السبت، 18 مارس 2023

الكوميديا والضحك.

 

Children in a movie theater. 1958. Wayne Miller

 

"الأرض تضحك وردا" 

رالف أميرسون

 


 أفضل بداية للحديث عن أي موضوع، البحث عن مفهومه وما يعنيه. غالبا ما يبدأ البحث بأقوال اليونانيين الذين على ما يبدو لم يتركوا شيئا إلا وأفردوا له تعريفا لمفهومه ليكون منطلقا للتفلسف حوله؛ فليس غريبا حينها أن تكون بداية الحديث عن الاصطلاحات اليونانية.


 

معنى "الكوميديا" 

بالرجوع لمختلف القواميس، نجد أنها كلمة يونانية مركبة، مكونة من:

 komos يقابلها بالانجليزية revel وتعني: "عربد"، "استمتع"، وكذلك تأتي بمعنى "قصف" !

 ōidē والانجليزية to sing ما يعني:  "غناء" أو لنقل "التغنّي".

 أرسطو في كتابه فن الشعر يقول: "أن الكوميديا نشأت من الأغاني المتصلة بالعضو الذكري وكانت تغنّى بالاحتفالات والطقوس التي تخصّ الخصوبة" وبشكل أوسع "على الرغم من أن أصل الملهاة (الكوميديا) القديمة غامض، فإن الدور الذي لعبه الكورس [جوقة الإنشاد] يعتقد أنه جاء من أداء المطربين الأثينيين.. مجموعة من المغنين كانوا يرقصون ويغنون ويمتعون الحضور بهزل فاحش ونقد شخصي لما يبدو أنه كان من طقوس الخصوبة ويحتمل أنه متصل ببداية عبادة ديونيسيس.. يُعتقد أن مساهمة الممثلين في الكوميديا القديمة انبثقت عن الحكايات الهزلية التي تختلف عن حكايات المغنين بحبكتها. كانت تقدم مواقف مسلية في مشاهد قصيرة تؤديها شخصيات جماعيّة من نموذج واحد. كان أداؤهم غير محتشم لأن هذه الحكايات كانت لها علاقة بطقوس العضو الذكريّ"[1] وما أغرب أن يحمل المعنى بإحدى تشعباته مصادفةً عبارة "قصف"؛ الكلمة التي نقولها بتعبيرنا العاميّ "قصف الجبهة"، وأن يوحي أرسطو الى الأصل الجريء للكوميديا. 

للكوميديا صور متعددة مثلاً، في المسرح اليوناني القديم أشتهر أرسطوفانيس، الحكايات القديمة والفلكلورية، ونجدها بمدوّنات الإغريقي ايسوب وما جمعه وترجمه عبدالله بن المقفع من قصص كليلة ودمنة، وبالقصص المؤلفة والمكتوبة  غرغانتوا وبانتاغرويل لرابله على سبيل المثال. لا يوجد شعب لا يحمل إرثا كوميديا، سواء كان فلكلوريا أم أدبيا. وأكثر الصور الكوميدية شهرة ما جسّد بطريقة تفاعليّة وحركيّة.

 

فسيفساء تصوّر الأقنعة التي كانت تستخدم بالمسرحيّات قديما

 


النكتة :

 الحديث عن الكوميديا يقودنا للنكتة، والتي يمكن اعتبارها فنّ شعبيّ، بالعادة قصّة قصيرة هدفها إضحاك الآخرين لأسباب عدة، ومنها: إدخال البهجة والسرور على المستمعين، السخرية والتشفّي، إيصال حكمة ورسالة مبطّنة. ومن معاني عبارة "نكتة" باللغة العربيّة: الأثر أو العلامة، سواء كانت خفيّة أم ظاهرة. وهي فعلا تترك أثرا وعلامة على المستمع. في الأعمال الأدبية، تظهر النكت في شعر الهجاء، يندر أن تجد بيتا هجائيّا لا يحمل في طيّاته غاية لإضحاك الآخرين. نجده بالشعر العربي الجاهليّ والإسلامي، إلا أنه يبدو أكثر وضوحا وإلحاحا بالأخير، من خلال أبيات الأخطل وجرير والفرزدق، وصولا إلى أقذع حالاته، مع شعراء العصر العبّاسي ومن بعدهم. ومن أشهر أشعار الهجاء المُضحكة شطر بيت شهير لحسان بن ثابت -رضي الله عنه- "جسم البغال وأحلام العصافير"، كأن الشطر بتناقله على الألسن احدى صور الـ MEME الشهيرة. وظهرت النكتة من خلال الشخصيات الأدبيّة، الخياليّة والواقعيّة، بالتراث العربي مثلاً، جحا وشعيب. 



مكانة الكوميديا 

 الكوميديا وحكايات الضحك حاضرة كثيرا بقصص الملوك والحكّام، حيث بدوا من خلالها أقرب الى طباع سائر الناس. تزخر كتب التراث العربي بقصص الظرفاء من أدباء وشعراء وغيرهم. ورُوي بالأثر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- متى وكيف ضحك، وتناولت الشريعة الإسلاميّة الضحك وآدابه، إذ نهي فقهيّا عن الكذب في سبيل إضحاك الآخرين، وفي حديث رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- :"كثرة الضحك تميت القلب"، ذلك يعني أن الضحك وما يجلبه بالكوميديا والنكت لا يخلو من الذمّ بظروف. بعيدا عن التراث العربيّ، تواجد المهرجون في قصور الحكّام الأوروبيين. ولعلّ أشهر صورة تحكي لنا تواجد مهرّج في حضرة أحد الحكّام، ما صورته لوحة ستانزيك، 1862م  للرسام البولندي يان ماتيكو، وهي تحكي قصة المهرج ستانزيك، الذي شاهد بالصدفة خريطة تصف الوضع العسكريّ لبولندا. نرى المهرج يجلس بعيدا عن ضحكات النبلاء واحتفالاتهم، بوجه متجّهم، بعد أن هاله ما تعكسه الخريطة من كارثة تنتظر بلده الأم. لعل هذا يظهر لنا إلى أي مدى يمكن أن تكون الكوميديا حاضرة بكلّ المستويات والأزمنة، وبمختلف الظروف، بما في ذلك أحلكها. وإلى أي مدي يمكن أن تكون معبّرة وبقسوة. كوسيلة، حاول الملوك من خلالها العودة لطبيعتهم البسيطة، والاطلاع على البسطاء. وحاول العامة تسلية حكامهم لنيل الحظوة والمكافآت، ومن خلالها نصح الحكماء ملوكهم، ومثل هذه الحالات رويت في كتب التراث مثل الأغاني للأصفهاني  و العقد لابن عبدربّه. وظلّت الكوميديا قناة فعّالة ومرنة -إن كانت غير رسميّة- للاتصال والتواصل بين مختلف الطبقات، من ملوك وحكام ورعيّة، قوّة ناعمة تفرض هيمنتها بميل البشر الطبيعيّ للكوميديا. بدونها كان يمكن أن يغدو الانسان أكثر انعزالا عن غيره، وتصبح الحواجز بين الطبقات الاجتماعيّة أكثر إحكاما. ومن خلالها تأمل الانسان كثيرا سلوك الحيوانات والطبيعة، ونرى كيف أسقط الانسان سلوك الحيوانات في قصصه الفلكلوريّة والطريفة؛ مثلاً، نجد الأسد بجبروته، والثعلب بمكره، والذئب بدهائه، ولعل أكثر الانطباعات رسوخا عن سلوك الحيوانات في الأذهان نابعة من تلك القصص. 


Stańczyk by Jan Matejko 1862

 



جرأة الكوميديا:

يتصرف البشر فيما بينهم وفق واعد سلوكيّة، تخلق سياقا يسيرون عليه،  والضحك غالبا ما يكون خروجا لحظيا وعفويا من هذا السياق، يخلق ترويحا عن النفس والأفكار. بعبارة أخرى، كأن أحدهم يرخي قليلا ربطة عنق الرسميّات عن أنفاسه. لذلك له طابع متمّرد على كل السياقات، ومن خلاله يمكن تمرير أكثر الرسائل جرأة وبذاءة. في أعمال الانمي اليابانية، كثيرا ما خالطت لقطات الإيروتيك تعابير كوميدية، تنعكس برسم الأوجه الشاخصة بنهم، وعلى العينين رسم قلوب ورعاف بالأنف. كثيرا ما رويت النكات السياسيّة في ظلّ أكثر الأنظمة السياسيّة قسوة. وتكمن براعة النكتة في الخروج من المسار والسياق بطريقة بهلوانيّة، تجلب الرضى رغم الانتقاد.

 سانجي من One Piece يمكن فهم الإشارات الكوميدية ومدى جرأتها من خلال العناصر الموجودة بالصورة.

الكوميديا، واحدة من أكثر وسائل الخروج عن السياق أمانا. مرّرت من خلالها أقسى تعابير النقد، على المجتمعات والشعوب والأعراق. مثلاً عبارة nigga  غير مقبولة إطلاقا، إلا من باب النكتة وفي الأعمال الكوميدية، وعلى نطاق ضيق بالتعامل بين الناس مباشرة. بحكم أن الأعمال الكوميديّة -كما نفترض- تحمل رسالة هادفة، في حين لا يحمل التعامل المباشر رسائل هادفة غالبا. وكما نعبّر عاميّا "مزحة برزحة"، ما الذي يجعل الخروج باستخدام الكوميديا والنكتة مقبولا أكثر من غيره؟ "لقد كان أرسطوفانيس معلما وشاعرا كوميديا. نقده الذي لا رحمة فيه للحركات الفكريّة والسياسية وقادتها قد أراد منه أن يقنع الأثينيين بتعديل سياساتهم العامة. كتب كل مسرحيّاته تقريبا حول مشاكل وأشخاص محليين. في مسرحياته بذاءة كبيرة. بتحويل أفكاره الأساسيّة الى مسرحيات، فإنه يستفيد من كلّ وسيلة ليدفع الناس الى الضحك. بتفوقه بالكوميديا الساخرة والحكايات الهزليّة إنه سيد الكلمة المسرحيّة، يعرف القيمة الكوميدية للقول المناسب والنهاية غير المتوقعة. كثير من نوادره لا تحكى بل تمثّل."[1] حتّى أنه بالضحك أو التعابير الكوميدية، يمكن للأشخاص القفز للوصول الى الآخرين والتفاعل معهم، ونسمّي ذلك كسرا للحواجز.

إذا سألنا أنفسنا عن نسبة النكات البذيئة التي نتذكرها، سنجد أن لها حضورًا لافتًا بين ما يتداوله الناس ، وتحظى بقبول لا بأس به. وعلى عكس الحكايات البذيئة التي تتطلب مناسبة محددة لسردها، فإن النكتة قادرة على تجاوز القيود؛ فهي موجزة ومباشرة، تقدم فكرة سريعة وتثير ضحكًا فوريًا يحظى بالتسامح.

 

التسامح مع الكوميديا 

في رواية أيام سدوم المائة والعشرون، حاول ماركيز دو ساد  بوصفه للرغبات الوصول لأقصى حالات اللغة تعبيرا ، وملامسة أعلى سقف للرغبات. بالخيال وصل أبعد مما وصله بازوليني في فيلمه Salo. وفي الأعمال الفنيّة، حاول الكثير من الرسامين رسم مشاهد ايروتيكية طافحة بالرغبات، وبطبيعة الحال واجهها النقّاد بعنف، ولنا أن نتخيّل لو أن نتفا من تلك المشاهد المرسومة تم تناولها بإطار كوميدي، كما نجدها بأعمال الياباني تاكاشي موراكامي، أجساد لشخصيات كرتونيّة منفوخة الأعضاء، كأنها أخذت من انميّ hentai ولكن بوضعيّات مضحكة. كانت المبالغة في الوضعيات المضحكة لا المثيرة. قد يبدو المجون حادّا ومنفّرا، وسيبدو أقلّ حدّة وأنعم إن ظهر بإطار كوميدي وساخر. في كلا الحالتين يمثّل ذلك انفلاتا، ولكون انفلات الرغبات غير محبّب، سيغدو أكثر تقبلا بالحالات الكوميديّة، كاستخدام مشهد إباحيّ أو صورة لممثل أو ممثلة اباحيّة بإطار كوميدي في MEME ساخر.


الـ MEME كظاهرة معاصرة

 كما نعرّف الكلام باللغات بأنها: أصوات منبّرة، كإشارة تحمل دلالة بين المستمعين. والأحرف عبارة عن: رسم يشير لتلك الأصوات، ويمكن تركيبها لتغدو كلمة، ومثلها إشارات الضوء والتلغراف، بنمط معيّن يمنحها دلالة للتواصل بين متلقين. أيضا الـ  MEME صورة تمثّل إشارة مركّبة لها دلالة بين المتلقّين -خصوصا- وسائل التواصل الاجتماعيّ. وكأي وسيلة تواصل وُجدت وليدة ظرف معيّن، فإن الـ MEME اختلقت لتختصر الكثير من العبارات على متلقّي يقلّب صفحات الانترنت سريعا؛ فلا وقت له للقراءة والتمعّن بعمق وجديّة. وبطبيعة الحال، الظروف تساهم في تجسيد طرق ولغات التواصل بين البشر وفق الاحتياج، مثل لغة الاشارة والتلغراف، وحتّى طريقة التواصل بين المساجين بقرع القضبان، واستخدام أدخنة النيران قديما للإشارة بين الناس من مسافات بعيدة، والـ MEME في عصر ازدهار وسائل التواصل الاجتماعيّ. ما يلفت النظر أنها أخذت كثيرا طابع النكت والكوميديا، وهو ما يُفهم أن ذلك ما يتطلبه الظرف وحاجة المتلقّين لتلك اللغة وقت فراغهم. صورة، لكن بدلالة مستحدثة على دلالتها الأصليّة. لغة محكيّة، مثل أي لغة، تبدأ بإشارة اعتباطيّة يفهمها سكّان وسائل التواصل الاجتماعيّ، ويصعب قليلا أن يفهمها أشخاص بعيدون عنه. ما الذي يعنيه كون الـ MEME لها طابع كوميدي بفهم مشترك. ولماذا اختار الناس في حساباتهم الافتراضية، تعابير كوميدية للتواصل؟ ما قد يدلّ على أن الكوميديا والنكتة طبيعة بشريّة ذات فهم مشترك، قد تشبه بجوانب في طبيعة وجودها اللغة نفسها.

وبتعريف آخر الـ MEME عبارة عن صورة لها دلالة نمطيّة، استحدثت لها دلاليّة إضافية خارج السياق. ولعلّ واحدة من أقدم أشكال MEME، الرسومات الزخرفيّة، الموجودة بالنقوش القديمة والرسومات القروسطية، صور لوحوش خرافيّة وكائنات بجسد مركب من عدة حيوانات، وفي رسومات بعض الفنانين اليابانيين، صور مخلوقات أسطوريّة، أحيانا بأعين جاحضة مخيفة، لكنها تخفي شيئا من الطرافة والسخرية، لدرجة أنها رغم رعبها فهي قد تسرق ضحكة ساخرة من فمك. وتحمل بعض كتب القرون الوسطى الأوروبيّة، رسومات مضحكة وطريفة، ربّما في أكثر كتبها تعنّتا، تصوّر الشياطين والوحوش بأشكال غريبة، وبوضعيات مضحكة ومشينة، بعضها حيوانات ترتدي ملابس بشريّة، تذكّرنا بلوحات الرسامين، هيرومينوس بوش (1450-1516م) وبيتر بروغل (1525-1569م)، وما تحمله من صور طريفة ومضحكة وإن كانت تصوّر الجحيم والعذاب. 

بوصف تلك الأشكال، قد نقول بأنها كائنات مركبة أو مشوّهة. ولاننسى أن خيطا رفيعا يفصل بين الأشكال المرعبة والمضحكة، والأشكال المشوّهة قد تحمل تعابير فنيّة بعيدة عن الهزل، مثلاً، لوحات بيكاسو وفرانسيس بيكون. وقد يرتعب الأطفال أحيانا من بعض وجوه الشخصيّات الكرتونيّة الطريفة. بالأساس أشكال غريبة، لكنها أصبحت طريفة، بفضل السياق المُحدث بإطار محصور. ولعلّ هذا ما يصنع الطرافة بالأشكال الغريبة، السياق في الإطار المحصور خلال فكرة طريفة. والسياق مع الإطار المحصور، يكوّن الفهم الذي ينبغي أن يبنى كمعنى طريف وفكاهيّ. ومثل هذا البناء لا يكون إلا بفهم جماعيّ، يتشكّل بصورة قريبة من تشكّل المفردات والمصطلحات. ولعلّ أشهر ما يمكننا الاستشهاد به، MEME معركة جودزيلا وكينج كونج و القط الأبيض الشهير على طاولة الطعام. الفهم الجماعيّ يكمن في السياق المضاف (قد تكون صورة مُحدثة أو عبارة) بالإطار المحصور المتمثّل بالصورة الأصليّة للـ MEME. المعركة بين إثنين والكلب دخل فجأة، العبارات المضافة بصورة القطّ. 

 
احدى الرسوم القروسطيّة بأحد الكتب


meem مشهد المعركة في فيلم Godzilla Vs Kong


صورة من مسلسل The Real Housewives of Beverly Hills أصبحت باستخدام العبارات  من أشهر الـ MEME



الكوميديا الإبداعية

ازدهرت الكوميديا بالمسرح والأغاني الشعبيّة، بفضل أدائها التفاعلي، لكن مع جنس أدبيّ يفتقد لهذا التفاعل كالرواية مثلاً، تصعب الكوميديا. قد يسهل تأليف الروايات المأساويّة، لكن الكوميديا والخروج من السياق يتطلّب رشاقة وخفّة، أو ما نسميه "حسّا فكاهيا". يصعب تصوّره بلا حركة وتفاعل إلا ما ندر، مثلاً، رواية "الجندي الطيّب: شفيك"، تعتمد الفكاهة على المفاجأة، كطبيعة الخروج من السياق، لهذا لا تكفّ ابتسامتك عن الارتسام فجأة، وأنت تقرأ عن الطيّب شفيك. 



الكوميديا السوداء

 أو ما نقول عنه "المضحك المبكي". خروج حاد -لكنه خاطف- عن سياق الواقع. المسألة ليست جمعا للأضداد؛ فالضحك ليس نقيضا للبكاء، وإن بدا كذلك، وإلا لكانت الكوميديا السوداء أسهل. فجمع الأضداد ينتج غالبا حالة بروز ملفتة لجمع النقيضين كما قال شاعر "اليتيمة"

فالوجه مثل الصبح مبيضّ

والشعر مثل الليل مسودّ

ضدان لما استجمعا حسنا

والضدّ يظهر حسنه للضدّ

ولو عومل الضحك كنقيض للبكاء، وأنتج من خلال هذا المفهوم عمل كوميدي، سيبدو مبتذلا. ولكونهما غير نقيضين، إبرازهما معا، بما فيهم من حديّة، تشبه ما يفعله الطباخون بإضافة الملح إلى الأطعمة الحلوة بمقدار قليل يساهم في إبراز حلاوة نكهة الـ salted caramel مثلا. عمليّة جمع لطبيعتين مستقلتين من تفاعلات النفس البشريّة، والجمع بينهما بقالب واحد بمقياس محكم صعب، لكنه ينتج عملا عميقا وفي غاية الذكاء، وهو ما تبدو عليه الكوميديا السوداء.  في فيلم كوبريك A Clockwork Orange، اقتحم أليكس منزل امرأة مسنّة كانت تمارس الرياضة في غرفة مليئة بالقطع الفنيّة الحديثة، أغلبها خليعة وإيروتيكيّة، حاولت المرأة ضرب أليكس بتمثال نصفي لبيتهوفن، في حين أمسك أليكس بقطعة فنيّة حديثة، وبدأ الشجار بالقطعتين على وقع سيمفونيّة بيتهوفن التاسعة، الفنّ الحديث ضدّ الفن الكلاسيكي. 


 لقطة فيلم A Clockwork Orange



هل الكوميديا بذاتها فنّ؟

 تبدو أقرب إلى ذلك، لنقل أن الحسّ الفكاهيّ موهبة. لكن ما إن يُمنح إطارا فنيّا إلا ويغدو عملا نسمه بالكوميدي. والمبدعون والأذكياء ذوي الحسّ الفكاهيّ على ندرتهم، يحوزون على سحر خاص، مثل فولتير ومارك توين. الحسّ الفكاهيّ شيء لا يمكن تعلمه، ولم يدرج في الأذهان وصف المضحكين والكوميديين بالذكاء. ولو أن للذكاء سمة كوميديّة عندما يقترن بالغدر والخداع، كما يروي الانسان بفلكلوره القصصي عن تصرّفات الثعلب الذكيّة، الذي يبدو أن لديه ذكاءً يخرجه قليلا من سياق طبيعة الحيوانات وسلوكياتها الاعتيادية، لهذا ربط الثعلب كثيرا بالشياطين بمعتقدات عدد من الشعوب[4]. ولو كان لنا أن نتساءل قائلين: هل يمكن للروبوت (الذكاء الاصطناعيّ) أن يكون مضحكا وذا حسّ فكاهيّ؟ قد نتخيّل أي ابداع للذكاء الصناعيّ، إلا الإضحاك والكوميديا، يصعب تصوّر أن شيئا في غاية الإتقان والدقّة، قد يخرج عن السياق المصمّم له. ولو تخيّلت وسيلة لاختبار وفحص انسان آلي، إذا كان روبوتا (ذكاء اصطناعي) أم لا، لاخترت الضحك والإضحاك، بدلا من سلسلة الأسئلة المنطقيّة، التي تعمل للكشف عن البشر الآليين، كما شاهدناها مثلاً، في فيلم Blade Runner (1982).

إن أردنا، كيف يمكن أن ينتج الذكاء الاصطناعي الكوميديا والنكت؟ ما ينتج عن الذكاء الاصطناعي عادة، معطيات تستند إلى منطق مستخلص من الخوارزميات، وبيانات يمكن تحليلها للوصول إلى استنتاجات وتوقعات منطقية، ما يجعله قادراً على معالجة مشاعر مثل الحزن، وإن كان بدرجات محددة. فالحزن يمكن توقّعه وفهم أسبابه، بينما يظل الحسّ الفكاهي لغزاً يصعب التنبؤ به، إذ يعتمد على عنصر المفاجأة الذي يولّد الضحك. لا يمكن بناء قصة كوميدية على حدث واحد يتطور بشكل متسارع، مثل كرة الثلج التي تكبر تدريجيًا، كما يحدث في حالات الحزن. ففي حين يعتمد الحزن على سلسلة من التطورات التي يمكن التنبؤ بها وتراكم المشاعر، فإن الكوميديا تقوم على سلسلة من المواقف المضحكة التي إذا توقفت، زال أثرها سريعًا. هذا يتناقض مع الحزن الذي يظل قائمًا بعمق وبُعد زمني. للكوميديا طابع ابتكاريّ أكثر من الحزن، ما هو مُحزن عند شعب ما، حتما محزن عند باقي الشعوب. لكن ما هو مضحك عند شعب ما، قد لا يُضحك شعوبا أخرى بالدرجة نفسها. وقد تزداد المسألة تعقيدا، فالنكتة يتفاوت مفعولها من راوي الى آخر. ومفهوم ما هو مضحك أوسع بكثير من ما هو محزن. ما هو محزن يُبنى ضمن قصّة أو حكاية، في حين أن ما هو مضحك يمكن أن يكون تصرّفا أو تجسيدا، شيء لحظيّ لا امتداد منطقيّ له. ومن خلال ذلك، قد نتخيّل الذكاء الاصطناعي يبني حكاية أو حدثا كوميديّا، لكنه لن يكون إلا اجترار أو استنساخ لصيغ فكاهيّة سابقة. من يملك حسّا فكاهيّا لا يستطيع أن يعلمها لغيره، بل إنه لا يملك لها معرفة ولا نتخيّل أن ينتهي حسّه الفكاهيّ، يمكن فقط أن نتخيّل روبوتا ذو حسّ فكاهيّ، شريطة استقباله البيانات مثل الانسان، بحواسه وانتباهه لردود الأفعال والتلميحات، و ماينتجه من تفاعل خاص ومباشر. الذكاء الاصطناعي يعتمد على المحاكاة، وتعتمد الكوميديا على الإبداع. 

 


 الضحك

الضحك  استجابة طبيعية للفرح أو المفارقات. لقد اهتمت الأدبيات البشرية بعلاقة الضحك بالمفارقات، حيث يُعتبر الضحك في بعض الثقافات، مثل الثقافة الروسية، دليلاً على قلة الأدب إذا كان بلا سبب. لأن الضحك فعل تفاعلي، فإن رواة النكت قد يضحكون أكثر من المستمعين. لكن أكثر النكات تأثيرًا هي تلك التي تثير ضحك المتلقي دون حاجة لتفاعل من الراوي. من جهة أخرى، فإن سرد النكات كتابةً يكون تحديًا، إذ تكون أكثر فعالية عندما تُروى شفهياً من قِبل شخص يتمتع بقدرة على الأداء، حيث تُعزز نبرات الصوت وحركات الجسم من التجربة. يبدو أن للضحك جذورًا عميقة في النفس البشرية، ورغم فهمنا لكون الضحك والنكات أفعالًا تفاعلية، إلا أن نقلها في إطار محدود، مثل النص المكتوب، يُعد مهمة صعبة، كما تفعله عبارات مارك توين بكتبه. وكم تبدو العبارات المضحكة والطريفة عميقة بلسان الفلاسفة، الذين يقلّ عندهم الطابع الكوميدي، إلا من باب النقد، و تكون لاذعة وبليغة بامتياز، مثل عبارات نيتشه الناقدة للألمان والعبارات السياسيّة اللاذعة للأديب والفيلسوف الفرنسي فولتير. ولفهم الغاية لمثل تلك العبارات "يمكن وضع حدّ فاصل بين النقد والإهانة المباشرة، يكمن الاختلاف في ذكاء التقديم الذي يعتبر سمة هامة للنقد إن هذه حقيقة نفسية و ليست تقليدا أدبيا. نستطيع أن نتحدّى أو نشتم الأشياء التي نخافها لكننا لا نضحك عليها. أن تضحك على شيء دليل على إحساس الضاحك بالتفوّق" [2]



الضحك شعور  أم فعل؟

هل سمعت أحدهم يقول (دون أن يضحك فعلاً) : أضحكني قول فلان، أو ضحكت من تصرف ذاك؟ ولو أنه فعليّا لم يضحك، أي لم يصدر ذلك الانفعال والذي نسمّيه الضحك. هل يصحّ أن نقول بأن الإنسان يضحك في قلبه؟ (من داخله)، عدا عن حالة الرغبة بالتعبير عن الفرح والابتهاج، بقوله أنه ضحك، دون أن يصدر منه ذلك التفاعل، كإثبات وجود الفرح والابتهاج بضحكة افتراضيّة. كثيرا ما يعبّر الضحك الافتراضي عن التندّر، كردة فعل مناقضة لما هو مفترض، أو ضحك يحمل طابع التفاعل مع الكوميديا السوداء، "ضحكت في داخلي" و "أنا من داخلي أضحك"، هل هو ضحك حقيقيّ؟ وهل خلق تفاعلا كيميائيا داخل الجسد، بما يجسّده من شعور كما يفعل الحزن وغيره من المشاعر. الضحك وما يمثله من تفاعل وانفعال (شعور)، يحمل طابعا أكثر فجائيّة ولحظيّة من الحزن، الذي يبدو أحب كثيمة يتم تناولها بالابداعات البشريّة، من قصص وأشعار وخرافات. لحظات الحزن أطول أمدا من لحظات الشعور بالضحك، لذا يمكن تأملها ووصفها أكثر. في حين يصعب الإمساك بلحظات الشعور بالضحك، وبالتالي تأملها. كأن الحزن صورة ساكنة في حين يبدو الضحك صورة متحرّكة وخاطفة. 


 "إذا ضحك المرء فعلى الآخرين، وإذا بكى فعلى نفسه"

مثل هنديّ [3]

 


جذور الضحك، متى ضحك الإنسان أو مرة؟

 هل تعلّم الانسان الضحك، ومعها تعلّم ما هو مضحك (الكوميديا)؟ يسهل إضحاك الأطفال أكثر من غيرهم، ويسهل إبهارهم و خداعهم، وكأن هناك صلة بين عمر الإنسان وسهولة إضحاكه. أيملّ الانسان مما كان يضحكه؟  وتزداد صعوبة إضحاكه وتقلّ  بتقدّم الانسان بالعمر؟  كأن في الأمر خدعة! كأن ما يضحك الانسان ليس إلا شيئا نجح بخداعه. يمكننا القول بأنّ الضحك يحمل شيئا من بقايا طفولتنا. ولنا أن نسأل باعتباطيّة، كيف سيضحك الروبوت لأوّل مرة وهو لم يكن طفلا في يوم ما؟

 


الختام: هل الحس الفكاهي ملَكة؟

كيف لصاحب الحسّ الفكاهي معرفة ما يضحك الناس؟ وكأنه فهم لنفسيّات البشر وتفكيرهم. ولكونها -كما سنفترض- مَلكة، فهي ليست قائمة على سلسلة من العمليّات التحليليّة وتنتهي باستنباط دقيق، بل إنها أقرب إلى الحدس. لهذا يمكننا القول بأن من يملك حسّا فكاهيّا، لديه حدس كوميديّ دقيق أكثر من غيره. 

يظل ما هو مضحك (الكوميديا) موضوع يصعب فهمه وتناوله. يمكن اسقاط أوصاف كثيرة لوصفه، ومن ثم دراسته. كأن نتخيّل أن الكوميديا عمل يحاكي الجانب الخلفيّ لتفكيرنا، والجانب الذي لانرغب أن يمثلنا ونُعرف به ونُختزل في داخله. ولكنه سيظل جانبا نحبّ من وقت لآخر الهرب إليه، كمساحة مريحة من ثقل وعبء الحياة وجديتها.

 

---------------------

الهوامش:

[1] ليليان هيرلاندز، ج. د. بيرسي، ستيرلنج أ. براون، ترجمة محمد الجورا، دار الحقائق للطباعة والنشر والتوزيع.

[2] نفس المصدر السابق.

[3] روحي البعلبكي، موسوعة روائع الحكمة والأقوال الخالدة، بيروت: دار العلم للملايين.

[4] مارتن والن، (٢٠١٠)، الثعلب التاريخ الطبيعي والثقافي، ترجمة ريم الذوادي، أبوظبي: كلمة للنشر والتوزيع.

 

 

 

 

السبت، 7 يناير 2023

الأعمال الكلاسيكية بعيدا عن الذكريات (بعد التعديل)

 أحيانا أتساءل هل من عاش الانميات "الكلاسيكية" على الفيديو والتلفزيون وبقت كذكريات قادر على لمس مواطن الجمال فيها بعيدا عن اعتبارها ذكاريات؟ مقارنة بمن بدأ مشاهدته لها متأخرا وعلى الانترنت ويرى فيها انميّات قديمة ومع ذلك يحبّها فهو لا يحمل تلك الذكريات التي قد يطغى وجودها على الحكم بجماليّة الانمي. 


كل شيّء يتغيّر:




بدءا بالكوميديا التي كانت بالسابق تعتمد كثيرا على الأوجه المطاطيّة كماهي في "نينجا: كابامارو" وصولا الى التعابير التي وجدتها مختلفة ولم أفهمها إلا مع الوقت بمسلسل "ماروكو الصغيرة"، ظهور الخطوط على الوجه في حال الاستغراب والاستنكار بالإضافة الى قطرة العرق الفريدة والتي يعرفها حتما مشاهدي الانمي. هل هذا التغيّر يعني اندثار التعابير القديمة أو الاسلوب االقديم في التعبير؟ 

 


أغلب المسلسلات الكرتونيّة التي شوهدت بالتلفزيون والفيديو عربيّا كانت قديمة في موطنها ربما أقدم بعشر سنوات أو أكثر. لهذا لا يمكننا الحكم على العمل بإعادته للفترة الزمنيّة وفق سنة الانتاج إلا عندما نتحدّث عن صناعة الانمي كصناعة ولكن  بالحديث عن تشكّل الأذواق والآراء عندنا، يهمنا بالدرجة الأولى سنة عرضها ودبلجتها، ما يعني ميلاد تشكّلها في ذائقة المشاهدين. 

 

الأسلوب يتغيّر تبع الأذواق -وأشياء أخرى الحديث عنها قد يكون مملا- والتقنية تتطوّر تبع الزمن. بفضل التقنية بالإمكان تصوير المشاهد البهلوانّية لتروس التحكّم في "هجوم العمالقة" بحركات أكثر مرونة من مقاتلي النينجا بالانميّات القديمة. "ون بيس" المسلسل الذي لا ينتهي لا تشبه حلقاته الأولى حلقاته الأخيرة لا أسلوبا ولا تقنيّا وهذه أكبر نقطة ضعف في الانمي من وجهة نظري فهو لم يعد قطعة واحدة أو one piece بل بات يشبه مسخ فرانكنشتاين. 

 

هل تتابع الأعمال مواكبة لأسلوبها أم لتقنيتها؟

 لأسلوبها يعني أنك تتذوّقها، ولتقنيتها يعني أنك تستخدمها وتستمتع بها، وغالبا وبنسب مختلفة لكلا السببين معا نتابع الأعمال. التقنية بعد أن تصبح قديمة قد تصل الى حدّ انتهاء صلاحيّتها ويفقد العمل بسببه مقدارا كبيرا من بريقه. لكن الأسلوب بعد قدمه هل تنتهي صلاحيّته؟ ومتى تنتهي صلاحيّة العمل أسلوبا أو تقنيّا؟ تقنيّا الإجابة أسهل جرّب نفسك هل تستطيع متابعة فيلم سينمائي صامت؟ (قديم) أما الأسلوب يمكن أحيانا في ظروف معيّنة يتم استعادته وإعادة إحيائه. 

 

هل للانميّات صلاحيّة؟




كثيرا ما ينظر لتلك الأعمال باعتبارها قديمة ولا تصلح بوجود الانميات الحديثة وباعتبار أن مافيها من رسوم وحركات وتعابير وأساليب لا تمتّ للوقت الحالي بصلة إلا كذكريات. حسنا عرضت تلك الأعمال بعد انتاجها بسنوات عديدة، أي أنها عرضت بعد أن أصبحت قديمة فعليّا دون أن ندرك ذلك ولكن حينما نتحدث كمستهلكين أو مستخدمين لا كمحبين سننظر للعمر الحقيقي للمنتج على أنه عمر استخدامه الفعليّ، وبسبب طبيعتنا الاستهلاكيّة ننظر للأشياء بتعاقبيّة مستمرّة. الانمي في نظر من يراه كمنتج استهلاكيّ يكون قديما ومنتهي الصلاحيّة حال الانتهاء منه ليس لكونه فقط أصبح قديما أسلوبا وتقنيّا. وفي نظر من يراه كعمل ابداعي ومحبّ يمكن أن يكون قديما ولم تنتهي صلاحيّته. يراه الأوّل كمادة مستهكلة -لها عمر استخدام- أو علكة لذيذة ينتهي طعمها سريعا ويُلقى في سلّة الذكريات وعندما يتحدّث عنها بحبّ يحكي عنها كذكريات جميلة لعلّ هذا ما جعلنا نرى العبارة المغلوطة "الزمن الجميل"؛ جميلة لأنها أصبحت ذكريات. يصعب الخلاص من شرك الذكريات حتّى لمن نظر اليها كعمل ابداعيّ لن يخلوا حديثه من لذة الذكريات لهذا قد يكون أقلّ تمييزا لروعة الأعمال من الذي شاهدها بعيدا عن اعتبارها شيئا جميلا يتذكره.  

 

بالنهاية هي أعمال جميلة أكثر من كونها ذكريات والأعمال الابداعيّة ليست سلع مستهلكة تنتهي بعد الاستخدام. توجد عبارة ولو أنها تستخدم أحيانًا بابتذال الا أنها تصف هذه الأعمال بدقة وهي "تحفة" أي عمل يبقى رغما عن أنف الأسلوب والتقنية. صحيح التقنية أحدثت فرقا واضحا بات بالإمكان انتاج عمل بقصة عادية ومع جودة الإخراج يصبح عملا مبهرا الأمر الذي لم يتوفر كثيرا بالانميات القديمة لهذا نجد ثقلها في القصة أكثر.


الى هنا انتهي وأجمل مافي النقاشات عن الانمي وعالمه بروز مصطلحات خاصة تدور في فلكها وان شابها لبس إلا أنها مفهومة مثل "كلاسيكية" و "الزمن الجميل" و الكلمة التي يستخدمها كثيرا محبوا الأفلام السينمائية "تحفة".  


 

 

 

 

الاثنين، 5 ديسمبر 2022

بين سيمبا وكيمبا وهوية الحيوانات الناطقة بعالم الانمي

 

الكثير من أعمال ديزني الأيقونة استمدت من أشهر الموروثات العالميّة لكن عملها الأكثر أيقونيّة (الأسد الملك) لم يؤخذ من الموروث العالمي مثل: الأقزام السبعة وعلاءالدين وهرقل وماوكلي بل من عمل كرتوني ياباني (كيمبا: الليث الأبيض) على أن ديزني مصرّة على أصالة حكايتها وأنها لم تأخذ العمل الياباني. الموضوع مثير للجدل وأجد أن للعمل أصالته رغم ما تخلله من أخذٍ واضح لبناء مختلف المشاهد والأفكار المرئية أكثر من القصة وهي أسد يملك مملكة وينظّم الحيوانات فيها كرعيّة في حين لا تشبه مملكته كثيرا مملكة (كيمبا:الليث الأبيض).

 

 

بالبداية:

منذ الصغر درج على سمعي أن الأسد ملك الغابة أما النمر سيّد الغابة -ولا أذكر أين سمعت ذلك- حينها بالكاد كنت استوعب الفرق بينهما الى حدّ وصفه بدقة، لكن مع كرتون "ماوكلي فتى الأدغال" و"شيريخان" المأخوذ اسمه من "شير" وتعني نمر باللغة الأوردية أو الفارسية و"خان" التي تعني ملك بلغة المغول والترك وكما أن العرب قديما حينما تقول ملك يختلف معناها نسبيّا عن كلمة ملك بلغة شعوب أخرى وعندما يقول المغول والترك ملك فهي تعني ملك بمفهوم خاص. خان ملك أقرب الى الملكيّة القبليّة وكأن "شيريخان" ملك النمور يختلف كليّا عن الأسد الملك الذي يعني ملكا للغابة وسكّانها من الحيوانات. شيريخان وأن عنى اسمه ملك فهو كما يوصف بالمسلسل الكرتوني "الخارج عن القانون" D: ومن غير المعقول أن يقال عن الأسد الذي هو ملك لمملكة خارج عن القانون وإن كان شريرا في مملكته وبالتالي يمكن أن نستوعب أكثر معنى أن يكون النمر ملكا بلا مملكة بل على بني جنسه ولعل اللقب الذي درج بذاكرتي "سيّد الغابة" قريب له ويعني أنه متسيّد الغابة بقوّته لا بشرعيّة مثل الأسد الملك لهذا لا يمكن تخيّل مشهد التتويج الشهير لسيمبا على طفل لشيريخان. 

 

 

ملك الغابة:

بهذا الفهم يمكننا الانطلاق بقصة "كيمبا: الليث الأبيض" الذي ينظم مملكته ويشرّع قوانينها ؛ الليث الأبيض يمنع الصيد وأكل اللحوم ! D: من هذا القانون الطريف تعرف مدى طرافة حكاية الليث الأبيض والأحداث. إلا أن حكاية كيمبا معقّدة لوجود العنصر البشريّ الغائب تماما عن "الأسد الملك" لهذا سهُل فيها ابتكار القصّة وترتيب الأحداث؛ وريث للعرش يفقد عرشه بمؤامرة من عمّه ويرجع لاستعادته لاحقا. العنصر البشريّ غائب لكن الطبيعة البشريّة حاضرة وبقوّة. 

 

 


مالذي أخذه الأسد الملك من الليث الأبيض؟:

إضافة الى الاسم كيمبا/سيمبا. أغلبها مأخوذات بصريّة، الصخرة المطلّة وان كانت بمشهد هامشيّ في الليث الأبيض لكنها معلم بارز في الأسد الملك وهي تشبه كثيرا صخرة ماوكلي فتى الأدغال التي يصعد فوقها زعيم الذئاب. "سكار" الأسد الأعور ويوجد أسد أعور في الليث الأبيض. قرد الماندريل مستشار الليث الأبيض وهو بهذه الصفة القريبة موجود بالأسد الملك وغيرها من المعالم البصريّة. العديد من شخصيات الليث الأبيض موجودة في الأسد الملك، الضباع الشريرة وهي غالبا بهذه الصفة في مملكة الأسد، كريهة حتى بطريقة قتلها الوحشية. كلها أشياء مثل هذه لكنها لا تؤثر كثيرا على صلب الحكاية بل دعّمتها ويمكنني القول بصورة أوضح أن "الأسد الملك" استفاد كثيرا من عمل "كيمبا:الليث الأبيض".     



كيمبا: الليث الأبيض :

كليلة ودمنة عالم الكرتون الحكاية التي أدخلت العنصر البشريّ قدر الإمكان كما هو في ذهنيّة الحيوانات. كائن مدمّر وأناني وطمّاع ومرعب بآلاته. في الليث الأبيض وفي افريقيا نجد الأشكال توحي بقوّة الى الخلفيّة التاريخيّة. دائما ماكان البشر البيض في الحكاية بملابس المستعمر وبندقيّة الصيّادونجد الأشكال السمراء، الوجوه الافريقيّة بألوان ملابسها الفاقعة وأشكال توحي بالبدائية القبليّة حيث تفهمها وتعيش الحيوانات بقربها لكنها ما إن تأتي مع الرجل الأبيض كتابع أو كمسخدم لأدواته (قنابل يدويّة، بنادق، سياط) نجده ينقلب الى ذلك الكائن المرعب أو إنسان العصر الحديث، انسان أواخر القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين. للانسان الافريقي في حكايات الليث الأبيض بطبيعته الافريقيّة عدة حكايات يغيب عنها ذلك الطابع الملتبس والمنفّر لوجود البشر قرب الحيوانات. حلقات مثل قصّة الانسان الذي يقاتل الفهد وذريّته وزعيم القبيلة الذي رغب باصطياد الليث الأبيض -ويبدو أنه بحكم الملابس من الماساي- والكاهن الذي تكرر ظهوره في الليث الأبيض. بمقدمة الحلقة الأولى من الجزء الثاني مقدمة بليغة وصارخة عن افريقيا، تعطي أحسن فكرة عن هذا العمل.

 

صور من مقدمة الحلقة الأولى:



 
صورة تمثل مختلف الأجناس في افريقيا

 
 غزو المدن للغابات

 
بعد الاستقلال وبملابس غربية
 

الانسان الأبيض في الليث الأبيض، كل ما يمكن أن يرمز للاستعمار موجود بالصورة

 

الأسد الملك : 

العمل حسّي بامتياز، بصريّا لا يُنسى مشهد القطيع الذي كاد يدهس سيمبا والمشهد الأوّل والتحليق بعين الطائر "زازو" الى الاطلالة التي يقف بها "موفاسا" بانتظار حيوانات مملكة وأغنية Circle of Life بالمشهد وصولا لجملة "هاكونا ماتاتا". تلك الأدوات هي ما يميّز أعمال ديزني ويبرز الجهد والاتقان أكثر من القصّة التي وان كانت جميلة لا تذكر كثيرا بالحديث عن الفيلم بخلاف المشاهد والأغاني كقطع منفصلة بني العمل منها. لهذا مهما أخذ العمل من الليث الأبيض من أفكار بصريّة فإنّ القيمة الأكبر في اعادة انتاج ذلك بإتقان أكثر. لا تهتمّ القصة كثيرا بالقضايا الحيوانيّة مثل قصص الليث الأبيض بل إنها قريبة منّا نحن البشر وتشبه كثيرا ما أُثر من حكايات الملوك وما يحيط بهم من دسائس ورغم الغياب الكامل للشخصيّة البشريّة عن العمل إلا أن القصّة تشبه الطبيعة البشريّة كثيرا. الإخراج والمونتاج والموسيقى والتي فيها اسم لامع مثل هانس زيمر كلهّا خدمت القصّة وان طغت عليها قليلا. وتظل بداية الفيلم مع الأغنية واحدة من أشهر البدايات على الإطلاق.


بداية "الأسد الملك" :



 

تجسيد الحيوانات في قصص بشريّة:

 صحيح يصعب تأليف قصة عن حيوانات تتحدث دون أن تشبه ولو قليلا البشر بعاطفتها -فاللغة سمة بشريّة- ويزداد الشبه بارتدائها للملابس الانسانيّة مثل الكثير من الأعمال الكرتونيّة مثل "سنجوب" وتصبح بشريّة بالكامل بوقوفها علي قدميها مثل "السبع المدهش"، إلا أن الشخصيّات في "الأسد الملك" ورغم تجريدها من الملابس - بالأساس هل هي بدونها متجردّة D: - في عاطفتها وحواراتها وأفكارها تشبه البشر كثيرا أكثر من شخصيّات "ماوكلي: فتى الأدغال" مثلا ولعل شخصيّات ماوكلي أصبحت حيوانيّة أكثر لوجود البشر بالعمل الذي خلق حدّا فاصلا في حين ساهم غياب الشخصيّات البشريّة بجعل شخصيّات "الأسد الملك" تشبه البشر أكثر واعطت العواطف فرصة أكبر للاستحواذ على اللحظات بغياب أي ازعاج من وجود عنصر بشريّ يشوب العمل، لهذا يمكن ببساطة إعادة تجسيد قصة "الأسد الملك" باستخدام شخصيّات بشريّة، سواء في مملكة غربية أو شرقيّة. الحديث عن مسألة تجسيد الحيوانات أوسع من أن ينتهي ببساطة.


بالنهاية:

قصص الليث الأبيض أجمل وأوسع، بطبيعة الحال أوسع لكونه مسلسل وحتّى لو أختزلت الحكاية في فيلم ستظل القصة أشمل وأجمل ويظل الأسد الملك يستمدّ أغلب روعته من جمال الإنتاج. "كيمبا: الليث الأبيض" فيها قصص تستحق المشاهدة كثيرا؛ غاية في العمق والغرابة وولاّدة للأفكار. حلقات كثيرة منها يمكن أن يطول ويطول الحديث عنها. الانسان فيها يمثّل بعقليّته انسان العصر الحديث (أواخر القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين) الذي بلغ فيه قمّة عنفه اتجاه الحيوانات؛ بسببه دفع العديد من الحيوانات نحو حافة الانقراض. ليجيء الانسان الأحدث وإن كان رحوما مقارنة بسابقه إلا أنه منذ بدأ بتحويل حدائق الحيوانات القفصيّة لحدائق سفاري بدأ يتجه لتحويل الغابات إلى حدائق/محميّات وكأنها عمليّة قتل رحيم لطبيعتها - يبقى منها إلا أعدادا تصلح كتذكار وعيّنات- والسؤال هل ستشبه هذه الحدائق مستقبلا غابة سيمبا أم الليث الأبيض؟       

الأحد، 25 يوليو 2021

الأفلام استديوهات سيميائية: العالم الذي جسّده فيلم Blade Runner 2049

 



Blade Runner 2049

إخراج الكندي: دينيس فيلنوف (٢٠١٧)

مخرج أفلام Prisoners (2013) و Arrival (2016). الاستمرار على هذه الوتيرة من الأعمال مذهل وأكثر شيء يشدّ الانتباه جمال الألوان والصور في أفلامه.


 يمكن الانتباه الى أن الفيلم بنى أغلب تجسيداته من أعمال سابقة بالذاكرة. الجميل أن الفيلم أكمل ما يمكن أن نسمّيه ما بدأ به السابقون في تصوّراتهم وتجسيدهم للعالم وهو على مشارف الفناء حتّى استعادة السيطرة عليه من خلال قوى خارقة. أعداد لا حصر لها من الأفلام تحدثت عن الدمار ونهاية العالم يمكن أن تستشفّ مدى تشابه مخيّلة المخرجين عند النظر الى أوجه الشبه بين عوالمهم. هذا الفيلم لم يقدّم تصوّرا موازيا بقدر ما يمكن اعتباره بأنّه أكمل البناء على نحو أفضل


-فيلمي Demolition Man و Equilibrium -


احدى علامات التشابه بأفلام أخرى بطل الفيلم الذي يتجوّل بحثا بالقصّة يذكّرنا كثيرا ببطل فيلم Equilibrium (2002)  ويمكن العثور على العديد من العلامات كلما أعدنا استذكار أفلام أكثر ونصل الى حقيقة قد تخبرنا بزحد الأسباب أن أغلب شركات الانتاج والاستديوهات والمصممين زملاء عمل ومهنة ويشاركون بصنع مختلف الأفلام ناهيك عن تأثير مجتمع صنّاع الأفلام الحيّ والذي يملك -حتما- تصوّرا جمعيّا للعديد من الأمور لهذا نجد نسقا متينا يشبه بعضه بالأفلام والبروز منه صعب ويحتاج الى تفرّد يجيده كثيرا مخرج هذا الفيلم. 


نعود الى بناء عالم الفيلم والذي يشكّل بنهاية المطاف الاستديو الخيالي لأحداث القصّة. حتّى بأفلام الفضاء الشاسع يبدو عالم الفيلم ضيّقا فالمشاهد محصور بما يشاهده لا بمايعرفه. كل فيلم عبارة عن مسرح/استديو سيميائيّ مغلق وان كان واسعا فبالمعنى والايحاء لا بمساحة استديو التصوير بالواقع. ما يميّز هذا الفيلم هو الشعور باتساع عالمه لا من خلال نقل المشاهد لمساحات واسعة ومفتوحة ففيلم 2012 (2009) نقل المشاهد الى مناطق جغرافيّة مختلفة لكنه ظلّ محصورا رغم وجود سياقين للقصّة في نفس الفيلم وكذلك لوس أنجلوس في فيلم Demolition Man (1993) لوس أنجلوس تبدو محدودة في حين أنها واسعة كثيرا في هذا الفيلم الذي لم يصوّر مناطقها الداخليّة كثيرا. 

العالم في هذا الفيلم بسعته يشبه الذاكرة والتي تبدو لا نهائيّة وعميقة بسبب معالمها المشوشة التي تبقى في غاية الاتساع بفضل محاولات الاستعادة والتأمل . في أحد مشاهد الفيلم حديث جميل عن الذاكرة مع شخصيّة تملك مؤسسة لصنع الذاكرة التي يتمّ غرسها في البشر المنتجون مخبريّا. وبالحديث عن البشر الموازون للبشر الطبيعيين تعود ذاكرتنا لتلك الكائنات التي صنعناها بالأفلام لتشبهنا أو لتخدمنا لكنها انتهت الى عذاب لا ينتهي ما إن تدرك مصيرها أو ماهيّتها في هذا العالم وكيف أنها ليست مثلنا لا تملك ذكريات ولا لحظة فناء تشكّل هويّة دائمة لها مثلنا نحن البشر. رجال آليين شاهدناهم يعانون رغم آليتهم بالأفلام.ولعل أشهر فيلم تعامل مع هذا الجانب مشروع كوبريك الذي أخرجه سبيلبيرغ

 A.I.Artificial Intelligence (2001) 

صبي شعر بالمعاناة بعد أن أدرك أنه آلة وليس بشرا، مثلما نعاني نحن من تحسّرنا لأنّنا لم نلد كما وأين ما نتمنّى. أما كيف تلعب تلك المخلوقات دورا مصيريّا في مصيرنا وعن ذلك التوجّس الذي ينتابنا من مخلوقات صنعناها نحن البشر فهو يبدو واضحا في فيلم I, Robot (2004) -كالعادة الأمثلة كثيرة ولا تنتهي ويوجد ماهو أحسن منها لكن لا يمكن حصرها-. في فيلمنا مزج بين هذين الأمرين بشكل مؤثّر، تشعر بأنّ القصة بنت على أجمل الجوانب مما نملكه من قصص سابقة. أكثرت الأفلام بالحديث عن المشاعر والعاطفة والحب لكن هذا الفيلم ركّز على ماهو أعمق، الذاكرة. 

 

-قلعة هاول المتحركة-




السيارات الطائرة والمباني المهيبة والسدود التي تحجب المحيط بأمواجه الهادرة بفعل اختلال البيئة والمركبات المخيفة، وكل تلك المعدات والمنشآت بنيت بالفيلم بصورة جماليّة وذات أثر بليغ بالمعنى. الجمال في كل تلك المجسمات والمباني والألوان  توحي بأنّ كل لقطة ومشهد تمّ تصويرها لتبدو عملا فنيّا. لا يمكن الاستهانة بشكل الآلات والمنشآت وأثرها بالأفلام.  ولو أردنا تذكّر بعض الأفلام التي أبدعت في تجسيد ذلك لوجدنا الأمثلة تبدأ من أفلام الفضاء والأفلام التي تتحدّث عن المستقبل. بعض النماذج المجسمّة قد تصبح أيقونة لفيلم كامل وأشهر مثال سفينة فيلم Titanic (1997) الكل منبهر من تجسيد ضخامتها بالفيلم و مثال من عالم الانمي "قلعة هاول المتحرّكة" لميازاكي لا يمكن أن يفلت شكل القلعة من ذهنك عند مشاهدتك الفيلم. أيضا لا يمكن الاستهانة بالأشكال والأشياء التي يتمّ بناؤها للظهور في بضعة مشاهد في فيلم، بل إنها أحيانا تأخذ جزءا كبيرا من ميزانيّة الانتاج كما حدث بالمركبة الفضائية بفيلم كوبريك

 A Space Odyssey:2001 (1968)  

 

-مشهد الحديقة الافتراضيّة من مسلسل (عدنان ولينا) وهنا يبدو عدنان ولينا وعبسي مدهوشين من وجود البشر يلعبون في الحديقة حولهم ولم يكونوا إلا صورا هولوغراميّة-


-الحديقة الافتراضيّة بالفيلم-


يوجد مشهد مبهر وجميل وهي الحديقة الافتراضيّة، الفيلم يتحدّث عن انقراض الغابات والأشجار لهذا وُجد من أنشأ حديقة افتراضيّة تروّح عن روحه. تلك الحديقة تذكرنا بحديقة البرج في القلعة بالمسلسل الكرتوني "عدنان ولينا" صنعت هذه الحديقة أيضا لنفس الغرض ولأننا نتحدّث عن بناء من مكوّنات وأساسات من ذاكرة عالم الأفلام، هل شاهد فيلنوف "عدنان ولينا" ؟ أكاد أجزم بأنّه لم يشاهده على الإطلاق؛ لكننا كبشر وإن كنّا نبني تصوّراتنا وخيالاتنا على ذاكرتنا وللبشر تجربة مشتركة لا شكّ أننا سنبني أشياء متشابهة بطريقة أو بأخرى. حتّى في تكويننا كبشر ولو اعتبرنا ذلك جزء من تجاربنا سنفهم أكثر كيف أننا قد نلتقي كثيرا بتصوّراتنا عن أبعد الأمور من الحديقة الافتراضيّة الى أساطير النشوء وحكاية الطوفان والتي اشتركت فيها شعوب لم تلتقي ببعض ومع ذلك لها تصوّرات مشتركة في العديد من المسائل. وكأن لنا تصوّرا جمعيّ.

 



يمكننا أن نتخيّل الفيلم كقصّة جميلة لكنها مثّلت في مسرح خلاب وفي غاية الروعة ومبهر بكل الإمكانات والتقنيات. كل ذلك الوهج كان مسلّطا على القصّة نفسها لهذا أتت بهذه الروعة. 

 



البناء الذي جسّد عالم الفيلم هو أقرب مافي الفيلم من كمال ولو أنّ عالم المشاعر في الشخصيّة الأساسيّة بالفيلم مؤثر للغاية وحكاية الذاكرة من أروع ما جسّد في عالم الأفلام؛ ولم يتم اعتصار مشاعر ولحظات الشخصيّة الى حدّ الابتذال. كذلك لا يمكن نسيان بعض زوايا المشاهد والتي أخذت بطريقة فنيّة ومعبّرة




 ومشاهدة لا تُتنسى

   

السبت، 10 يوليو 2021

إجراءات سفر .

*



وصل باكرا لكنّه يشعر بأن الوقت يخنقه ويكاد يُلقي به بيد الموظفين للخارج.  قبل انهاء اجراءات السفر يلازمه شعور مزعج بأنه نسي شيئا. رغم امتلاء جيوب ملابسه على غير العادة وكأنه حشر فيها قبل اخلاء غرفته كل ما يمكن حمله ويسهل نسيانه. الجميع جيوبهم فارغة وهو يمشي وفي جيبه الأيسر نتوء مزعج.

يحاول إخفاء شعوره بالثقل بابتساماته التي يوزعها للمارة، خاصة للبزّات الرسمية.

بهو فسيح وأصوات تدوي تنادي بالأسماء والأرقام في كل مكان. كم هو مزعج أن تصطاد عينه نظرة فاحصة في هذا المكان المتّسع. يجرّ حقيبته ويعجل في مشيته برتم ثابت هربا من تلك الأعين ويغضّ طرفه هربا من الاصطدام بإيماءة توقفه. يحسّ بأنه تحت سلطة كل الأشخاص الذين يحيطون به.

أخيرا يصل الى بهو آخر بجانبيه سلسلة من مكاتب إنهاء اجراءات السفر، كلها مرقّمة بلوحات بالأعلى وأغلبها خالية من الموظفين. ثلاثة صفوف بشريّة اصطفّت لإنهاء الاجراءات. كانت تلك الصفوف واثقة الى درجة أحس معها بقلّة فهمه وبدت على معرفة تامة بكلّ ما تتطلبه اجراءات السفر، وإن كانت روتينية لكنه شعر بأنّها بحاجة الى درجة عالية تعوزه من الذكاء.

ما الذي تعنيه كل تلك الأرقام؟ لا يجد أي شيء منها في أوراق سفره!

الأعين التي انتبهت اليه تشعره بأنّه اقتحم المكان عليهم. يحسب كلّ خطوة يخطوها الى أعماق البهو. ويحاول الانتباه الى أية ردّة فعل من الجميع تنبئه بخطأ ما. مشهد تحديق الجميع اليه يربكه.

أي رقم؟ أي صف؟ أيّ موظف عليّ أن أقف أمامه؟ يتوغّل عمقا، لم يقرر بعد، التوتر يقوده، كما لو أنه يمشي على حبل معلّق بالسيرك والكل يحدّق به. وهو يسير الى حيث يقوده.

ينتبه الى أنه يكاد يصل الى نهاية البهو بالطرف الآخر، دون أن يأخذ صفّا أو أن يقف أمام أحد الموظفين. الخوف من الحرج يجعله يجنح الى أقرب مكتب. يقف أمامه وكأنه يأخذ صفّه أمام مكتب خالي من الموظفين! ولا أحد يصف خلفه. واقف بكلّ اتزان أمام المكتب الخالي بانتظار انهاء اجراءات سفره. 

يدرك بأنه علق وحيدا في هذا الجرف. ولا يستطيع اخراج نفسه. يكاد يلتفت لكنه يمتنع . حتما أعين كثيرة تحدّق في هذا المعتوه الذي يقف وحيدا وكأنّه بالصفّ  



 

 ________

* Gueorgui Pinkhassov