أعيش مع الناس بالأسفل كنت استحم بعد قضاء الوقت في النادي رغم أني أعيش في غرفة قريبة لكن الاستحمام بالنادي يمنحني شعورا أفضل من غرفتي.
في البرج يتحدّث العديد من الناس مختلف اللغات و لا تحتاج لمعرفة الكثير عنها، فقط القاء التحيّة والسلام أكثر من كافي لملء الحديث بينكم. الكل في مساره وجريانه في عالمه الخاص. كل شيء يسير كما ينبغي مثل جريان الدم داخل شرايين البرج. كذلك يبدو الناس في باطن البرج. لكن رغم كل هذا السريان والمسافات التي نقطعها سيرا على الأقدام لم نكن نحدث أيّ ضجّة أو حياة بمشينا كما يمشي الناس بالأسفل حيث يمكنك أن تسمع كلماتهم من نبرة أقدامهم. الناس بالأسفل يعيشون مستمتعين في ضجيجهم ولا أدري هل من أحد يمكن أن يحدق بنا، نحن الذين لا نحدث أي ضجيج. بالكاد تسمع نداء جرس المصعد وكلمة "أهلا بك" تائهة في الممرات ولا شيء أكثر حتى بالعمل لم يعد هناك حديث يكسر جدار تلك الأصوات التي اعتدنا عليها ونسينا وجودها.هل تعرفون؟ عقولنا تتجاهل وجود أنف يعيق الرؤية.
لا أذكر متى قدمت الى هنا. كنت في مقابلة رسميّة، نظر أحدهم الى الأوراق التي كانت بحوزتي وتقرّر بعد ذلك قبولي داخل البرج. ما من قرار -كما يبدو- يمكنه أن يدفعني للخارج، خارج هذا البرج. لمن أقدّم أوراقي بالأسفل؟ بل من أين آتي بأوراق تخصني أنا من الخارج، حيث لا أستطيع الوصول. لا أجرؤ على مفاتحة مديري بالموضوع، موضوع خروجي. في كل مرة أجده يبتسم لي ويشيد بوجودي ويعلق آمالا -لست جديرا بها- علي. ما أقسى طيبة قلبه ذلك يمنعني من فتح الحديث معه. الوصول اليه بعيد، أبعد من أن أصله بقفزة واحدة. بعد كل قفزة أعود أدراجي، أشعر بأن وجودي يتلاشى مع أول ابتسامة يقدمها لي. لا يمكن للحديث أن يطول معه أكثر من التحيّة وسماع بعض الاطراء منه ومن ثمّ تختفي من عينه وينشغل بعيدا عنك.
"صباح الخير سيدي"
يرد مبتسما "أهلا عزيزي صباح الخير، كم هو جيد رؤيتك بصحة جيّدا" ويكمل قائلا "اليوم تحدثت بالاجتماع عنك وأنك واحد من أفضل موظفينا وقد تقرّر أن نعينك بوظيفة أخرى تليق بك" لم يتح قدرا كافيا من السكوت لشكره لهذا شكرته بابتسامة صامتة وأكمل " اليوم لدينا مشاكل اتصل بي مدير أحد المؤسسات التي نتعامل معها لأمر مهمّ وهو ما سيدفعني للخروج بعد أن أنهي ما تراكم من عمل" يطلب أحد الموظفين على الهاتف ويناديه ويستدرك وجودي قائلا " أوه هل من شيء أتيت من أجله لأساعدك فيه؟"، " كلا على الإطلاق" أردّ منسحبا، ولأني اعتدت على سماع حديث الناس في صمتهم بدى وكأنّه يعتذر ويعرف أشياء عني لا يود افصاحها، لم تكن المرة الأولى التي يبشرني بوظيفته تلك، في كل مرة أصعد أزداد بعدا داخل البرج بعيدا عن الأرض. لاشك وأنّه سيفتح نار حديثه علي لو ألححت في طلبي. عن ذلك اليوم والذي أخجل من مجرد التفكير بوقوعه يوما.
في اليوم التالي لا أتذكّر أن حديثا تمّ بيننا إلا بعد أن يقول لي في نهاية حديثه "..هل من شيء أتيت من أجله؟" أرد كالعادة وقد تذكّرت جيّدا "كلا على الإطلاق"
(لا شيء يخفى على المدير) عشت طويلا على هذا القول، استطيع القول بأن هذا بات يسير اغلب تصرفاتي في العمل. لم أكن قادرا على كرهه على ذلك.
أعين الناس باتت أشد حدة لم أعد أطيل الحديث مع المدير، ولم أعد أصل الى عتبة سؤاله (ان كنت أريد شيئا) وبهذا أغلق آخر باب للخروج.
لم أعد قادرا على النظر للمصعد، آخر مرة كان عامل النظافة ينظر الى بأسى. بأحد الأيام وأنا أسير للمصعد مررت به، وهو متكئ على عصى مكنسته، لوى جذعه لينظر إلى بعد أن جئت خلفه ، حتّى اني شعرت بوخز ذلك على ظهري. عندما اقتربت بدأ الناس بالمصعد يحدقون بي، نظرت خلفي اذا بالعامل يحدق بي! أكان ينتظر شيئا يحل بي بينهم؟ ناديت زميلي بالعمل ".." أتاني وقال "أهلا .. هل من شيء؟" قلت له "نسيت أن أخبرك شيئا مهما" لم يخفى على أحد أن كلامي لم يكن إلا وسيلة لسحبه بعيدا عنهم وسألته " ما لذي يحدث هل من شيء أرجوك أخبرني؟"، "لا يمكن قول شيء حاليّا عد إلى غرفتك وغدا أخبرك" بهذا أجاب. (عد الى غرفتك) لأول مرة أسمع هذه الكلمة من لسان أحدهم. سماعها من أعين الناس طويلا كاد يقتلني وبسماعها أخيرا منه شعرت بأنّها فعلت شيئا حسنا لي. تظاهرت بأني عدت طواعية، لم أسرع خطاي حتى لا ألفت أعينهم. إلا أن ذلك لم يمنع شعوري من الإحساس بأن أحدهم كان يطاردني ليهمس في أذني شيئا لن أود سماعه.
عدت الى غرفتي، على يقين تام بأن المدير والجميع يعرفون كل شيء، كلهم يعلمون. سحبت الكرسي قرب النافذة فتحت الستارة جاعلا من المنظر طاولة لي والسماء سقفا لغرفتي والشمس التي مالت للغروب مصباحي المعهود، المصباح بدأ يخفت كعادته. مددت يدي لأهزه كي يفيق. بهذا فقط شعرت بأنّي قد خرجت من غرفتي بعد سنوات طويلة.
*Georgia O'Keeffe
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)







