الجمعة، 7 أغسطس 2020

الأطباق الطائرة لم تعد تظهر .

 
 
 
 
"الأطباق الطائرة لم تعد تظهر لأن الناس لم تعد تؤمن بوجودها" قالها صاحبي وكأنه يحدّث نفسه، بدا وكأن كلامه نتيجة تفكير طويل من الأعماق.

"ولكن أتذكر تلك البرامج التي كانت تملؤ التلفزيون؟" بهذا أجابه شخص معه ولم أعرفه وبدا أنه كان يتحدث معه من مدّة طويلة.


"بالفعل الناس كانوا يشاهدون كلّ ذلك، كل من كان يؤمن بها شاهدها فعلا حتّى من لم يكن يؤمن بها تفاجأ بها مرة" وبعد توقّف لبرهة أكمل صاحبي "لم يكن الخوف وحده من فعل ذلك، ببساطة الناس كانوا يؤمنون بها، وكانوا يتخيّلون كلّ شيء حولها. أشكالها الدائريّة وبريقها في السماء، حتّى ذلك السلّم الضوئي الذي تنزل منه تلك المخلوقات تخيّلوها كثيرا، لكنها مخلوقات مشوهه بناها الخوف أكثر من أي شيء. الأطباق بنيت بخيال حالم لهذا كان انجذاب الطبيعة لها أقرب".


"لماذا غادرت تلك الأطباق؟" سأل صاحبه.


يجيبه صاحبي "لم تعد موجودة".


"لماذا لم تعد كذلك؟" يعيد صاحبه السؤال.


 " لم تكن موجودة إلا لأنّ الناس آمنوا بها وتخيّلوها. كان الخيال جامحا، وكافيا ليزاحم الطبيعة في وجودها لهذا وجدت"
أجابه ملتفتا اليه وكأنّه استغرب من جهله معتقدا بأنه يعرف الاجابة مسبقا


"لا يمكن للناس خلق شيء بخيالهم" علق صاحبه متهكما


"يمكنهم لو تخيّلوا بملء أعماقهم، الطبيعة تنتبه كثيرا لتحديق البشر وترقبه بحذر أو لا أدري لكنها تترقّب" وكأن صاحبي انتظر كلمات تحفّزه للمضيّ أكثر


فيسأله صاحبه "هل الطبيعة تخشى البشر؟ أم أنها تلبّي رغبات البشر؟"


فيجيب " لا، اطلاقا لكن الطبيعة صدّقت وجود تلك الأطباق ببساطة" قالها وكأنه يريد أن يغيض صاحبه بقوله "ببساطة"


" هل كانت الطبيعة تبحث في السماء مثلنا؟ هل كانت تترقّب قدومهم؟" ويضيف صاحبه " هل كانت الطبيعة تصدّقنا؟"


كعادته وكأنه يتخذ من طفولته مرجعا لتفسير كلّ شيء في الكون قال صاحبي " أذكر ذلك اليوم جيّدا الذي وبّخني الجميع فيه. قالوا بأني كنت أنا من كسرت تلك الأنوار بالكرة، كان الجميع يحدّق بي لدرجة أنهم كانوا يقذفون بتلك الكرة على وجهي في كلّ نظرة. حاولت الانكار، حاولت أن أبرّر ما فعلته، لا أدري ما الذي غاص فيني وجعلني أنا من كسرت تلك الأنوار واتّسقت بالكامل مع ما حدث في خيالهم. كان خيالهم أقوى من الحقيقة. لم يكن بمقدوري تجاوز خيالهم عنّي. لا أدري كيف أشرح لك، كنت طفلا لم أستطع الصراخ في وجه أحد منهم لتمزيق خياله العالق في عينه. لهذا ، لهذا أو لا أدري لذلك تمكّنوا منّي بالكامل. ولا زلت أعيش على أني فعلت كلّ ذلك بالفعل"


"أنت لم تفعل ذلك" يردّ صاحبه وبدا ضجرا ولم يرغب بإطالة تعليقه أكثر.


"صوت انكسار تلك الأنوار عالق في أذني، شعرت بها، يكفي أني شعرت بها وهل توجد حقيقة أكثر من ذلك؟ أكثر من أني لو فعلت ذلك على حدّ فهمك ولم أشعر بذلك الصوت في أذني" بدا وكأنه صوّب كلامه بدقه في وجه صاحبه


"لو أخبرتهم بكل ما حدث وأنت بهذا العمر لصدقوك وتلاشت من أذنك تلك الأصوات" بنبرة حادة حاول صاحبه أن يؤنبه


" لن ينتهي ولن يتغيّر أي شيء سأقول لك بأنّ لا أحد سيستفيد من إقامة حجر دومينو سقط بالسابق وكان سببا في سقوط سلسلة من أحجار الدومينو والتي لازالت تسقط، ما الفائدة من إقامة ذلك الحجر وحيدا؟" وكأنّه يحاول إغلاق الموضوع وإنهاؤه على طريقته قال " لهذا كما قلت لك يمكنني أن أحقّق أي شيء لو تخيّلته بعمق، لو استطعت أن أرغم الطبيعة على خيالي لحقّقت ما أحلم به من كلّ أعماقي، أكاد أبكي! الفكرة وحدها تبكيني وإن لم أستطع يوما فعلها، سأرجو من الناس الذين تخيّلوا في الماضي الأطباق الطائرة أن يتخيّلوا ما ومن حلمت به، حتما سيأتي، حتما سيتحقّق في يوم ما. سواء بخيالي أو بخيال الجميع سأحدث الكلّ عنه حتّى يأتي ذلك اليوم الذي يسقط فيه من السماء كنجمة اختارها القدر من بين الملاييييين لتسقط وتستقرّ في المكان الذي أنا فيه"


كان بريق عينيه لامعا وملفتا وكان كافيا أن يجعل أعين الناس تبرق ويرون كلّ شيء غارق في ذلك البريق من خياله. كان يمكنه أن يحلّق بهم ويريهم ما يحلم به، كان يمكنه أن يجعلهم يحلمون معه، يتخيّلون معه لكن كلّ ذلك وهذه اللحظة الناعمة بالذات والصافية كانت رقيقة لدرجة أن صوت انفتاح باب غرفته بقوّة كان كافيا لتمزيق كل هذه اللحظة بعنف وتختفي كل تلك الأصوات الحالمة مدهوسة من وقع صوت فجّ يقول " كنا ننادي عليك تعال" 
 
تذكّر ما دار كان يشبه إقامة حجر دومينو سقط منذ مدّة وأكمل سلسلة السقوط التي لازالت تستمرّ بعيدا 







الخميس، 6 أغسطس 2020

-٢٥-

في ذلك اليوم كنا في قاعة النشاط -أعتقد الثقافي بهذه الأسماء تسمّى مثل هذه القاعات- لم يدري المعلم مالذي يفعله بنا، كلّ شيء معدّ ليكون مناسبا تماما لأي زيارة ولا أحد يريد استخدام أو تحريك أي شيء حتّى لا تفسد القاعة الديكور. قام بتشغيل المسجّل وعلى صوت أحد الدعاة أو المنشدين، لا أدري متى يمكنني إخراج أذني من هذا المكان. بعض الطلبة جلسوا على الكراس والبعض الآخر على الطاولات؛ لم يكن العدد يكفي وكانت الطاولات شيئا جديدا لذلك اليوم. الوقت لا يتحرّك كان جالسا معنا في سكون. أتوق لباب الخروج رغم شمسه الحارقة. لطرد الوقت من قاعتنا حاولت أن أقرأ شيئا، لا شيء مسلّي على الإطلاق، بضع منشورات، حاولت البحث عن قصّة؛ بعض المنشورات تحمل قصص الجن والسحر شيء ممتع أكثر من كونها قصّة معبرة. وجدت واحدة وهي لداعية مشهور - لا أحب ذكر الأسماء التي سأنتقدها- كان يحكي عن فتاة تخرّجت من المرحلة الثانوية، افترضت أنها أكبر منّي بسنتين. كانت الفتاة المدلّلة لوالدها المليونير التي لا يرد لها طلبا. استمرّت غارقة في دلال والدها -كنت أشعر بالفخ الذي ينصبه الداعية لحياتها، أو لأقل أن الداعية لم يكن إلا راويا لا أكثر- بعد تخرّجها من الثانوية طلبت من والدها أن تدرس بالخارج وأنها ستذهب وحدها وأنها ستتبرج وتلبس ما تشاء -شعرت بأنّ الفتاة عدوانيّة كلمة بسبب كلمة تبرّج- رفض الأب بكلّ لين وحاول إقناعها وحاول أن يعرض عليها الدراسة في الداخل بأيّ جامعة تريد -لم تكن هنالك جامعات تذكر- لكنّها رفضت و لا أذكر التفاصيل ولكني شعرت بأنّ الفتاة بدأت "تنفلت" على والدها بهذا التعبير العامي فهمت. كانت القصة تتجه نحو نهاية معتادة في مثل تلك المنشورات لكني تعاطفت معها قليلا. بعد أن كثر الجدال انقلب والدها الطيب الذي يدلّلها الى ذلك الوالد القاسي الذي أرغمها على ما يريد ومنعها من كلّ شيء اعتادت عليه وحبسها وبعد نصيحة من أحد الدعاة -أفترض أنه صاحبنا أو صوته الذي كان يروي القصة  كخلفية صوتية لمشهد جرا تمثيله- قام بأخذها بقوّة إلى "الديرة" وهي قرية قريبة من بلدتهم -أعرف تلك البلدة- وقام بتزويجها من أحد الرجال الأكفاء والذي يرعى الأغنام ويسكن في بيت شعبيّ -تقريبا كذلك كانت التفاصيل- تخيّلت البيت ووجدته يشبه بيت عمّال شعبي في حي جدّي أمامه أرض صفراء غابرة. بعد أن رمى الرجل ابنته في أحضان زوجها أو "بعلها" وتركها عاد بعد مدّة طويلة ليزور ابنته فتفاجأ بإمرأة -الصبيّة أصبحت امرأة كأنّها عاشت السنة بسنوات ولم ينتبه الراوي لذلك- تفاجأ الأب - الراوي يصف الدهشة بأنّها دهشة رضى وسعادة- خرجت من الباب أمرأة يركض أمامها طفل ومنتفخة البطن لاستقبال والدها الذي فاته كلّ ما عاشته ولم يسأل عنها. يقول الراوي، بأنها كانت نهاية سعيدة لحكاية هذه الفتاة! شعرت بالضيق، شعرت بالقهر وشعرت بكلّ شعور مقيت يمكن الشعور به. مع اني افترضت أنها فعلا سعيدة -كنت أصدق الراوي- لكني شعرت بأنها ظلمتو لم يكن بالإمكان الإفصاح عن ذلك كان سيقال لي وبفم كريه "ماشأنك؟". مالذي يجعلنا نختزل السعادة في طوق تقليدي وضيّق كهذا؟ ألم يمل البشر من هذه السعادة وكثرة تكرارها؟ لم تكن سعادة بدت أشبه بالواجب الذي عليك أداؤه في حياتك رغما عنك. تخيّلت شكلها، تخيّلت منظرها تخيّلتها بعد أن كانت أكبر مني بسنتين وقد أصبحت أكبر مني بعشر سنوات. هل بقي شيء من حياتها؟ لا شيء تم امتصاص حياتها بالكامل وترك ما تبقّى من المجسّم جامدا يقف عند الباب.

بعد سنوات مررت بتلك البلدة في طريقي إلى مدينة بعيدة. مررت ببلدة أفترض أنها كانت موطنها، وفي الخلف حيث توجد قرى صغيرة، افترضت أنها هناك في واحدة منها. أو أنها وكعادة أغلب الدعاة والمنشورات في ذلك الزمان لم تكن إلا فتاة افتراضيّة اعتدنا وجودها في مثل تلك القصص.    

اشتقت الى تلك الأيّام ولم أدري أن باب الخروج الذي خرجت منه بعد سنة أو سنتين وكانت الشمس حارقة، كان خروجا من حياتي التي أغلقت عليّ الباب الى الأبد.

الخميس، 30 يوليو 2020

بحثا عن ذاكرة فقدت عند أحدهم .



استيقظ وهو في صحة جيّدة. أو كما يبدو عدا عن استغرابه بأن العديد من الأشخاص اجتمعواحوله، أمر لا يمكن حدوثه، وجودهم في هذا الوقت والمكان!  شيء ما أتى بهم. بدأ يشعر بحمل ثقيل يثقل على صدره، يشبه حمل الضمير، لكن هذه المرة لا يدري إن كانوا قد انتبهوا لأمره.
"قالوا بأنّك ستكون أحسن وبأنّ كلّ شيء سيعود في وقته" بهذا وبابتسامة مطمئنة قال له أقرب شخص يجلس قربه ويبدو أنه أكبرهم سنّا. كان الكلّ يترقّبه لهذا لم يستطع أنّ يلفّ بجسده ويتكوّم بغطائه أو بالفراغ ليرتاح. تحديقهم مربك، مثل عدد كبيرة من الأباجورات المضيئة لكن بإنارة هادئة. "قبل كلّ شيء عليك أن ترتاح وأن لا تهتمّ كثيرا، كل شيء سيكون كما يجب" قالها من لم يتصوّر أن يقول شيئا بسبب سكونه الذي بدا بأنّ لا شيء عنده.

كان السرير بالزاوية. بحيث يمكنه أن يسند ظهره على الجدار ويشعر بالجوّ في الخارج من خلاله، أحيانا كانت هذه طريقته الوحيدة للخروج من غرفته. كانوا متجمعين حوله بتوزيع مريح، جلس نصفهم والنصف الآخر يقف بارتياح مستندين بأيديهم على كراسي الجالسين مائلين قليلا نحوه. التعب الذي يشعر به جعله يحسّ بأنّهم كانوا يلحقون به حتّى وصل بالنهاية محشورا في هذه الزاوية. لكن عوضا من أن ينالوا منه يراهم وهم يحاولون الإطمئنان عليه. كان يهرب منهم! ولم يعد بحاجة للهرب منهم أكثر.  

بدأ بالاستقامة على سريره، لم يُبدوا اعتراضا على ذلك رغم بدوا راغبين في جعله ينال قسطه من الراحة. لكن وكأنهم يقدّرون جهده لم يحاولوا الإلحاح عليه. هو الآن في مأزق؛ استقام كأنهم ينتظرون منه الكثير مما يمكن قوله.

أنزل رأسه، بدا ثقيلا محمّلا بالأفكار التي لم تستيقظ بعد. وذلك الشعور بالحمل الثقيل على صدره لا زال قابعا. أخافه أنه لم يهدأ ويخف حمله رغم نظرات الهدوء التي تحيط به.

بدأ يشعر بالدوار حتّى أنه لم يسمع جيّدا ما الذي قاله أحدهم ويبدو أنه لم يكن شيئا مهمّا للغاية؛ كلهم أومأوا بهدوء.

خلف أكتاف الجالسين أمامه كان يشاهد طاولته وكرسيّه الذي كان يجلس فيه كثيرا وهو يكتب. ومزهريته الصغيرة التي لم تضع فيها وردة منذ وقت طويل. شعر بالحسد اتجاه تلك المزهرية المستلقية هناك بعيدا عن الأنظار. كم تمنّى لو استطاع تخطّي تلك النظرات التي تحاصره والتواجد هناك بعيدا عنهم. "ماذا بعد؟" لم يفهم هل كان يتكلم معهم قبل استيقاظه؟! لم يفهم سبب قول أقرب شخص جالس إليه ذلك. "أنت شاب ونعرف كل ما مررت به وندرك أنك شخص جيّد والكل يشهد على ذلك لكن يصعب كثيرا تجاوز ما حدث بسهولة. لا نودّ أن نكون ثقيلين عليك أكثر من اللازم" قال ذلك وكأنه يملي ما يجب فعله أو كأنه كان يقرأ من ورقة موقعة من الجميع. ثم وضع يده على راحة يده " حالما تستعيد كلّ ذلك ستخبرنا بكلّ شيء، صحيح؟" قالها بنبرة أكثر هدوءً "سيّدي .. أيها السادة .. أنا لا أفهم ولكنّي آسف على كل شيء بدر منّي. أحتاج إلى الوقت لأدرك ذلك وأقول لكم كل شيء حدث يوم الإثنين .." سكت فجأة، كان سكوته انقطاعا لم يدري لماذا دفعه لسانه إلى يوم الإثنين بالذات؟ ما الذي حدث في ذلك اليوم كان يدرك أنه يعرف الكثير وأنه وهو يتحدّث، يتحدّث عن ما يدركه حتّى أن وقوفه عند يوم الاثنين كان إدراكا قابعا في أعماقه. "أخبرتنا قبل أن تسوء حالتك بشيء مما حدث وكنت ستخبرنا بكل شيء" بهذا أردف ثاني شخص يقف قربه، "حاولنا البحث عن ذلك الشخص لكن لم يظهر ولا أحد يعرف عنه شيئا" أحدهم قال ذلك وأقرب شخص -وهو أكبرهم- كان قد التفت مصغيا باهتمام الى قوله.

بدأت الأشياء التي حدثت تنمو في داخله. كأن الكدمات بدأت تستيقظ. شعر بأنه بحاجة لأن يكون حذرا في كلامه أكثر. عرف بأنّه على يقين بشيء فعله وكلهم على نفس اليقين. كلّ شيء انتهى تقريبا عدا عن وضع العنوان الأخير لكل ذلك.       
الغرفة التي اعتاد عليها لم يشعر بأنّها ضيّقة أكثر من هذه اللحظة. حتّى أنه لا يدري ولا يفكّر في أن يجرّب ذلك، هل يحقّ له الخروج من الغرفة التي اعتاد الخروج منها متى شاء بلا استئذان؟ صوت الباب يُطرق، أحدهم فتح الباب مناديا أحد الجالسين الذي نهض وأكمل هندامه وخرج. أحدهم نظر إلى ساعته، لا يبدو على عجل كما أن تعابيرهم لا توحي بأنهم يشعرون بمماطلته. قام بتعديل جلسته قليلا رغم أنهم لم يبدوا أي ردة فعل لكنه شعر بأنّه تحرّك أكثر مما يجب وأنه كاد يتجاوز البضع سنتيمترات المصرحة له.

يعرف جيّدا أن في داخله الكثير الكثير مما يجب قوله. حمل يبدو أنه مكلّف بالانفراد به رغم شفقة الجميع. يعرف جيّدا -أو هكذا أصبح- أن فتح فمه كفيل بالدفع بكلّ شيء خارج صدره، نحو الخارج وهؤلاء كلهم ينتظرون.
لا يدري هل جاؤوا للمحاولة بالإمساك به أو الإمساك بما في داخله. عليه أن يعرف أولا قبل أن يقرّر. " لا بأس إن لم ترد الحديث اليوم أو إن لم يكن ممكنا إلا في اليوم التالي" قال الأقرب له ذلك " لندع السيّد يرتاح لم يكن ما قاله سهلا عليه" أحدهم قالها وهو ينهض من الكرسي حاث الجميع على فعل الشيء نفسه. "بالفعل يكفي أنه قال ذلك، ما أخبرنا به لم يكن سهلا وعلينا أن نقدّر موقفه ووقع ذلك عليه" ثمّ أردف المتحدّث وهو الجالس بالقرب منه واضعا يده على كتفه " لا عليك سننهي ذلك معا" كانت لمسة المتحدّث في غاية اللطف لكنه لم يدرك ما الذي جعله يرتجف بقوّة وبكلّ خوف جرّاء لمسته اللطيفة تلك!

أكمل الجميع هندامهم وقد همّوا بالرحيل وفتحوا الباب، تباعا خرجوا كان ينتظر خروج آخر واحد منهم. كان يدرك أن خروجهم واحدا واحدا لم يكن إلا عدّا تنازليّا لقنبلة الخوف التي تكاد تنفجر به. بدا وكأنّ صاحب تلك اللمسة قد زرعها على كتفه. أمر مزعجهم كلّهم يعرفون نقطة النهاية التي يجري إليها دون أن يدري.

بدأ ينتبه إلى أنهم يوقعون مجموعة من الأوراق وكان أحد الموظفين والذي يرتدي زيّا رسميّا يمرّر ورقة على الجميع، الجميع كان يوقّع وعلامة الأسى تبدو عليهم.

رغم أنهم خرجوا جميعا لكن خروجهم لم يكتمل؛ الباب لا زال مفتوحا ولازالت الجلبة توحي بأنّ الغرفة جزء من الخارج. الحركة أصبحت أسرع وصحته التي كانت تبدو جيّدة، أصبحت أحسن، بل أصبح جيّدا بما يكفي لأن يشعر بأنه مثلهم تماما. الأشياء التي كانت تنمو في داخله بدأت تكتمل. كاشفة عن غابة مرعبة في داخله، دفنت فيها أفظع الأمور. آثار النبش عليها كان واضحا، حتّى أنه يكاد يشعر بأنّ أيدي الجالسين حوله كانت متشقّقة ومبللة بالطين. الغابة في داخله تخفي الكثير. رغم النبش لا شيء موجود. لكنه يشعر برغبة أكبر للبكاء أكثر وأكثر حتّى أنه شعر بالحزن كثيرا اتجاه أشخاص كثيرين عرفهم. كثيرون لم يكن ليشفى إلا أن يلقي بنفسه في أحضانهم يبدو أنهم رحلوا. عيونه بدأت تدمع وعند الباب كان الموظف بملابسه الرسميّة وشاربه الكثّ ينظر اليه بكلّ شفقة، ولم ينتبه إلى شبح شفتيه وهي ترسم قوس النهاية، نهاية حكايته التي يبدو بأنه هو من أنهاها طالبا من الجميع أن يستريح بسلام.

الأحد، 26 يوليو 2020

الأبواب لا تخرج أحدًا .





"العالم أصغر مما يبدو، كيف لهذا المكان الفسيح أن يكون خانقا؟" كعادته خرج من المكان ولم يسمع أحد ما الذي قاله لنفسه. لم يكن المكان خانقا إلا لحلقه. ولأنه يخجل كثيرا من قيود المجاملات خرج قبل أن يأتيه موظف بقائمة المشروبات وقبل أن يضطرّ أن يومئ لهم بابتسامة لطيفة بأنّ عليّ أن أذهب فعلا لا لأن المكان لم يعجبني حمل لا ينتهي مما عليه أن يفعل اتّجاه الآخرين بالإضافة إلى الحمل الذي على عاتقه، والذي جعله يبدو ككائن مكوّم بالذكريات التي طفحت فوق رأسه مشكّلة كتلة بالإضافة الى كتلة رأسه. لهذا كان الشعور بأنه مشوّه بنظر الجميع لم يفارقه منذ كانت الذكريات. 

بعد أن خرج مسرعا من الباب الذي يشبه وميض مقبضه موقفا مرّ به، لم يحاول أن يتذكّره، خمّن أنه موقف لم يعجبه. تجاوز الباب والوميض. الهواء الحار وقت الظهيرة نثر من على رأسه بعض الأفكار المزعجة؛ لهذا بدا هذا الهواء مريح له رغم حرارته اللاهبة. بدأ يمشي على الرصيف، يعدّ الخطوات، ويتذكّر يوم كان يعدّ الخطوات وكيف أنه علم بأنّ ذلك يساعد عينه علي ادراك كلّ حركة سريعة وكأنّه يشاهدها ببطء، أشياء يخجل أن يقول بأنه كان يتمرّن عليها وهم يسألونه "لماذا لا ترفع رأسك؟". "ماذا استفدت؟" بصوت مسموع ولا يسمعه المارة يتساءل مع نفسه. رفع رأسه بعد أن تخيّل أن هذا كان سببا لجعله يرى كلّ شيء بالحركة البطيئة، وجعلته يلاحظ أشياء كثيرة وبدقّة عالية، بدقة مزعجة، لم يكن ليستمر أحد بلحظاته بسلام لو انتبه لها. بحسرة تذكّر أن ذلك أيضا قد يعني بأنّ الجميع كان يتجاوزه وهو يحدّق ببطء. هزّ رأسه قليلا، كأنه صعق بماء بارد، خفق قلبه بقوّة وبدأ يتلفّت، هل انتبه أحد له؟ انتبه أحدهم، لكن المشي كان كافيا ليلقيه بعيدا عن ذهنه. 

وصل الى مكان يستريح فيه، يبدو أفضل من السابق. "العالم أضيق مما يبدو" قال ذلك وهو يشعر بأنّ المقهى الصغير أوسع من هذا العالم الذي تركه خلف ظهره وفتح الباب، كان خشبيّا كما يحبّ، المكان ليس مليئا بالزجاج وهو ما يحتاجه، الزجاج يجعله في حالة ترقّب دائمة لانكسار أي شيء. يريد مكانا يجلس فيه ليس بعيدا عن الجميع وله بعده الخاص؛ كيف لمكان كهذا أن يوجد في مكان صغير؟! جلس بدأ يشعر أن هذا المكان أفضل وأنه أصبح أفضل، مسلمّا نفسه للموظفين الذين بدأوا يقيدونه بابتساماتهم وبدأ بنفسه يشدّ القيد أكثر مع كلّ ابتسامة رضى يبديها، رغما عن شعوره بالضيق من هذا المكان فجأة في أعماقه لحين تسمح له الفرصة بالهروب من هذا المكان. 

الأربعاء، 22 يوليو 2020

-٢٤-

لا أستطيع أن أبتعد عن قدمي، كما لا يمكنني أن أهرب من تفكيري. لم أكن أعاني من التصاق قدمي، بل أني شعرت بالقشعريرة وأنا أشاهد أشخاصا فقدوا أقدامهم بفعل الألغام. لا شك أنهم لم ينسوا أخر وخزة شعروا بها في تلك الأقدام. لو أنّ ما أود الهروب منه مثل قدمي كيف يمكنني الهرب بلا قدماي؟ كيف أهرب من التفكير إلا أن أفكر بشيء آخر أجد نهايته تقود إلى ما أهرب منه. 

كان يجدر بهذه الفكرة المكتوبة أن تمزق وترمى في سلة المهملات. لكن كيف يمكنني رمي الأفكار؟ أتخيل دماغي سلة كبيرة مليئة بمثل هذه الأفكار. لهذا أعامل دماغي كسلة للمهملات. أتذكّر حديث طالب هندسة يقول: بأنّ كل المحذوفات تبقى إلى الأبد داخل أجهزة الميموري، مهما حذفتها فإنك لا تستطيع أن تحذفها فيزيائيا! كأنّه يتمّ حذفها  باختلاق هيئة بديلة لها.

خطّي اليوم -الذي كتبته بالورقة- جيّد اعتدت الحكم على نبضات -أيّا يكن- من خلال خطّي الذي يتغيّر دائما وفق شيء لا أفهمه بالكامل. لكني زحب زن يكون خطّي جيّدا وإن كنت في حينها أمر بحالة سيئة كالتي أمرها الآن. 

لا شيء يُمحى ولا شيء يُنسى وكلّ شيء يتراكم للأبد ونحن مثل كانسة الأرضية التي تلتفت حولها ثمّ تدسّ الأوساخ تحت السجّاد. 

يوما ما سنكتشف أن الفراغ يمكن طيّه مثل السجّاد. ويمكن بعدها أن ندسّ فيه مالم نستطع نسيانه وسينتقل عبر الفراغ الى عالم آخر.